islamaumaroc

عيد الشباب

  أحمد معنينو

العدد 257 شوال-ذو القعدة 1406/ يونيو-يوليوز 1986

قبل أن نؤرخ ليوم 9 يوليوز 1929، يوم ولادة أمير المؤمنين جلالة الحسن الثاني أمده الله بالعون والتوفيق، وقبل أن نؤرخ لعيد الشباب الذي صنعه وأسسه الملك الهمام محمد الخامس تكريما لفلذة كبده وولي عهده يجب أن نقدم تاريخ جلوس جلالة الملك محمد الخامس على عرش أجداده الميامين 23 جمادى الأولى 1346 هـ الموافق 18 نوفمبر 1927.
  في هذا اليوم بالذات تربع على عرش المغرب الملك الشهم الشاب الطموح محمد الخامس طيب الله ضريحه، ويعد هذا اليوم عند الوطنيين الوائل أحرار الضمير، يوم ارتباط الوطنية بالعرش، والعرش بالوطنية، نعم انتقل لرضوان الله يوم الخميس 9 رمضان 1380 هـ الموافق ل 25 يبراير 1961 م، ودفن ليوم الجمعة 10 رمضان بضريح جده محمد بن عبد الله جوار القصر الملكي العامر بالرباط، وبعد أعوام نقل جثمانه الطاهر لضريحه برحاب صومعة حسان أسكنه الله جوار النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولائك رفيقا.
لنرجع لتاريخ ولادة ولي العهد،  صاحب الذكرى 9 يوليوز 1929 يوم عيد الشباب.
فيه عمت البشرى الشعب المغربي أجمع بمولود صاحب الجلالة مولاي الحسن حفظه الله.
تفاءل الوطنيون الأوائل الأحرار أن هذا المغرب ينتظر العزة والكرامة والاستقلال والحرية، في عهد الملك الصالح محمد الخامس طيب الله ضريحه، فتحققت الرغائب، والله كريم جواد.
وينتظرون التقدم والازدهار والوحدة الترابية في عهد الحسن الثاني أيده الله.
وهكذا نجد الملك محمد الخامس يحتضن ابنه وفلذة كبده ووارث سره وولي عهده منذ ازدياده، لا يفارقه إلا لماما.
إذا ما تتبعنا عناية صاحب الجلالة بمولوده السعيد نشاهد البشرى والابتسامة لا تفارق جلالته، نشاهد مجلسه الدائم يزدهر ويعبق رائحة طيبة، فيحتضنه وباستمرار ويسهر على تربيته وتكوينه علميا ودينيا وخلقيا وجسمانيا.
وعلى ما أذكر ان لم تخنني الذاكرة، في سنه 1933 م والأمير في سنه الخامسة، تشرفنا نحن جمعية المحافظة على القرآن الكريم  من مدينتي سلا والرباط بالحضور غلى القصر الملكي العامر، بدعوة كريمة من جلالة الملك محمد الخامس بواسطة باشا مدينة سلا العامة الحاج محمد الصبيحي رحمه الله، حضرنا إلى القصر في وقت معين تحت رئاسة الفقيه العدل الخطيب نيابة عن والده  ج محمد بن علي عواد، ولدى وصولنا للقصر وجدنا جمعية المحافظة على القرآن بالرباط تحت الرئاسة الشرفية لإمام المسجد الأعظم الفقيه سيدي محمد بن الغازي رحمه الله، أصبحنا جميعا نتساءل عن القصد من الدعوة ؟ لقد استقبلنا باحترام وإكبار وأدخلنا لدويرة مزدهرة داخل القصر الملكي تؤذن بالحدث الجلل، ذلك هو عزم ملك البلاد على إدخال ولي العهد للكتاب القرآن واختاره للقيام بهذه المنقبة العظيمة التربية الإسلامية حفاظا على عرش المغرب المسلم، اختار العلامة الصالح أحد أركان كلية القرويين بفاس صاحب الفضيلة سيدي محمد أقصبي رحمه الله. أمرنا بالجلوس في الحلقة لتلاوة كتاب الله لنختم عدة سلك نختتمها بالقراءة الجماعية للخمسة الأحزاب الأخيرة. وكنت بجوار الفقيه العابد الذاكر حاجب صاحب الجلالة سيدي الحسن بن يعيش رحمه الله، آخذا بيده الطفل المبارك الميمون مولاي الحسن، شرعنا نحن في تلاوة آيات كتاب الله العزيز ويجلس أمامنا على كرسي "محمد الخامس" يستمع إلينا تارة ويقرأ معنا أخرى ودموعه تتساقط ! والطيب يعبق وملائكة الرحمان تحيط بنا، مصداقا للحديث الشريف الوارد في الموضوع، "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله... إلى آخر الحديث"، نعم إنني استمع نجوى الرجل الصالح بن يعيش من جلوسنا في الحلقة حوالي الثامنة مساء إلى الثانية عشرة.
 والذكر الذي يلهج به، والدعاء الذي يصدر منه ويداه الكريمتان تمران باستمرار على جسد الطفل المبارك الميمون. داعيا وخاشغا : اللهم اجعله من حملة القرآن، من الحافظين على القرآن من العاملين بالقرآن من....الخ. لا يفتر لحظة واحدة، ولا تصدر منه أية كلمة عدا هذا الدعاء الكريم، وسيدنا المنصور بالله، تارة يقرأ وتارة يدعو حتى اختتمت الحفلة بسلام.
 عقب ذلك اشتغلنا بالأناشيد الوطنية والأغاريد القومية بين يد صاحب الجلالة وهو مسرور ومبتهج يدعو الله لولده ووارث سره بجميع أنواع الهداية والرشاد والتوفيق لأقوم طريق.
 أكرمنا جلالته وعظمنا وصافحنا وطلب منا صالح الدعوات لخلفه وولي عهده وثمرة غرسه.
 وتمر الأيام بسرعة ويبلغنا استدعاء ضمني للحضور في حفلات التبريك باسم الشباب السلوي في أحد الأعياد ويقع الاختيار على شابين يرأسان جمعيتين الأولى : المحافظة على القرآن والثانية النادي الأدبي، فيحضران للقصر على خلاف العادة ! ويتساءل الباشا السلاوي عن الذي استدعاهم ؟
 ويأتي دور باشا مدينة سلا فيقول رئيس المشور باشا سلا نعم يا سيدي : ويقدمه مع الأعيان دون مشاركة الشابين ! ولدى قراءة الفاتحة يسمح للباشا بالخروج مع الأعيان، ثم ينادي رئيس التشريفات شباب سلا، نعم يا سيدي،   فيدخل الشابان ويتأخر معهم سعادة الباشا، ويذهبان توا إلى مصافحة جلالة الملك على خلاف ما اعتاده الباشا والأعيان ؟
 ويقوم الأول بإلقاء كلمة التبريك باسم المحافظين على القرآن، ويقوم الثاني بالتحية والتبريك باسم النادي الأدبي السلاوي.
 يترنح صاحب الجلالة ويتزحزح من مقعده، ويخاطب الشباب، ويحيى فيهم روح التضحية والوطنية وصدق المحبة للعرش والبلاد ويخاطب الباشا بقول جلالته، أصيك أيها الباشا بالشباب خيرا، لأنه أهل لكل فضل وخير.
 ويسلم الجميع وتنطلق الأسئلة ما هذا الحدث الجلل ؟
 جلالة الملك يقدر الشباب ويخطب عليه ويوصي به خيرا، فيفور شباب سلا بهذه المنقبة.
 يبلغ الخبر لشباب الرباط الذي لم يحضر في هذا الحفل الحافل ويسمع ما جرى لشباب سلا من اعتزاز وتكريم، فتتحرك على بركة الله. واسجل الخير لأهله أن المحرك الحقيقي للجماعة القرآنية بالرباط هما الشعبيان الأخوان العزيزان " الخليل بناني، ومحمد كراكشو" يبحثان عن مصحف كريم بخط جميل في ملكية شخصية محترمة ويتخذان إجراءات مدهشة، ويتطوع صاحب المصحف فيهبه لهم فيتخذ له غلافا فاخرا، ويذهب المكلفان لباشا الرباط الأكرم الحاج عبد يستأذن جلالة الرحمان بركاش كي الملك في زيارة المحافظين على القرآن الرباطيين لجلالة الملك قبل صلاة الجمعة.
 يتلكأ الباشا أول الأمر!، لم يجد بدا من الاستجابة فيقدم الطلب فيجاب بالرضا والقبول، فيغتنمها شباب المحافظة على القرآن بالرباط ويسجل العريضة الممتعة يشرح فيها العوائق التي أصبحت تقف في وجه الكتاتيب القرآنية خاصة في المناطق البربرية، ويشرح ما يكاد من حيل ومكر لإبعاد الشباب المغربي وخاصة الشباب من السرة البربرية عن الديانة الإسلامية ؟ والعمود الفقري لديننا الحنيف هو القرآن وتبقى هذه العريضة من الأسرار، تحضر الجمعة ويقترب وقت الصلاة ويحضر وفد الرباط للقصر على رأسه الفقيه العالم إمام المسجد سيدي محمد بن الغازي، يستقبلهم صاحب الجلالة بالبشر والترحاب فيقدمان لجلالته المصحف الكريم والعريضة التي سجلت الأحداث ! فيأمر جلالته بإحضار صاحب السمو مولاي الحسن ليتقبل الهدية الثمينة المصحف القرآني الهدية التكريمية، فيحضر الأمير ويتقبل الهدية بابتهاج ويشكر القائمين بها، وينطق صاحب الجلالة لهذا الوفد الكريم بأن جلالته سيبذل قصارى جهده بالقضية الإسلامية الكبرى، قضية الاعتناء بالكتاتيب القرآنية ودفع الشر عن أصحابها ومساعدتهم والوقوف في وجه كل من يعتدي عليهم وتنتهي الزيارة بسلام.
 ثم يأتي دور هام من هذا الشكل، ذلك أن الجمعية الرياضية الرباطية السلاوية تأسست سنة 1932 م وانبثق عنها فريق الكشاف المغربي تحت رئاسة وإدارة الأستاذين أحمد بن غبريط رئيس والأستاذ السيتل العيساوي رئيس الفرقة، وتحصل الاتصالات المباشرة والغير مباشرة، وتطلب الجمعية من الجلالة أن يضفي عليها اسم ولي العهد الكريم "الكشفية الحسنية" فيستحسن جلالته الفكرة، وتأخذ الفرقة طريقها للحصول على الإذن الشرعي الرسمي لجمعيتهم الكشفية الحسنية، فيتقبل الملك الفكرة ويرتضيها ويأذن بتنفيذها.
 يغتنم فريق الكشافة حضور جلالة الملك وبجانبه ولي العهد من فرنسا في زيارة رسمية، ويحضر اليوم المعين للاستقبال خارج باب زعير، فيقف باشا الرباط والأعيان بجانبه، وباشا سلا والأعيان بجانبه، ثم تأخذ الكشافة مكانها بعدهم الأمر الذي لم يسبق له نظير والذي لا خبر عن هذا الاستقبال عند الباشوات ولا السلطات العامة والخاصة، رغم ما لها من أنصار وجواسيس ومقربين ! لا خبر عند الجميع.
الأمر بين الشباب وصاحب الجلالة، حضر فريق الكشافة بزيهم الرسمي وعدد أفرادهم يبلغ نحو العشرين يحملون العلم المغربي وباقة زهرية، ويلتف حولهم الشباب الرباطي والسلاوي، المنظر بهيج ومدهش والسلطات الاستعمارية في قلق ودجر ! المراقبون والجواسيس الكل مندهش من هذه المغامرة. كيف تمت الاتصالات بين العرش والشعب ؟ يبحثون كيف وأين ؟ فلا يجدون جوابا ! فيتخذون شعارهم في التدريس وحب المؤامرة بسرعة ويلعبون أدوارا بهلوانية، يوجهون رسولا في غيبة عن جلالة الملك في طريقه، وتعطى أوامر لسائق سيارة صاحب السمو أن يبادر ويلتحق بالقصر حالا ! فيستجيب السائق ويسرع بالدخول دون أن يشعر بالمؤامرة، ويتقدم البوليس الرسمي والسري لمحاصرة الفرقة الكشفية وإبعادها عن مكان الاستقبال الرسمي !
 يحضر جلالة الملك ويتقدم باشا الرباط وسلا والأعيان ينتهي العرض، وفي هذه الدقيقة الفاصلة يهتف شباب العدوتين يحيى جلالة الملك، كأن هذه الكلمة كانت رعدا قاصفا ويردفها يحيى ولي العهد مولاي الحسن، فيضطرب البوليس والحكام ويندهش الكل ! ويلتفت صاحب الجلالة متسائلا عن ولي العهد ليتقبل الباقة الزهرية التي شاهدها بين الكشاف فيخبر جلالة الملك بأن سمو العهد سبق للقصر ! فيتفطن جلالة الملك للمناورة المكشوفة.
 يمر هذا الحدث بسلام، ويأخذ الشباب المحيط بالفرق الكشفية والباقة الزهرية والعلم المغربي طريقه في شبه مظاهرة صامتة إلى مركز الكشاف بإحدى أحياء المدينة  القديمة، والكل في قلق وتعب وشدة  "والغالب الله".
 وفي باب نادي الكشفية يخطب أحد الشباب ويطالب الحاضرين بتبرع بسيط لشراء إطار من الزجاج توضع فيه الباقة الزهرية احتجاجا على تصرفات المستعمرين وعملهم الشنيع، وينهى الحفل بسلام.
 يستغلها صاحب الجلالة محمد الخامس مناسبة فريدة، ذلك أن حفلا دينيا سيقام يوم الجمعة لتدشين تجديد مسجد السنة بعد إصلاحه وفتحه في وجه المؤمنين، بعد أن صدرت ضده تدابير خسيسة تؤذن بالقضاء عليه في سرية !
 يبلغ الخبر لصاحب الجلالة ويتخذ الإجراءات المناسبة، رغم أنف الخصوم، ويؤذن لنا بالحضور نحن شباب العدوتين وفريق الكشافة، يحضر الكل بباب المسجد وجماهير العدوتين مبتهجة والنساء يزغردن، وشباب المغرب في نشوة الانتصار، والمقيمون على الحفل بالمسجد يرأسهم الرجل المسلم السيد العالم بناني رحمه الله الذي أضفى على هذا المسجد منظرا خلابا، فرش بالزرابي والطيب في كل جوانبه يعبق والتنظيم بديع ومدهش.
 يحضر جلالة الملك محمد الخامس في روعة، الموسيقى والأعلام والجيش والمخازنية والهيئات الرسمية، الكل مصطف يحضر جلالته ويدخل من الباب العادي وسط جمهور الشعب، ويقوم العلامة المصلح الشاعر الوطني الشهم الحاج محمد اليمني الناصري ويفتتح  الحفلة باستقبال صاحب الجلالة يقول الله العظيم بسم الله الرحمن الرحيم "إنا فتحنا لك فتحا مبينا...." الخ صدق الله العظيم، يرتفع صوت المؤمنين حامدين شاكرين الله على ما هدى إليه، ويخطب الخطيب فيعظ وينذر وتنتهي الصلاة ونخرج من باب المسجد، فيؤذن لنا سريا أن لا نتحرك حتى نخرج عن باب تواركة (باب السفراء)  حينئذ ارتفعت أصوات الشباب والشيوخ والأطفال وحمي الوطيس وحللنا نحن الشباب محل الحرس الملكي حيث أحطنا بغرس صاحب الجلالة في هيام وحيرة وبكاء وفرح وزغردة وأناشيد وأغاريد، عرس وطني أقامه جلالة الملك هذه الساعة، امتزج الشعب بالعرش سرنا خطوات حتى بلغنا القصر الملكي العامر، وأذن لنا بالدخول، وما هي إلا فترة قصيرة يغيب فيها جلالته، ها هو يتخلى عن البروتكول ورمى به، وحمل بين يديه ولده البار صاحب الذكرى الحسن الثاني والعبرات تتساقط، والزفرات تتوالى، والدعوات تتجه إلى الله بحياة صاحب الجلالة ووارث سره، صاحب ذكرى عيد الشباب.
 اختتمت الحفلة بصالح الدعوات لسيدنا المنصور بالله بالتوفيق والرشاد ولولي عهد بالنجاح والتأييد والنهج السديد.
 هذه أوصاف لبع المعارك المتوالية بين الوطنيين المعتزين بالقرآن وعرشهم المفدى حارس القرآن، وبين المستعمرين وأذنابهم من جهة أخرى والله غالب على أمره.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here