islamaumaroc

ملامح من مساهمة شباب الصحابة.

  مصطفى صغيري

العدد 257 شوال-ذو القعدة 1406/ يونيو-يوليوز 1986

الشباب عدة الحاضر، وأمل المستقبل، هو الدرع الواقي للأمة، ورأس الحربة في المنعطفات التاريخية الدقيقة، والطاقة المتوثبة التي تتفجر نشاطا وحيوية، في حاجة إلى توجيه سليم، ورعاية متبصرة، وحكمة الشيوخ وحنكتهم.
 والمغرب وطننا العزيز يتوفر على نسبة عالية من الشباب، وخير ما يرشد الشباب ويوجه سلوكه الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم مع صحابته الكرام رضوان الله عليهم. فقد اهتم الرسول عليه السلام بالصحابة الشباب، واعتمد عليهم في المهمات الصعبة التي قام عليها بناء الدولة الإسلامية في مجالاتها المتعددة؛ في التنظيم، في التعليم، في السلم، في الجهاد، في ضروب الفداء والتضحية...
 وسأكتفي بنماذج من هؤلاء الشباب الذين كرعوا من منهل المدرسة المحمدية التي جعلت شعارها الإيمان والعمل " إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى".(1)
 عن جندب بن عبد الله قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حراورة (أقوياء أشداء) فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانا".(2)
 في حياة الرسول عليه السلام نماذج فذة من الشباب آمنت في ريعان شبابها، وتحملت عبء الدعوة إلى الله والدفاع عنها. والأمثلة أكثر من أن تحصى، من ذلك: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمرو بن العاصي وابنا عفران: معاذ ومعوذ ومعاذ بن جبل، وكعب بن مالك، وأسامة بن زيد، رضوان الله عليهم.
 من توجيهات الرسول عليه السلام للشباب قوله: " ما أكرم شاب شيخا لسنه إلا قيض الله له من يكرمه عند سنه". رواه الترمذي(3) عن انس بن مالك. والرسول أعلم الناس بنزق الشباب وطيشه، فلذلك وجه نظره إلى إكرام الضعيف المسن كان قريبا أو بعيدا.
 والصحابة الشباب دافعوا عن الإسلام في أحلك الظروف وأدقها وأعقدها، واسترخصوا أرواحهم وبذلوا فداء لإعلاء كلمة الله قبل الهجرة وبعدها.
 من المواقف التي حفظها التاريخ للإمام علي كرم الله وجهه وهو شاب لما يتجاوز العشرين من عمره أن الرسول عليه السلام تركه على فراشه، عندما أذن له ربه بالهجرة إلى المدينة المنورة، تركه ليؤدي عنه الأمانات التي كانت في بيت لالبوة إلى أهلها. لم يتردد علي كرم الله وجهه لحظة في أداء هذه المهمة الفدائية التي كان يقدر مدى خطورتها، لكن الواجب يسمو فوق كل اعتبار، والرسول عليه السلام كان أعلم بأن علي أفضل من يقوم بهذا الواجب، لأنه كان عليه السلام مطلعا على ما يبيته المشركون من حشد شبابهم وترصدهم لبيته: " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك..."(4)
 بعد الهجرة النبوية وفي أول صدام مسلح بين محمد عليه السلام وصحابته الكرام ضد المشركين الذين حشدوا كل طاقاتهم المادية والمعنوية، في معركة " بدر الكبرى" أبلى شباب الإسلام البلاء الحسن في الدفاع عن رايتهم ونفذوا أخطر العمليات العسكرية، بل الأمر لم يقتصر على الشباب بل تعداه إلى من دونهم من الغلمان.
 في صحيح الإمام البخاري عن أنس قال: أصيب حارثة يوم بدر وهو غلام، فجاءت أمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله، قد عرفت منزلة حارث مني، فقال إنه في جنة الفردوس.(5)
 في هذه المعركة حرض الرسول صلى الله عليه وسلم على الجهاد ووضع لذلك مكافأة خاصة، هذا النداء ألهب مشاعر الشباب بالحماسة فقاموا بدور طلائعي في هذه المعركة بالذات.
 عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صنع كذا وكذا، فله كذا وكذا فتسارع في ذلك شباب القوم، وبقي الشيوخ تحت الرايات". رواه أبو داود والنسائي وغيرهما.(6)
 ومن صور البطولة، والانضباط والتسارع إلى تنفيذ أمر القائد في بدر ما يحكيه عبد الرحمن بن عوف بطولة أخوين ابني عفراء رضي الله عنهم قال: إني لفي الصف يوم بدر؛ إذا التفت، فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن، فكأني لم آمن بمكانهما، إذ قال لي أحدهما سرا من صاحبه: يا عم أرني أبا جهلن فقلت: يا ابن أخي زما تصنع به ؟ قال عاهدت الله إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه. فقال لي الآخر سرا من صاحبه مثله. قال- عبد الرحمن- فما سرني أني بين رجلين مكانهما، فأشرت لهما إليه، فشدا عليه مثل الصقرين حتى ضرباه وهما ابنا عفران".(7)
 وقد شهدا ابنا عفران بدرا وهم: معاذ ومعوذ، وعوف، استشهد منهم في بدر عوف –رضوان الله عليهم- بعدما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يضحك الرب من عبده؟ فقال عليه السلام: غمسه يده في العدو حاسرا" فنزع درعا كانت عليه، فقذفها ثم أخذ سيفه فقاتل حتى قتل(8).
 بعد معركة بدر الكبرى تسابق الصحبة الشباب في عرضهم أنفسهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم للمساهمة في المجهود الحربي، وكان الرسول عليه السلام أرحم بهم من أنفسهم، فلم يقبل منهم صغار السن، والجيش الإسلامي يومئذ في حاجة إلى الصبيان.
 ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم عام أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني".
وشهد ابن عمر الخندق وما بعدها من المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومما شهده فتح مكة وهو في ميعة الشباب فدخل جوف الكعبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه بلال وعثمان وأسامة (ض). قال ابن عمر: وكنت رجلا شابا قويا فبادرت الناس فبدرتهم".(9)
أي أنه كان من السابقين الذين دخلوا جوف الكعبة بعدما طهرها  الرسول عليه السلام وجيشه المنظفر من رجس الوثنية.
والشباب مسؤولية علينا أن ننمي رعايتها في شبابنا، مسؤولية دنيوية وأخروية. في جامع الترمذي عن ابن مسعود (ض) عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه، ماذا عمل فيما علم"(10).
والشباب قد يشدد على نفسه ويسرف عليها لما له من تحمس وقناعة، وهذا التشدد قد يكون في الطاعات المطلوبة، ويتغافل عن سماحة الإسلام وفطرته، فالإسلام دين الوسط لا تزمت فيه ولا انحلال، والرسول عليه السلام رحيم بالمؤمنين، يخاف على أمته الملل الذي قد يؤدي إلى الإعراض والتخلي عن القيام بالواجبات "إن الله لا يمل حتى تملوا" كما جاء في الحديث الشريف.
عن عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله عنه قال: "جمعت القرآن فقرأت به في كل ليلة، فبلغ ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني أخشى أن يطول عليك زمان تمل. اقرأه في كل شهر، قلت يا رسول الله: دعني أستمتع من قوتي وشبابي. قال: اقرأه في كل عشرين، فقلت يا رسول الله دعني أستمتع من قوتي وشبابي، قال: اقرأه في عشر، قلت يا رسول الله دعني أستمتع من قوتي وشبابي، قال: اقرأه في كل سبع، قلت يا رسول الله: دعني أستمتع من قوتي وشبابي، فأبى".(11)
كان الشباب من الصحابة- رضي الله عنهم- يؤمون مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قصد التعلم فيقيمون الأيام العديدة يتعلمون العلم والسلوك، وعندما يشعر الرسول الكريم أنهم في مستوى المسؤولية يأمرهم بالعودة إلى أهليهم قصد نشر الإسلام وتعاليمه وتولي موقع القيادة.
في صحيح مسلم عن مالك بن الحويرث قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن سببة متقاربون فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحيما رقيقا، فظن أنا قد اشتقنا أهلنا، فسألنا عمن تركنا من أهلنا، فأخبرناه فقال: أرجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم، وعلموهم، ومروهم، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم ثم ليؤمكم أكبركم"(12)
وفي مسند الإمام أحمد:
"عن أنس بن مالك قال: كان شباب من الأنصار سبعين رجلا يقال لهم القراء، قال: كانوا يكونون في المسجد فإذا أمسوا انتحوا ناحية من المدينة، فيتدارسون ويصلون، يحسب أهلوهم أنهم في المسجد، ويحسب أهل المسجد أنهم في أهليهم، حتى إذا كانوا في وجه الصبح استعذبوا من الماء، واحتطبوا من الحطب، فجاءوا به، فأسندوه إلى حجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعثهم النبي صلى الله عليه وسلم جميعا فأصيبو يوم بئر معونة فدعا النبي صلى الله عليه وسلم على قتلتهم خمسة عشر يوما في صلاة الغداة".(13)
ما كان يأنف شيوخ الصحابة الأجلاء أن يأخذوا علوم الشريعة عن الصحابة الشباب وستفوتهم ويحتكموا إليهم.
في مسند الإمام أحمد عن أبي مسلم الخولاني قال: أتيت مسجد أهل دمشق، فإذا حلقته فبها كهول من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا شباب فيهم أكحل العين، براق الثنايا، كلما اختلفوا في شيء ردوه إلى الفتى، فتى شاب، قال: قلت لجليسي من هذا؟ قال معاذ بن جبل..."(14) وأكبر دليل على اهتمام الرسول الكريم بالشباب واعتماده عليهم في تسيير البلاد والدفاع عن المقدسات الإسلامية أنه أمر على آخر بعث له بعثه إلى فلسطين حبه وابن حبه أسامة بن زيد رضي الله عنهما، أمره على جيش كثيف فيه كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار، وعمر أسامة بن زيد إذاك لم يتجاوز العشرين(15).
ففي صحيح البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا وأمر عليهم أسامة بن زيد، فطعن بعض الناس في إمارته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه، وايم الله، إن كان لخليقا للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إلي، وإن هذا لمن أحب الناس إلي" وزاد في رواية مسلم: "وأوصيكم به فإنه من صالحيكم".(16)
وإنما طعنوا في إمارته- كما وجه ذلك الإمام السهيلي رحمه الله- لأنه مولى مع حداثة سنه.(17)
وأنقذ أبو بكر الصديق رضي الله عنه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم جيش أسامة بالرغم من موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذ كان يرى أن يولي أمر القيادة إلى من هو أسن منه وأجلد، فأخذ أبو بكر بلحية عمر رضي الله عنه وقال له: يا بن الخطاب: أتأمرني أن أكون أول حال عقدا عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله لأن أخر من السماء فتخطفني الطير أحب إلي أن أمالئكم على هذا الرأي"(18) بهذا الحماس دافع أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن قيادة الشباب وثقته فيهم في تحمل المسؤوليات الكبرى، وذلك استمرارا لموقف الرسول الكريم منهم.
لهذه المعاني وكثير غيرها، وربطا للحاضر بالماضي وتطلعا إلى المستقبل الباسم، نظر المغاربة لهذا القطاع الحي من المجتمع، وخلدوه بعيد الشباب"، اعترافا منهم بما بذله الشباب من تضحيات جسام من أجل الدفاع عن المقدسات الدينية والوطنية واقترن هذا العيد بميلاد أمير المؤمنين سبط النبوة جلالة الملك الحسن الثاني أمد الله في عمره، وأقر عينه بسمو ولي عهده المولى سيدي محمد وصنوه الرشيد المولى الرشيد وسائر الأمراء والأميرات، إنه مجيب الدعاء.

من توجيهات جلالة الملك
فمن واجب القادة المسؤولين والزعماء البارزين في العالم الإسلامي أن يفتحوا الطريق أمام القائمين بالبعث الإسلامي والدعوة الإسلامية، وأن يشملوهم بالرعاية الكافية، حتى يؤدوا رسالتهم أحسن أداء كان أن من واجب دعائم الإسلام أنفسهم أن يجتمعوا على كلمة سواء، ويدعموا فيما بينهم روابط التضامن والإخاء، وأن يعملوا على أن تكون دعوتهم خالصة لوجه الله يسودها طابع التعاون والصفاء.


----------------
1) الكهف 13.
2) سنن ابن ماجة 1/23.
3) عارضة الآحوذي 8/179.
4) الأنفال 30.
5) صحيح البخاري 4/98.
6) للاسئناس انظر تفسير ابن كثير 3/276.
7) صحيح البخاري 5/100.
8) السيرة النبوية لابن هشام 3/29.
9) مسند الإمام أحمد 6/15.
10) العارضة 9/253.
11) مسند أحمد 2/163.
12) صحيح مسلم 1/466.
13) مسند أحمد 3/235.
14) نفس المصدر 5/236.
15) السيرة لابن هشام 4/246.
16) للاستئناس انظر تهذيب الأسماء واللغات للإمام النووي 1/114.
17) الروض الأنف للسهيلي 4/248.
18) المصدر السابق 4/272.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here