islamaumaroc

تشهيرات ابن عرضون في القرن العاشر الهجري

  عمر الجيدي

العدد 261 ربيع 2 1407/ دجنبر 1986

كانت الثقافة الفقهية في القرن العاشر الهجري تعيش حالة ركود شبه تام، نتيجة الضعف الذي أصاب الحياة الفكرية عموما، والجانب الفقهي خصوصا، لا في المغرب فحسب، ولكن في سائر أقطار العالم الإسلامي، إذ أصبح فقهاء هذا العصر، يقفون عندما انتهى إليه سابقوهم، يكتفون بما قالوه، ويقبلونه على علاته، لا يعملون فكرهم، ولا يبحثون لأنفسهم عن الخروج من حالة التقليد إلى ميدان التطور والتجديد، فإن بدرت من بعضهم بادرة تجديد أو ظهر منه نبوغ، ففي ميدان الاختصار والتعمق فيه، مما أدى بالفقه إلى أن يصبح في حالة من الغموض والإبهام، ومن ثم كثرت الحواشي والتعليقات هي أقرب إلى الرموز والألغاز منها إلى الإيضاح والبيان. وكان هم العلماء أن يقفوا مع نصوص الفقهاء السابقين، مقيدين أنفسهم بها، لا يخرجون عن ظاهرها ولا يبارحون مدلولاتها، متمسكين بوجه عام بما ورد في المختصر الخليلي وشروحه، وما هو على شاكلته. والخارج على ما هو مدون يعتبر مارقا لا تقبل فتواه، ولا ينفذ حكمه، وهذا الانغلاق في الثقافة، والتحجير على الفكر أدى ببعض المتنورين إلى أن يثوروا على ظاهرة التقليد هذه، يلتمسون لأنفسهم المخرج كي ينطلقوا بأفكارهم إلى الميدان الأرحب الذي تحث عليه قواعد التشريع الإسلامي وأصوله، ليسايروا العصر، وما يحمله من تطورات، وما يجد من مشاكل وأحداث، تلزم الفقيه بأن يقيس الأحكام على نظائرها، ويلحق الشبيه بالشبيه، ليحقق الهدف الذي ترمي إليه مقاصد الشريعة في استنباط الأحكام واستخراجها، ومن هؤلاء الفقهاء الذين منحهم الله قوة العقل ومضاء الذاكرة: القاضي أبو العباس أحمد بن الحسن بن يوسف الشهير بابن عرضون(1).
فلم ينفض يده من النص ولم ينسلخ من المذهب، ولكنه كان يعرف كيف يقارن، وكيف يراعي الأصلح، متمشيا مع الشريعة، ولكنه لا يهمل العرف والعادات التي لا تمس جوهر الدين، ولا العقيدة، فابتعد أحيانا عن المشهور، وأفتى بالشاذ متى كانت المصلحة تقتضيه، ومتى كان الشاذ ألأيق من غيره، وقضى الشاذ وشهره، وهو في كل ذلك معترف بأنه لا يمس مذهب الإمام مالك، ولا يتعرض عليه، ولا يتقص من قيمة صاحبه، وإنها هي أحكام كان يصدرها حسب ما تتطلبه المصلحة، وحسبما يتفق ومستوى العصر الذي عاش فيه.
ونحن لم نطلع على كل ما قاله وما سجله وما أفتى به، ولكن الشذرات التي وقفت عليها، وحكاها عنه علماء أتوا بعده وسجلوها في كتبهم، ووصلت إليهم سالمة تضع أمامنا صورة مصغرة، ولكن واضحة عن هذا الرجل.
ولم يتوقف ابن عرضون عند هذا الحد من تشهير الشاذ، أو الفتوى بما في خارج المذهب، بل أنه أفتى بشيء ما سبقه إليه أحد، وهي الفتوى التي حيرت العلماء وأدهشتهم، وهي قضية المرأة عندما أعطاها قسمة مساوية للرجل في العمل(2).
وقبل أن نثبت النموذج الذي اخترناه لهذا العالم الجليل ننقل بعض الآراء التي وقفت ضد هذا الاتجاه، وقنعت بالجمود، وآراء بعض الفقهاء في الفتوى بغير مشهور، لنرى مدى ما وصل إليه الفكر من الانغلاق. فهذا صاحب العمل الفاسي يقول في عملياته:
حكم قضاة الوقت بالشذوذ          ينقض لا يتم بالنفوذ
وقال ابن عرفة: "إنما يعتبر من أحكام قضاة العصر ما لا يخالف المشهور".
وتبعه في هذا الرأي تلميذه الرزلي إذ قال: "الذي جرى عليه العمل أن لا يحكم القاضي بغير مشهور مذهب مالك، وإنما يحكم بغير المشهور من القضاة من ثبت له وجوه الترجيح، وثبت عنده ترجيح غير المشهور، وليس هذا اليوم في قضاة زماننا".
وقال أبو الفضل العقباني: "لا ينبغي لمفت أن يفتي فيما علم المشهور فيه إلا بالمشهور".
وورد في نوازل عبد القادر الفاسي نقلا عن العقباني المتقدم "ينظر في الحاكم الذي عدل عن المشهور إلى الشاذ، فإن حكم لظنه أنه المشهور نقض حكمه، وإن حكم به مع العلم أنه شاذ إلا أنه ترجح عنده، فإن كان من أهل النظر، وممن يدرك الراجح والمرجوح وهذا يعز وجوده، مضى حكمه، وإن لم يكن في العلم بهذه المنزلة، زجر عن مواقعة مثل هذا، وينبغي أن يؤخر عن القضاء إن لم ينزجر، فإن الإمام الذي قدمه، والذين قدموه للحكم بينهم، إنما يرضون منه الحكم بالمشهور".
ونقل عن الشيخ عيسى الماواسي ما نصه: "لا ينفذ حكم الحاكم بالشاذ، إذ ليس لقضاة الوقت الحكم بالشاذ، ويرد حكمه به".
وذكر أبو الحسن الصغير في بعض أجوبته "إن القاضي لا يقضي بين المالكية إلا بمشهور مذهب مالك أو بما صحبه العمل، لا يشاذ من المذهب أو غيره".
وقد حكى التنبكتي في "النيل" عن ناصر الدين اللقاني:أنه حيث عورض كلام خليل بكلام غيره، كان يقول: "نحن أناس خليليون، إن ضل ضللنا، مبالغة في الحرص على متابعته(3).
أما ابن هلال في نوازله فيذكر أن (الحكم بغير المشهور لا يجوز بل هو فسق وزنقدة).
ونقل ابن فرحون في "تبصرته" عن القرافي ما نصه: "إذا كان الحاكم مجتهدا فلا يجوز أن يحكم أو يفتي إلا بالراجح عنده، وإن كان مقلدا جاز له أن يفتي بالمشهور في مذهبه، وأن يحكم به، وإن لم يكن راجحا عنده مقلدا في رجحان القول المحكوم به إمامه الذي يقلده كما يقلده في الفتوى(4).
ومنـذ دهر وزمـان انقضى      أن بـإفريقيـة وآل القضــا
محجر عليـه أن لا يحكمـا      إلا بمـا شهر عنـد العلمــا
وغير مـا تشهيره منقــول       فهـو عن الحكم بـه معـزول

أما أبو القاسم السجلماسي فيقول في شرحه لعمل فاس: "حرى العمل بنقض حكم من يحكم من قضاة الوقت بغير مشهور المذهب، لما علم من أن الحكم بالمشهور واجب، والعدول عنه إلى القول الشاذ لا يجوز إلا لمن كان مجتهد المذهب، وفيه أهلية ترجيح غير المشهور، وذلم مفقود في هذا الزمان، فلذلك تعين على أهله وهم المراد بالعوام القضاء بالمشهور، فمن حكم بغيره رد حكمه وإن وافق قولا من أقوال العلماء، ولا يلتفت إلى دعوى أنه اختاره، لدليل قام عنده، إذ لا اختيار لأحد اليوم مطلقــــــا"(5).
أرأيت إلى أي حد وصل الفكر من الجمود، ووقف عن التعمق والبحث، فهي نظرة كما ترى موغلة في الجمود والتحجر، فأنى للفكر أن ينطلق؟ ومن هنا يبرز فكر ابن عرضون المتحرر الذي استطاع أن يتحدى الفكر السائد لدى الفقهاء المقلدين، عالما بأن رأيهم هذا قد يضر الفقه الإسلامي ولا ينفعه في شيء، فشق لنفسه طريقا مغايرا معتمدا في ذلك على النصوص يكيفها مع الحكم، ويجعلها تنطبق عليهن وتماشي قضايا العصر والناس، والناس تحدث لهم أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور – كما قال عمر بن عبد العزيز-.
وقد صرح بنظريته هذه متحديا هؤلاء الذين يحاولون تضييق ما هو واسع عندما قال: "ولم يزل أهل الفتوى والقضاء يختارون الفتوى بقول شاذ، ويحكمون به لدليل ظهر لهم في ترجيحه، وقد خالف أهل الأندلس مالكا في مسائل، وعملوا فيها بأقوال مخالفة، وجرى بذلك العمل عندهم، واستمر عليه إلى الآن القضاة، وجرى به العمل من عدم إثبات الخلطة، ومسائل كثيرة جرى فيها العمل بخلاف المشهور، وهي مدونة في كتب المتأخرين يعرفها من له مطالعة بالعلم"(6).
كما يصرح أيضا: "فلو لم يكن نص لعلماء المذهب المالكي في تحسيم هذه المسألة (يقصد تأييد تحريم الهاربة كما سيأتي) وتحسيم مادتها، ووجدنا قولا خارجا يقتضي تحسيم مادتها، لتعين علينا أن نرتكبه"(7).فهو في سبيل المصلحة لا يرى مانعا من الخروج عن المذهب، وقد خالفه بالفعل في عديد من المسائل أوردنا بعضا منها في كتابنا "ابن عرضون الكبير، حياته وآثاره"(8).
ونكتفي هنا بالنموذج الذي اخترناه، وهو الذي يتعلق بمسألة "الهارب والمخلق".
وهذا نص النموذج:
الحمد لله القائل: "ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر".
وقال تعالى: "وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر" والحكمة في أمره تعالى بالصبر بعد قوله: وتواصوا بالحق- على ما قاله بعض الفضلاء النبلاء- أن الحق تنفر بعض الطباع من قبوله، كما تنفر نت تجرع الصبر المر، فلذلك- والله أعلم- عقبه بالمواصاة على الصبر، فمن لا يصبر لا يقبل الحق، فلا يقبل الحق إلا بالصبر، كما لا يتجرع الصبر المر إلا بالصبر عند قصد التداوي به، لمن علم خاصيته في معالجة الداء الذي يصلح علاجه به، ويوفقه الله لذلك إن شاء شفاءه.
كذلك الحق، ومن لم يرد الله شفاءه لم يرزقه الصبر على تجرعه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد القائل "الدين النصيحة" وقال أيضا: "أتدرون من السابقون إلى ظل الله عز وجل؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال: الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوا بذلك حكموا للناس كحكمهم لأنفسهم" رواه أحمد بن حنبل.
والرضا عن آله وأصحابه الذين لو يزالوا يأمرون بالحق ويتواصون عليه، ويعملون به، فقد نقل الحافظ أبو نعيم في الحلية عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه لما حضرته الوفاة دعا عمر رضي الله عنه فقال: اتق الله يا عمر، واعلم أن لله عملا بالنهار لا يقبله بالليل، وعملا بالليل لا يقبله بالنهار، وأنه لا يقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينهم يوم القيامة باتباعم الحق في الدنيا، وثقله عليهم، وحق لميزان أن يوضع فيه الحق غدا أن يكون ثقيلا، وإنما خفت موازين من خفت موازينهم يوم القيامة باتباعهم الباطل لا في الدنيا مغبة عليهم، وحق لميزان أن يوضع فيه الباطل غدا أن يكون ضعيفا، والله تعالى ذكر أهل الجنة فذكرهم بإحسان أعمالهم، وتجاوز عن سياستهم، فإذا ذكرتهم قلت أني أخاف أن لا ألحق بهم، وأن الله تعالى ذكر أهل النار فذكرهم بسوء أعمالهم، ورد عليهم حسناتهم، فإذا ذكرتهم قلت: إني لأرجو أن لا أكون من هؤلاء ليكون العبد راغبا راهبا، لا يتمنى على الله ولا يقنط من رحمة الله، فإن أنت حفظت وصيتي فلا يكون غائب أحب إليك من الموت، وهو آتيك، وإن أنت ضيعت وصيتي فلا يكون غائب عليك أبغض إليك من الموت ولست بمعجزه.
فمن أجل تلك الأوصاف، الاتصاف بالإنصاف، فما أعزها منزلة، وأشرفها رتبة، اللهم إنا نسألك بجاه محمد صلى الله عليه وسلم لا تحرمنا من نيل هذه المنزلة حتى نلقاك، وأنت عنا راض بجودك وكرمك يا أرحم الراحمين.
أما بعد: فلما شاع وذاع بهذه البلاد الغمارية، وما والاها من القبائل البدوية(9) الفاحشة العظمى، فاحشة هروب النساء مع الرجال، وجب تغيير النكر الشنيع، والأمر الفضيع، وتحسيم مادته، وسد ذريعته، عملا بما قدمناه من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتواصي بالحق، والنصيحة الدينية الواجبة علينا، وأني أردت أن أقيد من ذلك ما نرجو به النفع لمن طالعه بعين الرضى والإنصاف، وسلك طريق الحق، وجنب الميل والانحراف، وخطابنا –إن شاء الله- يشمل عامة أعيان هذه البلاد، ومولانا المسؤول أن يسلك بنا وبهم طريق السداد والرشاد، بجاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فنقول، وعلى الله قصد السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
لا يخفى ما ورد في الزنا وتعاطي أسبابه من الوعيد الشديد، قال تعالى:"ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا".
يعني بيس الملك والطريق، لأنه يجر إلى النار، والآيات والأحاديث الواردة في التشديد في الزنا كثيرة، وتحريمه مما علم من الدين ضرورة، قال العلماء: وأشد الزنا ما أصر صاحبه عليه، كمن طلق زوجته وأقام معها على الحرام، وذكروا أن من أشراط الساعة كثرة الزنا، حسبما وردت الأحاديث بذلك، ولا شك أن أشراط الساعة صغرى وكبرى، فالصغرى قد ظهرت كلها أو جلها، فإذا ظهرت الكبرى وخصوصا طلوع الشمس من مغربها غلقت باب التوبة، وهو المعني: "يوم يتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا".
فالواجب علينا معشر المذنبين المبادرة للتوبة من كل ذنب قبل أن يحال بيننا وبينها، ومن الواجب علينا أن نحسم مادة الفساد، وسد كل باب يوصل إلى معصية، والقول بسد الذرائع الفاسدة من أصول قواعد مذهب مالك رضي الله عنه فالواجب إذن أن نجتهد جهدنا في سد الذرائع، لهذه الفاحشة، وهي هروب الرجال بالنساء، ولهذا اختار العلماء والصلحاء ممن سلف، الفتوى في هذه البلاد بتأييد التحريم للهاربة على من هرب بها، وإن كان على خلاف المشهور سد لذريعة الفاسدات والمفسدين، وقد قال الخليفة الإمام الصالح سيدي عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه "تحدث للناس أقضية، بقدر ما أحدثوا من الفجور" ولا فجور أعظم من هذه الفاحشة التي نتكلم في أمرها فلو لم يكن نص علماء المذهب المالكي في تحسيم مادتها، لتعين علينا أن نرتكبه في قطع هذه المفسدة، وتحسيم مادتها. ولم يزل أهل الفتوى والقضاء يختارون الفتوى بقول شاذ، ويحكمون به، لدليل ظهر لهم في ترجيحه، وقد خالف أهل الأندلس مالكا في مسائل، وهم ما كانوا عليه من ملازمة مذهب مالك وتدوينه وإقرائه وتدريسه، فخالفوه في مسائل وعملوا فيها بأقوال مخالفة، وجرى بذلك العمل عندهم، واستمر عليه إلى الآن.
فمن ذلك ما عليه الآن القضاء، وجرى به العمل من عدم إثبات الخلطة ومسائل كثيرة جرى فيها العمل بخلاف المشهور، وهي مدونة في كتب المتأخرين يعرفها من له مطالعة بالعلم، فمن باب أولى وأحرى أن نفتي في قطع هذه المفسدة بقول شاذ خارج المذهب، وهو مذهب الإمام أحمد بن مسير رضي الله عنه وهو من أجل الأئمة المالكية، وقد عرف به عياض في المدارك)(10)، وذكر من جلالة قدره، وعلو منصبه، ما هو مقرر ومعلوم، مع أن قواعد مذهب مالك جارية على قول ابن مسير، فوجب المصير إليه، والاعتماد عليه قطعا لمادة الفساد، هذا مع أن أجلة من المشاريع المتأخرين اختاروا العمل بقول ابن مسير، وخالفوا القول المشهور، وما ذاك منهم إلا مراعاة للقاعدة الجارية في سد الذرائع، وحسم مادة الفساد، وهي من أصول المذهب المالكي، فمن جملة من اختار قوا ابن مسير، الإمام ابن عرفة.(11)
وتلميذه الإمام أبو عبد الله الأبي(12).
وجرى به العمل بفاس على ما نقله القوري،(13) حسبما نورد كلامهم إن شاء الله تعالى.
واختار الفتوى به بعض العلماء الصلحاء من هذه الأوطان ممن سلف.
ومنهم الشيخ الفقيه المحثل سيدي أحمد بن يحيى الوتشريسي(14) رحمه الله.
وولده شيخ شيوخنا سيدي عبد الواحد(15) رحمه الله في نظمه "النور المقتبس".
وممن اعتمد أيضا قول ابن ميسر، الشيخ الإمام القدوة المتفنن أبو الحسن علي بن قاسم التجيبي الشهير بالزقاق(16) رحمه الله ورضي عنه في نظمه الموسوم "بالمنهج المنتخب في في قواعد المذهب"(17)
ومنهم الشيخ الإمام العالم الحافظ مفتي عصره سيدي علي بن هارون(18) رحمه الله.
ومن المعاصرين من أشياخنا الجلة العلماء القضاة، شيخنا المفتي المدرس الخطيب بجامع القرويين سيدي يحيى السراج الرندي.(19)
وشيخنا قاضي الجماعة سيدي عبد الواحد الحميدي.(20)
وشيخنا الفقيه الأجل، العلامة المتفنن، سيدي أحمد بن علي المنجور.(21)
أدام الله للمسلمين وجودهم والنفع بهم، وبعلومهم.
إلا أن هؤلاء الشيوخ المفتين اختلفوا في العمل بقول ابن ميسر، فمنهم من قيد العمل به في المخلق الذي يجلب المرأة ويستميلها بماله وجاهه وجماله، حتى تهرب معه، ومنهم من أطلق في ذلك ولم يقيد بالمخلق وعمل على قول ابن ميسر على سبيل الإطلاق، وهذا الإطلاق هو اختيار الشيخ الزقاق والونشريسي سيدي أحمد في بعض أجوبته، وفي بعضها قيده بالمخلق، وبالإطلاق أيضا أفتى الشيوخ الثلاثة أشياخي المذكورون، فأفتاني القاضي والمفتي بالكتب، وسيدي أحمد المنجور باللسان، والقول وبواسطة بعض الأصحاب، وسنورد أجوبتهم إن شاء الله تعالى ونصوصهم في ذلك، ليتضح لك العمل بقول ابن ميسر.
قال لأبي رحمه الله:
"انظر ما يتفق كثيرا أن يسعى الرجل في فراق امرأة من زوجها ليتزوجها، هل يمكن من زواجها أم لا إذا ثبت أنه سعى في ذلك؟
فأفتى بعض أصحابنا بأنه لا يمكن من ذلك، ونقل من يوثق به، أن الشيخ (يعني ابن عرفة رحمه الله) وافق على ذلك، وهو الصواب، لما فيه من تحسيم المفاسد المذكورة، والأظهر إذا وقع أن يكون الفساد في عقده، فيفسخ قبل وبعد".
ونحوه للشيخ الونشريسي في "إيضاح المسالك" حيث تكلم على القاعدة المعلومة، وهي من أصول المعاملة بنقيض المقصود الفاسد، وهي: من استعجل الشيء قبل إيانه، فإنه يعاقب بحرمانه، قال: وعليه بتأبد تحريم المتزوجة في العدة، والمخلقة على رأي ابن ميسر رحمه الله، واختيار الشيوخ.
وتبعه في ذلك ولده الفقيه العالم المتفنن، سيدي عبد الواحد في نمطه النور المقتبس(22) في قواعد مذهب مالك بن أنس، حيث قال:
وناكح العدة والمخلقة      واختير أنها بهذى ملحقة
ومن أجوبة الشيخ الونشريسي رحمه الله تعالى في مسألة المخلقة، حيث سأله بعضهم عنها بما نصه:
الحمد لله سيدي، حفظكم الله، جوابكم عن مسألة رجل أوجب نكاح ابنته من رجل آخر إيجابا صحيحا، ثم أن رجلا آخر خببها،(23) وهرب بها، وفي عصمته خالتها، وبقيت معه في السفاح، وهرب بها قبل تمام استبرائها، وبقيت معه في السفاح مدة، إلى ردت إلى دار والدها على أن تستبرأ ويحملها زوجها، ثم إنه خببها ثانيا وخلقها، وهرب بها قبل تمام استبرائها، وبقيت معه في السفاح مرة أخرى، ولم يجد والدها من يوصله إلى أخذها منه، لضعف حاله إلى أن نزعت منه على غير يد والدها، ثم عقد فيها صلحا مع الزوج المذكور بمال أخذه عوضا عن إيقاع الطلاق عليها، ثم عقد عليها والدها النكاح للهارب المذكور، وكان الهارب تحته خالة البنت، ثم بعد ذلك استيقظ والدها من غفلة جهله، ونازع المخلق في ذلك، فعقد المحلق التحريم في الخالة التي في عصمته،وأقرها بداره، وتحت كنفه، فهل يتأبد التحريم أم لا؟ وكيف إن ادعى عدم التخلق مع ظهور هذا الفعل منه أولا وأخيرا، بينوا لنا بيانا شافيا ولكم الأجر.
وأجاب:
الحمد لله تعالى وحده، والله ولي التوفيق بفضله، إن الرجل المذكور الفاسق الهارب إن اعترف بإصابة المهروب بها، وإصابة خالتها التي حرمها بعد تحريمها أو إحداهما، فالواجب عليه الرجم، ولا يختلف فيه مذاهب الأئمة رضوان الله عليهم أجمعين، فإن لم يعترف بالإصابة في الأولى بعد تحريمها، ولا في المهروب بها في الغيبتين عليها، فالواجب أن يشدد عليه بالسجن الطويل، وبالنكال الشديد، لما شهد به عليه من الشر والمدخل القبيح، إن كان في حكام الجهة وولاة أمرها من أقدره الله تعالى على إقامة الحق على هذا الخبيث، أبعده الله وقبحه، وعجل به إلى ما يستحقه من لعنة الله وغضبه، أعاذنا الله وإياكم من هذه المداخل ووقانا التبعات. ففي صحيح مسلم أن إبليس لعنه الله يضع عرشه على الماء، فيبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة، وأعظم فتنة يجيء أحدهم فيقول: فعلت "كذا وكذا" فيقول "نعم، أنت أنت".
قال القاضي عياض رحمه الله في الإكمال:
فيه تعظيم أمر الطلاق وكثرة ضرره، وعظيم فتنته، وعظيم الإثم في السعي فيه، من قطع ما أمر الله به أن يوصل، وشتات ما جعل الله فيه مودة ورحمة، وهدم بيت بني في الإسلام، وتعريض المحتاجين أن يقعا في الحرج والإثم.
قال بعض الشيوخ –يعني الأبي- انظر ما يتفق كثيرا أن يسعى الإنسان في فراق امرأة من زوجها ليتزوجها، هل يمكن من ذلك أم لا إذا ثبت أنه سعى في ذلك؟ فأفتى بعض الأصحاب أنه لا يمكن من ذلك وهو الصواب، ونقل ما يوثق به، أن الشيخ أبا عبد الله ابن عرفة وافق على ذلك وهو الصواب، لما فيه من تحسيم المفاسد في عقده، فيفسخ قبل البناء وبعده، فإذا ثبت هذا وتقرر أن الرجل المذكور استألف المرأة المذكورة واستمالها إلى جهته بجاهه أو نعمته أو جماله، باختيارها وطوع منها، فهذا مخلق يجب عليه الأدب الوجيع، ويمنع من نكاحها ابتداء، ويفسخ نكاحه بعد الدخول، معاملة له بنقيض قصده الفاسد، وتحرم عليه للأبد، بهذا الإتى من حقق النظر من مشايخ المذهب المالكي، وهو الصواب، وإن يثبت تخليق هذا الفاجر، بل هرب بها من غير استيلاف، فإنه يفرق بينه وبينها في الحال، لعقده عليها قبل استبرائها من خلوته بها ثلاث حيض، لكونه عقد عليها قبل أن يحرم خالتها التي في عصمته، فإذا فسخ هذا النكاح واستبرئت بثلاث حيض، وحرم على نفسه خالتها، فاختلف هل تحرم عليه ها هنا للأبد أم لا؟ المشهور لا، والشاذ قول ابن ميسر، نعم، ثم إن كانت طاعت في هروبها معه، فلا صداق لها، إذ لا مهر لبغي وإن كانت مكرهة فلها بكل وطء مهر إن أقر به، ووطوءه للزوجة الكبرى بعد تحريمه إياها محض زنى، وهو لا يحرم حلالا، وعليها إن طاوعته في الإصابة بعد التحريم المذكور وعلمها به، حد الرجم، لتقدم الإحصان بينهما، وعلى المهروب بها إن اعترفت بالإصابة طوعا في أيام خلوتها حد البكر، جلد مائة إن كانت حرة والله أعلم".
يقول ابن عرضون: لا شك أن فتواه جارية على القول المشهور، إن حصلت التوبة من الهارب، وإلا فهو من الزوج فسق عظيم يقدح في كفاءته، ففي هذا الجواب على هذا الفرع من الشيخ رحمه الله نظر، ولعله رجع عنه، وقد كان مالك يرجع عن قوله في مسائل مذكورة عند أهل العلم، فالرجوع لا يقدح فيه، بل ذلك مما يدل على ورعه وعلمه وفهمه، ويدل على أنه رجع عنه ما ذكره في الجواب الثاني، على أن شيخنا عبد الواحد الحميدي لم يحك عن الشيخ الونشريسي إلا تأبيد التحريم، حسبما ننقل في جوابه بعد، ونصه:
لا تجوز غير الأب لهذا البنت مع وجود الأب، ولا يعد الأب عاضلا بامتناعه من ناكحها من الهارب المذكور، إذ صار بذلك فاسقا، وقد نصوا ترضي الله عنهم بأن لا خلاف منصوص أن تزويج الوالد من مثل هذا الفاسق المعلن لا يجوز ولا يصح، وكذا غيره من الأولياء، فإن وقع ذلك للزوجة ولمن قام لها فسخ هذا النكاح، فإذا كان هذا النكاح مأمورا بفسخه فكيف يومر الأب به أو غيره، ولا يكون عاضلا لابنته البكر، بالمنع من تزويجها من معلن، لاسيما هذا الخبيث المارق، فالشرع ها هنا لا يجوز نكاح هذه من الهارب، أحب الأب أم كره، بل نص الشيخ أبو محمد رضي الله عنه في بعض أجوبته عن أحمد بن ميسر أنه يقول بتأبيد تحريمها على الهارب، وهو أظهر في هذا الزمان، لأن من أطول المالكية المعاملة بنقيض القصد الفاسد، ولا يقال يرتفع الحجر عنها لخلوة الهارب بها هذه المدة المديدة، لأنها مظنة الافتضاض وزوال البكارة، لأنا نقول: رفع إجبار الأب عنها على القول به لا يرتفع بمجرد الخلوة، ولا بإقرارها، وإنما يسقط ويرتفع بثبوت الافتضاض بطريقه، لا بإقرارها، لأنها تتهم أنها إنما أقرت بذلك لتسقط إجبار الأب عنها، لتتوصل إلى إنكاح من تريد، وذلك مما لا سبيل إليه.
وقد اختار بعضهم في المخلق تأبيد التحريم، ومنعها من تزويجه، وبه جرى العمل بمدينة فاس، فأنت ترى كيف جرى العمل بفاس بقول ابن ميسر بتأبيد التحريم في المخلق، ما ذلك إلا لعظيم مسألته، فهؤلاء أئمة الفتوى بتونس وفاس اختاروا قول ابن ميسر بتأبيد التحريم في المخلق، وعدلوا عن القول المشهور، وما ذلك إلا بعظيم المفسدة، ولجريان قول ابن ميسر على القاعدة في سد الذرائع الفاسدة، فكيف لا يختار الآن العمل به في زماننا هذا، وفي بوادينا هذه التي عمت بها هذه البلوى، ولهذا اختار الشيخ الونشريسي الفتوى بقوله، حيث قال في جوابه الثاني وهو أظهر في هذا الزمان، ولم يقيده بمخلق ولا بغيره، ونحو للشيخ الزقاق حيث قال في رجزه الموسوم "بالمنهج المنتخب":
وبنقيض القصد عامل إن فسد      في قاتل أو موص أو من قد قصـد
فسادا أو إبـانـة في البيـع           نهـج عيـاض ذا بـدا لا الربــع
وهـارب ومنع من تصدقـا          وردة ومن نصــاب سرقــــا
ولما شاورت بالنسبة الماضية أشياخي الثلاثة المذكورين قبل، وطالعتهم بهذه الأجوبة، والفتاوي والنصوص، وطلبتهم أن يدلوني على ما أحكم به في هذه القضية التي عمت بها البلوي، فأجابني المفتي سيدي يحيى السراج بما نصه:
"الجواب لله المرفق سبحانه، أنه يتأكد في حقك أيها الصاحب الحكم بمقتضى ما اختاره الشيوخ، من تأبيد التحريم في مسألتك، ولاسيما من تقدم ذكره من الحفاظ؟ كوالد شيخنا سيدي أحمد الونشريسي، وشيخه الحافظ سيدي القوري، كيف وأصول المذهب تقتضيه، ومسائله تعطيه، ومثل ذلك الشيخ العبدوسي قال: إن الشيوخ المحققين اختاروا قول ابن ميسر على قول مالك، قال: وبه جرى العمل بفاس، قال: فإن أخذت بما اختاره الشيوخ-وإن كان خلاف المشهور- فأنت مخلص، فاحكم أيها الصاحب أيضا بتأبيد التحريم، موفقا، إن شاء الله تعالى، والله أعلم".
وأجاب الشيخ الرتدي قائلا في نفس الفتوى:
قد اطلعت على فتوى وقعت جوابا لسيدي يحيى بن بكار مع الإمام المحصل سيدي أحمد الونشريسي رحمه الله تعالى بتأبيد تحريم المهروب بها، والجواب بخطه رحمه الله، وهو عندي، فلا تتوقف رحمك الله في الحكم بذلك، وبه جرى العمل والحكم عندنا في هذا الزمان والسلام.
فتأمل هذين الجوابين، وأمرها لي بالحكم بتأبيد التحريم مطلقا، وأكدا علي فيه، وبمثل ذلك أجابني سيدي أحمد المنجور بواسطة بعض الأصحاب، وانظر ما حكاه سيدي عبد الواحد الحميدي عن سيدي أحمد الونشريسي، فهو جواب له ثالث في المسألة، فهو مما يؤكد رجوعه من جوابه الأول الذي أباح فيه تزويجها من الهارب، إن لم يكن مخلقا، فتعين العمل على جوابه الثاني وعلى ما حكاه سيدي عبد الواحد الحميدي.
فتعين معشر أهل هذه الجبال الغمارية الحكم بقول ابن ميسر بتأبيد التحريم حسما لمادة الفساد والله الموفق.
فإذا تقرر هذا، فلا يجوز لقاض من قضاة هذه النواحي بالجبال الغمارية وما والاها، أن يخالف ما تقلده أئمة الفتوى من المعاصرين وغيرهم لوجهين:
أحدهما: ما نقلوه من تأبيد التحريم على قول ابن ميسر الجاري على قواعد المذهب.
الثاني: لكون الهارب غير كفء، إذ هو من أعظم الفسقة.
وحاصل الأمر: أن مسألة الهروب بحرائم المسلمين من أعظم المفاسد التي يتعين فيها الزجر والتغليظ، ولا يسمح فيها لا بوجه ولا بحال، بل يحسم مادتها بما أمكن، ولو بالقول الشاذ الخارج عن المذهب، فكيف بالقول الموجود في المذهب، مع أن الشيوخ اختاروه وتقلدوه، وذكروا أن به جرى العمل، ولو فرضنا أن الولي أجاب لتزويج وليته ممن هرب بها، فإنه يمنع للوجهين المتقدمين، هما:
عدم الكفاءة: إن فرعنا على المشهور من عدم التأبيد، أو تأبيد التحريم وهو قول ابن ميسر واختيار الشيوخ.
فالجواب على القاضي المسدد أن يمنع هذا النكاح ابتداء، سواء فرعنا على المشهور، أو على غيره، فإذا كان الولي امتنع من التزويج لعدم الكفاءة وللمعرة التي تلحقه في ذلك، فكيف يسوغ لقاض أن يجبره على نكاحها من الهارب بها أو يزوجها هو له أن امتنع الولي، هذا أمر لا يفعله من له أدنى دين أو علم فنعوذ بالله من انطناس البصيرة وانعكاس السريرة، إذ القاضي لا يجوز له أن يزوج امرأة إلا بشروط، بعد إثبات موجبات كثيرة مدونة في كتب التوثيق، ومن حق القاضي وغيره من الأعيان بذل المجهود فيما فيه صلاح العباد، ومن جملتها العمل بمقتضى ما قيدناه في هذه الأوراق، والتوفيق بيد الله.(24)


---------------
1)أفردناه بتأليف خاص، كما خصصنا له ترجمة مطولة في العدد الأول من مجلة دار الحديث الحسنية- ابتداء من ص 427 لتنظر هناك.
2) انظر ابن عرضون الكبير حياته وآثاره ص 209.
3) نيل الابتهاج ص 97 ط ح.
4) التبصرة 1/64 هامش فتاوي عليش.
5) انظر شرح عمل فاس 2/95 ط ح.
6) انظر نوازل الشريف العلمي 1/38 ط ح.
7) المصدر السابق.
8) انظر ص 167.
9) في بعض النسخ الداهية.
10) انظر المدارك 4/5 ط الرباط.
11) محمد بن عرفة الورغمي التونسي (716-803هـ).
12) محمد بن خلف الأبي الوشتاتي توفي 828هـ
13) محمد بن قاسم بن محمد اللخمي المكناسي شهر بالقوري (804-872هـ).
14) أحمد بن يحيى الونشريسي التلمساني توفي 914هـ.
15) عبد الواحد بن أحمد بن يحيى الونشريسي توفي 955هـ.
16) علي بن قاسم التجيبي المعروف بالزقاق الفاسي توفي 912هـ.
17) شرحه أكثر من واحد وطبع أحد شروحه أخيرا.
18) علي بن موسى المطغري شهر بابن هارون توفي سنة 951 هـ.
19) يحيى بن محمد السراج الفاسي توفي سنة 1007هـ.
20) عبد الواحد بن أحمد الحميدي الفاسي توفي 1003هـ.
21) أحمد بن علي المنجور الفاسي توفي 995هـ.
22) يوجد النظم مخطوطا بخزانة تطوان رقم 542.
23) التخبيب: إفساد الرجل عبدا أو أمة لغيره، يقال خببها فأسدها، وفي الحديث: من خبب امرأة ومملوكا على مسلم فليس منا، أي خدعه وأفسده انظر لسان العرب لامادة (خبب).
24) سمى هذه الفتوى بالرسالة الشافية في تأبيد تحريم الهاربة، وقد ضمنها الشريف العلمي في نوازله الجزء الأول ابتداء من ص 38 ط . ح.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here