islamaumaroc

الإسلام والشباب

  يوسف الكتاني

العدد 257 شوال-ذو القعدة 1406/ يونيو-يوليوز 1986

يعتبر الشباب في كل زمان وفي كل مكان عصب الأمة وعمادها، وأملها ومعقد رجائها، فيه ترى امتدادها ومستقبلها، وبفضله تنهض وتتقدم وتصل إلى ما تريد، ولا تعلم أمة من الأمم قديمها وحديثها، اعتنت بشبابها ورعتهم، وهيأت لهم ما يجعلهم رجالا أكفاء أقوياء، مثل دولة الإسلام ورسول الإسلام، حتى أننا نجد أركان دولته قامت على أكتافهم وبجهودهم، دعاة وعلماء، حكاما وأمراء وقواد جيوش، ويمتلئ تاريخ السيرة بصفحاتهم المشرقة وأعمالهم الخالدة.
وتتوزع مسؤولية رعاية الشباب في الإسلام جهتان: الأسرة باعتبارها نواة المجتمع وأساسه، ومتبع الأولاد ومدرستهم الأولى، وهي التي توجهه الوجهة التي تصنعه وتكونه، لأن المولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما أكد الرسول عليه السلام وفي ظلها يرتبط برباط مقدس، كي تستقر نفسه وعواطفه، ويرتبط بعلاقة وثيقة مع أفراد أسرته وأعضاء مجتمعه.
والجهة الثانية التي ترعى الشباب هي الدولة ترعاه بالتعليم والتقويم والتوجيه، في المدرسة والشارع ومختلف مجالات الحياة، وقد رعى الإسلام هذه المسؤولية حق رعايتها، وخص الرسول الكريم الشباب بما لم يخص به فئة أخرى، خاصة وأنهم كانوا الفئة المؤمنة بدينه، والمبادرة لنصرته.
لقد كان عبد الله بن عباس ردف رسول الله على ناقته ذات يوم، وكان شابا حدثا، وأراد أن يفتح له طريق التقدم والتفوق، فرسم له ولشباب المسلمين الخطوط الأساسية التي تكون المثل الأعلى له، حتى يكون قويا مجدا مؤمنا مفيدا، ولا يكون إمعة متواكلا متخاذلا، وقد خاطبة رسول الله قائلا:
" اسمع يا غلام أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك بشيء إلا بشيء كتبه الهل عليك".
لقد كان الرسول وخلفاؤه من بعده، يخص الشباب بالتوجيه الدائم، والعناية المستمرة، ويفقهه في دينه ويعلمه آداب الإسلام، ويوجهه إلى التقوى والعمل الصالح الذي يفيده ويفيد أمته ومجتمعه، يقول الرسول مخاطبا الشباب:
"يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة –القدرة –فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء- وقاية".
بمثل هذا التوجيه الحكيم، والقدوة الحسنة، والمثل الصالح، استطاع الرسول في فترة وجيزة أن يجعل من شباب المسلمين شيعته وأنصاره، وعدته في الجهاد ودعاته إلى الدول والأمم، وفقهاء الأمة وقراءها، ويجعل منهم المشاعل التي أنارت الطريق، وفتحت الفتوح، نذكر منهم على سبيل المثال:
علي بن أبي طالب الذي شارك في معركة بدر وهو دون العشرين.
وخالد بن الوليد الذي أمر على الجيش وهو في عنفوان شبابه.
وعبد الله بن عمر.
وزيد بن ثابت.
وأسامة بن زيد، وسواهم كثير.
لقد أصبح شبابنا اليوم في حاجة إلى أن يتعلموا ويعرفوا حقائق دينهم، وسيرة رسولهم، وتاريخهم، حتى يكون لهم القدوة والأسوة، ويعرفوا أن دينهم دين التجديد والتطور، وأنه صالح لكل زمان ومكان.
إن ثقافتنا الإسلامية ليست قاصرة، وإن تراثنا الإسلامي ليس له طابع اللاهوت، وإن الفكر الإسلامي فكر جامع شامل كامل، هو جماع الأخلاق والاقتصاد والاجتماع والتربية والسياسة والعلم والفن، وهذا ما يجعل فكرنا الإسلامي يختلف عن الفكر الأجنبي الذي يؤمن بالانفصال بين العلوم والقيم، بين الدين والحياة، وإن الحياة الإسلامية ليست حياة انزواء وانطواء وعبث فلا رهبانية في الإسلام، وقد كان الرسول عليه الصلاة والسلام يسابق زوجته عائشة فتسبقه مرة ويسبقها أخرى، وكان يركب الخيول ويحبب إلى ركوبها قائلا: "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة"، وكان يمزح ولا يقول إلا حقا، كما كان عمر يوصي الناس أن يعلموا أولادهم الرماية والسباحة، لأنهم مخلوقون لزمان غير زمان وآبائهم، وهذا قل من كثر من تاريخ الإسلام وحقائقه.
إذا فشبابنا محتاج إلى استمالة واعية، تبصره بما ينبغي أن يكون عليه، من دون تنقص لمواهبه وقدراته، وهو في مرحلة تكوينه، وذلك بتوجيه إلى التعلق بكتاب الله، وسنة رسوله، وقيم الإسلام التي تجعله يقيم حياته على الفضيلة والحق والخير. ومحتاج أن يعرف أن الشباب الحي وهو الذي يحجز نفسه عن فعل ما يذم أو يخل بالمروءة، فيتقي الزلات، ويبتعد عن السلبيات، وذلك يدعونا إلى تقويمه بالقدوة قبل القولة، وبالتعهد الدائم، والتوجيه الرشيد، لقد وضعت بلادنا للشباب البرامج والتخطيطات، ورصدت له الجهود، وجعلت ميلاد جلالة الملك عيدا للشباب وفتحت النوادي الاجتماعية، والملاعب الرياضية، والدور الثقافية، وعلينا أن نحبب إليهم هذه الأماكن، وتضافع الجهود حتى تكون كخلية نحل، تشاطا، وثقافة ورياضة وأخلاقا كي يملأو أوقاتهم وعقولهم بما ينفع ويجدي فيتغلب الأمل والطموح في أنفسهم فيبدعون ويبتكرون ويتحدون العراقل والمصاعب كما كان أجدادهم يفعلون.
ولنجعل من عيد الشباب عيدا لتجديد الأمل، وتقوية العزائم واستنهاض الهمم، ومضاعفة الجهود وحث الخطى، وطي المراحل والتسابق إلى التقدم والتطور والتجديد لما فيه خير الأمة وصلاح الشباب وبالله التوفيق.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here