islamaumaroc

شباب المجتمعات الإسلامية بين الثوابت والمتغيرات

  المهدي السيني

العدد 257 شوال-ذو القعدة 1406/ يونيو-يوليوز 1986

  احتد النقاش في الآونة الأخيرة حول "الثوابت" والمتغيرات وبمناسبة عيد الشباب المجيد، رأيت من المناسب أن تكون مساهمتي في الاحتفال به، إثارة النقاش حول هذا الموضوع، سيما وقد عرف عن صاحب الجلالة أمير المؤمنين حرصه الشديد على الذود عن الثوابت في الشخصية المغربية، المتجلية في مذهبها المالكي، وعقيدتها الأشعرية، وتصوفها النقي، وأرجو أن يكون إسهامي هذا فتحا لباب النقاش... والله وراء القصد...
  في المجتمعات غير الإسلامية: المادية أو العلمانية يرون أن من "القيم" ما يكون اليوم من الثوابت وقد يصح أن يكون غدا من المتغيرات، إذ أن قيمتهم كقيم سوق العملات، خاضعة للعرض والطلب، للتقليص والتعويم، في حين أن "القيم" في المجتمعات الإسلامية قيم ثابتة، وأن "التغيير" لا يمس الجوهر بحال من الأحوال، مهما تغيرت البيئات زمانيا ومكانيا.
  وقد يكون لبعض المجتمعات الإسلامية خصوصيات تصير العادات فيها بمثابة القيم الإسلامية، فترسخ وتتجذر في خلايا المجتمع فتكتسب الثبوت لتواضع التعامل بها، لكن فيصل التفرقة بين مشروعيتها وعدمه هو ميزان الشرع: فما حسنه الشرع فهو الحسن، وما قبحه الشرع فهو القبيح، إذ لا عبرة بمن تكون مواقفهم نظير مواقف أولئك الذين تصور هذه الآية تمسكهم بالموروث، لأنه موروث فحسب: "قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإن على آثارهم مهتدون"(1).
 وقال صلى الله عليه وسلم: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد(2).
 إن الشباب في المجتمعات الإسلامية يتشربون "القيم" من السلوك العملي في الممارسات اليومية لذويهم وجيرانهم ومعلميهم، فما تواضع الناس على احترامه وعدم تجاوزه، يصير كذلك في قناعة الشباب، ولو أمام الملأ؛ ومعنى ذلك أن للرأي العام الإسلامي تأثيرا وسلطانا على النفوس، وهذه ظاهرة محمودة تعكس السلوك الحي المحتشم وعدم المجاهرة بالمعاصي امتثالا للهدي النبوي: "من أصاب من هذه القاذورات فليستتر بستر الله"(3).
  إن ما يمكن أن يقع فيه بعض شباب المجتمعات الإسلامية من أنواع السلوك المشين، يقاسمهم أوزاره من وضعوا من موقع التوجيه والريادة، فقد قال صلى الله عليه وسلم: من سن في الإسلام سنة سيئة، فعمل بها بعده، كتب عليه مثل وزر من عمل بها...(4)
  وسأشير إلى ظاهرتين من مجتمعنا المغربي المسلم: ظاهرة "اللامبالاة، أو حب السلامة"، وظاهرة "النجدة ونصرة المظلوم"، فالظاهرة الأولى مشينة وهجينة، ولا تتجلى عند جمهور الناس، في حين أن الظاهرة الثانية أصيلة وعامة لا يتلكأ عن تطبيقها إلا من اضطرته ظروف ما، أو وقع تحت ضغوط ما.
 ففي البيئات التي لم تفد فطرتها، لا يتصور أن من يمر في الشارع العام –مثلا- ويسمع الأطفال يتسابون بفحش القول وبذئ الألفاظ، يتابع سيره غير مبال كأنه لم يسمع شيئا، وإنما ينبه الأطفال إلى عواقب الوقاحة وخطورة من الأعراض، وهذا هو الموقف السائد في بيئاتنا المغربية الأصيلة. أما في البيئات الهجينة، فقد يسمع المار في الشارع العام ما يندى له الجبين وتهتز له المشاعر، فيمر بسلام ويعتبر تدخله من باب الفضول.
  فهذان الموقفان المتناقضان، وأمثالهما كثير، مما يثير لدى الأجيال الصاعدة بلبلة حول "القيم الأصيلة" التي ما كانت بالأمس القريب محل تساؤل، ومجالا لاختلاف وجهات النظر، مثل نصرة المظلوم، وإغاثة الملهوف، وتغيير المنكر.
  وتمسك مجتمعنا المغربي الأصيل بهذه القيم، هو تمسك بجوهر الإسلام، وحرص الكهول والشيوخ على تطبيق ذلك وممارسته، هو نقش في ضمير الأجيال الصاعدة وترسيخ في تصورها، إذ هو من كيان هذه الأمة، لا يتغير بتغير الظروف، ولا تزعزعه رياح التشكيك والارتياب، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "من لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، ومن لا يصبح ويمسي ناصحا لله ورسوله ولكتابه ولإمامه ولعامة المسلمين فليس منهم"(5).
  والحديث وإن كان ضعيفا، فللعلماء اختلاف في العمل أصلا من أصول الدين.(6)
  إن التصور بأن موقف اللامبالاة من قضايا المجتمع الأساسية، هو الموقف السليم، وأن المرء ما ينبغي له أن يكون فضوليا يحشر نفسه فيما لا يعنيه، تصور غير إسلامي، وقد أوضح ذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وهو يصحح المفهوم حول تأويل قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم، لا يضركم من ضل إذا اهتديتم".(7)
  فقد أورد أبو الفداء ابن كثير في تفسيره: ليس فيها دليل على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا كان ذلك ممكنا.
  وقد روى الإمام أحمد بسنده إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، أنه قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية، وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيروه، يوشك الله عز وجل أن يعمهم بعقابه(8)".
وفي رواية ثانية للترمذي بسنده إلى ثعلبة الخشني أنه سئل عن تأويل هذه الآية فقال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا: سألت عنها النبي صلى الله عليه وسلم فقال: بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهو متبعا، ودنيا مؤثرة، إعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع العوام...(9)
  ولابن مسعود رضي الله عنه في تأويل هذه الآية قوله: فما دامت قلوبكم وأهواؤكم واحدة، ولم تلبسوا شيعا، ولم يذق بعضكم بأس بعض، فأمروا وانهوا، فإذا اختلفت القلوب والأهواء، وألبستم شيعا، وذاق بعضكم بأس بعض، فامرؤ ونفسه...(10)".
  إن رعاية الشباب رعاية لا تغير فطرته، ولا تزعزع تصوره حول "القيم" مسؤولية كبرى، وأمانة عظمى، وهي جزء من الأمانة التي تحملها الإنسان لعمارة الأرض وفق منهج الله: "إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها، وحملها الإنسان، إنه كان ظلوما جهولا(11)"
  وهي رعاية خاصة وعامة لقوله عليه السلام: "ألا كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته...(12)" وكل تفريط أو تقصير في رعاية الأجيال الصاعدة، يمكن شياطين الإنس والجن من العمل على انحرافها، مصداقا لقوله تعالى في الحديث القدسي" إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا...(13)
ومعلوم أن شياطين الإنس والجن متحالفون لتحقيق ذلك الاجتيال، قال تعالى:"شياطين الإنس والجن يوحي يعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا"(14)
  إن رعاية الشباب رعاية إسلامية، وتوجيههم توجيها إيمانيا ربانيا، يعمق من نفوسهم التمسك بالقيم التي تتفق وفطرة الله التي فطر الناس عليها، ويجعلهم في مناعة من رياح التشكيك التي يكمن الماديون وراء زوابعها، لإقناع شباب المجتمعات الإسلامية بأن "القيم" في حاجة إلى مراجعة، منطق مادي، إذ الحق حق، والباطل باطل، والخير خير، والشر شر، مهما تغيرت البيآت زمانيا ومكانيا. أهـ.

----------------
1) تفسير ابن كثير: سورة المائدة، وهو في ج 1 من مسند الإمام أحمد ص 5،7،9: نشر المكتب الإسلامي.
2)  سنن الترمذي: كتاب التفسير: سورة 5.
3) مجموع الفتاوي لابن تيمية ج 17 ص 371، 372، ط، الرباط.
4) سورة الأحزاب: آية 73.
5) متفق عليه: أخرجه مسلم في الإمارة باب فضيلة الإمام العادل.
وأخرجه البخاري في عدة أبواب من جامعة: في الأحكام: الحديث الثاني، وفي الجمعة: الحديث 12.
6) أخرجه مسلم في كتاب الجنة من صحيحه ج 63.
7) سورة الأنعام : آية 112.
8) تفسير ابن كثير: سورة المائدة، وهو في ج 1 من مسند الإمام أحمد ص 5،7،9: نشر المكتب الإسلامي.
9)  سنن الترمذي: كتاب التفسير: سورة 5.
10) مجموع الفتاوي لابن تيمية ج 17 ص 371، 372، ط، الرباط.
11) سورة الأحزاب: آية 73.
12) متفق عليه: أخرجه مسلم في الإمارة باب فضيلة الإمام العادل.
وأخرجه البخاري في عدة أبواب من جامعة: في الأحكام: الحديث الثاني، وفي الجمعة: الحديث 12.
13) أخرجه مسلم في كتاب الجنة من صحيحه ج 63.
14) سورة الأنعام : آية 112

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here