islamaumaroc

العالم الشاعر: أبو عبد الله محمد بن أحمد المكلاتي

  عبد الجواد السقاط

العدد 262 جمادى 1 و2 1407- يناير/ فبراير 1987

من العلوم أن عصر المنصور السعدي قد تميز على مستوى الثقافة والفكر – بجملة من السمات جعلت منه عصرا مزدهرا، يعرف حركة علمية وأدبية تطبعها الخصوبة والتنوع، ويميزها ما أفرزه علماؤها وأدباؤها من عطاءات وإبداعات لا تزال محط الاهتمام والدراسة إلى اليوم.
ولئن كانت جملة من شخصيات هذه المرحلة قد وردت لها تراجم في مصادر مختلفة، عرفت بها، ونوهت بمكانتها ومساهمتها في الحقل الثقافي بصفة عامة، فإن واحدة من هذه الشخصيات لم تحظ بما تستحقه من عناية ودرس، بالرغم مما كانت تتمتع به من أسباب الظهور والبروز، سواء على المستوى السياسي أو العلمي أو الأدبي، تلكم هي شخصية العالم الكبير والشاعر المتفنن : " أبي عبد الله محمد بن أحمد المكلاتي " الذي وإن عرضت له بعض المصادر، فإنها لم توفه حقه من التعريف وإثبات آثاره العلمية والأدبية، وإنما كان معظمها يكتفي بالإشارة إلى اسمه وتاريخ وفاته، مع بعض النماذج المقتضبة من إنتاجه الشعري بصفة خاصة.
نحن إذ نحاول الترجمة لهذه الشخصية من خلال النتف الواردة في تلكم المصادر، نحتاج أولا إلى استعراض هذه المصادر، قبل الانتقال إلى الترجمة التي تحاول أن تنظر في الرجل من واجهات متعددة.
فأما المصادر فيمكن تبويبها في صنفين اثنين :

1) مصادر مخطوطة، منها :
* العوائد المزرية بالموائد : للشيخ أبي عبد الله محمد بن سعيد المرغيثي(1)، حيث أورد له المؤلف أبياتا جوابية على أخرى كان المؤلف قد خاطبه بها " على شأن مشاجرة كانت بينه وبين... أبي عبد الله بن القاضي المكناسي... في الأدب "(2).
ومطلع أبيات المرغيثي :
سـائـلاه فـلـم ســلا وســلانــي          كـم سقـانيـه مـن أوان الـهــوان(3)
أما جواب المكلاتي فمطلعه :
حـدها مـن إعجـازهـا فـي البـيـان        بـلغـتـه و هـي بنـت ثــمــان(4)

* الدر المنضد الفاخر، بما لأولاد مولانا علي الشريف من المحاسن والمفاخر : لأبي عبد الله محمد ابن عبد القادر الكلالي الشهير بالكردودي(5)، حيث أورد له أبياتا في مدح المجاهد أبي عبد الله محمد العياشي مطلعها :
حديـث العلـى عنكـم يسير به الركـب  وينقـلـه في صحبـه الشـرق والغـرب(6)
كما أورد له أبياتا كان قد بعث بها إلى قاضي الجماعة بفاس علي بن عمران السلالي، عندما كان هذا الأخير سجينا، أولها :
أمـا لهـلال غـاب عـنـا سـفــور  فيجلــى بـه خطـب دجـاه يـثــور(7)
* أزهار البستان في مناقب الشيخ أبي محمد عبد الرحمن : لأبي زيد عبد الرحمن بن عبد القادر الفاسـي(8)، حيث ذكره ضمن تلامذة الشيخ المترجم له، مكتفا بقوله فيه :
"ومنهم(9) الفقيه الأديب أبو عبد الله محمد بن أحمد المكلاتي المرقع ممن سمع منه وحضر مجالسه، وتوفي سنة إحدى وأربعين وألف"(10).
* تحفة الفضلاء الأعلام، في التعريف بالشيخ أبي عبد الله البناني ابن عبد السلام : لمحمد ابن المترجم له(11)، حيث أورد أبياتا من جملة أمداحه للمولى أبي عبد الله محمد العياشي، ذكر فيها غزوة العرائش مطلعها:
ثـغـر العـرائـش ضاحـك مستبشـر        جـذلان عن هـذي الوقـائـع مخبـر(12)
* البدور الضاوية في التعريف بالسادات أهل الزاوية الدلائية : لأبي الربيع سليمان الحوات(13)، حيث أورد له المؤلف مقامة، قدم لها بقوله : "وقال في وصفه(14) الشيخ العالم الأديب أبو عبد الله محمد بن أحمد المكلاتي – رحمه الله – مقامة سماها "المقامة الزهرية في مدح المكارم البكرية" وهي في حسن بلاغتها، وعذوب براعتها، تزري ببلاغة سحبان، وبراعة بديع الزمان"(15).
وقد جاء في مستهل هذه المقامة :
"حدثنا بشر بن منصور، عن سهل بن ميسور، عن الضحاك بن نسام، بسنده عن بسام، قال : تراءت لي من الأماني الوجوه الوسام، وأنا من نشاط الشبيبة وافر الحظوظ والأقسام، لم يفتني من قواعد اللهو إلا الحجج، فأقمت من قول القائل وظائف العج والثج :
احجـج إلـى الـروض لتحظـى بــه           وارم جـمـار الهـم مسـتـنـفـرا
مـن لـم يطـف بالـروض في زهـره          مـن قبـل أن يحلـق قـد قصـرا"(16)
وبعد هذه المقامة، أورد الحوات لشاعرنا أبياتا من قصيدة قالها في مدح محمد بن أبي بكر الدلائي وهي :
جبـت الـديـار علـى مـرور زمـان           وسلكـت مـنهـا مـا نـأى والـدانـي
وسـألـت أهـل الغـرب عـن فضلائه         وخبـرت أهـل الـجـود مـن تهـلان
وبلـوت كـل الماجـديـن فلـم أجــد            لمـحـمـد فـي جـوده مـن  ثــان
إلى أن قال :
يا ابـن الذيـن رووا أحـاديـث العلـى           عـن خيـر خلـق الله مـن عـدنـان
قـوم إذا دجـت الخطـوب وأظـلمـت           و دهـى البـريـة فاجـئ الـرجفـان
تركـوا سيـوف الهنـد فـي أغمـادها            وتقلـدوا سـيـفـا مـن الـقـــرآن(17)
* ابتهاج القلوب، بخبر الشيخ أبي المحاسن وشيخه المجذوب : لأبي زيد عبد الرحمن الفاسي(18)، حيث أثبت بيتين برواية الشاعر العالم محمد العربي بن يوسف الفاسي الذي قال : "أنشدني صاحبنا الأديب الأريب  أبو عبد الله محمد بن أحمد المكلاتي بديهة – ونحن ببرج تمنطق بالجوزاء،
نهـر بـدا وسـط الـريـاض تخـالـه            مـن صفـوة مثـل الحسـام المرهـف
والغصـن بيـن تمـايـل و تعـانــق              لمـا رأى نجـل الـولـي يوسـف" (19)
كما أثبت له قصيدة أخرى برواية نفس الشاعر حيث جاء بخطه قوله : " وكتب إلي صاحبنا الأديب أبو عبد الله محمد بن أحمد المكلاتي :
يا غـزالا قد تعمـم بالصباحـة وارتدى  وزها على البدر المنير ضياؤه لما بدا..(20)
* كراسة من ديوان أحمد الحارثي الدلائي (21)، حيث أورد جامعها الأبيات النونية التي مدح بها محمد بن أبي بكر الدلائي والتي سبقت الإشارة إليها في البدور الضاوية للحوات، بعدما قدم لها الجامع محليا : " وللإمام البارع الأديب مالك أزمة المحاسن، الوارد منها منهلا غير آسن، سيدي محمد المكلاتي، مادحا لسيدي محمد أبي بكر رحمه الله :
جبـت الـديـار على مـرور زمـان           وسلكـت منهـا ما نـأى والدانـي..."(22)

2) مصادر مطبوعة، منها :
* فتح المتعال في وصف النعال : لأحمد المقري التلمساني(23) حيث ذكره المؤلف في معرض حديثه عن كتابه " أزهار الرياض في أخبار عياض " قائلا : " ولما ألفت كتابي الموسوم بأزهار الرياض في أخبار عياض وما يناسبها مما يحصل به للنفس ارتياح وللمقل ارتياض، ورسمت فيه مثال النعل المقدسة، وذكرت بعض ما قيل فيه من القوافي المؤسسة، قال صاحبنا كاتب أسرار الخلافة الشريفة المتفيئ من دوحة عزها صاحب الظلال الوريفة، الأديب البليغ أبو عبد الله محمد بن أحمد المكلاتي الفاسي – حفظه الله – مشيرا للكتاب والمثال، واصفا ذلك بصفة ضربت بإصابتها الأمثال والأطناب، وقد رقم ذلك المثال بذهب واللازوردي، فجاء في أحسن زي :
أهـذه أزهــار هــذي الــريــاض       أم هـذه غـدرانـهـا والحـيـاض..."(24)
وبعد الانتهاء من هذه الأبيات التي بلغ عددها خمسة عشر بيتا، استأنف المقري كلامه قائلا : " ووصل هذا النظم الرائق بنثر من إنشائه الذي انسجم انسجام الأنهار في الحدائق، ونصه : المملوك بقبل الأنامل، لازالت مقبلة على الآمل، ومنذ أن سمع منك أيها العلم الإشارة، وقامت عنده لعمرك مقام البشارة، انتصب على الاشتغال بوصف النعال من السيادة العلمية كفيله بالتجاوز عن ألفاظها الملفوظة المذاق، وبيوتها الخاوية على عروش الأوراق، وهو معترف بما لكم عليه في ذلك من المنن والمنح، ومشتاق إلى نظرة منكم بعين الإغضاء، اشتياق الشريف لليلة السفـــــــــــــــح " (25).
كما أورد لـه المؤلف أبياتا ثلاثة وصفها " بالأبيات الغريبة التوليد " التي أنست ما اخترعه حبيب بن أوس أبو تمام وأبو عبادة الوليد، وهي :
أتـى بريـاض فـي عيـاض و ردهـا        مظالـم كانـت قبـل معضلـة الــداء
وقاضـت بنيـل الـمـاء منـه أصابـع        و من عجـب فيـض الأصابـع بالمـاء
خليـلــي هــذي معجـزات لأحمـد  فلا تنكـرا إن ردعيـنـا إلى الـراء "(26)
* مرآة المحاسن في أخبار الشيخ أبي المحاسن : لأبي حامد محمد العربي بن يوسف الفاسي (27)، حيث أورد له بيتا من تذييله على منظومة محمد بن علي الفشتـــــــالي(28)إذ قال : " قال صاحبنا الأديب البليغ أبو عبد الله المكلائي رحمه الله في تذييله لقصيدة لصاحبنا الكاتب البليغ أبي عبد الله محمد بن علي الفشتالي رحمـه الله :
أبــو زيـد الفـاسـي شـلـو معظـم     رثـاه حديـث المصطفـى بمسلسـل" (29)
* نشر المثاني لأهل القرن الحادي عشر والثاني : لمحمد بن الطيب القــــــــادري (30)، حيث ذكره المؤلف من ماتوا عام واحد وأربعين وألف، قائلا : " ومنهم الفقيه الأديب أبو عبد الله محمد بن أحمد المكلاتي المرقع "(31) ثم أورد له في مكان آخر من الكتاب الأبيات التي سبقت الإشارة إليها في البدور الضاوية، والتي قالها في مدح زعيم الزاوية الدلائية محمد بن أبي بكر الدلائي (32)، كما أورد له في مكان غيره الأبيات التي بعث بها إلى ابن عمران السلاسي، مع إجابة هذا الأخير عليها، والمشار إليها آنفا في الدر المنضد الفاخر (33)، علاوة على إيراده بين الحين والآخر لأبيات من تذييله على منظومة الفشتالي (34).
* نزهة الحادي بأخبار ملوك القرن الحادي : لمحمد الصغير اليفرني (35)5، حيث أثبت له الأبيات التي بعث بها إلى ابن عمران السلاسي وهو في السجن (36).
* سلوة الأنفاس، ومحادثة الأكياس، بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس : لمحمد بن جعفر الكتاني(37) حيث وصفه "بالشيخ الفقيه الأديب الناظم الناثر الأريــــــــب"(38)، مكتفيا بالإشارة إلى تذييله لمنظومة الفشتالي، وإلى أنه كان تلميذا للعارف الفاسي، دون أن يعقب على ذلك بنماذج من إنتاجه.
* سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل عصر : لعلي المدني المعروف بابن معصوم(39)، الذي أشار إلى أنه كان "كاتب الدولة المنصورية وأمينها"(40) علاوة على براعته في الأدب والشعر، معقبا ذلك بالأبيات التي قالها في كتاب أزهار الرياض للمقري، والتي سبقت الإشارة إليها في كتاب فتح المتعال(41).
* ريحانة الألبا وزهرة الحياة الدنيا : لشهاب الدين محمود الخفاجي(42) حيث ذكره في معرض ترجمته لأحمد المقري التلمساني، وأورد له بعضا من الأبيات التي قالها في كتابه أزهار الرياض في أخبـار عيـاض(43).
* الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام : للعباس بن إبراهيم السملالــــــــــي(44) حيث ذكره أثناء ترجمته لمحمد بن علي الفشتالي باعتباره صاحب الذيل على منظومة الفشتالي التاريخية، مكتفيا بذكر واحد من أبيات هذا الذيل، أشار فيه لوفاة الفشتالي وهو :
شـكـا الـدر فقـد ناظـم وبكـى لـه     بكـاء مـحـب بـان عـن مـرحـل(45)
* الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى : لأحمد بن خالد الناصري(46)، حيث أورد له الأبيات التي قالها في مدح العياشي إثر الغزوة التي وقع فيها بنصارى الجديدة والتي سبقت الإشارة إليها في كتاب الدر المنضد الفاخر(47).
* النبوغ المغربي في الأدب العربي : لعبد الله كنون، حيث أورد له في باب الوصف من هذا الكتاب الأبيات الثلاثة التي وردها له المقري في فتح المتعال، والتي أولها :
أتـى بريـاض فـي عيـاض وردهـا        مظالـم كـانـت قبـل معضلـة الـداء
بعدما قدم لها بقوله : " للأديب أبي عبد الله المكلاتي في كتاب أزهار الرياض موريـــا "(48).
* تاريخ تطوان : لمحمد داود، حيث أورد له نقلا عن تحفة الفضلاء الأبيات التي مدح فيها العياشي إثر غزوة العارئش(49) وقد سبقت الإشارة إليها.
* الوافي بالأدب العربي في المغرب الأقصى : لمحمد بن تاويت، حيث أثبت نموذجين من شعره، الأول موجه إلى القاضي السلاسي المتقدم، والثاني في مدح المجاهد العياشي، كما أشار إلى مقامته في مدح محمد بن أبي بكر الدلائي(50)، غير أن المؤلف جعل وفاة الشاعر بعد 1049 هـ في حين أنهـا كـانت سنـة 1041 هـ.
على أننا نستطيع – من خلال هذه المصادر – أن نخرج بتصور، ولو كان مقتضبا، عن ترجمة شاعرنا فنكون بذلك قد رفعنا عنه بعض صفائح النسيان التي أوهنت كاهله، سواء في عهده أو العهود اللاحقة، فإذا نحن رجعنا إلى كتاب مناهل الصفا في مآثر موالينا الشرفا : لعبد العزيز الفشتالي، معاصر شاعرنا،(51) لم نجد للمكلاتي ذكرا مع أنه كان كاتب الدولة المنصورية كما يقول ابن معصوم. وكذلك الأمر إذا رجعنا إلى كتاب التقاط الدرر ومستفاد المواعظ والعبر من أخبار أعيان المائة الحادية والثانية عشر لمحمد بن الطيب القـادري(52) لم نجده مدرجا ضمن هؤلاء الأعيان بالرغم من مكانته وقدره.
وإذا كان هذان المصدران يمثلان التصانيف القديمة فإننا نلمس الظاهرة نفسها في بعض الدراسات الحديثة أو المعاصرة، حيث إننا لا نعثر عليه ضمن الشخصيات التي عرف بها محمد بن تاويت ومحمد الصادق عفيفي في كتابهما " الأدب المغربي "(53) ولا ضمن الشعراء الذين ذكرهم الدكتور محمد الأخضر في كتابه عن الحياة الأدبية في المغرب على عهد الدولة العلوية(54) من عام 962 هـ إلى عام 1074 هـ وإن كان قد تعرض لمقامه.
وعموما نقول إنه أبو عبد الله محمد بن أحمد المكلاتي المرقع الفاسي، من أسرة ذات شهرة وعلم، فقد قال صاحب السلوة : " المكلاتيون بيتهم شهير، كان منهم كتاب وعدول "(55).
ويعرف بالمكلاتي الأكبر تمييزا له عن المكلاتي الأصغر المتوفى عام 1159 هـ والذي له ذيل هو الآخر على منظومة الفشتالي(56).
ويبدو أن نشأ بفاس التي ولد بها في تاريخ مجهول(57)  وبها درس وتعلم، حيث أخذ ثقافة العصر القائمة على التنوع والتعدد، من فقه وتفسير ولغة وتاريخ وأدب. ويكفيه سعة في العلم أن يكون تلميذا للشيخ العارف عبد الرحمن بن محمد الفاسي الذي تخرج على يده جماعة من العلماء والشعراء أمثال العياشي، وابن ريسون، والزرهوني والوزير الغساني، وغيرهم(58).
ولعل نبوغه وسعة ثقافته مما أهله ليكون كاتبا في دولة المنصور السعدي، وهو المنصب الذي لم يكن يحتله إلا النبهاء من رجال الفترة، مما يدل على أن شاعرنا كان متضلعا في اللغة والأدب، بارعا في الإنشاء والترسل، وإلا لما تمكن من أن يشغل منصبا كالذي يشغله، ولاسيما في بلاط خليفة كالمنصور الذي كان يشتغل بالأدب ويقرب رجاله، والذي " وإن كان في سائر العلوم علما تأتم الهداة به، فلا كفن الأدب، فهو الروض الذي لا تزال طيور أفكاره صادحة على أريكة، وشموس إحسانه بازغة من فلكه "(59).
وقد نتج عن هذه الثقافة الواسعة التي حظي بها المكلاتي أن صدرت عنه أمال علمية وأدبية مثلت بعض الاتجاهات التي كانت تتوزع هذه الثقافة، فمن هذه الأعمال :
1) كتاب "أسرار الخلافة الشريفة" وهو كتاب ذكره المقري في فتح المتعال(60)، ولعله جاء نتيجة لمعرفة المكلاتي الدقيقة بالخليفة المنصور، وحيا منه في المساهمة في تخليد شذرات من سيرة هذا الخليفة الذي كان ذا شأن عظيم، سواء داخل المغرب أو خارجه، وبذلك يكون المكلاتي واحدا من مؤرخي الدولة السعدية، يضاف إلى غيره من المؤرخين كأحمد بن القاضي وعبد العزيز الفشتالي وغيرهما.
2) كتاب "شرح لامية الأفعال لابن مالك" وقد ذكره يوسف الزياتي، الذي وضع عليه حاشية(61)، وهو كتاب يبرهن على اهتمام المكلاتي بأصول اللغة العربية ومظان قواعدها وضوابطها.
3) تذييله لأرجوزة محمد بن علي الفشتالي : التي نظم فيها وفيات ابن قنفد(62)، وهو تذييل يدل على تمكن المكلاتي من التاريخ، ذلك المضمار الذي تجلى في كتابه أسرار الخلافة الشريفة كما تقدم، كما تجلى في هذا التذييل الذي أرخ لوفيات العديد من الشخصيات التي أغفلها ابن قنفد والفشتالي، ولعل هذا التذييل يكتسي أهمية واضحة، إذ نجد من المؤرخين القدامى من يعتمده كمصدر لتعزيز بعض الحقائق التاريخية كاليفرني في كتابه "نزهة الحادي" حيث نقتطف من ذلك استشهاده بأحد أبيات هذا التذييل ليؤكد به تاريخ وفاة أبي القاسم الشاطبي التي كانت عام 1002 هـ، يقول :
وأمـا ابـن عبـد اللـه قـل شبيـهــه         فيـا لـك مـن قـاض زكـي مـعـدل(63)
وكابن الطيب القادري في كتابه "التقاط الدرر" أو كتابه "نشر المثاني" حيث نستدل منه بأحد أبيات التذييل في تحديد وفاة أحمد بن أبي المحاسن الفاسي التي كانت عام 1021 هـ، يقول :
ولسـت أشـك في ابن يـوسـف أحمـد     ومـنـده قـد صـح عن خيـر مرسـل(64)
4) إنتاجه الأدبي، سواء ما كان منه نثرا أو شعرا. فأما النثر، فله فيه تلك المقامة المشار إليها آنفا، والتي قالها في مدح زعيم الزاوية الدلائية محمد بن أبي بكر الدلائي، وهي مقامة تبرهن على تمكن صاحبها من ناصية اللغة، وبراعته في الميدان الأدبي، تلك البراعة التي عبر عنها صاحب السلافة إذ قال : "وأما الأدب فهو حامل رايته وجهبذ روايته ودرايته، إن نثر فلق الدرر وانفصمت أسلاكها، أو الدراري نثرتها أفلاكها، وإن نظم فقل في ثغور الخرد النعس، انتظمت ما بين اللثاة الحو والشفاه اللمس"(65).
وتتميز هذه المقامة – بالإضافة إلى التزامها السجع – بما طعمها به المكلاتي من أشعار تدل على سعة رصيده الأدبي، وغزارة محفوظه من شعر الأقدمين، على غرار قوله فيها :
"...وما زلنا بين تلك المنازل نرمي جمار الفوائد، ونرد من ذلك أحلى المصادر وأعذب الموارد، إلى أن ارتقت الشمس درجة العلاء، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، فترامينا على تلك الطلال، مستحسنين قول من قـال :
نـزلنـا دوحــه فحـنـا عـلـيـنـا            حنـو المـرضعـات علـى الفـطـيـم 
وقـانـا لفـحــة الـرمـضـاء ظـل         وقـاء مضــاف النـبـت  العمــيـم
يـراعـي الشمـس أنــا قـابـلتـنـا          فـيـحـجـبـهـا ويــأذن للنـسـيـم
و أسـقـانــا علـى ظـمـــإ زلالا          ألــذ مـن المـدامــة و الـنــديـم
تـروع حـصـاة حـالـيـة الغـوانـي       فتلمـس جـانـب العـقـد النـظــيـم
فبينما نحن كذلك، إذا برق الجو فسل علينا نصوله المذهبية، وارتفعت للغمام فساطيطه مطنبة، وجعل السحاب يسوق المراكب، وأخذ الرباب يرتب الكتائب، فتصبب عرقا، ونادم الروض فغنى وسقى، فما أغمد سيف ذلك البرق، ولا انقشع ذلك الودق، إلا والمساء قد طفل، والروض في ثوب الأصيل قد رفل :
ورب عـيـشـة فيـهـا طـفـقـنـا               نـروض الـظـل والـمـاء القـراحـا
وقـد ضـرب الطريـف بها قـبـابـا          علـى البطحـاء أبهجـت  البـطـاحـا
وكـان جنـابـهـا يخـضـر آســا              فـأصـبـح و هـو مبـيـض أقـاحـا
كأن الـخـضـر جـربـهـا يمـينـا             ومـد عليهـا جبـريـل جـنـاحــا"(66)
على أننا ونحن في مجال الحديث عن نثر المكلاتي، لا نستبعد أن تكون له مساهمة في ميدان الرسائل، ولاسيما أنه كان كاتبا للخليفة المنصور، مما يحمل على الاعتقاد بأن ما قد يكون المكلاتي قد أبدعه في هذا المجال ضاع ولم يصل، أو لا يزال رهين الإهمال بين رفوف المكتبات الخاصة، وأوراق المخطوطات والمجاميع.
وأما شعره، فإن النظر فيما وصلنا منه – وهو قليل – ينتهي بنا إلى الملاحظات الآتية :
1- يبدو أن المكلاتي قد سخر شعره لخدمة جانبين اثنين هما : ذاته من جهة، ثم المجتمع الذي وجد فيه من جهة أخرى.
ففيما يتعلق بالذات نجد المكلاتي يفرز عواطفه تجاه بعض معاصريه، من أصدقائه الذين كانت لهم مكانة متميزة في المجتمع، أمثال العالم الشاعر محمد العربي بن يوسف الفاسي، وقاضي الجماعة بفاس ابن عمران السلاسي، والعالم الشاعر محمد بن سعيد المرغيتي السوسي.
وكنموذج من شعره في الأول من هؤلاء الثلاثة قوله مادحا إياه :
يــا غــزالا قــد تــعـمــم بالـصــبـاحــة وارتـــــدى
وزهـا عـلـى الــبــدر الـمـنـيـر ضــيــاؤه لـمـا بـــدا
وتـخــالـه مــن لـيـنــه غـصــنــا رطـيـبـا أمــلـــدا
قـد زارنــي و اللــيــل قــد نـشــر الــرداء الأســــــودا
وحـكـى لـنـا فـي صـفـــوه أفــق الـسـمـــاء زمـــــردا
و أرت كـواكـبـــه الـمـنـيـــرة لــؤلـــؤا مــتـبــــردا
وتـخـالـهـــا تـلـــك الـمـجــرة للـنـــجــــوم........ دا
وحـكــت لـنــا مـنــه الـثــريــا فـي إشــارتـه  الـيـــدا
و سـهـيــل مـثـل الـقـلــب فـي خـفـقـاتـه طــول الـمــدى
و كــأن ذلـــك الــبــدر وجــه مـحـمــد لـمـــا بــــدا
نـجـل الـولـي يــوســف أس الــولايـــة و الــــهـــــدى
رجـل سـمـى وبـنـى الـمـفـاخـر فـي الـسـمــاء و شــيـــدا
إن الـبــلاغــة فــي كـمــال والــيــراع بـــه اهــتـــدى
لازال شــمــســا للــمــعــالــي لا تــفــارق أســعــدا(67)
وهو في السجن :
أمـا لـهـلال غـاب عـنـا سـفــور                   فيجـلـى بـه خـطـب دجـاه يـثـور
فصـبـرا لـدهـر رام يمحصـك                    الأسى فـأنـت عظـيـم والعظـيـم صـبـور
سيـظهـر مـا عـهدتـه مـن جمالكـم                فللبـدر مـن بعـد الكسـوف ظـهــور
و تـحـيـا رسـوم للمعـالـي تغيـرت                فللميـت مـن بعـد الممــات  نـشـور
أبـا حسـن إنـي على الحـب لــم أزل             مقيمــا عليــه مــا أقــام ثـبـيـر
ففـي الفـم مــاء من  بقـايـا ودادكـم               وذلـك عـنـدي سـائـــغ و نـمـيـر
عليكـم سـلام الله مـا هـطـل الحـيـا             وغنـت بـأغصـان الـريـاض طيــور(68)
وقد أجابه السلاسي بأبيات من نفس الوزن والروي والعدد وهي :
تفـتـق عـن زهـر الـربيـع  سطـور                فـمـا هـي إلا روضــة و غـديـــر
هزمـت مـن الصـدر الجريـح همـومه             فأنـت علـى جـنـد الـكـلام  أمـيــر
محمـد هل في العصـر غيـرك                   شاعـر لـه معكم فـي الخـافقـيـن ظـهـــور
بنــي كــذا هـو الــوداد و إنـنـي                   سأشـدو وقلبـي بالهـمـوم كـسـيـــر
متـى و عسـى يثنـي الـزمـان عنانـه              لعثــرة جـد و الـزمـان عــثـــور
فـتـدرك آمـال وتـقـضـي مــآرب                 وتـحـدث مـن بـعـد الأمـور  أمــور
عليكـم سـلام اللــه مـنـي وإنـنـي                غريـب بأقصـى المغـربيــن أسـيــر(69)
وهي إجابة لا تغفل الإشادة بشاعرية المكلاتي وتبوأه مكان الصدارة في مجال الإبداع.
وكنموذج من شعره في الشخصية الثالثة، تلك المراسلة الشعرية التي دارت بينه وبين تلميذه المرغيتي، فقد قامت مشاجرة أدبية بين المكلاتي ومعاصره ابن القاضي الذي كان " يدعي فيه ما لم يظهر له "(70)، فكتب المرغيتي إلى شيخه المكلاتي يقول :
سـائـلاه فـلـم ســلا و ســلانـي                 كـم سقـانيـه من أوانـي الـهــوان
لا و حــق الـهــوى إخــال خليلي              طـوع أيـدي الوشـاة حتى  جفـانـي
أبطـلـوا فـي هــواه دعـواي قالـوا              ما لـه يدعـي الهـوى و هـــو وان
مـا نــراه سـوى أخـي مـن  نـراه              يدعـي فـي الآداب مـا لا يـعـانـي
ويجـاري فـي حمـقــه فــارس الآ              داب و المعضـلات شـهـم الجنــان
ليتـه يـدري أن شمـس الضحـى                 لـم  يطفهـا النفـخ مـن قديـم  الـزمـان
يــا لعمـري قضيــة أذكــرتـنـي                نـافـح البـدر عـاده  الحــدثــان
فتسـلـبـت عـنـدها عــن  هــواه                 سائــلاه فلــم ســلا وسـلانــي(71)
فرد عليه المكلاتي بقوله :
حـدهـا من إعجـازهـا فـي البـيـان              بلغـتــه وهــي بـنـت ثـمــان
خلصـت لـي عشيــة و هــي بكـر             فـي حلـى اللجـيـن و العـقـبــان
تتغنــى حمـائـم الحـلـي مـنـهـا                 هـل شجـاك الغنـاء بــالألـحــان
زفـهـا مـن نبـاتـه خيــر مـلـك                 هـو أعلـى الكـتـاب ذو سلـطــان
نصرتـنـي أقــلامـه فــي نــزال                فيـه تحـلــو عـوالـي الـمــران
أيـد اللــه أمــره مـــن أمـيــر                  بايعـت فكـره رعـايـا  المعـانــي
خفـف الـوجـد يــا شقيــق وهـون             واشـد بيتـا يـروى علـى الأزمــان
من تحلـى عمــري بمـا ليـس فـيـه             فضحتـه شـواهـد  الامـتـحـــان
دم فـريــدا و واحــدا فـي المعالـي            ما تغنــي الحمــام بالأغــصــان(72)
وفي هذا الإطار أيضا يمكن إدراج الأبيات التي قالها في التنويه بكتاب أزهار الرياض للمقري، والتي تعتبر رهانا ساطعا على ما يطبع وجدان المكلاتي من عاطفة دينية جياشة، وتعلق بشخصية الرسول (صلع) يقول في هذه الأبيات :
أهــذه أزهــار هــذي الـريـاض              أم هــذه غـدرانـهـا و الحـيـاض
سالـت بمـاء التـبـر  خلـجـانـهـا              على شـواذ و ران منـهـا البـيـاض
و أزرق الصـبـح بــهـا إذ  جـرى           تخالـه نهـرا علـى الطـرس  فـاض
تمثـال نعـل المصطفـى شـكـلـهـا            جعلـت خـدي تربهـا عـن  تـراض
ففـاخـر التـرب نـجـوم  الـسـمـا             فالشهـب من آفاقهـا فـي انقضــاض
تحــده الــزرقــاء فـي لـثـمـه                فالبــرق من أحسائهـا في انتمــاض
نبـه كليـم الـوجـد مـن  شــوقـه              فجفنـه مـن وجـده فـي  اغتمــاض
و قـل لـــه باللـه هــذا طــوى                فاخلـع وكـن في ملـة الشـوق  راض
وانشـق الأزهــار مــن روضـهـا            واستشـف منهـا بالعيـون المـراض
كـم بـات معتـل الصـبـا بيـنـهـا               يـروي أحاديـث الشفـا عن ريـاض
أيــا إمـامــا جـامـعـا للعـلـى                  ومن غـدت أبحـاثـه فـي افتيـاض
أبـكـار فـكـري بيـن  أبـوابـكـم               تنـزه الحـدائـق بيـن الـريــاض
إلـيـكـم قـد رفـعـت أمــرهــا                فاقـض علـى الأبكـار ما أنت  قاض
قـد بايعـت بالحـق سـلـطـانـكـم              تـوفـيـه للعـهـد دون انـتـقـاض(73)
أما فيما يتعلق بالمجتمع الذي عاش فيه، فالواضح أن المكلاتي قد خلد في شعره بعض الأحداث الهامة التي ميزت الفترة التي وجد فيها، ولاسيما في المجال السياسي، حيث نجده يتغنى بالنصر الذي حققه المجاهد أبو عبد الله محمد العياشي ضد نصارى الجديدة(74)، والذي به ازداد الإسلام نصرا، وتجلى عن أفقه الشك والريب، يقول في ذلك :
حديـث العـلا عنكـم يسير به الركـب                  وينقلـه فـي صحفـه الشـرق والغـرب
و حبكـم فـرض علـى كـل مسـلـم                      تنـال بـه الزلفـى مـن الله و الـقـرب
فأنـت رفيـع مـن أصـول  رفيـعـة                     نجـوم الدياجـي في الأنـام لهـا سـرب
سـمـي رسـول الله نـاصـر ديـنـه                      تجلـى بكـم عن أفقـه الشـك و الريـب
و لـم أر بحـرا جـاوز البحـر قبلكـم                   تـجـود لمستجــد أنـاملـه السـحـب
ومـا يستـوي البحـران عنـدي فإن ذا                 أجـاج لعمـري في المـذاق وذا عـذب(75)
كما نجده يقف عند غزوة العرائش التي قادها العياشي كذلك، متغنيا بما أحرزه هذا المجاهد من نصر، وما بذله من جهود في سبيل تخليص البلاد من الدخيل، يقول في الموضوع :
ثغـر العـرائـش ضاحـك مستـبشـر                 جـذلان من  هـذي الـوقـائـع مخـبـر
غـاب الرمـاح تشبـكـت أغصـانهـا                 روض المـنـايـا بالجمـاجـم مـثـمـر
فـي مجمـع البحـريـن هـذا أحـمـر                 و مـن الحـديـد نسـيـج آخـر أخضـر
جـنـد الإلـه و حـزبـه أنـصــاره                   يقتـادهـم يـوم الـنـزال غـضنـفــر
جـاءت بـه أم الشـجـاعـة واحــدا                  يـفـنـى ذلــك الـعـديـد الأكـثــر
فــإذا رآه المســلمــون  تـهللـوا                    وإذا بـدا جنـح العجـاجـة كـبـــروا
فلـه مـن النـصـر العـزيـز قـلادة                  مســرودة ومـن المـلائــك عسـكـر
بـالله يا ريـح الصبـا عـرج عـلـى                 أمثالـه من حـيـث ســال  الـكـوثـر
واخلـع بـروايـة المقـدس من طـوى              فهنـاك مـن حـرم الجـلالـة مشعـــر(76)
ولعل المكلاتي بهذا كان يعرب عن تفاعله مع أحداث عصره، منوها بالذين يساهمون في نشر ألوية الإسلام والسلام في هذه الديار، وفي هذا الإطار يمكن التذكير بالأبيات التي مدح بها محمد بن أبي بكر الدلائي باعتباره واحدا ممن كان لهم الفضل الكبير في بسط أجنحة الرخاء والاستقرار، وكذلك في نشر التعاليم الإسلامية القائمة على الإخاء والتسامح، بعيدا عن ألوان العنف أو المواجهة الحربية، يقول :
يـا ابـن الذيـن رووا أحـاديث العلـى           عن خيـر خلـق الله مـن عـدنـــان
قـوم إذا دجـت الخطـوب وأظلمــت           و دهـى البريـة فاجـئ الـرجـفــان
تركـوا سيـوف الهنـد فـي أغمادهـا           وتقلـدوا سيـفـا مـن الـقــــرآن(77)
2- يتضح أن المكلاتي، وإن كان قد عرض إلى موضوعات كالمدح والوصف وما إليهما، قد أغفل بعض الموضوعات الشعرية التي كانت معروفة إلى عصره، ومنها الهجاء الذي لا نجد من أخباره ما يشير إلى أنه طرقه، وكالغزل الذي لم يكن يطرقه كموضوع مستقل، وإنما كان أحيانا يتوسل به كمقدمة تقليدية قبل أن ينتقل إلى موضوعه الرئيسي من القصيدة. وفي هذا الإطار نذكر بالأبيات الغزلية التي استهل بها مدحه لمحمد العربي الفاسي حيث يقول في بدايتها :
يا غـزالا قد تعمم بالصباحة وارتـدى(78).
3- من ناحية الخصائص الفنية نستطيع القول بأن شعر المكلاتي كان يميل إلى مستوى الخطاب الشعري الذي عرفه العصر والذي كان يعتمد على مجموعة من الخصائص والمميزات المستمدة من العصور الماضية، والتي بلورها شعر الفترة في وضوح وأمانة.
فمن ذلك مثلا اعتماد المكلاتي على بعض المحسنات البديعية، حيث نصادف فيما وصلنا من شعره، بعض هذه المحسنات التي يبدو أن الشاعر قد وفق في استعمالها. وكنموذج على ذلك نشير إلى ظاهرة الاقتباس في شعره كما يدل على ذلك البيت الآتي :
إليكـم قــد رفـعــت أمـــرهـا  فاقـض على الأبكـار ما أنـت قـاض(79)
فهو مأخوذ من قوله تعالى من سورة طه <<قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض، إنما تقضي هذه الحياة الدنيا>>(80)
وكما يدل عليه قوله كذلك من قصيدة :
ومـا يستـوي البحـران عنـدي فإن ذا  أجـاج لعمـري في المذاق وذا عـذب(81)
فهـو مقتبس من قوله تعالى من سورة فاطر <<وما يسوي البحران هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج>>(82)
وإلى جانب اعتماد المكلاتي على بعض المحسنات البديعية، فإنه كذلك اعتمد بعض الوجوه البلاغية الأخرى، وخاصة منها التشبيه والاستعارة، حيث جاءت صوره الشعرية قائمة على التشبيهات والاستعارات المألوفة كقوله متغزلا :
وتـخــــالـــه مـن لـيـنــه                غصـنــا رطـيـبــا أمـلـــدا(83)
فإنها صورة تكاد تكون معروفة عند معظم شعراء الغزل، سواء في المشرق أو الأندلس أو المغرب.
ولعل من أجمل صوره قوله مستغلا عنصر المجاز :
نصـرتـنـي أقـلامــه فـي نـزال         فيـه تحـلـو عـوالـي الـمـــران
أيـد اللــه أمــره مـن أمـيـــر           بايعـت فكـره رعـايــا  المعـانـي(84)
وعلاوة على ما تقدم، فقد مال المكلاتي نحو تطعيم قصائده ببعض الحكم المأثورة، على غرار ما نلمسه في إنتاج بعض الشعراء القدامى كالمتنبي وغيره، ويتضح ذلك من خلال قوله مثلا :
سيظهـر مـا عهـدتـه مـن جمالكـم  فللبـدر مـن بعـد الكسـوف ظهـور(85)
وإن كانت هذه الحكمة من البديهيات والمسلمات التي لا يجهلها أو يجادل فيها أحد، مما يضفي عليها عند شاعرنا طابع الفتور والبرودة، كما هو الشأن أيضا في قوله :
وتحيـا رسـوم للمعـالـي تغـيـرت              فللمـيـت من بعـد الممـات نشـور(86)
على أن الشاعر أحيانا يرتفع إلى مستوى الإجادة في بعض حكمه، كقوله :
من تحلـى عمـري بمـا ليـس فيــه             فضحتــه شـواهــد الامتحـــان(87)
4- البحور التي ركبها الشاعر تدل هي الأخرى على انسياقه مع ما كان عليه شعراء الفترة، حيث إنه كان يكثر من استعمال البحور ذات النفس الطويل التي تساعده على اعتماد وحدة البيت من كامل وطويل وأضرابهما، وقلما نسج على بحر قصير، كالقصيدة التي ركب فيها مجزوء الكامل ونهايتها.
لازال شـمـســـا  للمـعـــــا                  لــي لا تفــارق أســعـــــدا(88)

وعلى كل فيبقى هذا البحث شرارة أولى من شانها أن توقد النور حول هذه الشخصية المغمورة، والتي يعظم الأمل في أن يعرف صاحبها، وأعلام غيره كثيرون، مزيدا من الدرس والاهتمام، إحياء لتراثنا الزاخر، وتأكيدا لمسيرتنا الأدبية المتواصلة.


1  مخطوط بالخزانة العامة بالرباط رقم د 285.
2  المصدر نفسه ورقة 10 وجه
3  المصدر نفسه ورقة 10 وجه.
4  المصدر نفسه ورقة 10 ظهر، ويقصد بثمان أن أبيات المرغيثي عددها ثمانية.
5  مخطوط بالخزانة العامة بالرباط رقم د 1584.
6  المصدر نفسه : ص 115.
7  المصدر نفسه ص 124.
8  مخطوط بالخزانة العامة بالرباط ضمن مجموع رقم د 2074 من ص 1 إلى ص 119.
9  أي تلامذة الشيخ أبي محمد عبد الرحمن الفاسي.
10  أزهار البستان ص 15.
11  يوجد الكتاب في خزانة الأستاذ الكبير محمد المنوني.
12  المصدر نفسه ص 19.
13  مخطوط بالخزانة العامة بالرباط رقم د 261.
14  الضمير يعود على زعيم الزاوية الدلائية محمد أبي بكر.
15  البدور الضاوية ص 163.
16  المصدر نفسه ص 163.
17  المصدر نفسه ص 169.
18  مخطوط بالخزانة العامة بالرباط رقم ك 326.
19  المصدر نفسه ص 226 ونجل يوسف يقصد به محمد العربي بن يوسف الفاسي.
20  المصدر نفسه ص 227.
21  مخطوط بالخزانة العامة بالرباط تحت رقم ك 3312.
22  المصدر نفسه ص 9.
23  مطبعة مجلس إدارة المعارف النظامية بالهند، 1334 هـ.
24  المصدر نفسه ص 208.
25  المصدر نفسه ص 209.
26  المصدر نفسه ص 209.
27  طبعة حجرية بفاس : 1324 هـ 1906 م.
28  سيرد الحديث عنها في موضع لاحق من هذا البحث.
29  مرآة المحاسن ص 150.
30  نشر سنة 1977 بتحقيق الدكتور محمد حجي والأستاذ أحمد توفيق، مطبوعات دار المغرب للتأليف والترجمة والنشر.
31  المصدر نفسه ج 1 ص 305.
32  المصدر نفسه ج 1 ص 342.
33  المصدر نفسه ج 1 ص 149.
34  المصدر نفسه ج 1 ص 135-136-163.
35  مصورة مكتبة الطالب، الرباط.
36  المصدر نفسه ص 241.
37  طبعة حجرية بفاس، 1316 هـ.
38  المصدر نفسه ج 3 ص 351.
39  طبعة القاهرة 1324 هـ.
40  المصدر نفسه ص 603.
41  المصدر نفسه ص 604
42  المطبعة العثمانية بمصر سنة 1306 هـ.
43  المصدر نفسه ص 288.
44  نشرت أجزاؤه العشرة بتحقيق الأستاذ عبد الوهاب بن منصور ما بين سنتي 1974-1983 المطبعة الملكية بالرباط.
45  المصدر نفسه ج 5 ص 222.
46  نشر بتحقيق وتعليق اني المؤلف جعفر ومحمد الناصريين، دار الكتاب، الدار البيضاء، 1955.
47  المصدر نفسه ج 6 ص 89.
48  النبوغ المغربي ج 3 ص 134، الطبعة الثالثة، دار الكتاب اللبناني، بيروت.  
49  تاريخ تطوان ج 3 ص 147، مكتبة الناصر، تطوان 1959 م.
50  الوافي بالأدب العربي ج 3 ص 729-730.
51  نشر بتحقيق الأستاذ عبد الله جنون ثم بتحقيق الدكتور عبد الكريم كريم
52  نشر بتحقيق هاشم العلوي القاسمي، منشورات دار الآفاق الجديدة بيروت.
53  مكتبة المدرسة ودار الكتاب اللبناني للطباعة والنشر، بيروت.
54  طبعة دار الرشاد الحديثة ، الدار البيضاء، 1977 م ص 61-63.
55  السلوة ج 3 ص 351.
 56  السلوة ج 3 ص 351.
57  لعل ولادته كانت في العقود الأخيرة من القرن العاشر الهجري.
58  انظر في ذلك أزهار البستان للفاسي ص 15.
59  مناهل الصفا تحقيق عبد الكريم كريم ص 294.
60  فتح المتعال ص 260.
61  التقاط الدرر ص 66، وتوجد حاشية الزياتي مخطوطة بالخزانة العامة بالرباط رقم ج 920 على أن كتاب شرح اللامية هذا قد نسب في أحد المصادر إلى يعقوب بن سعيد بن يعقوب المكلاتي، (انظر مجموعا مخطوطا بالخزانة العامة بالرباط رقم ق 1116 حيث يوجد هذا الشرح من ص 220 إلى ص 272).
62  يوجد التذييل مخطوطا بالخزانة الحسنية رقم 9676.
63  نزهة الحادي ص 171.
64  نشر المثاني ج 1 ص 163.
65  سلافة العصر  603.
66  البدور الضاوية ص 164.
67  ابتهاج القلوب ص 227
68  نزهة الحادي ص 241، ونشر المثاني ج 1 ص 149.
69  نشر المثاني ج 1 ص 149.
70  العوائد المزرية بالموائد ورقة 10 ظهر.
71  المصدر نفسه ورقة 10 وجه.
72  العوائد المزرية بالموالد ورقة 10 ظهر.
73  سلافة العصر ص 604.
74  انظر تفاصيل ذلك في كتاب الاستقصا للناصري ج 6 من ص 86 إلى ص 89.
75  المصدر السابق والجزء ص 89.
76  تاريخ تطوان ج 3 ص 149.
77  نثر المثاني ج 1 ص 342، والبدور الضاوية ص 169.
78  ابتهاج القلوب ص 227.
79  سلافة العصر ص 604.
80  الآية 72.
81  الاستقصا ج 6 ص 89.
82  الآية رقم 12.
83  ابتهاج القلوب ص 227.
84  العوائد المزرية بالموائد ورقة 10 ظهر.
85  نزهة الحادي ص 241.
86  نزهة الحادي ص 241.
87  العوائد المزرية بالموائد ورقة 10 ظهر.
88  ابتهاج القلوب ص 227.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here