islamaumaroc

مشروع رؤية إسلامية في الأدب ونقده

  رضوان ابن شقرون

العدد 261 ربيع 2 1407/ دجنبر 1986

نحاول في هذا الحديث إن شاء الله تعالى أن نتبين كيف يجلي الأدب القيم السامية للإنسانية في أكمل صورها، وكما قررتها تعاليم الإسلام، وانعكست في سلوك رجال عظماء، صنعوا التاريخ على امتداد الأحقاب، وكيف أضحت هذه القيم موضوعا للقصيدة والقصة والمسرحية والمقالة، وكيف اتسعت رحاب الفنون الأدبية لتشبع نهم الدارسين والمتطلعين لتلمس سمات العقيدة الإسلامية السمحاء على صفحة هذا الأدب.
لأن الكلمة – مكتوبة أو مسموعة أو مشخصة- لها دورها المشرق في تصوير القيم، ونقلها من عالم الحفظ والكتمان، أو عالم الغفلة والنسيان، إلى دنيا الممارسة الهادفة، الدافعة بالركب الإنساني إلى مجالات التقدم والنماء بلا تبجح، وإلى السيادة والغلبة من دون سطوة أو طغيان، وإلى التسامح والوداعة من غير ضعف أو هوان.
إن غاية الأدب والفن أسمى من أن تنزلق في مهاوي الرذائل والرغائب الشيطانية المؤقتة. إنها الغاية التي نستشفها من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من البيان لسجرا"، ذلك السحر الذي يرفع المؤمن إلى عالم التأمل، والانفعال، والتأثر:
أما التأمل ففيما يحق للإنسان أن يبذل فيه من حياته القصيرة لحظات روحية واصلة بينه وبين مبدعه ومبدع كونه الشاسع.
وأما الانفعال: فيما ينقل الإنسان من المادية الزائفة الزائلة الجائرة، إلى عالم المثل النابض بالحياة الحقة التي أرادها له خالقه في موقعه من هذا العالم، ومن المخلوقات، وهو المهيأ لتسخير هذه المخلوقات كلها لما فيه خيره ومصلحته.
وأما التأثر: فيما يبعث في النفوس الإحساس بالغير ونسيان "الأنا"، ليذوب الكل في الكل، وتعيش البشرية كما يرتضيها رب البشرية، وكما تنظمه القيم الإسلامية السمحاء: متآلفة متراصة متدافعة نحو الأسمى والأجدر، حتى يكون الإنسان لأخيه الإنسان كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، وحتى يكون الناس سواسية كأسنان المشط، بل حتى يكون القوي ضعيفا حتى يؤخذ منه ما عليه من حقوق، والضعيف قويا حتى ينال ماله منها، فتتحسن الأخلاق، وتوطأ الأكناف، وتسود الألفة بين الناس في حياتهم اليومية العملية كما سادت بين أرواحهم، ويضع البشر – كل البشر- يدا في يد، لبناء عالم واحد، لا سلطة فيه إلا للحق والعدل، ولا حكم إلا للخير والكرامة، ولا حدود إلا حدود الإيمان والعقيدة.
إنها مطامح مثالية حقا، لكنها ليست سرابا وهميا، ولا رمادا واهيا. فالكلمة، ولتكن قصيدة أو قصة أو رواية أو مسرحية أو مقالة.. الكلمة وحدها هي القادرة على رفع درجات الإنسان إلى تلك المستويات العليا، لأنها تدل الناس على الحقائق، وتدعو العقول إلى التفكير والتدبر، وتشجع الكسالى على الانتفاض والحركة والعمل الدؤوب.
والكلمة الطيبة وحدها تفتح الأعين والقلوب على آيات الله الدالة على قيمة الكون والكائنات، وتدل على عظمة خالق الكون ومبدع الكائنات، وتمهد للإنسان سبل تطوير الحياة وترقيتها، لأن الكلمة الطيبة "أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها"، ولذلك كانت معتمد الرسالات الإلهية والدعوات الإصلاحية والتوجيهات السياسية والمرافعات القضائية والاستدلالات العلمية.
لقد طرحت قضية التوجه الإسلامي على بساط الأدب العربي منذ العهود الأولى التي أعقبت مجيء الإسلام والبعثة المحمدية الشريفة، إذا لهجت ألسنة الشعراء منذئذ بقصائد طافحة بالكلمة الطيبة، والجملة السديدة، والعبارة المسؤولة، والفكرة النيرة الهادفة الهادية، متأثرين في ذلك بما نفحهم به الذكر الحكيم والحديث الشريف من نفحات عطرات، فترددت على ألسنتهم مفردات جديدة، وعبارات قرآنية مشرقة، في أدب تغمره العاطفة الدينية الصادقة، ويلتزم بالمنهج الإسلامي الأمثل، ويقف في وجه التيارات الهدامة المعادية لتقدم البشرية وتآخيها وتعاونها على السير في طريق الحق والخير والبر والعدل والازدهار.
وفي العصر الحديث تجددت انطلاقة هذا الأدب الملتزم بالمبادئ السامية، الهادف إلى تأصيل النهج الروحي المطمئن الذي يصلح من الإنسان أمور آخرته التي إليها معاده، من غير أن يغفل أي شيء مما يصلح دنياه التي فيها معاشه.
إنه أدب يمتاح من الإسلام ومثله، ويلتزم بقضاياه ومبادئه ومنهجه، ويتصدى لعوامل الهدم والتثبيط التي تهدد الإنسان والعالم، ويعنى باللغة العربية عن طريق تمثل خصائص الأسلوب القرآني، والاستفادة من سمات الأسلوب النبوي، ويحاول تسخير الكلمة وتوظيف طاقات التعبير لتنفيذ أمر الله بتبليغ رسالة الحق، وتنوير العالمين، وإضاءة دروب الحياة الموصلة والمتمايزة بأشكالها وأنساقها وموضوعاتها.
بيد أن الأدب الإسلامي يتجاوز حدود اللغة العربية، فيمتد ليشمل آداب الشعوب الإسلامية غير الناطقة بالعربية، لأن لبعض أدباء هذه الشعوب تحليقات عميقة في سماء الفكر والأدب تربطهم برباط وثيق مع الاتجاه الإسلامي.
وإذا كانت مهمة الأديب المسلم أن ينطلق من منطلقات العقيدة الإسلامية، ويخاطب الناس برؤية إسلامية، ويتوجه إلى العالمين كافة بأدب يحمل سمات الإنسانية والإسلامية في شكله ومضمونه، فإن حاجز اللغة لا ينبغي أن يمنع من إدماج هذا الإبداع الملتزم في عداد الأدب الإسلامي، وإن نفعل فسنلغي الوفير من الآثار الملتزمة بروح الإسلام، الهادفة إلى نفس الغايات التي يتغياها الاتجاه الإسلامي في الأدب العربي. بل إن من النقاد من يعترف بأن أدب غير المسلمين يمكن عده أدبا إسلاميا إذا هو التقى مع التصور الإسلامي التقاء ولو كان يسيرا جزئيا، لأنه يوافق المنهج الإسلامي في الفن. وهذه قضية تحتاج إلى كثير من التأمل والنقاش.
فصنف يتجاوب مع التصور الإسلامي شكلا ومضمونا، قالبا وروحا وغاية، تظهر سمات الالتزام الإسلامي عليه وعلى صاحبه جلية واضحة في كلمته وفي خلقه، وهذا الصنف لأمراء في نسبته للاتجاه الإسلامي ولا ارتياب، كيفما كانت لغته، لأنه لا جنسية ولا عرق في الإسلام إلا جنسية العقيدة وعرق التقوى والإيمان. ويمكن للعربي أن يدرس أدب لغته، وللأردي والتركي والفاسي كذلك أن يدرس أدب لغته، لكنهم جميعا يدرسون، الأدب الإسلامي.
وصنف بعيد التصور الإسلامي، مناقض في رؤيته وغايته ومنهجه للرؤية والغاية والمنهج في الفكر الإسلامي والعقيدة والشريعة.. وهذا لا يمت إلى الاتجاه الإسلامي في الأدب بأية صلة، لا يجادل في ذلك أحد.
وصنف ليس نابعا من تصور إسلامي واضح، ولكنه لا يصطدم معه ولا يناقضه، وقد يلتقي معه في بعض التصورات أو الأهداف، ومن هذا الصنف ما يرد على أقلام الملاحدة والكافرين، ومنه ما يكتبه المسلمون الذين لا يمتلكون رؤية إسلامية صحيحة ناضجة، أو لا يلتزمون بحدود العقيدة الإسلامية في إبداعهم أو في سلوكهم، ولكنهم ينتجون – في بعض الأحيان- أدبا يلتقي مع التصور الإسلامي الصحيح، إن في منطلقاته أو في أهدافه ومراميه. وهذا الصنف بأشكاله وأشخاصه هو محط الجدل بين "نقاد الأدب الإسلامي".
لكن البت في هذه ااقضية يقتضي بداءة تحديد مفهوم "الأدب الإسلامي" وشروطه وغاياته وموضوعاته ومقوماته، وهل ينظر فيه إلى مصدره ؟ أو ينظر إلى شكله؟ أو يبحث في مضامينه ورؤاه في الحياة والناس والكون والكائنات؟؟ ثم يقتضي منا الأمر بعد ذلك تحديد مفاهيم أساسية في المصطلح النقدي، ككلمات "أدب" و"نقد" و"أديب" و"ناقد" و"التزام".
فإذا تحددت هذه المفاهيم استطعنا أن نجيب عن تلك الأسئلة، وأن نبت في القضية المطروحة بيسر، وأن نبرهن على مشروعية ميلاد منهج إسلامي في العمل الأدبي، إبداعا ودراسة ونقدا. هذا إن تعلق الأمر فعلا بمولود جديد، فكيف و"الأدب الإسلامي" فن قائم معمر في الآداب الأخرى حقبا طويلة !! له خصائصه ومميزاته، نبغ فيه النابغون في كل العصور، وأبدع فيه المبدعون الروائع في مختلف الفنون، ونحن لا نحتاج اليوم إلا لدراسته وتقويمه وتوجيه الناشئين من رواده وأبنائه، وذلك في رأينا ضروري تدعو إليه جملة من الدواعي المنطقية الواضحة.
لقد قامت محاولات فردية، وبذلت جهود جماعة في سبيل ذلك، فنظمت لقاءات، وعقدت ندوات بين أدباء الإسلام، وألفت –ولاسيما في الحقبة الأخيرة- كتب في "النقد الإسلامي" و"الأدب الإسلامي"... كل ذلك بهدف تأصل الأدب الإسلامي إبداعا ونقدا وتنظيرا وتطبيقا، وقد توجت هذه الجهود بانعقاد المؤتمر العالمي لرابطة الأدب الإسلامي في شهر ربيع الأول من السنة المنصرمة 1406هـ (يناير 1986) بالهند. فعسى أن يكون هذا المؤتمر فاتحة يمن، وبشارة خير، وشهادة ميلاد جديدة للاتجاه الإسلامي الواضح في الأدب ونقده.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here