islamaumaroc

تشريح الموتى.

  محمد الحبيب ابن الخوجة

العدد 261 ربيع 2 1407/ دجنبر 1986

طلب منا مجمع الفقه الإسلامي بمكة المكرمة تحرير إجابة علمية في قضية تشريح الموتى. وقد انبنى هذا الطلب على ما رفع عرضه وبحثه بهذا الشأن في الدورة الثامنة الأخيرة. إذ وصل المجمع خطاب من السيد/ سيد ولي الله البنجلاديشي عن طريق أمين عام الندوة العالمية للشباب الإسلامي بالرياض، يشكو فيه أمرا حصل لبعض أفراد أسرته. وهو أن ابنته ماتت في حادث طيران هي وجملة من الركاب ولم يلتقط من جثثهم سوى أربع أو خمس. وحين أخذت هذه الجثث إلى مشرحة كلية الطب بداكا، بغرض إجراء الفحص بعد الوفاة، طرحت الجثث أرضا ومن بينها جثة ابنته، وكانت عارية مكشوفة، تقع تحت نظر الأطباء والطلاب وكل من يدخل القاعة من الناس. وهو إذ يستنكر شديد الاستنكار، يطلب من الجهات المسؤولة والمختصة منع الرجال من فحص جثث الإناث. وقد صدرت عن المجمع الموقر توصية بتوجيه خطاب إلى الرئيس البنجلاديشي وصور منه إلى وزيري العدل والصحة بداكا يستنكر فيه ما حصل من تشريح جثة المسلمة المذكورة من قبل أطباء رجال، كما يطلب منهم منع الأطباء الرجال مستقبلا من تشريح أجساد النساء.
واستجابة منا للرغبة المجمعية الكريمة في القيام ببحث هذا الموضوع، نقول مستعينين بالله:
إن للقضية المعروضة شعبتين:
أولاهما تتمثل في بيان حكم الشريعة الإسلامية في تشريح الموتى.
وثانيتهما ترتبط، إذا سلم بجواز التشريح أو أقر، بتحديد من يقوم به من أهل الاختصاص في المهنة بالنسبة للمرأة. فهما موضوعان مختلفان يتأكد بحث كل واحد منهما التوصل إلى الحكم المعتبر الذي تقتضيه أصول الشريعة وقواعدها فيهما.
أما الموضوع الأول وهو قضية تشريح الموتى، ففيه للفقهاء موقفان متقابلان.
الموقف الأول: الحظر، أخذوا ذلك من حديث عائشة رضي الله عنها: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كسر عظم الميت ككسره وهو حي". وكذلك مما أورده السيوطي في بيان هذا الحديث عن جابر رضي الله عنه قال: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة، فجلس النبي صلى الله عليه وسلم على شفير القبر، وجلسنا معه، فأخرج الحفار عظما: ساقا أو عضدا، فذهب لكسره، فقال صل الله عليه وسلم لا تكسره فإن كسرك إياه ميتا ككسرك إياه حيا، ولكن دسه بجانب القبر".
وهذا الحديث والذي قبله يقتضيان التحريم. وقد اتفق العلماء على ذلك في الحياة والموت، لما في كسر عظم الحي والميت على السواء من إلحاق الإذاية بهما واستحقاق الإثم.
ومما استدل به أيضا على المنع ما رواه البخاري عن عدى بن ثابت قال: "سمعت عبد الله بن يزيد الأنصاري قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النهبي والمثلة". وفي تشريح الأجساد من المثلة ما فيه. وهو أمر معلوم لا يقبل الدفع ولا الإنكار. ومن كرامة الإنسان أن يصان حيا وميتا من أن يمثل به.
والموقف الثاني: للفقهاء اليوم الجواز بقدر الضرورة. والأصل فيه ما قضى بم الأئمة والعلماء المتقدمون بشأن المرأة إذا ماتت وولدها حي، وبشان المرأة الحية يموت الولد في بطنها، وفي الميت يكون قد ابتلع مالا فيشق بطنه لإخراج ذلك المال.
ذهب الحنفية إلى أنه إذا ماتت امرأة حامل، وفي بطنها ولد حي شق بطنها، لأن هذا وإن كان فيه انتهاك لحرمة الميت، ففيه صيانة لحرمة الحي.
وأما إذا مات الولد في بطن أمه، وهي حية، فإن القابلة تقطعه بآلة، بعد تحقق موته وتخرجه.
وإذا كان حيا لم يجز قطعه، لأن موت الأم به موهوم. ولا يقتل آدمي حي لأمر موهوم.
وإذا كان الميت قد ابتلع قبل وفاتهما لا له أو لغيره. فإذا كان له لم تشق بطنه لاستخراجه، لأن حرمة الآدمي وإن ميتا أعلى من حرمة المال، ولا تنتهك حرمة الأعلى لصيانة حرمة الأدنى.
وإذا كان المال لغيره وقد ترك الهالك مالا لا يشق بطنه، وتدفع قيمة المال من تركته لصاحب المال.
فإذا كان المال لغيره ولم يترك الميت شيئا شق بطنه، لأن حق الآدمي مقدم على حق الله تعالى، وعلى حق الظالم المتعدي، لأن حرمته زالت بتعديه على مال  الغير.
وهذا تفصيل لما لخصه الحصفكي بقوله: "حامل ماتت وولدها حي يضطرب شق بطنها من الأيسر ويخرج ولدها، ولو بالعكس وخيف على الأم قطع وإخراج لو ميتا وإلا لا. ولو مال غيره ومات هل يشق؟ قولان، والأولى نعم".
وذهب الشافعية في الصورة الأولى إلى أنه يشق بطن الحامل الميت إذا كان الجنين ممن ترجى حياته، بأن كان ابن ستة أشهر فصاعدا.
وإذا كانت لا ترجى حياته بعد الإخراج، فالأصح أنه لا يشق بطنها.
وفيمن بلع مالا لغيره وهلك، أطلقوا الشق إذا طلب المال صاحبه. وقال بعضهم يشق إذا لم يضمن الورثة مثله أو قيمته.
وإذا بلع جوهرة لنفسه فوجهان.
وأدى هذا ملخصا أبو إسحاق الشيرازي بقوله:
"وإن ماتت امرأة وفي جوفها جنين حي شق جوفها، لأنه استبقاء حي بإتلاف جزء الميت فأشبه إذا اضطر إلى أكل جزء الميت".
وبقوله: "وأن بلغ الميت جوهرة لغيره وطالب بها صاحبها شق جوفه وردت الجوهرة. وإن كانت الجوهرة له ففيه وجهان، أحدهما: يشق لأنها صارت للورثة فهي كجوهرة الأجنبي، والثاني، لا يجب، لأنه استهلكها في حياته فلم يتعلق بها حق الورثة".
وأجاز المالكية شق بطن من ابتلع مال غيره قبل وفاته، قال خليل: "وبقر عن مال كثير ولو بشاهد ويمين".
وقال الخرشي: "إن من ابتلع مالا له أو لغيره ثم مات فإنه يشق جوفه، فيخرج منه إن كان له قدر وبال، بأن يكون نصابا. وهل نصاب الزكاة أو السرقة؟ قولان".
وقال ابن حبيب من المالكية بعد البقر إذا ابتلعه لقصد صحيح، كخوف عليه أو لمداواة.
وأما إن كان القصد من ابتلاعه حرمان وارثه، فإنه لا خلاف في وجوب البقر لأنه كالغاصب.
وقيد ابن بشير شق البطن بأن لا يكون للميت مال يؤدى منه ما ابتلعه قبل موته.
وذهب الحنابلة إلى رأي وسط في هذه الحالات، فأخذت مرة بقول أحمد في أنه لا يشق، وأخرى أجازت ذلك. يفصح عن هذا ابن قدامه في المغني حين قال: "المرأة إذا ماتت وفي بطنها ولد حي يتحرك فلا يشق بطنها، ويسطو عليه القوابل فيخرجنه. وإن لم يوجد نساء لم يسط الرجال عليه. وتترك أمه حتى يتيقن موته، ثم تدفن".
ثم عرض مذهب مالك وإسحاق والشافعي فقال:
"ومذهب مالك وإسحاق قريب من هذا. ويحتمل أن يشق بطن الأم إن غلب على الظن أن الجنين يحيا، وهو مذهب الشافعي لأنه إتلاف جزء الميت لإبقاء حي، فجاز كما لو خرج بعضه حيا ولم يمكن خروج بقيته إلا بشق، ولأنه يشق لإخراج المال منه فلإبقاء الحي أولى".
وفي قضية المال فصل القول صاحب المغني فقال:
"وإن بلع الميت مالا لم يخل من أن يكون له أو لغيره، فإن كان له يشق بطنه أنه استهلكه في حياته، ويحتمل أنه إن يسيرا ترك، وإن كثرت قيمته شق بطنه وأخرج فيه حفظ المال عن الضياع، ونفع الورثة الذين تعلق حقهم بماله بمرضه.
وإن كان المال لغيره وابتلعه بإذنه فهو كما له، لأن صاحبه أذن في إتلافه. وإن بلعه غصبا ففيه وجهان، أحدهما لا يشق بطنه ويغرم من تركته، لأنه إذا لم يشق من أجل الولد المرجو حياته، فمن أجل المال أولى، والثاني يشق إذا كان كثيرا، لأن فيه دفع الضرر عن المالك برد ماله إليه، وعن الميت بإبراء ذمته، وعن الورثة بحفظ التركة لهم".
فهذه المذاهب كلها مع الاختلاف الجزئي في تقدير المصلحة بينها، تجيز البقر أو شق البطن في بعض الصور، كما ذكرنا مراعاة منها للمصلحة الراجحة، وتحملا للضرر الأخف، قصد جلب مصلحة، تفويتها أشد من ذلك الضرر، وإعمال هذه القواعد من أهم ما بينت عليه أحكام الشريعة التي توازن دائما بين المصلحة والمفسدة، فتجعل الحكم لأرجحهما، على ما تقتضيه الحكمة ويوجبه النظر الصحيح.
ولا غرو أن تبع الفقهاء المتأخرون الأئمة السابقين في هذا المنهج النظري لتحديد الأحكام. وصدرت الفتاوي من الشيوخ عبد المجيد سليم ويوسف الدجوى ومحمد بخيت المطيعي وحسن مأمون وغيرهم، بشأن جواز تشريح الموتى في حالات الوفاة غير العادية، وعمليات زرع الأعضاء وعلاج الحروق الأحياء ونحو ذلك.
وربما جازوا هذا الحد عندما أقروا تشريح أجساد الأحياء للمصلحة، ولم يكن يفتي بذلك أحد من المتقدمين لاختلاف الظروف والأزمان، ولما كان يكتنف العمليات الجراحية البسيطة في السابق من أخطار، توجب في الغالب الهلاك، وما آل إليه الأمر اليوم في عمليات القلب والرئتين والكلي وغيرها اليت لا يتردد أحد من المصابين في التقدم إليها عند الحاجة طلبا للشفاء، وثقة بالتقدم العلمي ووسائل العلاج.
وقد يشجع هذا التطور التقني والعلمي عددا كبيرا من الناس على التبرع بدمائهم في حياتهم، وعلى التنازل في حالتي الصحة وبعد الموت عن أجزاء من أبدانهم، إغاثة للمنكوبين وإسعافا للمعوقين ورحمة بالمرضى المهددين بالموت. وأن ذلك لعمر الله لقمة البذل والإحسان المندوب إلى مثله شرعا. وقد دل على ذلك قوله تعالى: "من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا".
وما كان أحد من الناس ليقبل ذلك لو لم تلمس نتائج هذه العمليات وتظهر فوائدها عيانا، وما كان لأحد من الفقهاء أن يجيز شرعا أمثال هذه التصرفات في علاج المرضى أو تطبيبهم، لو لم يدركوا خصائص التشريح وتطوره ومنافعه.
واعتقادنا أن علماء الشريعة كانوا بحمد الله وما زالوا يواكبون عصورهم، وينبهون إلى الأحكام معللة بما يتضح لهم في أزمانهم. فهذا الإمام القرافي يعل عمل الصحابة في دية عين الأعور بعلة حكمية تشريحية. فقد جاء في الفرق التاسع والأربعين بعد المائتين الذي عنوانه: بين قاعدة العين وقاعدة كل اثنين من الجسد فيهما دية واحدة كالأذنين ونحوهما، أن الدية تجب كاملة في عين الأعور عند المالكية، وبه قال أحمد لأن عمر وعثمان وعليا وابن عمر رضي الله عنهم قضوا بذلك من غير مخالف، فكان ذلك إجماعا".
ولا يعنينا هنا بحث قضية الإجماع الذي نازع فيه الشافعية وأبو حنيفة، ولكن المهم ومحل الشهادة قول القرافي بعد ذلك في تعليل الحكم:
"ولأن العين الذاهبة يرجع ضوؤها للباقية، لأن مجراها في النور الذي يحصل به الإبصار واحد، كما يشهد به علم التشريح. ولذلك أن الصحيح إذا أغمض إحدى عينيه اتسع ثقب الأخرى، بسبب مات اندفع لها من الأخرى وقوى إبصارها، ولا يوجد ذلك في إحدى الأذنين إذا سدت الأخرى، أو إحدى اليدين إذا ذهبت الأخرى، أو قطعت. وكذلك جميع أعضاء الجسد إلا العين لما تقدم".
وكما يدل التشريح على علة الحكم الشرعي كما قدمنا فإنه طريق إلى مطلب أعلى وغرض أشرف، هو التوصل إلى معرفة أسرار الخالقية، وإدراك دقائق التكوين للذات البشرية، المأمور بتدبرها والتفكير فيها والحرص على الوقوف عليها شرعا لقوله عز وجل: "وفي أنفسكم أفلا تبصرون".
فالتشريح يثبت الإيمان، ويورث الإيقان كما صرح بذلك الحفيد ابن رشد وعلله في قوله: "من اشتغل بالتشريح ازداد إيمانا بالله. فمعرفة الأعضاء والأنسجة وارتباطاتها، والعظام وهندستها، والعضلات وأوتارها، والقلب وتركيبه الفريد، والرئتين والكبد والكلي والدماغ، كلها تدعو إلى الإيمان وإلى الانبهار بهذه القدرة- قدرة الله- العجيبة الفذة الرحيمة المبدعة الحكيمة".
وليس في التشريح الطبي كما يجزم بذلك أهل المعرفة وعامة العقلاء امتهان أو مثلة بالأجساد المعروضة للتشريح، لأن هذا يكون في العقوبة والتنكيل والانتقام والتشفي، وليس ما نحن فيه من هذا القبيل، بل وهو عمل علمي وغرض عدلي. وربما ارتقى إلى رتبة سامية يكون معها أمرا مقصودا ومطلبا أكيدا من مطالب الحياة. فلا يمكن الاستغناء عنه بحال في مجال الإبقاء على صحة الإنسان وحمايته، ومجال إقامة موازين العدل بين أفراده.
والمجال الأول: يتمثل في احتياج الناس إلى الطبيب الماهر، والنطاسي الخبير لعلاج أمراضهم والتخفيف من آلامهم وتوفير أسباب الصحة لهم، سواء عن طريق الكشوف الدقيقة والاختبارات والتحاليل، أو عن طريق وصف الأدوية الناجعة، أو زرع الأعضاء. ولا يتحقق ذلك بينهم إلا متى أحكم الأطباء معرفة أعضاء الجسم الإنساني ووظائفها، وأدركوا العلل وأسبابها وتأثيراتها، وتولدت لهم عن ذلك القدرة والكفاءة الضروريتان لمباشرة الجراحة وتطبيب المرضى. وهذا كله لا يتم إلا بالتشريح. وقديما قيل من لم يدرس التشريح لم يأمن الوقوع في الخطأ وقد يقتل من يطب، ومن لم يدرس التشريح لا يحق له بحال أن يمارس الجراحة.
وهذه الوظيفة تعتبر واجبا كفائيا لتوقف صلاح الإبدان عليها، ولأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
والمجال الثاني: ليس أقل أهمية من الأول. وهو الذي يقوم فيه الطبيب الشرعي بتشريح أجساد الموتى لتحديد أسباب الموت في حالات التسمم وجنايات القتل ونحوها. وهذا الطب الجنائي ضروري أيضا، لما يوفره من الدلائل القطعية والبراهين العلمية القائمة مقام البينات فيما يشكل على القاضي التوصل إليه عند اختلاط الأمر والتباس الأحوال. فهو يساعد القضاء برفع التهمة عن الأبرياء وإثبات الإدانة للمجرمين. وهو من أجل هذا يكتسي شأنا وخطرا كبيرين في الحياة الاجتماعية لما يحققه من حماية الحق وضمان العدل بين الناس.
ومتى تأكد أن التشريح مهم في خدمة مصالح العالمين، وأن تعلمه ومباشرته ضروريان حفاظا على تلك المصالح ووفاء بها، سواء في المجال الطبي العلاجي، أو في الطب الشرعي الجنائي، فلا تردد في القول بمشروعيته وجوازه، إن لم نقل بلزومه ووجوبه في بعض الحالات.
والتشريح لا يكون للأحياء إلا عن طريق الجراحة وعند اقتضاء الضرورة لما نهينا عنه من الإلقاء بأيدينا إلى التهلكة، ويكون لأجسام الموتى بعد تحقق الموت. ويمكن أن يجري على أجسام المجهولين من الموتى، ومن لا ولي لهم، خدمة للناس كافة، وتوفيرا لأسباب علاجهم من الأمراض ووقايتهم من الأخطار، كما يمكن تشريح الموتى الذين أذنوا بذلك اختيارا قبل وفاتهم، وتنازلوا عن أجسادهم أو بعض أعضائهم، أو قبل ورثتهم تسليم جثثهم للمشارح.
ولا يفوتنا هنا أن نشيرا إلى ما يجب على الأطباء المشرحين قبل تلك الجثث من وجوب توقيرها، ومن القيام بعد الاختبار والتحليل ودرس عينات منها بدفنها ودفن ما تبقى من أعضائها وأنسجتها ونحو ذلك، حماية لكرامة الإنسان، وعملا بما أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الصدد.
وأما الموضوع الثاني: وهو تحديد من يتولى تشريح الموتى، وبالخصوص تشريح جسم المرأة، وهو موضع الاستنكار، فإنا نحتاج إلى التذكير فيه بالواقع الآن في كليات الطب وبالمستشفيات، وإلى مقابلته بالنصوص الشرعية، ثم الانتهاء من وراء ذلك إلى إبداء الحكم الفقهي فيه.
ولعله من غير الخفي على أحد:
أولا: إن التمريض في أكثر المصحات والمستشفيات يقوم به العنصر النسائي في الغالب، للذكور والإناث بلا فرق، فتلامس المرأة الممرضة جسم المريض والمريضة، وتقوم بخدمتهما ومعالجتهما.
ثانيا: إن طلاب الطب في جميع الكليات، ذكورا وإناثا، يباشرون في سنوات الدراسة الأولى تشريح أجسام الموتى من الرجال والنساء جميعا، إمعانا في الدرس والتحصيل، وتكوينا للخبرة والدربة. وأن ذلك من المقررات الهامة الدراسية في مناهجهم التي هم عنها مسؤولون في امتحاناتهم، فلا يرتقون إلى درجة أعلى حتى يكونوا قد مهروا في ذلك، وأحاطوا إحاطة تامة بخصائص الجسم الإنساني في الجنسين. ولا بدع أن يكون لمباشرتهم التشريح في هذه المرحلة ما يقودهم خلال تجاربهم الشخصية إلى ملاحظات ومدارك دقيقة علمية، يكون لها أكبر الأثر بعد ذلك في حياتهم العلمية والعملية.
ثالثا: إن أقسام الطب الشرعي أكثرها تسند مهمة التشريح فيه إلى الأطباء الذكور، لندرة المتخصصات في هذا الفن أو الفرع العلمي من النساء. فيقومون بتشريح الجثث من غير اعتبار الجنس، امرأة كان أو رجلا.
وهذا الوضع القائم وإن اقتضته الضرورة ودعت إليه الحاجة في ميدان التعليم من أجل إعداد الأطباء وتخريجهم تخريجا دقيقا كاملا، يخضع في مجال التمريض وفي المستشفيات في أكثر أقسام الطب الشرعي إلى العادات  الغربية الموروثة والغالية المتحكمة التي لا يمكن تغيرها، إن عقد العزم على ذلك، إلا على مدى جيل أو جيلين على الأقل
ولا ينازع أحد في كون النظر إلى العورة محرما شرعا. وأن النهي الصريح وارد في ذلك. روى الترمذي وأبو داود حديث معاوية بن حيدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: "احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك".
وروى مسلم حديث أبي سعيد الخدري عن أبيه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب واحد".
وتحريم ذلك بين الرجال والنساء من أجل شهوة النكاح. قاله العلماء وهو مقتضى قول الله سبحانه: "ذلك أزكى لكم".
وقوله جل وعلا في آية الحجاب: "ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن".
وتحريم النظر واللمس لعورة النظير لما في ذلك من القبح والفحش.
وقد حددوا عورة الرجل بما بين السرة والركبة. وقالوا: المرأة كلها عورة ما عدا وجهها وكفيها وقدميها لقول تعالى: "ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها".
ويقابل هذا الحكم العام ما ورد من الترخيص فيه اعتمادا على ما أخرجه البخاري من حديث الربيع بنت معوذ قالت: "كنا نغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم فنسقى القوم ونخدمهم ونرد الجرحى والقتلى إلأى المدينة".
قال ابن حجر: "يجوز معالجة المرأة الأجنبية الرجل الأجنبي للضرورة".
وقال ابن بطال: "يختص ذلك بذوات المحارم ثم بالمتجالات منهن، لأن موضع الجرح لا يلتذ بلمسه، بل يقشعر منه الجلد، فإن دعت الضرورة لغير المتجالات، فليكن بغير مباشرة ولا مس، قياسا على المرأة إذا ماتت ولم توجد امرأة تغسلها، أن الرجل لا يباشر غسلها باللمس بل يغسلها من وراء حائل". وهذا خلافا للزهري، ولقول الأكثر، ولما ذهب إليه الأوزاعي. وقد أنكر ابن المنير مقالة ابن بطال، وفرق بين الصورتين: الفرع والأصل بقوله: "الفرق بين مسألة المداواة وتغسيل الميت أن الغسل عبادة، والمداواة ضرورة، والضرورات تبيح المحظورات".
وممن اعتبر هذه الضرورة وقدرها بقدرها ابن مفلح في كتاب الآداب الشرعية حين قال: "فإن مرضت امرأة ولم يوجد من يطبها غير رجل جاز له منها نظر ما تدعو الحاجة إلى نظره منها، حتى الفرجين، وكذا الرجل مع الرجل".
وكذلك قال ابن حمدان في صورة العكس (وإن لم يوجد من يطبه سوى امرأة فلها نظر ما تدعو الحاجة إلى نظرها منه حتى فرجيه). ومن ثم قال الفقهاء بجواز النظر إلى العورة للمداواة.
وزمن مقابلة هذه النصوص بالأحوال الجارية، يتبين والله أعلم أن التشريح للأجسام، ذكرانها وإناثها، من طرف الطلاب والمتعلمين جائز للضرورة. وأن التشريح الذي يقوم به الطبيب الشرعي لجثة المرأة الميتة اليت لم يبق محلا للزينة ولا للشهوة جائز، ما لم توجد امرأة تستطيع القيام بهذا المهم الذي دعت إليه الضرورة، فإن وجدت لم يجز له وجاز لها. وكذا التمريض يجوز من الرجال للرجال ومن النساء للنساء إن أمكن ذلك فإن لم يتوفر الممرضون جاز للنساء تمريض الرجال كما دل على ذلك الحديث.
وإنا مع ذلك لنهيب بالحكومات الإسلامية وبالمسؤولين عن التعليم العالي، وخاصة في كليات الطب أن يعنوا:
أولا: بتقوية الروح الإسلامية في طلاب الجامعات وكليات الطب خاصة، لإذكاء الضمير الديني وتهذيب السلوك الشخصي، ودعم روح البحث، بما يمكن لهم من تبوء مقام الريادة في المجالين العلمي والعملي السلوكي اللذين يرتكز عليهما تقدم المجتمع الإسلامي.
وثانيا: بأن ينظموا أقسام التشريح بفصل الطلاب فيها عن الطالبات في مباشرة الاختيارات والتحليلات، وجعل كل فريق منهما تحت إشراف أستاذ خبير، إن كانوا طلابا، أو أستاذة خبيرة إن كن طالبات، تحقيقا للتركيز العلمي وتوقيا من ألوان الإثارة والانحلال الأخلاقي.
وثالثا: أن يعدوا من العنصر النسائي في الطب الشرعي من تقوم بتشريح جثت الموتى من النساء، كما نوصي مدارس التمريض بالعناية بتخريج الممرضين من الرجال والممرضات من النساء، ليباشر كل عمله فيما هو مؤهل له ومأذون له فيه شرعا، فنكون بذلك ملتزمين بديننا، آخذين بأحكام وآداب شريعتنا، مسارعين إلى تطوير مجتمعاتنا تطويرا حضاريا، تحرسه الأخلاق، ويحميه الدين، ويدعمه حب الريادة في مجال التقدم العلمي والإصلاح الاجتماعي وخدمة الصالح العام.
والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here