islamaumaroc

ذكرى عيد الشباب في عام الخير.

  محمد قشتيليو

العدد 257 شوال-ذو القعدة 1406/ يونيو-يوليوز 1986

تحل هذه السنة ذكرى عيد الشباب مقترنة بالذكرى الخامسة والعشرين لتربع صاحب الجلالة على عرش أسلافه الكرام، ويعد بحق هذا العام خير على الأمة المغربية بكل ما في الكلمة من معنى، فقد أنعم الله عليها بالمطر الغزير الذي هو مصدر الخير الكثير، وأنعم عليها بالانتصارات المتتالية في الميدان الرياضي الذي رفع رأس المغرب عاليا بين الدوقل المتقدمة والنامية على سواء، وكل هذا من فضل الله على هذه الأمة التي جعل الله مقاليد أمورها في يد أمينة تسهر على مصالحها، إنه العاهل الكريم الذي يعطي من وقته الكثير للسهر على مصالح أمته، ونحن نرى بالعين المجردة ونلمس باليد الحسوسة، ثمرة جهاده فهو لا يفتأ يدعو إلى حفز الهمم للعمل المجدي، والتمسك بحبل الله المتين خاصة دعاؤه وتشجيعه للجيل الصاعد من الشباب الذي يعد عمدة المستقبل، إن جلالته يعرف ويدرك ما للشباب من دور خطير في كل أمر، إنهم حملة التقدم، وبناة المستقبل الأفضل إذا وجهوا توجيها مجديا، فكل من يريد لبلاده التقدم يتحتم عليه الاعتماد على الشباب، ومما لا ينكر أن دور الشباب في تاريخ الإسلام كان في منتهى الأهمية، وقد لعب الشباب في عهد الرسول عليه السلام أفضل دور، فقد كان الرسول يعتمد عليهم ويثق بهم، ووكلت لهم مهمات خطيرة جدا، ويطول بناء المقام إذا نحن سردها وهي كثيرة، فنكتفي بواحدة منها كمثال على ذلك وهي مهمة أسندها الرسول صلى الله عليه وسلم في آخر حياته لشاب لم يتجاوز عمره السبع عشرة سنة وتعني به الصحابي الجليل "أسامة" الذي أسند له الرسول عليه السلام إمارة الجيش الذي عرف في تاريخ الإسلام بجيش أسامة الذي بعثه أبو بكر بعد تولي الخلافة لقتال المرتدين.
لذا يدرك صاحب الجلالة هذه الأشياء وهو الرائد الذي ينهج على منوال جده المصطفى عليه الصلاة والسلام في كل أعماله، لهذا فمنذ نعومة أظفاره وهو حفظه الله يهتم بشؤون الشباب ويخطب فيهم في كل مناسبة ويوجههم إلى الطريق القويم، ونذكر من بين هذه المناسبات وهو ما زال في عنفوان شبابه عندما خاطب الشباب سنة 1952 موجها إليهم نداء سياسيا قال فيه: "قد يصعب علينا معشر شباب المغرب الادعاء بأننا جد يرون بكل إطراء وثناء، فكل ما نأمله في هذا الطور هو التشجيع والاعتناء، وعلى من حنكتهم تجارب الأيام أن يأخذوا بيد شبيبتها إلى الأمام، فيدلوها على أقوم السبل لتسلكها وينبهوها إلى المهاوي لتجنبها، عليهم أن يرشدوا هذا الجيل الجديد إلى رسالة الشباب المقدسة...".
ثم يضيف قائلا: "إن المغرب أصدقائي، لا يزال ينتظر منكم شتى الجهود، إن المستقبل يتطلب منكم أن لا تركنوا للجمود والركود".
ثم قال: "إن التاريخ وهو الحكم العادل سيقول كلمته فيكم، فإما ثناء على إخلاصكم وصدقكم، وإما لوم على تهاونكم وتفريطكم".
ثم زاد حفظه الله قائلا: "فإذا لم يكن بإمكاننا اليوم أن نزاحم أبناء الشعوب الأخرى في ميادين الإنتاج المادي فأنه بإمكاننا أن ندلو بدلونا ونزاحمهم في ميادين الفكر والثقافة والأدب والفلسفة".
وهكذا نراه في كل مناسبة من المناسبات يخاطب الشباب فيما يعود عليه بالنفع العميم أيام طغيان وجبروت الاستعمار ليبث فيه روح الكفاح والنضال ويهيئه للمستقبل الذي ينتظره، ولا ننسى تلك الأيام الحالكة التي كان لا يسمع فيها للمغرب صوت في الخارج إلا ما يقوله الاستعمار عنه من أكاذيب وأراجيف، وإذا بقائد الشباب في رحلة مع والده المكرم إلى طنجة يطلقها صرخة مدوية في ثغر البوغاز بحضور الدبلوماسيين الأجانب، وفي وسط تجمع شباب المغرب في شماله، حيث سمعوا وأسمعهم أمير الشباب ما يريد المغرب وملك المغرب لشعبه من حرية واستقلال وكرامة كباقي الشعوب المحبة للتعاون والسلام، وتركت توجيهات قائد الشباب في نفوس الشباب روحا وثابة فلم تمض إلا سنوات وجيزة حتى أعطت ثمارها المرجوة بالنهضة المباركة التي تحمل أعباءها الشباب في الكفاح من أجل الحرية والاستقلال بقيادة جلالة محمد الخامس وولى عهده المحبوب، وتابع الأمير الشاب توجيهاته للشباب قبل الاستقلال وأثناء المفاوضات من أجل الاستقلال وما زلت أتذكر بعضا منها –والذكرى تنفع المومنين- يوم قدم جلالته رفقة والده المنعم وحكومته الموقرة إلى مدريد للتفاوض مع إسبانيا من أجل استقلال شمال المغرب ووحدته، وكنت من ضمن الطلبة الجامعيين فخطب حفظه الله في حفلة التكريم التي أقامها له الطلبة والجالية المغربية بمدريد، وقد ارتسمت في أذهاننا، وطبعت في قلوبنا تلك الذكرى العزيزة، فقد قام قائد الشباب في ذلك الحفل خطيبا في الجموع بحضور جماهير غفيرة من المغاربة والأسبان والأجانب، فما أن انتهى الأمير الشاب من خطابه، حتى اهتزت القاعة من التصفيقات الحارة، وكان الحضور قد أخذوا من بلاغة وفصاحة هذا الشاب العظيم، والجميع يريد أن يتشرف بمصافحته من الأسبان والأجانب، ويهنئون المغاربة ويطمئنونهم على مستقبل المغرب الذي أنجب هذا القائد، فزاد ذلك من اعتزازنا وافتخارنا وعشنا أسعد الأيام في حياتنا بعد، وقد تغيرت نظرة الأجانب نحو المغرب والمغاربة عندما سمعوا ولمسوا بأنفسهم الحقائق التي تبرهن على عظمة المغرب من خلال أميره.
وها نحن نرى الآن ما يبذله عاهلنا من الجهود المتزايدة والكثيرة لصالح الشباب في جميع الميادين، ففي ميدان الرياضة نجده يبذل أقصى الجهود للدفع بشبابنا إلى الأمام بتهييء جميع الإمكانات والوسائل والتشجيعات بجميع أنواعها حتى يحقق الهدف المنشود، فالمؤسسات الرياضية بجميع أشكالها وأنواعها متوفرة في المغرب، بل له فيها اليد الطولى والقدح المعلى بين الدول المتقدمة فمن ميادين لسباق الخيول تخف إليه فرسان العالم من أجل المساهمة في مسابقات دولية، وميادين لعبة الكولف التي أصبح المغرب من الدول الممتازة فيها دوليا يقتصدها أصحابها للتباري فيها من جميع أنحاء المعمور فصار يضاهي أكبر دول العالم المتحضر في هذا الميدان، أما المسابقة في العدو فقد أصبح المغرب فيها مضرب الأمثال وقد أحرز على ميداليات ذهبية في المباريات الدولية رفع بها رأس العالم الثالث بأكمله.
أما كرة القدم فحدث عنها ولا حرج إذ أصبح المغرب فيها عالي الرأس بما حققه من انتصارات باهضة بل رفع رأس غيره من قارات العالم الثالث الذي أصبح يزهو يفتخر بفوز المغرب الذي ينتمي إليه.
أما اهتمام جلالة الملك بالشباب في الميدان الثقافي بصفة عامة وميدان العلم بصفة خاصة فهو شغله الشاغل فقد رأى بثاقب نظره ما يعانيه الشاب فهيأ له أسبابا تنقذه من الضياع بإنشاء مدارس لتكوين شباب متخصص في الدراسات المهنية تؤهل الشاب لمستقبل شريف وينقذه من الضياع والانهيار المعنوي والمادي معا فيصبح صالحا لو لوج جميع ميادين الحياة سواء كانت على الصعيد الرسمي أو الخاص، بهذا يصبح الشاب صالحا للمجتمع ولنفسه، كما فكر-حفظه الله- في التطوين الروحي والديني للشباب بل جعله أيضا من الدعاة ومن العاملين في حقل الدعوة الإسلامية إذ يشير في خطابه الموجه إلى الأمة الإسلامية بشأن الشباب بمناسبة حلول القرن الخامس عشر الهجري إذ يقول: "...وإن تعيد للتربية الدينية والخلقية ما كان لها من الاعتبار والأهمية في تنشئة الأجيال وأن تجعل من الأم المسلمة أما مثالية تعتز بأن تكون من المربية الأولى للناشئة والأطفال فداء لدينها وإخلاصا لوطننا وأن تجعل من المدرسة والكلية والجامعة إلى جانب  المسجد الملتقى المفضل والدائم للعلم وللإيمان...".
وقال جلالته أيضا في هذا الصدد في خطابه العام أمام المجلس الأعلى والمجالس العلمية الإقليمية بالمملكة في العاشر من رمضان عام 1401 "إن شبابنا يشتكي من الجوع الفكري ويشتكي من الفقر بالنسبة لدينه وحضارته وأخلاقه وفضائله".
وزاد قائلا: "إننا نريد المزيد من العلم ونريد المزيد من جعل العلم والسنة النبوية وتفسير القرآن الكريم كل هذا يساير العصر بل يساير الشره والنهم الذي يشكو منه الشباب المغربي بكيفية خاصة والشباب الإسلامي بكيفية عامة، فعلا شبابنا يشتكي من الجوع الفكري يشتكي من الفقر بالنسبة لدينه وحضارته وأخلاقه وفضائله، يشكو من العوز لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الدين المعاملة".
إن جلالة الحسن الثاني لا يترك فرصة تمر أو مناسبة تحل إلا ويتذكر فيها الشباب ويذكره في خطبه ويكثر من التوجيهات للحاضرين والمسؤولين في شأنه حتى يكونوا على بينة من أمره ومن مستقبله الذي هو مستقبل البلاد وضمان استقرارها وسعادتها والنهوض بها، وهكذا نراه يوجه نصائح وإرشادات بشأن الشباب في خطابه الموجه إلى المجلس الأعلى العلمي ويقترح توجيه الشباب للدعوة الإسلامية في أقطار المعمور إذ يقول: ...أنا أريد أن أقترح عليكم مرحلة تسبق المرحلة العليا وهو أن توجد في أقرب وقت ممكن من أولئك الذين لهم الباكلوريا العربية ولا يدركون ولا يتحكمون في لغة أجنبية أن نعطيهم الدليل بالوسائل المرئية السمعية اليوم في ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر أما الإنجليزية أو الفرنسية أولئك هم الذين سيكونون دعاة الإسلام في المدارس الابتدائية في بنغلاديش في الباكستان في الصومال في جيبوتي في جزر القمر في غينيا في السنغال في جميع الدول الإسلامية التي لا تتكلم بالعربية وهذا أسهل لأننا عندنا وفي كبير من الشباب الحاصلين على الباكلوريا بالعربية ولكن وقفوا هنا فلو أمكن أنه إقليميا أو جهويا أن نكونهم في ظرف ثلاثة أشهر ويمكنهم أن يتكونوا في ثلاثة أشهر إما بالإنجليزية ويذهبون إلى الدول الإسلامية المتكلمة بالإنجليزية وهم في حاجة إلى ذلك أو بالفرنسية ليذهبوا إلى الدول المتكلمة بالفرنسية"
كما لا ننسى أن جلالته أعطى تعليماته في شهر رمضان الأخير (1406) لوزير التربية بإنشاء كرسي في كليات الجامعات المغربية خاص بالإسهام المغربي في بالحضارة الإفريقية وما كان له من دور في بث الدعوة الإسلامية وما أسداه في هذا الميدان الروحي من خدمات للإنسانية في تلك القارات، ويريد بهذا جلالته أن يحيط الطالب الشاب علما بكل ما لوطنه وأمته من ميزة وما أسداه من خير ببث الإشعاع الروحي بين بني الإنسان، وبالتالي يعلم الشباب ما كان لأمثاله أيضا من دور في الكفاح من أجل الدعوة الإسلامية في عهد الرسول عليه السلام وعهد الصحابة والخلفاء ومن تبعهم، وقد ذكرنا مثالا على هذا آنفا بإسناد الرسول عليه السلام مهمة خطيرة لأسامة وهو لم يتجاوز بعد السابعة عشرة من عمره، وحذا الصحابة حذوه أيضا فكان عمر بن الخطاب يوصي ويقول: "علموا أولادكم السباحة والرماية ومروهم أن يثبوا على الخيل وثبا".
وكثيرا ما ذكرنا لنا القرآن الكريم ما قام به الشباب في سبيل الدعوة إلى وحدانية الله تعالى كقوله تعالى: "إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى". وقال يحكي عن سيدنا إبراهيم وهو ما يزال شابا: "قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين، قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم". إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث وأقوال الصحابة التي تحض على الاعتناء بالشباب والأخذ بيده، لذا نرى العاهل الكريم يهتم وهو المسلم القوي الإيمان بربه والذي يسير في كل حركاته وسكناته على سنة جده الأعظم المصطفى عليه الصلاة والسلام يكرس جهوده، وحياته ووقته كله لصالح الشباب والتفكير في مستقبله ومن استسمك بالعروة الوثقى، فقد هدى إلى صراط مستقيم.


من توجيهات جلالة الملك الحسن الثاني
لقد أكرمنا الله بدين متين الأساس راسخ البنيان صالح لكل زمان ومكان ما من شعيرة من شعائره ولا شريعة من شرائعه، إلا وهي مؤسسة على تقوى من الله ورضوان فهو دين يقرر، كرامة الإنسان، ولا يرضى له بالتعرض للذل والهوان وهو دين العلم والحرية

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here