islamaumaroc

العمل الفكري والأدبي خلق قبل أن يكون فنا

  محمد الحاج ناصر

العدد 262 جمادى 1 و2 1407- يناير/ فبراير 1987

ظاهرة عجيبة تضطرنا إلى الانتباه إليها في هذه الأيام، فما شهدناها ولا بعضا منها فيما عاصرناه، من مدارس ومحافل ومحيطات النشاط الفكري والأدبي والعلمي.
تلكم ظاهرة الانبهار الذي أصيب به من ينحون طريقهم إلى أن يكونوا – إن قدر لهم أن يكونوا – ذات يوم شيئا مذكورا.
وأخطر شيء يصاب به الناشئ فيما يحاول أن يكتشف طريقه إلى محافل الفكر والأدب والفن، هو أن تكبر نفسه في تقديره، وتتضخم في بصيرته وبصره، فتحجب عنه الرؤية فيحسب أن كبرها وضخامتها تجسيد لعظمتها وعبقريتها اللتين جعلتا منها أكبر شيء في الوجود. ويذهل عن أن ذلك الكبر وتلك الضخامة، إن هما إلا ورم خلقي كبعض ما قد يحدث لعين مبصرة من أورام في الأجفان، أو ضباب في الحدقة، فيحجب عنها البصر، ولو كانوا على أساس مكين بصير من التقدير العلمي، أو التذوق الفني، لتبينوا أنهم يفتؤون، ليس في أول الطريق بل في بداية البحث عن أول الطريق، وإذن لتحرجوا من أن يحشروا أنفسهم في المقلدين الذين بذلوا قصارى طاقتهم أن يحسنوا التقليد والمحاكاة، ولفكروا وقدروا ألف مرة قبل أن يخالجوا أنفسهم – مجرد مخالجة – بأنهم يمكن أن يكونوا، في يوم بعيد، ممن يستحق – وإن مجازا – أن يوصف عمله " بالإبداع " ولكنهم فتنوا "بالورم الخلقي"،  الذي أصيبت به أنفسهم، فرأوا في أنفسهم خلاصة العالم، وعصارة الإنسانية، وصفوة الفكر والفن، فانطلقوا يجارون ويتبجحون بأنهم "مبدعون" وبأن ما يجترونه ويرجعونه من أصداء بعض ناشئة  الأدب والفكر والفن في العالم الغربي وفي سواه من غير العالم العربي "إبداع" لم يسبق إليه، فهم لذلك أهل لأن يتطاولوا على من قبلهم ومن يعاصروهم. وأن يعتصموا عمن بعدهم، لأنهم أصبحوا مصادر "الخلق" و "الإبداع".
ولئن سألت أحدهم : ماذا يريد بالإبداع ؟ وهل يستطيع أن يزعم بأن هذه المقولات لا يرجعها بين الناس، على أنها أدب أو فكر "إبداع" لم يسبق إليها، وليس لها مثيل فيما عرفته الإنسانية ؟ وأدرك منك أنك على بينة من النتاج العالمي في الأدب والفكر والفن، لاضطرب طويلا قبل أن يجيبك، بما لا يحسم شيئا من سؤالك، وإنما هو روغان وزوغان.
في بعض الأحيان، يخيل إلي أن هؤلاء "المبدعين" يصدقون أنفسهم ويصدقون الناس إذ يطلقون على مقولاتهم اسم "الإبداع". إذ أن ما يريدون أن يصارحوا الناس بأنهم "مبطلون" من : أبدع الحج إذا أبطلها.
بيد أن لجاجهم في التبجح والجؤار، يصرفني عن هذا الظن  الحسن بهم إلى مواجهة الحقيقة من أمرهم، فلا أملك إلا أن أشفق عليهم وعلى الذين يستمعون إليهم أو يقرؤون لهم من هذا الخداع الذي يصيبون به أنفسهم والناس، لأنهم به لن يهتدوا إلى طريق تؤدي بهم إلى التقييم الصحيح للعمل الفكري والأدبي والفني، سيفتؤون في متاهة العجب والغرر والادعاء، والتغرير.

في بدايات هذا القرن وبالتحديد في العقد الثاني والثالث، والرابع والخامس، ظهرت مدارس في الفكر والأدب والفن، تعمل جاهدة صادقة في تلقيح النتاج العربي المعاصر، بما يضفي عليه صبغة المعاصرة والخروج به من التقوقع في محيطه والاجترار لنفسه ولآثاره.
والعوامل التي أفرزت هذه المدارس على اختلافها، نشأت عن "التعامل" الاضطراري بين العرب والدول الغالبة المستعمرة لبلادهم مباشرة أو بالهيمنة.
كان الإرهاص الأول لهذه المدارس، هو تكوين "الجامعة المصرية" التي كانت شعبية في بداية أمرها، ثم أصبحت رسمية، ثم اتخذت اسم "جامعة فؤاد الأول"، ثم بعد ثورة عبد الناصر "جامعة القاهرة" وقد سبق هذا الإرهاص تمهيد أو إعداد للبعثات التي كانت توجه من مصر في الغالب، ومن بلاد الشام، وخاصة لبنان إلى أوربا في أواخر القرن التاسع عشر، للالتقاح بالثقافة والتقنية الأوربيتين.
وقد تكون أول مدرسة رفعت عقيرتها بالدعوة إلى التجديد، وخاضت في سبيله المعارك العارمة الشرسة أحيانا، مدرسة الأستاذ العميد الدكتور طه حسين – رحمه الله – ورغم أنها ابتدأت جامحة جانحة، فقد استطاعت أن ترسخ وتنجذر مع مرور الأيام، لن طه لم يصدع بدعوته حتى استكمل أدوات الزعامة الفكرية: عايش الأزهر حينا، ثم حصل على شهادة عليا من "السربون" واتخذ "الجامعة المصرية" ثم "الإذاعة المصرية" و "جريدة السياسة" و "السياسة الأسبوعية" منابر يدعو منها إلى ما يراه ضروريا من أنماط التجديد في تقدير التراث الأدبي وفهمه وتمحيصه ونقده، ثم في توجيه ناشئة الأدب العربي خاصة، والفكر العربي عامة، إلى حيث يمكنها أن تتواكب مع غيرها من ناشئات الأمم في موكب عالمي موحد فكرا وأدبا وفنا.
وكان الصراع السياسي بين فرنسا وبريطانيا العظمى يومئذ يقظا أشد ما تكون اليقظة، راصدا أرهف ما يكون الرصد، مستوفزا أعنف ما يكون الاستيفاز، فما لبث أن انعكس على النشاط الثقافي العربي، فبرزت إلى جانب المدرسة الفرنسية الديكارتية التي كان طه حسين عميدا لها، مدرسة إنجليزية وجدت في العقاد والمازني وعبد الرحمن شكري ثالوثا مؤهلا لزعامتها، فما ابتدأ العقد الثالث من هذا القرن حتى كان الميدان الثقافي في الشرق العربي، يشهد صراعا ثلاثيا بين كل من المدرسة الفرنسية الديكارتية، والمدرسة الإنجليزية، والمدرسة العربية الأصيلة التي رفضت أن تفسح صدرها للدخيل أيا كان هذا الدخيل، وكان يتزعمها مصطفى صادق الرافعي رحمه الله، وطائفة من الأزهريين، وخريجي دار العلوم، وبعض خريجي مدرسة القضاء الشرعي.
واحتدت المعركة واحتدمت، وأفرزت ذخيرة قيمة من المؤلفات الحافلة بالجديد حقا، سواء كانت للمجددين أم للمحافظين، فكتاب الدكتور طه حسين "في الشعر الجاهلي" وهو الاسم الأصلي لكتابه "في الأدب الجاهلي" المعروف الآن – حفز عددا من أئمة اللغة والأدب والفكر على نقده وتمحيصه وتفنيد بعض ما ارتأوا فيه من أخطاء في كتب ما تزال، ولن تبرح كنوزا من النقد الدقيق الأصيل.
ومعارك العقاد مع خصومه، أو بالأحرى معارك خصومه مع ومع زميليه، أفرزت ذخيرة لا تقدر بثمن من التراث النقدي، منها ما جمع في كتب، ومنها ما لا يزال أوزاعا في المجلات والصحف.
وما كاد العقد الثالث ينتهي، حتى برزت مدرستان أخريان.
إحداهما للمحافظين الذي يمكن أن نصفهم بالفكر الأكثر تفتحا، يختلفون بها عن الرافعي ومن على شاكلته. وكان زعيمها الأستاذ أمين الخولي رحمه الله.
وأما الثانية فهي مدرسة فرنسية ولكنها كانت وسطا بين الإيغال في الفرنسية والالتزام المطلق بالمنهج الديكارتي، وبين التمسك بمناهج المحافظين على اختلافها. كان لقاحا معتدلا للمناهج العربية في النقد والإنتاج، بخلايا من المناهج الفرنسية بعد شيء من التمحيص والتهذيب، جعلها لا تكون غريبة عن المناهج العربية، غرابة مدرسة طه أو مناهجه في تلك الأيام. ولعل خير مثال، أو خير زعيم لهذه المدرسة هو الدكتور زكي مبارك رحمه الله.
وفي هذه الأثناء، ظهرت محاولات لتقريب التراث العربي الأصيل من أفهام وأذهان الناشئة العربية. فبذل جهد محمود في محاولة تبسيط النحو والصرف، وفي محاولة تبسيط وتلقيح قواعد البيان. لعل كلا من كتاب "إحياء النحو" لإبراهيم مصطفى، و "النحو والنحاة بين الأزهر والجامعة" للزيات أمثلة صادقة لهذا الجهد، منهاجا وهدفا، وإن تفاوتت حظوظها من التوفيق.

في تلك الأيام كانت دعوات التجديد ودعوات المحافظة جاهرة صاخبة ولكن كل واحدة منه كانت تنطلق من فكر أو أفكار مستكملة الأدوات والمؤهلات استكمالا هيأها للقيادة، ومع ذلك، فما من أحد من هؤلاء الأقطاب، ومن يظاهرونهم ممن فرضوا أنفسهم فرضا على التاريخ والخلود، سمى نفسه "مبدعا" أو سمى شيئا من عمله "إبداعا"، كانوا يؤمنون "بالاستمرار" وأنه من المؤكد لانتسابهم إلى الأصالة العربية والأصالة الثقافية، المميز لكيانهم وذواتهم وهوياتهم بين الكيانات والذوات والهويات الأخرى، العاصم لهم من الضياع والذوبان في الآخرين. وحتى حين دعا طه حسين إلى أن تولي مصر وجهها شطر أوربا، وأن تنصرف عن العروبة، صدع بدعوته تلك باللغة العربية وبأسلوب عربي كان قد أخذ ينتقل ويتخلص من شوائب الهلهلة الناتجة عن التقليد للأسلوب الأجنبي، ليخلص بعد حين إلى الأسلوب العربي الرصين الأصيل.
صحيح أن "الدكتور زكي مبارك" جمع بعض مقالات له كان قد نشرها في صحف مختلفة، وضمنها كتابا سماه "البدائع" بيد أنه – وهو المحافظ المعتدل أو بالتعبير السياسي "وسط اليمين" – لم يكن يقصد إلى أنها شيء لم يسبق إليه، وإنما كان يقصد إلى أنها أعاجيب، وأحسبه – وهو يومئذ مندفع وراء نزواته – كان معجبا بمجلة تصدر يومئذ في بيروت اسمها "البدائع" وكانت تنشر صورا وكلاما، مما يدغدغ الغرائز، ولا عهد للشرق العربي بمثله مشاعا بين الناس، وإن عرف الأدب العربي – وخاصة في العهد العباسي – ما يشاكله أو يتجاوزه في بعض ما حفل به من شعر ونثر.
على أن "بيروت" كانت يومئذ، وحتى أواخر العقد الخامس، نشازا في الموكب العربي للفكر والأدب والفن. ويظهر أن طبيعة حياة أبنائها زينت لبعض الكتاب أن يندفعوا في نمط من القول، فيه مسحة من الفن تحفظ له صحة نسبه إلى الأدب. بيد أنه نشاز في الخلق الاجتماعي العربي. وكان مجاله "مجلة البدائع" هذه، و "مجلة المكشوف".
وأحسب أن بعض المؤثرات الأجنبية، كانت توسوس بذلك النشاز، أو تشجعه قاصدة إلى خلخلة المجتمع الإسلامي، والابتعاد به تدريجيا، وفي هدوء، عن القيم الإسلامية المتحرجة، وآية ذلك، أن هذا النشاز واكبته ألوان من النشاز في التعبير والنقد وتحديد القيم الفنية، زخر به من نتاج بعض المنتسبين إلى الأدب آنئذ في لبنان. وما تزال منه بقايا حتى الآن.

مهما يكن، فإن بيروت لم تكن وما أحسبها ستكون يوما، مؤثرة تأثيرا ذا بال في المسار الفكري والأدبي والفني للعالم العربي، بالرغم من أنها أنتجت عباقرة أصلاء من أمثال الأخطل الصغير، وأمين نخلة، ون العجيب أن هؤلاء على أصالتهم لم يكن لهم في توجيه الفكر والأدب العربيين ما كان من أثر لمن دونهم براعة وفنية من أبناء مصر.
كذلك لم تؤثر تأثيرا يذكر في مسار الأدب العربي الحديث، مدرسة غربة أخرى قادها "الدكتور محمد مندور" وحاول أن يقحم فيها أساليب من النقد الأدبي الغربي على النقد عند العرب، بل وأن يضفي شيئا من صيغة النقد الغربي على مناهج النقد الأدبي القديم عند العرب، وإن كانت قد جمعت حولها بعض "المريدين" في أول نشأتها وطيلة الحياة "السياسية" لصاحبها على أنها ما فتئت أن أصبحت في ذمة التاريخ.
بينما برزت مدرسة يمكن أن نسميها أمريكية نشأت في بداية العقد الثالث من هذا القرن، وأحدثت نشأتها ضجة كبرى، ثم ما لبثت أن هدأت ثم خفقت، ولم تكن هذه المدرسة نقدية بالمعنى الدقيق، وإنما اتجهت إلى تغيير طرائق الصياغة الشعرية أسلوبا ومعنى، وكان رائدها الدكتور "أحمد زكي أبو شادي" ومجالها "مجلة أبولو" كما كان أنصارها يدعون "جماعة أبولو" على أن هذه المدرسة ما لبثت أن تحورت تدريجيا لتتحول إلى نمط من التجديد المتأصل في المجال الشعري معنى وأسلوبا، وبذلك استطاعت أن تضمن لنفسها فترة من الاستمرار اتصلت حوالي خمسة عقود، ومرد استمرارها إلى تراجعها إلى التوفيق بين الأصالة والتجديد، توفيقا أبرز عباقرة، من طراز على محمود طه والدكتور إبراهيم ناجي، والأستاذ صالح جودت، ولكل منهم تأثير عميق أصيل في مسار الشعر العربي نحو التجديد المستمر.
وما من شك في أن جميع هذه المدارس على اختلافها أضافت إلى الأدب والفكر والفن عند العرب، الكثير من الجديد : صياغة، ومنهج نقد، وطريقة تفكير، وأسلوب أداء. ولكن ما من أحد من أقطاب هذه المدارس، وفيهم عباقرة حقا، أباح لنفسه أن يطلق على نفسه صفة "المبدع" أو على نتاجه دعوى "الإبداع" ذلك بأنهم على اختلافهم كانوا يؤمنون بالأصالة ويعتزون بها ولا يبتغون بديلا عنها، وما من أحد منهم كان يرضى أن يقال فيه منقطع عن أصله أو غريب في بيئته، كانوا حتى في عنفوان المعارك، يتبارون في الاعتزاز بالأصالة والانطلاق منها، ولم نجد في آثارهم من كتب أو مقالات نشازا من أحد منهم يجنح عن الاعتزاز بالأصالة والاعتصام بالاستمرار فيها، لذلك بقيت بين آثارهم وبين التراث العربي الوشيجة المكينة التي تثبت نسبتها إليه إثباتا لا سبيل إلى الغمز فيه، وإن اختلف عمقا وصبغة باختلاف مدارسهم، وموقفها من طبيعة التطوير الذي يريدونه للفكر والأدب والفن.
ومضت الأيام، وتوالت عقود أصيبت فيها مصر بالعقم، فما يرتفع منها صوت أصيل إلا ما كان ممن ما يزالون أحياء، أمد الله في أعمارهم، من أبناء حقبة الازدهار، تلك التي وقفنا عندها من قبل. ولعل أصدق مثال من بينهم، لأصالة الفكر والأدب والفن، في مصر وفي العالم العربي أستاذة الجيل الدكتورة عائشة عبد الرحمن، بارك الله أنفاسها، وأحاطها بأقواف العافية، ومطارف السعادة والهناءة، وأبقى ما لزمها طيلة عمرها المبارك، من السداد والتوفيق. فليت شعري ماذا سيكون مصير الفكر والأدب والفن في العالم العربي يوم يختارها الله للرفيق الأعلى وما فتئت المشعل الوحيد، الذي سيصل ماضي الأمة العربية بحاضرها ويمدها بالقبس الأخير من الهداية إلى مستقبل موفق بصير أصيل ؟
ذلك، وما سمعنا وما شهدنا طيلة العقود السبعة التي عايشناها من هذا القرن، ولا فيما تقضي فيه حياتنا من التراث العربي والعالمي، نزوات تسمى "إبداعا" ولا أطفالا يعجزون عن قراءة النصوص الأصيلة فضلا عن فهمها، فكيف بنقدها وتمحيصها، يسمون أنفسهم "مبدعين" ؟ لسنا نشفق على الأدب والفكر والفن، فنحن نؤمن بأنه لن يبقى إلا ما يصلح للبقاء : <<فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض>>.
وإنما نشفق على هؤلاء الناس أن يفقدوا أبسط قيم الأخلاق الاجتماعية وهو ناشئ، فيصدهم الواقع المر الذي لا يرحم حين تتقدم بهم السن فيكتشفون أنهم كانوا "مبدعين" حقا ولكن "الإبداع" الذي يعني البطلان...

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here