islamaumaroc

أضواء على الرسالة المحمدية.

  محمد بن علي الكتاني

العدد 261 ربيع 2 1407/ دجنبر 1986

هل يحتاج الإسلام اليوم إلى تسليط أضواء عليه كما تدعي هذه المقالة؟ وبالنسبة لمن ينبغي أن تسلط عليه الأضواء إن جار ذلك؟.
قد تجنح طائفة كبيرة منا إلى القول بأن الإسلام في غنى عن الأضواء. لا بالنسبة للمسلمين ولا بالنسبة لغير المسلمين، وقد تجنح طائفة أخرى إلى القول بعكس القول السابق، بناء على ما تراه وتجده من مسيس الحاجة إلى البيان، في عصر يتسم بالمزايدات الفكرية والغزو الفكري المضاد، ونحن من هذه الطائفة.
إلا أن الحاجة التي ألسمها لدى المسلمين فلي إلقاء المزيد من الضوء الكاشف على دينهم، هي الحاجة إلى فهم دينهم في سياق التاريخ الإنساني، أكثر من حاجتهم إلى فهم هذا الدين في عزلة عن هذا السياق.
إننا نرى المسلمين أو معظمهم يحتفلون كل سنة بعدد من الأعياد الدينية والذكريات الدينية المجيدة، وفي مقدمتها ذكرى الهجرة النبوية أو مطلع السنة الهجرية، وذكرى المولد النبوي أو غيرهما من الأيام التاريخية في الإسلام، فنتساءل: هل يجوز أن نعتبر هذه الظاهرة الاحتفالية تعبيرا عن وعي تاريخي أو تعبيرا عن إحساس بالتاريخ الإسلامي بما يترتب على هذا الوعي من نتائج؟؟.
وهذا التساؤل يوقنا إلى تساؤل ضمني, وهو:ما المراد بالوعي التاريخي وماذا يترتب عليه من النتائج؟.
يكفي أن نجمل الوعي التاريخي في صورة أساسية, وهي اعتبار التاريخ الإنساني مرجعا لفهم الحقائق الاجتماعية والسنن الإلهية  في حياة الإنسان .فالتاريخ هو الذي يكشف لنا عوامل التقدم والتخلف, الازدهار الماضي بعين الحاضر, والنظر إلى الحاضر من خلال فهم الماضي .
إن الإسلام يفرض على معتنقيه هذا الوعي التاريخي بحكم ما يكون المسلم من صلة بتاريخ الإسلام، وإلمام بتوجيهات القرآن الداعية إلى الموعظة والاعتبار.
مثل قوله تعالى:
(قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ) (1). 
وقوله تعالى:
(أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم، ولدار الآخرة خير للذين اتقوا، أفلا تعقلون) (2).
وقوله تعالى:
(أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها، أو آذان يسمعون بها ) (3).
ولكن، إلى أي حد يتحقق للمسلم عن طريق هذا الإلمام وعي بتاريخ أمته، وعقيدتها، وأطوار قوتها وضعفها؟؟
وتحضرني في هذا المقام فكرة لأحد المؤرخين العرب المعاصرين(4)، وهي تقسيمه التاريخ بالنظر إلى علاقته بأهله إلى نوعين:
- تاريخ هو عبء على كاهل أهله، وقيد من قيود حياتهم.
- وتاريخ هو حافز مثير دافع للمبادرة والممارسة الإبداعية.
يقول المؤرخ:
"من الواضح أن التاريخ في حد ذاته هو لا يتغير، وأنه لا يمكن لأحد أن يبدله أو يعود به. فيفك خيوطه لينسجه من جديد. أما الموقف المتخذ منه فهو تابع لدرجة الاستعداد ونوع الأهلية، وما ادخره القوم (أفرادا أو جماعات) من معرفة وخبرة، وما اكتسبوه من صفات خلقية وعقلية.
فلكم من تاريخ جليل حافل كان لأهله عامل استكانة وتأخر. وكم من تاريخ هزيل مظلم كان لأبنائه مثار نقمة ومبدأ انطلاق"(5).
فهل تاريخنا نحن المسلمين عبء علينا، يثقل كاهلنا، ويحول بيننا وبين الحركة الحرة، أم هو حافز لنا على التقدم والابتكار والممارسة القويمة للحياة الناجحة المتطورة؟؟.
من المؤسف أن نقول إن علاقتنا بتاريخنا علاقة قد قطعها الكثير من السلبيات.
إن من المظاهر السلبية التي تتميز بها علاقتنا بتاريخنا الإسلامي مظهر التقليد في تقديس هذا التاريخ وعبادته من غير فهمه وتحليله، وحتى حين نقرأه فلا نقرأه إلا بعين التقليد أو بعين الإجلال، فلا تنفذ إلى حقائقه لا في حالة التقليد ولا في حالة الإجلال. ويترتب على هذه العلاقة غير الواعية لدى الكثيرين الاقتصار على اعتبار الماضي أفضل من الحاضر باستمرار. أو الحنين إلى استرجاع الماضي بدل التفكير في إبداع المستقبل، كما يترتب على ذلك تصور ذلك الماضي تصورا أسطوريا لا يخضع لقوانين الاجتماع وسنن الحياة الإنسانية.
                                                  - 2 -
يرد علي هذا الخاطر كلما حضرت ذكرى من ذكريات تاريخ الإسلام، ولا سيما ما يتصل بظهور الإسلام، أو يتصل بتاريخ العصر النبوي وسيرة صاحبه عليه أفضل الصلاة والتسليم. فأتساءل: هل يفهم المسلمون حق الفهم ويعون حق الوعي هذه السيرة النبوية وذلك التاريخ، فيجدون فيهما القوة على مواجهة التحديات ومغالبة القوى المناوئة؟؟ أو يجدون فيهما المنهج القويم لمواجهة نفس المشكلات والتحديات والقوى التي واجهت ظهور الإسلام؟.
الحقيقة أن معظم المسلمين لا يعرفون الوجه الحقيقي للسيرة النبوية، ولا الأطوار التي تقلبت فيها الدعوة الإسلامية، إلا ما تصوره بعض الكتابات والأشرطة التي لا يمكن أن تتجاوز حدود الصورة المرئية، أو تنفذ إلى جوهر الحقائق التاريخية.
والحقيقة المؤلمة أيضا أن أطفالنا وتلاميذ مدارسنا وطلاب جامعاتنا لا يعرفون هذا التاريخ الحافل بالنضال في سبيل العقيدة وبناء الأمة الإسلامية معرفة مثمرة واعية، إما لأنهم يدرسون هذه السيرة وذلك التاريخ دراسة سطحية عابرة مختزلة في سن مبكرة، لا تق4وى على الفهم والاستيعاب. وإما أنهم يدرسونها دراسة سردية فارغة من أي تحليل أو عمق في التوثيق والتمحيص من خلال مسيرة التاريخ العالمية. فإذا درسوا ما سواهما من تاريخ الغرب الحديث أو التاريخ الحديث والمعاصر بدا لهم ما يقال عن الإسلام كأنه أسطورة من الأساطير، لا غناء فيها للعلم، ولا مظهر فيها من مظاهر التاريخ المنهجي الدقيق.
فإذا أضفنا إلى ذلك ما حفل به تاريخ الإسلام من خلال تصوره الكتابات الأجنبية عنه، باللغات الأوربية التي لا يجيد غيرها بعض المسلمين، وما شاع في هذا التصوير من عداء للإسلام ولرسول الإسلام، ومن إثارة الشبهات، وترديد الأضاليل، عرفنا ما يقوم في سبيل فهم هذا التاريخ والوقوف على حقائقه من عقبات وحواجز في وجه شبابنا ومثقفينا.
                                                   - 3 –
ولكي ندرك عظمة الرسالة المحمدية يجب أن نقدر الحاجة الإنسانية إليها حق قدرها. وهذه الحاجة إنما تتمثل داخل الزمن التاريخي الذي يتحدد بالعصر الذي جاءت الرسالة الإسلامية لتخرجه من الفوضى وظلام الشرك، ومن الصراع الدائر بين القوى والطبقات والشعوب والأفراد على حد سواء.
فلنلق نظرة مجملة على الواقع الإقليمي في الشرق الأدنى، أي الجزيرة العربية وما حولها من دول وأقطار عند ظهور الإسلام.
كان العالم على عهد ظهور الإسلام كثير الشبه بعالمنا المعاصر، من حيث انقسامه بين كتلتين، شرقية وغربية، كانتا تتصارعان في سبيل المزيد من السيطرة على البلاد المتاخمة لها. وفي سبيل التوسع الاستعماري لاستخلاص الجزية وتسخير الأهالي وتأمين التجارة، فكان الفرس يمثلون يومئذ الكتلة الشرقية، وكان البيزنطيون يمثلون الكتلة العربية، وكانت كفة النصر أو الهزيمة ترجح(غير واضح) القوة أو تلك، حسب العوامل الداخلية والخارجية المتاحة لكل منهما في ظرف من الظروف.
ولم يكن المجتمع العربي في الجاهلية مغلقا على نفسه، بعيدا عن مؤثرات هذه الحياة السياسية التي تهب عليه من الدول الكبرى المجاورة. فقد كانت الجزيرة العربية بالإضافة إلى ما تعانيه من أحوال التمزق والصراع القبلي ملتقى للصراع بين القوتين العظميين يومئذ. فدولة الفرس كانت تتخام العرب من ناحية الشرق. ودولة الروم كانت تتاخم الغرب من ناحية الشمال، بالإضافة إلى أن الفرس كانوا يحتلون جنوبي الجزيرة العربية ويتحكمون في باب المندب، المنفذ الأساسي للبحر الأحمر. ولكنهم كانوا يقفون على الضفة المقابلة للحبشة التي كانت تابعة عقائديا لدولة الروم.
كان العرب إبان هذا الصراع الدائر بين القوتين، إما أنصارا للكتلة الشرقية الفارسية، وإما أنصارا للكتلة الغربية البيزنطية. وكانت القبائل المتاخمة للدولتين في العراق كاللخميين، أو في الشام كالغساسنة تدور في فلك القوة التي تستعملها كحليف لها. فكان العرب إذن ينخرطون رضوا أم كرهوا في الحروب الدائرة بين القوتين.
وفي القرن السادس الميلادي كانت أوضاع الأمبراطوريتين العظميين تتردى وتسير من سيء إلى أسوأ، بسبب الصراع المذهبي والفكري الداخلي، داخل المجتمع الفارسي بسبب الصراع بين المزدكية والزرادشتية. أو داخل المجتمع الروماني بسبب الصراع بين المذاهب المسيحية التي تختلف حول طبيعة المسيح عليه السلام على طوائف شتى، تحول معها ذلك الصراع إلى جدل بيزنطي يضرب به المثل في العنف والعقم على حد سواء.
يضاف إلى هذا العامل الداخلي عامل الحروب التي كانت دائرة بين الدولتين العظمتين بغير فتور أو انقطاع، وهي حروب ظلت تستنزف خيرات الأهالي، فيحملون بالقوة على تغذيتها بأجسادهم وأموالهم من غير أمل في نصر حاسم.
كان هذا الصراع يتهدد الجزيرة العربية، ويحاول أن يستقطب القبائل العربية المتاخمة في العراق أو الشام للتحرك في فلكه. وقد شهدت مكة في الاتجاه غزو أبرهة الحبشي للكعبة ومحاولته هدمها. ومن ورائه فيما يقول المؤرخون، البيزنطيون.
لقد كان عرب منتصرون وعرب متهودون، تأثروا بالديانتين عن طريق التبشير والاتصال، فكان العرب المنتصرون يعطغون على البيزنطيين، ولكنهم قليلون. لأن البيزنطيين كانوا لا يتورعون عن التدخل في الجزيرة العربية، وحمل حلفائهم فيها على تنصير العرب أو جعلهم يتحركون في فلك بيزنطة وضمان أمن قوافل التجارة الرابطة بين الشمال والجنوب والشام واليمن.
وكان معظم العرب يميلون إلى الكتلة الشرقية الفارسية يومئذ، لأنهم أعداء بيزنطة، وأعداء أبرهة الحبشي الذي حاول يومئذ أن يحول العرب عن الكعبة إلى كاتدرائية بناها في صنعاء، فجاء لهدم الكعبة عام الفيل.
أما في الجزيرة العربية وسطا وأطرافا فكانت تلتقي التيارات والمذاهب الاعتقادية لتفتت المجتمع العربي، من مجوسية ومسيحية ويهودية ووثنية، بينما كان يشعر أفراد هنا وهناك أوتوا صفاء الذهن وقوة الحدس أن ما يحول بين العرب وبين القوى الكبرى المتاخمة لهم والمتعالية عليهم إنما هو وحدة شاملة توقظ الوجدان العربي وتوجهه الوجهة الجامعة.
وشهادات المؤرخين على تطلع العالم في مستهل القرن السابع الميلادي إلى إنقاذ شامل لا تعز على البحث المنصف.
يقول دانسون (Danson)(6) "في القرنين الخامس والسادس كان العالم المتمدين على شفا جرف هار، من الفوضى، لأن العقائد التي كانت تعين على إقامة الحضارة كانت قد انهارت. ولم تكن ثمت ما يعتد به مما يقوم مقامها. فبدا أن المدنية الكبرى التي كلف بناؤها جهود أربعة آلاف سنة مشرفة على الزوال. فالناس حتى في البلدان المتحضرة كانوا يتجهون إلى الهمجية بسبب الصراع... لقد كانت تلك المدينة القديمة بمثابة شجرة ضخمة تمتد ظلالها لتشمل العالم القديم كله، ولكنها شجرة تترنح وتتداعى للسقوط، بعد أن تسرب إليها العطب حتى اللباب. وبينما كان هذا الفساد الشامل يستشري إذا بالرجل الذي سيغير كل شيء يولد في مكة، فكان خير دواء لذلك الداء".
وقال هنري توماس ودانالي توماس(7): "في القرن السابع حين بدا على الدنيا أنها أصيبت بالجفاف، وحين فقدت اليهودية نسقها، واختلطت المسيحية بميراث العقائد البربرية والرومانية نبع في الشرق فجأة ينبوع صاف من الإيمان ارتوى منه نصفا العالم... وإن حكمة الله العجيبة، فإن هذا الينبوع الصافي إنما انبثق من أجدب بقعة في الأرض قاطبة، إنها صحراء الجزيرة العربية".
ماذا حملت الرسالة المحمدية من مناهج التغيير والعلاج والتصحيح؟ قبل الإجابة عن هذا السؤال، نلتفت إلى طائفة من الناس تراود أذهانهم فكرة كون الإسلام كان عبارة عن برنامج إصلاح اجتماعي شامل كما نفهم اليوم برامج الإصلاح التي يطلع بها على الناس منظر اجتماعي أو زعيم سياسي. وحينئذ يدخل الإسلام في عداد حركات الإصلاح التي تفرزها التناقضات الداخلية للمجتمع. كما حاول أن يفسر ظاهرة الإسلام أحد المفكرين الماركسيين من العرب(8).
نلتفت إلى هؤلاء لنقول لهم إن تاريخ ظهور الإسلام وإن احتمل هذا التفسير، فإن الاقتصار عليه سيجعلنا نتساءل: لم لم يظهر هذا الإسلام في بلاد فارس أو في بلاد الروم أو في بلاد الحبشة أو مصر. وقد كانت كلها مسرحا للتناقضات الاجتماعية حافلة بالصراع الطبقي إلى أقصى الحدود؟
وماذا كانت حاجة ذلك الإسلام أو الرسالة المحمدية في هذا الإطار المحدود إلى الانطلاق من مسائل العقيدة الإلهية، وتقويض كل ما كان يروج في العالم يومئذ.
إن الرجوع إلى التاريخ تاريخ العقائد والأديان والرسالات يعلمنا الكثير من الحقائق، ويكشف لنا عن الكثير من الأطوار التي لا يبصرها غير الذين شرح الله صدورهم للحقيقة والعلم.
فالرسالة السماوية ظاهرة متعاقبة في التاريخ، ولكن هذه الرسالات – كما يلاحظ ذلك من يدرسهـــــــا-(9) كانت تنتقل من طور إلى طور، وكأنها تهيء الإنسان وفق منهج معلوم لتحقيق كمال الرسالات لا من حيث طبيعتها وحسب، ولكن أيضا من حيث مضمونها، ومن حيث عموم المخاطبين بها.
فمن الرسالات السماوية ما كان ينطوي على تكاليف الزعامة الروحية حين يأتي الوحي الإلهي أو الدعوة الإلهية لتمكن لزعيم القوم من هداية قومه روحيا لأنه مطالب بقيادتهم في جميع الشؤون. كما هي رسالة إبراهيم الخليل قبل الميلاد بنحو تسعة عشر قرنا.
ومن الرسالات السماوية ما كان يقوم على صيانة أمة من الأمم في وجه أمة أخرى تستذلها أو تستعيدها كما هي رسالة موسى عليه السلام بعد ذلك.
ومن الرسالات ما كان تحقيقا لوعود متعاقبة ينتظرها المودعون بها، ويفسرها كل طائفة منهم بما يرجوه منها كرسالة المسيح عيسى عليه السلام.
قلما جاءت الرسالة المحمدية جرت على نسق الرسالات. فهي ليست بدعا من الظاهرة? قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم، إن أتبع إلا ما يوحى إلي وما أنا نذير مبين? (10)، ولكنها كانت اكتمالا حقيقيا للظاهرة العامة من جميع الجوانب التي ألمعت إليها. من حيث الطبيعة والمنهج والمخاطبين.
يقول أحد العلماء:(11)
"كانت الأديان والشرائع السالفة قبل الإسلام تجيء خاصة بعشائر، ثم بقبائل أو مدن، ثم بأمم. لأنك تجد الدين الذي يناسب حالة أمة أو قبيلة لا يناسب حال غيرها، إلا أن أصول ذلك كله لا تختلف كما أنبأ بذلك القرآن: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين زلا تتفرقوا فيه) (12).
وقد صرحت الأديان السالفة كلها والشرائع السابقة للإسلام بتخصيص دعوتها بقوم دون سواهم. وحسبك أن موسى عليه السلام مع اختراقه أمما وبلادا كثيرة في جهات مرور بني إسرائيل في طريق التيه قاصدين الأرض المقدسة، لم يدع إلى أتباعه غير قومه السائرين معه. ولما جاء عيسى لم يدع إلى أتباعه غير بني إسرائيل، إلا أصحابه استحسنوا دعوة غير بني إسرائيل...".
وجاءت الرسالة الإسلامية فارتقت الرسالة السماوية بها من خلالها إلى الأوج المطلوب منها من جميع النواحي.
فهي رسالة عامة لسائر البشر، وليست خاصة بقوم أو أمة أو شعب من الشعوب. ( وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا).(13)
(قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ) (14).
وهي رسالة كاملة الأصول وتامة الفروع، لا يستقل فيها التوجيه الروحي عن السلوك اليومي، ولا العقيدة عن العمل. ولا الفكر عن الممارسة. وهي رسالة يمتزج فيها الدين بالشريعة، لأنها جاءت بخلاف جميع ما سبقها حاملة الأحكام العامة في كل شؤون الحياة الاجتماعية من سياسة واقتصاد واجتماع وحرب وسلم.
ثم هي رسالة اقتضت بحكم الأسس السابقة كلها اقتضت قيام دولة أو نظام، لأن الدين لا ينبغي أن يظل عرضة لتعطيل أحكامه ومنهجه، وهو ينفذ إلى كل مفاصيل البنية الاجتماعية والسياسية. فيحركها من داخلها، فهل يعقل مع ذلك أن يقال عنه إنه يمكن أن ينفصل عن الدولة كما يروج ذلك المخدعون بالديماغوجيات؟
"فلما اكتملت للإسلام هذه الصفات علمنا أنه الدين المراد لله تعالى أن يكون دين البشر كلهم، وأن تقدمه من الأديان كان تمهيدا له وتدرجا إلى قمته"(15).
ومن ثم اعتبر الإسلام إكمالا للدين مون حيث هو، أي من حيث كون الدين اعتقادا ونظاما وأحكاما من شأنه تحقيق الصلاح في المبدأ والسعادة في المعاد.
فقال تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا ) (16).
                                                   - 6 -
كونية الدين باعتباره هداية الله لخلقه حقيقة من الحقائق التي أعلنها القرآن. وكونية الدين تعني أنه ما دام للكون رب قد خلقه وأتقن صنعه وهيأ أسباب استمراره وسنن انتظامه، فمعنى ذلك أنه لا بد للفكر الذي يعي هذه الحقيقة أن يتجه إلى عبادة هذا الخالق، فالربوبية تقتضي الربانية أي الاعتراف والعبادة والإيمان. وعالمية الإسلام نتيجة من نتائج الإقرار بكونيته. وهنا يحسن أن نقف على خصيصة من خصائص السلوك النبوي كما يمثل في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم. فقد يتخيل أن الإسلام وهو دين انبثق من بلاد عربية وحمله رسول عربي إلى العرب أنه خاص بالعرب، وأنه كان بداية لحركة قومية عربية. ولما كان الشعور بالقومية نوعا من الشعور بالكرامة والاعتزاز بالأصول بالنسبة للفرد والجماعة، فقد يخيل للمتخيلين أن الإسلام مثل هذه النزعة القومية أو تقيد بإطارها.
والحقيقة أن الرسول صلى الله عليه وسلم وإن كان يعتز بعروبته، ويعتز بأنه ولد يوم أعز الله العرب بنصرهم على دولة الأكاسرة، وكان يحب قومه ولا يحب من يبغضهم، ولكنه لم يكن يبغض مثل النعرة القلبية، لا لمزية سوى الجنس والأصل. وكان يقول:"لا فضل لعربي على أعجمي ولا لقرشي على حبشي إلا بالتقوى".
ومن عجائب الحكمة في هذا السلوك النبوي كما قال أحد الباحثين أن يأتي إنكار العصبية القومية من رسول هو في قمة الشرف بين قومه المعتزين بالعصبية، فلو كان هذا النبي محروما من تلك العصبية في أمته أو عشيرته أو أسرته لما كان في إنكاره للعصبية من عجب... ولكانت دعوته إلى المساواة بين بني آدم رسالة من معدنها لا تستغرب من صاحبها ولا من قومه، لكن محمدا صلى الله عليه وسلم كان في الذروة من فخار النسب والعصبية. وكان نسبه العريق ملتقى الأنساب من أقوى الأقويــــــــــــاء"(17).
فمن رسول محاط بكل أسباب التعلق بالعصبية القومية والاعتزاز بالنسب والشرف، منيع في قومه وأسرته تأتي الدعوة إلى المساواة بين البشر، وبأنه لا فضل لعربي على أعجمي ولا لقرشي على حبشي إلا بالتقوى.
وبذلك تتأكد عالمية الإسلام بارتفاعه على المستوى القومي والعرقي. وإن لم ينكر الإسلام الاعتزاز بالأصول والاعتداد بالمزايا التي للأقوام. والغاية من نفي هذه العصبيات القومية كلها إنما هي جعل العقيدة هي الرابطة الحقيقية في المجتمع الإنساني. وهي المقوم الأوحد لوجود الأمة.
وهذا هو المنعطف الذي حققه الإسلام في تاريخ الإنسانية جمعاء. لأنه أنشأ أمة العقيدة مكان أمم القوميات المتصارعة، ومكان التكتلات العرقية.
                                                   - 7 -
لقد كان ظهور الإسلام نقلة للنوع الإنساني من ماض مشحون بالصراع في غير طائل إلى حاضر، قد يكون فيه الصراع ولكن من أجل المبادئ والقيم. فنحن إذا ألقينا نظرة على كل الروابط والجوامع والأواصر التي كانت تربط الأمم القديمة أو المجتمعات القديمة فيما بين أفرادها لاحظنا أن تلك المجتمعات كانت واقعة في نقيضتين:
- أولاهما أنها كانت مجتمعات مؤسسة على العلاقات النسبية التي تعتبر القبيلة أوسع دوائرها.
- ثانيتهما أنها كانت بمثابة تجمع أو تعصب عرقي أو قبلي يعتبر الخارجين عن دائرته أجانب إن لم تقل أعداء.
وبهذه الصورة تجتمع السلالية والعدوانية في مفهوم العصبية إلى حد قولهم "انصر أخاك ظالما أو مظلوما".
فجاء الإسلام برابطة العقيدة. ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله ) (18).
(والذين كفروا بعضهم أولياء بعض) (19).
(يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض، ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) (20).
هكذا جعل الإسلام رابطة الدين رابطة فوق جميع الروابط، رابطة تمحي أمامها كل الروابط الأخرى إن تعارضت معها، من غير أن يدعو الإسلام إلى محو تلك الروابط الاعتقادية. لأن الله هو الذي خلق الخلق على هذا التنوع السلالي لحكمة بينها. ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ).
لقد أعلن القرآن أنه أنشأ أمة جديدة حين جعل الأمة الإسلامية هي الأمة الوسط التي تتجاوز التطرف إلى أقصى الطرفين. "وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيدا"(21).
فأي وسطية يعني القرآن؟.
لا بد من أن نرجع إلى سياق التاريخ – كما قلنا – لندرك أي وسطية تحققت بظهور الأمة الإسلامية.
جاءت الرسالة المحمدية، والعالم ينقسم إلى كتل شتى من حيث الاعتقادات التي كان لها تأثير عميق في الحياة الاجتماعية والأخلاقية للشعوب التي تدين بها.
فهناك الكتلة التي يقال عنها أنها كانت تدين بديانات سماوية ولكنها محرفة كاليهود والنصارى والصابئة. وهذه الكتلة كانت منقسمة في تصوراتها الرئيسية ومذاهبها إلى طوائف عديدة حولت أتباعها إلى خصوم يتبادلون العداوة والبغضاء. وبزعم كل منهم أنه الآخذ بالحق، وما سواه ضلال.
"وقالت اليهود ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى ليست اليهود على شيء، وهم يتلون الكتاب، كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم"(22).
وهناك الكتلة الوثنية التي كانت تدين بعقائد تتشخص لها في معبودات ماثلة للعيان كالكواكب والصور والآلهة المتعددة، كما نجد عند العرب في العصر الجاهلي، وعند غيرهم من الشعوب كالهند وشرقي آسيا.
وهناك الكتلة المجوسية التي تقول بإلهين اثنين، هما إله الخير وإله الشر أو إله النور وإله الظلام، وتتفادى بهذه الاثنينية القول بصدور الخير والشر معا من إله واحد. وكانت هي الأخرى على مذاهب شتى، أبرزها المانونية والمزدكية والزرادشتية التي تجاذبت السلطة في بلاد فارس قبيل ظهور الإسلام.
وهناك الكتلة التي تجاذبتها المذاهب الفلسفية كاليونان ومن تأثر بفلاسفتها الطبيعيين والآخلاقيين، وهم الذين يدعون أن العقل وحده الموصل إلى الحق، وأن المنهج الذي يقوم على التجربة والاختيار واعتماد المنطق هو المنهج الكفيل بإنجاح مساعي الإنسان في كل مجال.
ظهر الإسلام وسط هذه التيارات وغيرها مما تفرع عنها فواجه في الحقيقة كتلتين: - الكتلة المتطرفة نحو إنكار المادة والحياة الإنسانية الطبيعية باعتبارها شرا والخلاص منها سعادة. كما هي مذاهب البوذية والهندوكية والروحانيين من الصابئة والترهبنيين من النصارى.
- الكتلة المتطرفة نحو إنكار الحياة الروحية منن أساسها واعتبار المادة وحدها الحقيقة الموجودة. وإشباع  رغباتنا منا هو هدف الحياة.
فلما جاء الإسلام أعلن أنه ينتمي لكتلة العقيدة السماوية القائمة على الاعتراف بالألوهية لله والربوبية له، وإفراده بالعبادة، وبأن الإنسان مادة وروح، وأن له بعد الموت بعثا وجزاء على ما قدمت يداه.
وأعلن الإسلام أن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم هي خاتم الرسالات، وأن جوهر الدين واحد، وأن الخلاف إنما هو في التشاريع والمناهج الخاصة. "لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا، ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم"(23).
فثبت الإسلام منهج الوحي، وأعلن عن كون الإسلام هو خاتمة الأديان وأن نبي الإسلام خاتم الأنبياء، تكريما منه للبشرية التي لم يعد من اللائق بعد أن استكملت رشدها أن تظل مأخوذة نحو الهداية بغير زمام العقل والاستدلال.
وثبت منهج العقل والتجربة بما دعا إليه القرآن من إطالة النظر في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء إعلانا منه أن الطبيعة والتاريخ والنفس هي مجالات الاستدلال والبحث العلمي لمعرفة سنن الله في هذا الكون.
وبهذا كان الإسلام وسطا، وكانت الأمة الإسلامية أمة وسطا، فلا هي تأخذ بمنهج السماء وتلغي دور العقل، ولا هي تأخذ بقياد العقل وتلغي دور الوحي. ولا هي تميل نحو الروح وتلغي المادة، ولا هي تميل نحو المادة وحدها وتلغي الروح.
وقد حققت الأمة الإسلامية هذا التكامل في ثقافتها وبنائها الحضاري، فجمعت من ناحية بين تراث الإنسانية الثقافي، وتمثلت خير ما فيه وصححت أخطاءه ونمت رصيده. وبين علومها التي أنشأتها من ناحية أخرى، أي من كتابها المنزل وسنتها المروية ولغتها وشريعتها وآدابها.
                                                      - 8 -
كانت الرسالة المحمدية إذن بالنسبة للسياق التاريخي للبشرية نقلة نوعية من تاريخ إلى تاريخ، ومن فلك إلى فلك آخر، وأهم ما في هذه النقلة النوعية نستخلص المميزات الآتية:
- الارتقاء بالرسالة السماوية إلى أوجها بإكمال الدين الذي ارتضاه الله للإنسانية بعد أن هيأها إليه عبر رسالات سابقة كلها كانت تمهيدا للإسلام الكامل.
"اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا".
- تعميم الخطاب الإلهي للبشرية جمعاء، والخروج بالرسالة السماوية من خطاب شعب أو قبيل مخصوص بالرسالة، ليتم بذلك تعميم الهداية.
- اقتران العقيدة بالشريعة والدين بالحكم، ليكون الدين دستورا للحياة العملية ومهيمنا على شؤونها ورقيبا عليها.
23) المائدة: 48.
- إنشاء أمة العقيدة بدل أمة السلالة والتعرق والعصبية القومية. وأمة الوسط بدل أمم التطرف والغلو.
خلاصة الخلاصة في ضوء هذا التحليل أن الرسالة المحمدية (رسالة الإسلام) حملت إلى العالمين رسالة الوفاق بين عناصر الوحدة الكونية، بعد أن كانت تلك العناصر كلها حربا على بعضها البعض في أوهام الاعتقادات وسلوك المعتقدين، فالروح حرب على المادة، والمادة حرب على الروح، والعقل حرب على الدين، والدين حرب على العقل. والفرد حرب على الجماعة، والجماعة حرب على الفرد. والشعوب حرب على بعضها، والعناصر المتكاملة للذات الإنسانية مكبوتة لحساب واحد منها له حق القيادة من هوى أو غريزة أو فكر أو وجدان، فهي معه في نزاع لا يهدأ له أوار.
فجاء الإسلام ليجعل العقل والقلب والروح والمادة، والواقع والمثال والمحدود واللا محدود والطبيعي والماورا طبيعي، جميعها متناسقة في حركة هادفة. ولذلك تحول الإنسان المأزوم يومئذ إلى إنسان مبدع، لأنه اكتشف حقيقته وسعادته وطمأنينته في الانقياد لسنن الكون. وعلم علم اليقين أنه خرج كما وصف القرآن من الظلمات إلى النور، فأبدع ما أبدع، وأنشأ ما أنشأ، وانفتحت له الآفاق. فلم تمض عقود من السنين حتى كان ذلك بقوة السيف، لأن الأمم المفتوحة كانت قادرة على محو هؤلاء الفاتحين لو كان الأمر يتعلق بالسيوف ومعدات الحروب.
هذه هي النقلة المعرفية والأخلاقية والربانية التي حققتها رسالة الإسلام، وليس هناك أفضل في نظري رمن تحقيق نقلة جديدة لنا نحن المسلمين، بالعودة إلى شريعة الوفاق وتخليص الإنسان المسلم من الصراع الذي يغشاه ويشغله بالليل والنهار، برده إلى منهج الإسلام من حيث التوسط بين طرفي الغلو في كل سلوك وفكر وممارسة.
                                                      - 9 -
بقي أن نعود إلى سؤالنا الأول أو ملاحظتنا الأولى التي بنينا عليها مدخل هذه المقالة وهي:
هل نعي تاريخنا هذا حق الوعي؟ وهل ندرك عوامله وسننه الكونية حق الإدراك. من خلال السياق التاريخي للإنسانية؟ وبعبارة أخرى: هل ننظر إلى التاريخ من خلال الحاضر، والحاضر من خلال الماضي؟؟.
الواقع أننا لو فعلنا لاستطعنا أن ندرك كثيرا من أوجه الشبه بين حاضرنا وبين عصر ظهور الإسلام، فالعالم كما قلت كان منقسما يومئذ إلى كتلتين شرقية وغربية، مجوسية ومسيحية، واليهود في يثرب يلعبون دورهم في خلق الصراع بين الكتلتين وتقريب العرب لإحداهما دون الأخرى.
وجاء الإسلام في عالم منقسم، مشحون بالصراع لا وجود فيه للعرب إلا من حيث كونهم أتباعا للفرس أو للروم أو حلفاء لهما، فأوجد أمة العقيدة، ووحد العرب، وانتصر على كثير من القوى المناوئة، بل إنه انتصر على جميع القوى الوثنية والمجوسية واليهودية.
كيف سلك سبيل تحقيق هذا الانتصار. وماذا كان وراء انتصاره من عوامل الروح وعوامل المادة، عوامل أملتها السماء وعوامل أملتها طبيعة السياسة والصراع؟؟.
ذلك ما نريد أن يعرفه المسلمون. فينكبون على قراءة تاريخ الإسلام، وتاريخ دول الإسلام، من منظور التاريخ العام، ومن منظور الرسالة السماوية، فذلك خير احتفال بذكرى مولد سيدنا محمد، لمن شاء أن يعتبر.

-----------------------
 1) العنكبوث /20.
2) يوسف/109
3) الحج/46.
4) قسطنطين زريق- ونحن والتاريخ ص 208.
5) نفس المرجع.
6) المجتمع الإسلامي/ شبلى/ ص 8.
7) الإسلام دعوة عالمية للعقاد. ص 21.
8) انظر النزاعات المادية لحسين مروة.
9) العقاد مثلا: مطلع النور 114/...
10) الأحقاف 9.
11) أصول النظام الاجتماعي في الإسلام للطاهر ابن عاشور 11/12.
12) الشورى/14.
13) سبأ /28.
14) الأعراف /158.
15) أصول النظام الاجتماعي، ص/14.
16) سورة المائدة /3.
17) الإسلام دعوة عالمية للعقاد. ص /18.
18) التوبة 71
19) الأنفال 73.
20)المائدة 91.
21) البقرة 142.
22) البقرة 113.
23) المائدة:

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here