islamaumaroc

المغرب كما عرفته

  محمد فاروق النبهان

العدد 257 شوال-ذو القعدة 1406/ يونيو-يوليوز 1986

 في زيارتي الأولى للمغرب عام 1973 شيء ما شد انتباهي وأثار فضولي وجعلني أتتبع بدقة ذلك الطيف الذي لمحت ظلاله من بعيد، ولم أكن أعلم عنه شيئا، لعله شبح تراءى لي في ليلة مظلمة، أو حلم عشت معه ثم طاردته فرسان الفجر فلم تترك له أثرا...
 شيء ما لمحته ليس لي به عهد من قبل، ذلك الشيء ليس بالوهم وليس حلما، فلم يغادر موقعه في النفس ولم تطارده فرسان الفجر، وعندما أطل من بعيد نور الصباح رأيت بعض معالم وجهه، وتعرفت على هويته، واطمأنت نفسي إليه، وسكنت، وجلست أستمع إلى حديثه الهادئ الوقور الرصين، حديث الحكيم الذي تعبر قسمات وجهه عن صدق ما يرويه، وجمال ما اختزنته ذاكرته من أروع المواقف والذكريات...
 ووقفت أخاطبه بإجلال، وأحدق في تلك الملامح التي عبثت بنضارتها الأيام، ولا اشتعل رأسه شيبا بعد تلك السنين الطويلة المليئة بالجهد والكفاح والتضحية والتحدي، وحسبت نفسي أقف أمام حكيم، يحسن الفهم والتعبير، ويستنطق التاريخ فيجسد قيمه ومواقفه وكأنه وصي عليه، قيم شديد الوفاء لتلك الأمانة، غيور شديد الغيرة على أمجاد الأجداد، لا يسمح أن تمتد لها يد عابثة مستهترة، ولا يرضى أن ينال منها متطاول يظلم أو تجاوز...
 ذلك هو المغرب كما رأيته لأول مرة، وكما تصورت ملامحه التي أمسكت بذاكرتي لا تغادرها في يوم إلا لتعود من جديد إلى موقعها، مؤكدة صدق الصورة، مجسدة كل التجسيد تاريخا حسبناه قد طويت صفحته، وتناثرت أجزاؤه، وطارده ظلام طويل فاستكن في زوايا مهجورة يئن من قسوة الأيام، وعقوق الأبناء والأحفاد...
 ورأيت تاريخ أمتي حيا، لم تعبث به عابثة، ولم تنله بسوء بالرغم من قسوة التحدي وعنف الأيام، قيم الجداد كما كانت... تطل في كل صباح، تمشي بهدوء على الرمال الذهبية تستنشق هواء البحر المنعش، وفي المساء تبتسم لكل زائر وترحب به، وكأنها سيد أصيل الانتماء، رفيع الخصال، كريم النفس، يجلس في صدر مجلسه مرفوع الهامة شامخ الأنف، يحني رأسه تواضعا فيزيده التواضع هيبة ومكانة...
 ما أجمل تراث الأجداد، وهو يوقظ في النفس مشاعر الاعتزاز والفخار، ويعلم الإنسان ما لم يعلم من أمر حاضره وماضيه، لكي يواجه به ذلك التحدي الذي يستهدف الكيان والإنسان والأرض والهوية، فيا أيها الأجداد تحية لكم من الأعماق، لقد أوقدتم في نفوسنا مشاعل الاعتزاز وكنتم الأوصياء الأمناء على تراث أمة أثقل كاهلها ما حملته من هموم وأحزان، ولن تفرط في الأمانة ولن تسقط الراية...
 وفي المغرب يرتفع اللواء، ويعلو في السماء، مجسدا ذلك التاريخ في امتداده، وتلك الأصالة التي لم تشوه معالمها الأيام ولم تزيف ملامحها مساحيق مستوردة، فظلت كما كانت نقية البشرة صافية، صادقة التعبير عن قيم أمة، شديدة الاعتزاز بكل مكونات تلك الأمة متمسكة كل التمسك بكل خصائصها الذاتية...
 ذلك هو المغرب كما رأيته...
لم أحسب أن زيارتي الأولى ستقودني فيما بعد... إلى المغرب... ولم أستطع أن أغالب دعوة كريمة أو أن أتردد فيها، فالأمناء على التاريخ قرارهم ملزم، واختيارهم تشريف وتكريم، وما أعظم ما يترك ذلك التشريف والتكريم في النفوس من مشاعر السعادة والبهجة، وما أضخم ما يخلفه في نفوس من نالهم ذلك التكريم من مسؤولية الوفاء.
 وفي المغرب تعلمت ما لم أكن أعلم، وأدركت بصدق أن ما شد انتباهي في أول زيارة لي إلى المغرب لم يكن طيفا، وإنما كان حقيقة، وفي كل يوم اكتشف الجديد وأتعلم الجديد، وافتح قلبي للهواء النقي لكي يطارد ما خلفته الطفولة في النفس من قيم ومثل وعادات وقناعات لا يستقيم بعضها مع التصور الأمثل لها...
                                                  * * *
 وأهم ما تعلمته أن الأمم والشعوب لا تستقر وحدتها، ولا يستقيم أمرها ما لم تكن اختياراتها واضحة محددة, تمكن لها في الأرض وتحفظ لها توازنها في مواقف التحدي، وتساعدها على اجتياز المنعطفات الحادة والخطيرة بيسر وسهولة وأمان، ومثل هذه الأمم لا تخشى من المواجهة ولا يتعرض مركبها للأخطار الطوفانية، وتواجه العواصف الرعدية في الليالي المظلمة الممطرة بأعصاب هادئة، تمكنها من اجتياز الأخطار...
 والمغرب من البلاد القليلة في العالم الحديث الذي يملك إمكانات التوازن، ولهذا فإن التحدي يسهم في دعم وحدته الوطنية، لأن الشعب المغربي من الشعوب التي لا تساوم في قضاياها الوطنية، ولا تقبل مبدأ المساومة، يستوي في ذلك العالم والأمي، والشمال والجنوب واليسار واليمين.
 وهذا الوضوح في المواقف الوطنية مكن المغرب من أن يختار منهج الديمقراطية والحوار في معالجة قضاياه السياسية والفكرية والثقافية والاقتصادية، لأن المركب المتوازن في تكوينه لا تخيفه أصوات المتحاورين والمتنافسين، ولا يفزع من اختلاف الرأي وتعدد الرؤية، لأنه يدرك جيدا أن كل اختلاف في الرؤية يضيف الجديد إلى تراثه الحضاري، وينمي في ذات الوقت أطره وأجياله لكي تكون أكثر قدرة على اختيار الأفضل.
 وأتيح لي أن أشارك في بعض المناظرات الوطنية، وكنت في بداية الأمر أتساءل عن أهمية تلك اللقاءات، مستفسرا بعض الأصدقاء، إلى أن وجدت الجواب فيما لمسته بنفسي من آثارها، وهي آثار تتجاوز حدود ما يتوقعه الإنسان منها، لأنها تستهدف أولا وقبل كل شيء طرح أسلوب للتعامل بين كافة القوى والاتجاهات يريح الجميع ويأخذ بالاعتبار رأي الجميع، ويتيح للجميع منبرا يعتليه من يريد، لطرح رأيه وفكره، لكي يتعود المواطن أن يفكر بصوت عال وأن يعمل في إطار الوضوح وأن يشارك من خلال ذلك في بناء وطنه وصياغة منهج سيره...
 ومن واجبنا أن نشيد بهذه الظاهرة، وأن نمد يدنا لكل من ساهم فيها مؤيدا لها أو داعيا إليها، مصافحين ومهنئين، لأن الأعمال المنتجة تستحق التهنئة والتشجيع.
 والوطن الذي يحترم كل أبنائه، ويعانق كل الفئات والاتجاهات جدير بأن يكون الوطن الذي يستحق التضحية، فلأوطان هي مستودعات لأجمل عواطف الحب، وعندما تحتضن تلك الأوطان جميع مواطنيها فإنما تحتضن كل ما يملكون من مشاعر.
 والمغرب الذي نتحدث عنه هو مغرب اليوم، وهو في نفس الوقت مغرب الأمس، مغرب الأصالة والقيم، ومغرب الحضارة والعطاء، ومغرب الخصائص المتميزة التي حافظت على وجوده، وأكسبته تميزا واستقلالا في مواقفه وثقافاته، وفي شخصيته وخصاله...
 والحسن الثاني هو ملك المغرب، وهو في نفس الوقت مرآة الشخصية المغربية والمحافظ الأمين على الخصائص المغربية، يجسدها من خلال سلوكه وفكره وثقافته، ويغذيها من خلال مواقفه ونصائحه وتوجيهاته، واستطاع جلالته من خلال قيادته الرشيدة والحكيمة أن يعيد من جديد صياغة تلك الشخصية المغربية، وأن يطور أسلوب عطائها لكي تكون منسجمة مع روح العصر ومتطلبات التقدم، تقبل الاقتباس وتحتكم إلى الحوار، وترفض الانغلاق وتدين التطرف.
 ويكفينا لتأكيد هذه الحقيقة أن نلم بما حولنا من نشاطات وإنجازات وأن ندرس وسائل العمل وأساليب البناء، فالديمقراطية في المغرب هي اختيار أساسي يجسده الحسن الثاني من خلال المؤسسات التمثيلية كما يجسده من خلال كل التظاهرات الفكرية والثقافية التي تؤكد أهمية الحوار البناء بين مختلف التيارات الفكرية، لتأكيد أهمية التفاعل الخلاق والمنتج، ونجد نماذج حية من هذه السياسة الحسنية الموفقة من خلال ظواهر معبرة عن انصراف ذهن جلالته إلى تأكيد ظاهرة الحوار والتعددية الفكرية، والتفاعل البناء الذي يعطي ويثمر وينجب، في إطار الخصائص الذاتية للشخصية المغربية، بكل مكوناتها الاعتقادية والروحية وبكل أبعادها الإنسانية والحضارية.
 والإسلام في نظر "الحسن الثاني" هو عمود الشخصية المغربية، وهو منطلق وجودها الحضاري ومحور رؤيتها الثقافية، يلح عليه ويعمقه ويطرح أبعاده، ويعتبره من المقدسات الوطنية التي لا تقبل النقاش، لأن الإسلام هو الامتداد الإنساني للشخصية المغربية.
 ذلكم هو المغرب كما عرفته... وكما اتضحت معالمه لي بعد عشر سنوات حاولت خلالها أن أرقب عن كثب معالم الشخصية المغربية، وأن اختزن في ذاكرتي صورة منسجمة معبرة عما عرفت ولمست، وأظنني قد عرفت القليل، وما سجلته هو قليل من ذلك القليل، لا لأني أظن على قلمي أن يخط مشاعر وأحاسيس من قناعات ذاتية يشهد الله أني ما بالغت في التعبير عنها، وما أنصفتها فيما قلت وسجلت، ولكن لأني أخشى أن يظن بي المبالغة والمجاملة، وذلك ليس من خلقي ولا من طبعي، وما أقسي الطبع عندما لا يستجيب لنداء العاطفة، وما أقسي ما يخلفه في نفس صاحبه من آلام وأحزان...
 ولا أستطيع أن أنكر أن رؤيتي لما عبرت عنه تحكمها عواطف المحبة، وعواطف المحبة صادقة فيما تعبر عنه، ترى وتبصر، وتفرح وتتفاءل، وهي التي تجعل الرؤية محكومة بالصدق والموضوعية، وما أحوجنا إلى أن ننظر إلى قضايانا نظرة منصفة، ترى الفضيلة وتشجع عليها، ولا تنكر حق إنسان فيما أعطى وأجاد وأحسن لكي تظل شعلة العطاء متوقدة، تنير السبل، وتعطي وتجزل في العطاء...

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here