islamaumaroc

عالمان جليلان: ابن الكتاني الفندلاوي وابن عبد الكريم التميمي الفاسيان.

  محمد الفاسي

العدد 262 جمادى 1 و2 1407- يناير/ فبراير 1987

نشرت دعوة الحق في عددها 259 سنة 1407-1986 صفحة 26 مقالا للبحاثة المطلع الأستاذ محمد ابن شريفة حول كتاب "المستفاد لابن عبد الكريم التميمي"  وحقق نسبه لهذا العالم، وقد كنت ألقيت محاضرة في الإذاعة المغربية منذ إحدى وأربعين سنة، ونشرت بعد ذلك في مجلة "الثقافة المغربية"، وبينت فيها خطأ نسبة هذا الكتاب إلى ابن الكتاني الفندلاوي، وأثبت بحجج دامغة هذه النسبة، وفي يلي ترجمتا هذين العالمين حيث أوردت فيهما معلومات قيمة عنهما.

ابن الكتاني الفندلاوي
وممن نبغ في هذا العصر الموحدي الثاني، عالم أصولي متكلم، تخرج على يده جلة علماء ذلك العصر، وهو أبو عبد الله محمد بن علي ابن عبد الكريم الفندلاوي المعروف بابن الكتاني، من أهل فاس. كان يرحل إليه طلاب العلم من كل الأقطار المغربية والأندلسية، كما نرى ذلك في تراجمهم، ومن ذلك قول صاحب الصلة في ترجمة أبي الحسن الشاري السبتي الذي سندرسه في وقته : " ورحل إلى مدينة فاس فلازم بها الأصولي الجليل الورع العالم أبا  عبد الله محمد بن علي بن عبد الكريم الفندلاوي المعروف بابن الكتاني، وتفقه عند في علم الكلام وأصول الفقه وغير ذلك(1).
ومنهم أيضا الشيخ الجليل أبو الحجاج يوسف بن عبد الصمد(2) وهو من أهل فاس.
وأبو العباس الشريشي السلوي صاحب الرائية.
وأبو الحسن ابن القطان وغيرهم.
وقد ذكر منهم عددا وافرا ابن عبد الملك المراكشي في الذيل والتكميلة.
ولقد لقيه ابن عربي الحاتمي أيضا في رحلته إلى فاس، وذكره في الفتوحات، وقال عنه : إنه إمام من أئمة المسلمين في أصول الدين (انظر الجزء الرابع الباب 463).
وقد وصف ابن الكتاني كل من ذكره بأنه كان آخر أئمة المغرب في علوم الاعتقاد، وكان زاهدا في الدنيا معرضا عنها وعن أهلها، على سنن أهل الدين والفضل، كما قال ابن الزيات في التشوف(3).
وقال صاحب مفاخر البربر"ومن أعلام علماء البربر عبد الله بن محمد(4) بن علي الفندلاوي كان أوحد أئمة أهل المغرب فيما أخذ عن ابن عمرو الأصولي من علوم الاعتقاد"(5).
وقد اعتبره من مفاخر البرابرة، لأنه وإن كان من أهل فاس فإن أصله من قبيلة فندلاوة الزناتية، وكانت منازلهم بالقرب من فاس بقبيلة بني يازغة، وكانت لهم هناك قلعتان منيعتان إحداهما كان يقال لها : "قلعة بني يوسف" والأخرى "قلعة فندلاوة" وفي محلهما الآن القرية القريبة من فاس المسماة "المنزل". وكانت قلعة فندلاوة من أول ما فتحه المولى إدريس الأول سنة 173 هـ وبقيت قائمة إلى زمن يوسف بن تاشفين، فهدمها عند غزوه للشمال المغربي.
وقد انتسب كثير من المشاهير إلى هذه القبيلة أو القلعة الفندلاوية، سنذكر منهم بعد هذا العالم الرياضي الكبير، ابن الياسمين.
وكان ابن الكتاني هذا الذي نحن بصدده يقرض الشعر، وقال عنه ابن عبد الملك المراكشي : " وكان متحققا بعلم الكلام، متقدما في معرفة أصول الفقه، ذا حظ صالح من علوم اللسان وقرض الشعر، وله رجز مشطور مزدوج في أصول الفقه مستنبل(6)، ومن شعره هذان البيتان :
ومـا أبقـى الهــوى والشـوق منـي              سـوى نـفـس تـردد فـي خيـال
خفيـت عـن المـنـيـة أن  تـرانـي               كـأن الــروح منـي فـي مجـال
واختلف المؤرخون في سنة وفاته ما بين ستة وثلاث وتسعين وخمسمائة وستة وثمان وتسعين وخمسمائة(7)
وذكر صاحب القرطاس أن أمير المؤمنين شهد جنازته.
والذي يتبادر إلى الذهن أولا أن أمير المؤمنين هذا الذي حضر جنازته هو المنصور وتكون وفته سنة خمس وتسعين أو قبلها وهي سنة وفاة المنصور.
وذلك لما نعلمه من اهتمام الخليفة الموحدي الكبير بالأولياء والصالحين واعتقاده فيهم كما صرح بذلك عبد الواحد المراكشي في المعجب، وكرر الإشارة إليه، ومن ذلك قوله : " ولما خرج إلى الغزوة الثانية سنة اثنتين وتسعين وهي الغزوة التي كانت بعد الوقعة الكبرى التي أذل الله فيها الأذفنش وجموعه وأعز الإسلام وأنصاره، كتب قبل خروجه إلى جميع البلاد بالبحث عن الصالحين والمنتمين إلى الخير، وحملهم إليه فاجتمعت له منهم جماعة كبيرة كان يجعلهم كلما سر بين يديه فإذا نظر إليهم قال لمن عنده : " هؤلاء الجند لا هؤلاء " ويشير إلى المعسكر"(8).
وقال قبل هذا : "وانتشر في أيامه للصالحين والمتبتلين وأهل علم الحديث صيت، وقامت لهم سوق، وعظمت مكانتهم منه"(9).
إلا أن ابن عبد الملك المراكشي يحكي لنا أن المنصور حاول ملاقاة ابن الكتاني وسعى في ذلك، ولم ينجح في مسعاه، وخرج من فاس آخر مرة قبل وفاته بدون أن يلقاه، وفصل الخبر عن هذه المحاولة مصـدرا ذلـك بقوله : "وكان المنصور من بني عبد المومن قد رغب أن يكون من طلبة مجلسه فما قدر عليه البتة".
وعليه فيترجح أن الذي حضر جنازته هو الخليفة الناصر وقد كان بفاس سنة 597 هـ وأوائل سنة 598 هـ، ونحن نعلم أنه كان يقلد والده المنصور في جل أحواله، فلا غرابة أن يكون قد حضر جنازة هذا العالم الجليل ويكون تاريخ وفاته كما عند صاحب التشوف وعند ابن عبد الملك المراكشي وهما أقدم المصادر عن ابن الكتاني " 14 من ذي الحجة سنة 597 هـ.
وأما ما في جذوة الاقتباس لابن القاضي من أن أبا دبوس أمير الوقت حضر جنازته فهو مجرد وهم وخلط، إذ أبو دبوس هذا آخر الخلفاء الموحدين وما بويع إلا نحو السبعين سنة بعد وفاة ابن الكتاني.
وكما وهم ابن القاضي في الخليفة الذي حضر جنازة ابن الكتاني، التبس عليه ابن الكتاني نفسه بعالم آخر من أهل هذا العصر نريد الآن أن نتعرض له، وهو الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن عبد الكريم التميمي من أهل فاس أيضا.

ابن عبد الكريم التميمي
ولد ابن عبد الكريم التميمي بفاس، وبدأ دراسته بها على علمائها، ثم توجه إلى سبتة وأخذ عن مشايخها، ثم تاقت نفسه إلى التزيد من المعارف خارج مسقط رأسه ووطنه، فقص المشرق وأقام هناك مدة طويلة نحو الست عشرة سنة، وأخذ عن أبي الصبر أيوب الفهري، وأبي القاسم الشاطبي وأبي الطاهر السلفي الذي كان يقيم بالإسكندرية ويرحل إليه من كل الأقطار الإسلامية للرواية عنه، لأنه كان أكبر علماء الحديث في وقته، وقد عمر طويلا، ولا تخلو فهرسة أو برنامج ألف في هذا العصر من ذكره، وكان هو الرابطة القوية بين المشرق والمغرب، إذ كان كل من يقصد الحج من العلماء، يقف بالإسكندرية عند ذهابه للبقاع الشريفة أو رجوعه منها إن كان من أهل المغرب، ويشد إليه الرحلة من الحجاز بعد قضاء الفريضة إن كان من أهل العراق أو الشام أو غيرهما من البلاد المشرقية، فيتلاقى عنده أهل كل الأقطار الإسلامية.
وأخذ ابن الكريم التميمي بالمشرق والمغرب عن عدد كبير من الشيوخ، ذكر أكثرهم ابن عبد الملك المراكشي في الذيل والتكملة واستوعب أكثر من صفحتين في مجرد سرد أسمائهم.
وبعد هذه الرحلة الطويلة في طلب العلم رجع ابن عبد الكريم التميمي إلى فاس وأخذ في نشر العلم وتأليف الكتب القيمة التي لم يحفظ لنا مع الأسف إلا على أسمائها، وأشهر من أخذ عنه بفاس الصوفي الكبير محي الدين ابن عربي الحاتمي، وقد ذكره في كتابه الفتوحات المكية، وأخبر أنه كان إماما بمسجد "عين الخيل" وكان يسمى إذاك "المسجد الأزهر" لكثرة من كان يلقي به العلم ويتلقاه من كبار الرجال، وهو مسجد عتيق لا يزال قائم الذات في المحل المسمى "عين الخيل" ويصعد إليه بدرج، وقد ذكر ابن عربي أيضا شيخه هذا في كتابه "روح القدس".
وممن أخذ عنه ابن فرتون صاحب الذيل في الصلة، وسنتكلم عنه في العصر الموحدي الثالث إن شاء الله.
وأما تآليف ابن عبد الكريم التميمي فأهمها على ما يظهر من موضوعه، وما ينقله عنه ابن الآبار في التكملة، وابن القاضي في الجذوة، وهو كتاب "المستفاد في مناقب العباد بمدينة فاس وما يليها من البلاد".
قال ابن عبد الملك المراكشي في "سفرين" وقد كان هذا الكتاب موجودا إلى أواخر القرن الحادي عشر حيث نقل عنه ابن القاضي عدة تراجم، إلا أنه يعتقده لابن الكتاني الفندلاوي الذي تكلمنا عنه آنفا، ولما ترجم له في الجذوة نسبة له، وأما ابن عبد الكريم التميمي فإنه لم يترجم له مطلقا كما تنبه إلى ذلك صاحب سلوة الأنفاس وتعجب منه قائلا : "مع شهرته وجلالته وتقدمه، والإحاطة لا تمكن إلا لله عز وجل"(10).
ولاشك أن ابن القاضي كان يظنهما شخصا واحدا. وإنا لا نرتاب في نسبة المستفاد لابن عبد الكريم التميمي، حيث إن ابن عربي الحاتمي ذكر أنه قرأ عليه قائلا : "سمعنا عليه هذا الكتاب بقراءته أظنه سنة مات بفاس"(11).
وكما نسبه له تلميذه ابن فرتون على ما في الجذوة نفسها ولم ينتبه له مؤلفها(12).
وقد رأينا أن ابن عبد الملك المراكشي ذكره له أيضا وهو الذي استوعب أخباره خصوصا ذكر أشياخه وتلامذته وتأليفه.
ويظهر من التراجم التي تلقاها ابن القاضي وابن الآبار عن المستفاد أن ابن عبد الكريم لم يقتصر في هذا الكتاب على ذكر العباد كما ورد في اسم الكتاب، وإنما أثبت فيه كل من كان يتسم بالخير والفضل سواء من المنقطعين إلى العبادة والخلوة أو العلماء المدرسين وغيرهم.
ومن تآليف ابن عبد الكريم "ثبته" الذي ترجم فيه لكل شيوخه بالمغرب والمشرق وسماه "النجوم المشرقة في ذكر من أخذت عنه من كل ثبت وثقة" وقد ذكروا أنه اختصر منه مجلدا لطيفا.
ومن تآليفه التي هي من قبيل الأدب المحض حسب ما يظهر من اسمه : "رسالة البرهان في ذكر حنين النفوس إلى الأحبة والأوطان" . ولاشك أنه ألفه لما كان مقيما بالمشرق في غيبته الطويلة.
ومن مؤلفاته أيضا : "بستان العابدين وريحان العارفين في ذكر أهل الصفوة والانقطاع إلى الله بالخلوة"، وهذا تأليف خاص بأهل التصوف لاشك أنه جرده من كتابه الكبير "المستفاد" وزاد عليه من لم يكن من أهل فاس ونواحيها.
ومن ذلك : "اللمعة في ذكر أزواج النبي (صلع) وأولاده السبعة".
ومنها : "التعزية في المصائب المزرية" و "المنتقى في بهجة المجالس وزاد الحاج في مناسك الحج"(13).
وهذه ثمانية مؤلفات في مواضيع مهمة مختلفة زيادة على كتبه الحديثية والصوفية التي لم يصلنا منها ولا ورقة واحدة، وهذا أقصى ما يمكن أن يبلغ إليه الإهمال وعدم الاكتراث عفا الله عن سلف أمتنا.
وقد توفي ابن عبد الكريم التميمي رحمه الله بفاس سنة ثلاث أو أربع وستمائة، وكان الأليق أن نتكلم عنه بعد ابن الياسمين الذي توفي على رأس القرن، إلا أننا قدمناه ليتسق الكلام عليه مع ابن الكتاني الفندلاوي لما بينهما من الاتصال الذي أوجبه وهم ابن القاضي.


1  صلة الصلة لابن الزبير ص 150.
2  انظر جذوة الاقتباس ص 345.
3  عن نسختنا النخطوطة.
4  وهو غلط والصواب ما تقدم من أنه أبو عبد الله محمد بن علي.
5  مفاخر البربر ص 71 وأبو عمرو هو عثمان بن عبد الله القيسي المعروف بالسلالجي (انظر الجذوة ص 289).
6  ص : 112 من مخطوط الرباط المصور.
7  فصاحب القرطاس جعلها 93 وصاحب الجذوة 95 وابن الآبار سنة 96 وصاحب التشوف وابن عبد الملك المراكشي سنة 97 وصاحب مفاخر البربر سنة 98.
8  المعجب ص 175 من طبعة سلا وانظر أيضا تمامه ص 176.
9  المعجب أيضا ص 170 وتمامه إلى آخر ص 172 وانظر أيضا ص : 173.
10  انظر سلوة الأنفاس ج 3 ص : 269.
11  الفتوحات المكية (الباب الأخير منها وهو باب الوصايا).
12  انظر ترجمة أبي عبد الله البيري ص 252، قال : وقال ابن فرون ذكره شيخنا الحاج أبو عبد الله ابن قاسم بن عبد الرحمن ابن عبد الكريم التميمي في كتابه المسمى المستفاد في مناقب العباد إلخ... 
13  وقد ذكر له ابن عبد الملك المراكشي غير هذا أربعة كتب في التصوف وهي أدب المريد والسالك والطريق إلى الواحد المالك، والإنابة في ذكر طريق أهل الاستجابة في جزأين، والإيضاح عن طريق أهل الصلاح، وكشف أحوال المفتونين عن الدنيا بالدين، وثلاثة كتب في الحديث وهي : تحفة الطالب ومنية الراغب في الأحاديث النبوية العلية السنية، والأغذية مما جاء في الحديث، والأربعون حديثا.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here