islamaumaroc

الإسلام وشرف الأنساب

  عبد الله العمراني

العدد 260 ربيع النبوي 1407/ نونبر 1986

في صبيحة يوم الخميس 21/8/86 وبعد زوال يوم الجمعة التالي،  سمعت من إحدى المحطات الإذاعية، جوابا عن سؤال: (من هم الشرفاء؟).
كان السائل مستمعا مغربيا، وكان الجواب مسجلا بصوت عالم جليل هو الدكتور محمد الطيب النجار، شيخ الجامع الأزهر سابقا، وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة حاليا.
ونظرا لأهمية السؤال، ولمكانة الشيخ، ومنزلته العلمية التي تضفي على رأيه مسحة خاصة من الثقة والاطمئنان والرجوح، قد تدفع بعض الباحثين- من المستعمرين خاصة- إلى الأخذ به، والركون إليه، تعزيزا لبعض أفكارهم التي تجافي الحقيقة، وتجنح عن الصواب ...نظرا لذلك رأيت أن المسألة تحتاج إلى مزيد إيضاح، آمل ألا يضيق به صدر صاحب الفضيلة الشيخ الدكتور النجار.
أشار فضيلة الشيخ إلى مفهوم الشرف عند العرب في الجاهلية، وإلى مفهومه بعد البيعة النبوية وانتشار الإسلام، فذكر أن شرف الفرد في الجاهلية كان يتبع شرف القبيلة وينبغ منه، وأن شرف القبيلة كان يرتكز على كثرة الولد، ووفرة العدد، وعلى توافر الثراء والنشب والجاه، فقبيلة قريش – في رأيه- سادت وشرقت، بتعاطيها التجارة، وبفضل موقعها الجغرافي في طريق القوافل التجارية التي تزاول رحلة الشتاء (إلى اليمن)، ورحلة الصيف (إلى بلاد الشام).
ولما جاء الإسلام، عمل على تعديل مفهوم الشرف، فجعله لا يستند إلى المال أو النشب أو الجاه، بل جعله يتمثل في الفضيلة والكرامة والتقوى، وهنا استشهد فضيلته بالآية 13 من سورة الحجرات:
( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم).
ومثل فضيلته للأكرم الأتقى بالصحابي الجليل، مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلال بن رباح الحبشي. كلام جميل، لكنه جواب لا يفشي الغليل لأنه تناول شرف الجاه والنشب في الجاهلية، وعالج الكرامة والتقوى والشرف الخلقي في الإسلام، وتغاضى تماما عن كرم المحتد، وشرف الحسب والنسب، مع أن الشرف النسبي، والشرف الخلقي كلاهما ضروري ويكمل أحدهما الآخر....ثم إن الاستشهاد بالآية الكريمة الآنفة الذكر، يقودنا حتما إلى ذكر الحديث النبوي الشريف الذي يعرفنا بخيار الناس ويوفقنا على أشرافهم.
روى أبو هريرة –رضي الله عنه –عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"تجدون الناس معادن (أي أصولا ومقامات): خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا".
أي إذا صاروا فقهاء علماء بالشريعة وهذا يعني أن الشرف الإسلامي لا يتم إلا بالتفقه في الدين، وبتقوى الله في السر والعلن.
علق الإمام النووي على هذا الحديث النبوي الشريف فقال: "المعادن: الأصول وإذا كانت الأصول شريفة كانت الفروع كذلك غالبا والفضيلة في الإسلام بالتقوى، لكن إذا انضم إليها شرف النسب ازدادت فضلا"(1).
وعند التأمل في الحديث النبوي الشريف، يمكن استخلاص ثماني صور تتفاوت فيما بينها من حيث  الأصالة والشرف والفضيلة، وذلك على الترتيب التالي:
1- شريف في الجاهلية أسلم وتفقه
2- مشروف في الجاهلية أسلم وتفقه
3- شريف في الجاهلية أسلم ولم تفقه
4- مشروف في الجاهلية أسلم ولم تفقه
5- شريف في الجاهلية لم يسلم ولم تفقه
6- مشروف في الجاهلية لم يسلم وتفقه
7- شريف في الجاهلية لم يسلم ولم تفقه
8- مشروف في الجاهلية أسلم ولم تفقه
فالصور الأربع هي التي تمتاز بالخبرة والشرف وتتفاضل فيما بينها:
فالأولى هي الفضلى على الإطلاق. وتليها الصورة الثانية. وتلي هذه الصورة الثالثة. وتلي الثالثة الصورة الرابعة.
أما الصور الأربع الباقية فلا قيمة ولا اعتبار لها إطلاقا، سواء كان أصحابها شرفاء أو مش رفين، متفهمين أو غير متفهمين... وواضح من حديث فضيلة الشيخ أنه اختار من صور الشرف والخيرة الصورة الثانية، ومثل لها بالصحابي الجليل بلال بن رباح الحبشي، أما الصورة الأولى التي هي قمة المجد والخيرة والشرف النبي، والتي يمكن التمثيل لها بسيدنا علي بن أبي طالب –كرم الله وجه- فتغاضى عنها الشيخ تماما، وأهمل ذكرها فصارت "لا في العبر ولا في النفير" كما يقول المثل العربي.
ولا يسعنا أثناء الحديث عن النسب العربي في الجاهلية- الأولى أو الثانية- إلا أن نشير إلى ما حاوله بعض المستشرفين من التشكيك في الأنساب العربية بتبنيهم بعض الأفكار والنظريات التي لا ترتكز إلا على أساس من ر مال.
في منتصف القرن الماضي برزت إلى الوجود نظرية "النشوء والارتقاء" التي قال بها العالم الطبيعي الانكليزي "دروين" وفي أعقابها بدا علماء الاجتماع ومؤخرو الحضارات يبحثون في أصول الجماعات البشرية، والقبائل البدائية بأمريكا وأستراليا وإفريقية، وأوجدوا ما سمعوه بالنظام الطموطمى  Totamism  الذي يعني  أن قبيلة متوحشة ما اتخذت طوطما Tatem معينا، ونسبت نفسها إليه (وهو إما حيوان وإما حيوان وإما  نبات وإما غير هما) واتخذته أبا  لها، يمنحها بركته وحمايته، وفي مقابل ذلك تحترمه هي وتقدسه وتعبده، إذا كان الطوطم حيوانا، احترمته القبيلة وامتنعت عن قتله أو أكله، وإن كان نباتا تفادى أفرادها أن يستأصلوه أو يأكلوه أو يحتطبوه إن كان شجرا... الرجال المنتسبون للطوطم الواحد لا يتزوجون نساء من قبيلتهم ولا النساء يتزوجن رجال قبيلتهن، بل كان لزاما على الرجل أو المرأة من طوطم ما، أن يختار شريك حياته من قبيلة أخرى ذات طوطم آخر. وهذا هو ما أطلق عليه الاجتماعيون اصطلاح "الزواج الخارجي" أو "الزواج بالأباعد":  "Exogamy" وهي كلمة إغريقية الأصل، وبقابله "الزواج بالأقارب Endogamy".
واضطر هؤلاء الباحثون –أثناء بحثهم "النظام الطوطمى"-إلى تقرير ما سموه "نظام الأمومة": Matriarech" الذي كانت فيه المرأة تتزوج أكثر من رجل واحد في وقت واحد، فكان الأولاد ينسبون إلى أمهاتهم –كالحيوانات- وإلى طوطمهم، لأنهم لم يكونوا يعرفون آبائهم، ولأن الرجل لم تكن له آنذاك قيمة تذكر، فكانت المرأة هي كل شيء.
حاول المستشرق الانكليزي روبرتسون سميت تطبيق النظامين "الطوطمي والأمي" على العرب الجاهليين في كتابه: "النسب والزواج في بلاد العرب القديمة" وتابعة في ذلك مستشرقون آخرون مثل مرغوليوث في مقدمة كتابه "محمد وظهور الإسلام".
وغير خاف أن سميت ومن لف لفه تابعوا ما وجده الباحثون في البيئات المتوحشة، فاستنتجوا –بفكرهم الثاقب – أن بلاد العرب القديمة، لا بد أن تكون قد مرت بهذا الطور المتوحش، فألصقوا بالعرب ما ليس في طبيعتهم، وحاولوا أن يشككوا في أنسابهم التي يعتزون بها ويباهون، وليس للمشككين من دليل علمي ثابت، أو حجة منطقية دامغة، إنما دفعهم إلى ذلك افتراضات وأوهام وترهات.
ولنرجع إلى ما كنا بصدده:
حقا، إن الناس معادن، وإذا كانت المعادن تتفاوت فيما بينها نفاسة وخساسة، فإن الناس كذلك يختلفون في أصولهم نباهة وتفاهة، ويتفاوتون في سلوكهم صلاحا وطلاحا، وتعتبر العناية الربانية هي العامل الأول والأخير في الاصطفاء والاختيار والتفصيل.
أخرج الإمامان مسلم والترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله اصطفى كنانة من بني إسماعيل، واصطفى من كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم".
فالنبي – كما في علم الجميع- هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب، بن لؤي، بن غالب، بن فهر (وهو قريش على رأي) ابن مالك بن النضر (قريش على رأي آخر) ابن كنانة بن خزيمة بن مدركة، بن إلياس،/ بن مضر، بن نزار، ابن معد بن عدنان. وهو من ذرية إسماعيل بن إبراهيم عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام.
وفيما يلي جدول يبين نسل هاشم بن عبد مناف ومن خلاله نتعرف على آل بيت النبوة:
هاشم
عبد المطلب
عبد الكعبة، ضرار، قسم، الزبير، المقوم، جحل، الغيداق أو لهب،  الحارث، حمزة، العباس، أبو طالب
عبد الله       
محمد  رسول الله صلى الله عليه وسلم
فاطمة الزهراء    تزوجا      علـي
      الحسن          الحسين
جد جميع الأشراف

ونسترسل في الحديث عن آل البيت، فنتلو قوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)الأحزاب: 33.
ويدل سياق الآية على أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم هن من آل البيت.
وروى الترمذي عن عمر بن أبي سلمة – ربيب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"لما نزلت هذه الآية، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة وحسنا وحسينا، وخللهم بكساه، وعلي خلف ظهره، ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي أذهب عنهم الرجس، وطهرهم تطهيرا".
ويقول الله -تبارك وتعالى في الآية 23 من سورة الشورى: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ).
وخير ما فسرت به الآية قول بعضهم: "قل يا محمد لأمتك: لا أطلب منكم على ما جئتم به من الهدى والنجاة من الردى، عوضا ولا أجرة ولا جزاء إلا أن تجازوني بأن تودوا قرابتي، وتحبوهم وتعاملوهم بالمعروف والإحسان، و يكون بينكم وبينهم غاية الود والمحبة والصلة("2).
روى ابن عباس رضي الله عنه قال:
لما نزلت هذه الآية، قالوا: يا رسول الله، من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "علي، وفاطمة، وابناهما".
ويعزز هذا التفسير ما ورد عن علي –كرم الله وجهه (من أنه قال: "شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حسد الناس لي، فقال: أما ترضى أن تكون رابع أربعة أول من يدخل الجنة: أنا وأنت والحسن والحسين وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا، وذريتنا خلف أزواجنا؟"
وأخرج الإمام الترمذي وحسنه، والحاكم عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به بعدي لن تضلوا: كتاب الله، وعثرتي أهل بيتي، ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض، فانظروا كيف تخلفونني فيهما".
وعلى تعظيم آل البيت ومحبتهم، سار المخلصون من أبناء هذه الأمة، خلفا عن سلف، وعبر الأجيال والقرون المتعاقبة، وفي مقدمة هؤلاء، -فيما يبدو- خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ابو بكر عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر المعروف لدى الجميع بأبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، قال: " راقبوا محمد في آل بيته". وقال: "والذي نفسي بيده، لقرابة محمد أحب إلي من قرابتي".

-----------------------
1) محمد فؤاد عبد الباقيك اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان. ص 685-686.
2) الشيخ عبد الله بن محمد الشبراوي: الانحاف بحب الأشراف. طبعة الحلبي بمصر، ص-4-
5

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here