islamaumaroc

قراءة في "ديوان دعوة الحق"

  عبد الجواد السقاط

العدد 257 شوال-ذو القعدة 1406/ يونيو-يوليوز 1986

تعززت المكتبة الأدبية في المغرب، بالمجموعة الشعرية التي أصدرتها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تحت عنوان : "ديوان دعوة الحق، ووفاء وولاء"، وهي – كما جاء في الغلاف – "باقات شعرية مهداة إلى رمز الأمة المغربية، وباني وحدتها الترابية، سليل الدوحة النبوية الشريفة، وجوهرة عقد الدولة العلوية المجيدة، صاحب الجلالة أمير المؤمنين الحسن الثاني أدام الله عزه وعلاه".
 ويضم هذا الديوان، الواقع في جزأين، مجموع القصائد التي جادت بها قرائح نخبة من الشعراء في مدح صاحب الجلالة أيده الله ونصره، طوال الخمس والعشرين سنة التي مرت على تربع جلالته على عرش أسلافه الميامين، والتي سبق لمجلة دعوة الحق الغراء أن نشرتها في حينها تباعا، هذه المجلة التي تعتبر منبرا يعنى بشؤون المعرفة والفكر، ويعمل على نشر الثقافة الإسلامية والوطنية ببلادنا منذ أن أسسها جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه سنة 1376 هـ - 1957 م، فكانت بحق كما قال الشاعر :
ديوان معرفة تدر
  ع قالة الفصحى إهابه
نطقت بكل دقيقة الـ
  ـمستحدثات بلا معابه
ونفت عن الفكر المد
  قق ما اطلخم وما تشابه
وقضت على العقم الحيـ
  ـق وما استلذ من الرتابه
لتكون حقا "دعوة ال
  ـحق" الحرية باستجابه
برعاية الملك الذي
  أملى على الليل انجيابه
الذائد المغوار عن
  دين الهدى الحامي جنابه (1)
 ويجمع هذا الديوان بين دفتيه مائتين واثنتين وثلاثين قصيدة (232)، قدم لها معالي وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري بكلمة رقيقة استهلها بقوله :
  "العرش مبادئ وقيم وتاريخ وحضارة وأمل وهو قدر المغرب
  وهو وجهه وقلبه وروحه وفكره وإن شئت قلت هو المغرب والمغرب هو العرش"(2).
 ومن هذا المنطلق الراسخ راح السيد الوزير يحلل ذلك التلاحم المتين القائم بين المغرب والعرش على امتداد العصور والأجيال، هذا التلاحم الذي هب "فرسان البيان وفحول الشعر منذ خمس وعشرين سنة وهم يتسابقون في حلبة التعبير، ويتنافسون في مضمار التحرير والتحبير، ويتجاورن لأسر أوابد الشعر وشوارد التصوير، يحاولون التعبير عن الولاء والوفاء".(3).
 وكانت مجلة دعوة الحق – يقول السيد الوزير – منبرا لهؤلاء الشعراء ومنتداهم، إذ "جمعت هذه الباقة الجميلة من شعر شعرائها، ووقفت بالأعتاب الشريفة تهديها إلى أب المغاربة جلالة الملك الحسن الثاني في الذكرى الخامسة والعشرين لتربعه على عرش أسلافه الكرام، راجية أن يشملها بعين الرضى والقبول"(4).
 ويكتسي هذا الديوان أهمية كبرى سواء على الصعيد المعرفي أو الأدبي.
 ففيما يتعلق بالصعيد المعرفي يعتبر هذا الديوان وثيقة تاريخية هامة، تمد القراء بجملة من الحقائق التي سجلها التاريخ بمداد الفخر والاعتزاز لقائد الأمة المغربية وصانع مجدها جلالة الملك الحسن الثاني أعز الله أمره، كما تخلد طفرة من الأحداث الأساسية التي طبعت تاريخ المغرب، وميزته بين غيره من دول المعمور. وهي حقائق وأحداث نذكر منها على سبيل المثال لا على سبيل الحصر :
1) تعلق الشعب المغربي بعاهله العظيم، وتشبثه بأهداب عرشه المجيد، ذلك التعلق الذي ما فتئ الشعراء يعبرون عنه كلما أتيحت لهم المناسبة، والذي لا يصدر عن المغاربة منهم فحسب، بل كذلك عن أشقائهم العرب مهما بعدت الديار وشطت المسافات، فهذا الشاعر الجزائري مفدي زكريا يقول :
أمير المؤمنين، فداك روحي
    بياني عن مديحك لا يكل
عشقت حجاك عن ثقة وعلم
    ومثلي في الهوى ثقة وعدل
 ظلالك للأمجاد وارفات
    وعند وريفها كم أستظل
ولم أمدحك عن ملق وزلفى
   فمدح الأكرمين لدي نبل(5)
وهذا الشاعر التونسي الطاهر القصار يفرز عواطفه نحو جلالة الملك، مؤكدا أنه خير خلف لخير سلف، إذ يقول :
أهنيك بالملك الذي أنت أهله
   وبالعرش مرفوع العماد مدعما
أهنيك بالرضوان من خير والد
   حدا بك للمثلى وأنشاك مسلما
ولقنك العرفان والعقل والهدى
   وأسدى بما أسدى إليك وأنعما
فكنت بذا نعم الخليفة وارثا
   مناقب شهم بالمكارم قد سما(6)
  وهذا الشاعر الموريطاني المختار بن حامد يعترف أنه لن يوفق إلى الإجادة في مدح جلالة الملك مهما حاول إذ يردد :
فتنافس البلغاء في أمداحه
   وتزاحم التشجيع والتقصيد
عزا بنشر كالنظام تقطعت
   أسلاكه فانساب منه فريد
وعدوت في آثارهم أقتصها
   وإجادة في المدح كنت أريد
وأبى نضوب الفكر عن تجويده
   إن العيي يؤوده التجويد(7)
 وعلى غرار ما جاشت هذه العواطف الصادقة والمشاعر النبيلة من نخبة من شعراء المغرب العربي، كذلك جاشت عواطف إخوانهم في المشرق، يذكيها ما جبل عليه جلالة الملك من كريم الصفات وشريف المقاصد والغايات، فهذا الشاعر السعودي عثمان الصالح يقول من قصيدة :
يا أيها الحسن العظيم كفاحه
   وبه ارتقيت على لأخطر منصب
أنت الأصيل جذوره وفروعه
   من هامة الشرف الأعز بيعرب
حررت ملوب البلاد بحكمة
   بعميقها أدركت أنبل مطلب(8)
 وهذا الشاعر العراقي الدكتور باقر سماكة يعلن عن محبته وإجلاله فيقول من قصيدة :
يا سيدي جئت من بغداد أحملها  
   عواطفا من هوى في القلب موار
عواطف الحب كالأغصان ناشرة
   ظلالها غب هطال ومدرار
إليك أرفعها رمز المحبة من
   عراق بابل فجر النور والنار(9)
 وهذا صوت ينطلق من رحاب الأزهر الشريف، على لسان أحد علمائه عبد الفتاح إمام فيقول:
مدحتك إنصافا وحبا ورغبة
   ومن مدح الأشراف عاش مكرما
لئن وافت الأقدار آمال أمة
   فكل رجانا أن تعيش وتسلما(10)
 وهكذا يتضح أن الأمة العربية، على لسان شعرائها، تشارك الجماهير المغربية في التعلق برمز وحدتها وسيادتها، كما أن هؤلاء الشعراء المغاربة في التعبير عن هذا التعلق، أمثال الشاعر محمد بن محمد العلمي القائل ؛
فمحبة العرش المجيد عقيدة
   ما حدها في العالمين حدود
للعرش أخلصنا ونحو ندائه
   قد هب أبناء لنا وجدود(11)
والشاعر عبد الكريم التواتي الذي يخاطب العرش قائلا :
يا عرشنا عرش شعب بالوفا لهج
   وبالولاء هواه الجم مقترن
دامت عهودك للتشييد خالدة
   آياتها بأثيل العز ترتهن(12)
 وليس جديد أن نقول إن العرش مهوى أفئدة المغاربة قاطبة، ومعقد آمالهم وطموحاتهم، ومجسد وحدتهم وتساكنهم، ومن ثم راح الشعراء – وكما يشهد بذلك هذا الديوان – يلحون على تأكيد هذه الآصرة المتينة، متنافسين في التعبير عن مشاعرهم نحوه، على حد ما نقرأ في مطلع قصيدة للشاعر عبد الكريم التواتي حيث يقول :
الله بارك عرشا للعلى بدرا
   تتلو المفاخر من آياته سورا
عرش بنته أصول طاب محتدها
   وسودته فروع تعشق الظفرا
عرش على العدل والإيمان أسسه
   بنو علي فكان النور مزدهرا(13)
2) التأكيد على نسب جلالته الشريف، وما يرمز إليه هذا النسب من معاني السمو والطهارة، مصداقا لقوله تعالى : "إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا"(14). ونقتطف من هذه الباقة الشعرية قول الشاعر إدريس الجاي :
سوى الإله من الطين الجسوم ولـ
   ـكن من شعاع رسول الله سواه(15)
  وكذلك قول الشاعر قدور الورطاسي :
فأنت يا ابن رسول الله أسوتنا
   منا الولاء وما في الود تقتصد(16)
1) التنويه بما يتحلى به صاحب الجلالة من شيم نبيلة وصفات حميدة، تحله المقام الأسمى في النفوس، وتبوئه المكانة العليا في الضمائر والقلوب، وهي الشيم التي جمع الشاعر أبو بكر المريني بعضها في قوله :
العزم ديدنه والحزم صهوته
   واللين شيمته والعفو والحذر
والدين حجته والقسط ضالته
   والصدق منطقه والخير منهمر
آراؤه حكم، أفكاره غرر
   أفعاله عبر، أقواله درر(17)
2) الإشادة بمنجزات جلالة الملك في شتى الميادين، والتي سيذكرها التاريخ لجلالته بكل اعتزاز وفخر، نظرا لما جناه المغرب منها من طمأنينة ورخاء، وما نعم به بسببها من نهضة وتقدم على مستويات متعددة، كالتي أشار إليها الشاعر الحسن الحجوي من قصيدة :
سادت بفضلكم البلاد جميعها
   وتفاخرت طرا بنيل رجاء
أيقظتها من نومها فتنبهت
   لما أنطت مصيرها ببناء
وأعدت بالنظم القويمة مجدها
   فسمت بهمتكم إلى الجوزاء
وسرى التقدم في ربوع ترابها
   من نفح كدك مثل موج ضياء(18)
 ومن بين هذه المنجزات نذكر على سبيل المثال إعادة بناء جلالته لمدينة أكادير بعدما هدها زلزال عام 1960 م، حيث يقول الشاعر عبد الكريم التواتي في هذا المجال :
أكادير أعيد لها رواها
   وأرغمت الزلازل أن تؤودا
أعدت جحيمها نعمى فأضحى
   أوار القيظ ظلا أو جليدا
أردت لها النجاء وأنت أمن
   فشدت لأهلها الحصن المشيدا(19)
 ومن هذه المنجزات أيضا حرص جلالته على إقامة السدود التي من شأنها أن تفجر الخير والنماء في ربوع المغرب، كما نقرأ في شعر محمد بن علي العلوي وهو يخاطب وادي زيز الذي أقيم عليه السد المشهور :
إذا كنت يا زيز فيما مضى
   تكن الخراب وتمحو القرى
فقد جاءك الحسن المرتضى
   ليجعل من مائك الكوثرا
يحق لمن كان ذا فعله
   لموطنه الحر أن يشكرا(20)
3) تخليد الأحداث البارزة في تاريخ المغرب خلال الخمس والعشرين سنة المنصرمة، وهي أحداث تعطي الدليل على متانة الروابط التي تجمع بين العرش والشعب، وتعكس ما يتمتعان به من تلاحم وتماسك. وفي هذا الإطار نشير مثلا إلى حدث المسيرة الخضراء المظفرة، الذي تغنى به شعراء كثر نقتطف من بين دررهم أبياتا للشاعر محمد الحلوي من قصيدة يصور فيها مراحل هذا الحدث العظيم الذي قام على كتاب الله سبحانه، والإيمان بعدالة القضية، يقول :
أمة حققت مواكبها الخضـ
   ـراء فتحا لم يكتسب بالجنود
ذعر الغرب من مسيرة شعب
   حل فيها الهدى محل الحديد
فتداعى بنوه من كل صوب
   ليروا زحفنا لأرض الجدود
بالمصاحيف مشرعات وبالأغـ
   ـصان نسعى لفك أعتى القيود
حدث رائع يسجله الدهـ
   ـر لشعب مؤهل لخلود
وتعالت "الله أكبر" في كـ
   ـل كثيب وعبر وهم الحدود
زلزلت ما بناه طغيان مدريـ
   ـد ودكت صنيع كل حقود(21)
 ومن هذه الأحداث أيضا نشير إلى الرحلات الميمونة التي ما فتئ جلالة الملك يقوم بها لصالح هذا الوطن وأهله، سواء تمت رحلات الخير والبركة هذه داخل المغرب لتفقد أحوال الأقاليم المختلفة، أو خارج المغرب لتمتين الروابط مع الدول الشقيقة والصديقة؛ من ذلك مثلا قصيدة للشاعر إدريس الجاي هنأ فيها جلالة الملك إثر عودته من الديار التونسية، استهلها بقوله:
عاد المليك وعين الله ترعاه
   بشرى بما حملت للشعب يمناه
ما أشرقت بالأماني أرض مغربنا
   إلا التفتنا فألفينا محياه
يسر سمع إذا تروى محامده
   ويفرح العين بعد القلب مرآه
إن غاب عنا قليلا بالكثير أتى
   لذا نهلل دوما حين لقياه(22)
 ومنه أيضا قصيدة للشاعر محمد بن محمد العلمي خلد فيها الزيارة الملكية المباركة إلى الأقاليم المسترجعة، جاء في مطلعها :
في رحلة الوحدة والنماء
   أحلى معاني الحب والولاء
ما بين عرش ناصع الصفاء
   وشعبه السباق للفداء
فالخير فيهما بلا انتهاء
   يسر أهل الأرض والسماء(23)
 وإلى هذا تضاف أحداث أخرى خلدها شعراء هذا الديوان بإبداعاتهم، وتنافسوا في الإعراب تجاهها عن عواطفهم ومشاعرهم، كتدشين جلالته لحملة الكتاتيب القرآنية، وإقامته للدروس الرمضانية، واستقباله لبعض رؤساء الدول، وما إلى ذلك من الأحداث والمواقف.
4) بلورة اهتمامات جلالة الملك بالقضايا العربية والإسلامية، ومساهمته المستمرة في لم شتات الأمة العربية، وإذابة أسباب التفرقة بين شعوبها. وقد عبرت قصائد عديدة عن هذه الاهتمامات، كالأبيات التي نقرأها من قصيدة للشاعر محمد بن محمد العلمي في موضوع القضية الفلسطينية حيث يقول :
هذي فلسطين الحبيـ
   ـبة وهي باكية خجوله
مأساتها في العالم الـ
   ـمجنون قد زادت ذهوله
والمسجد الأقصى عتت
   في قدسه الأيدي الدخيله
 والشاعر إذ يصور خطر القضية وضخامتها، يطمئن أخيرا إلى وجود جلالة الملك الساهر على هذه القضية باهتمام وعناية إذ يقول :
لكن هنا حسن الشما
     ئل ساهر يملي حلوله(25)
 وفي الإطار نفسه نقرأ أبياتا للشاعر وجيه فهمي صلاح حول المسجد الأقصى، إذ يصيح مستغيثا بجلالة الملك :
بطل المسيرة يا حفيد المصطفى
   يا ملهم الأبطال قهر صعاب
أدرك رعاك الله مسرى المصطفى
   في القدس من جسور وأسر مرابي
المسجد الأقصى يئن ويشتكي
   وبنوه أشتات أمام ذئاب
محرابه بيد العدو مؤرق
   من غيرك المرجو للمحراب ؟
فيك الجلالة والمهابة والنهي
   والعبقرية فوق كل حساب(26)
 كما أشارت قصائد الديوان إلى المؤتمرات العربية والإسلامية التي حضرها المغرب ممثلا في شخص جلالة الملك الذي كان يتميز فيها جميعها بالصدارة والتفوق؛ وفي ذلك يقول الشاعر الحسن البونعماني منوها بمواقف جلالة الملك تجاه القضايا العربية والإسلامية عامة :
لبيك لبيك يا أندى الملوك يدا
   ومن له الاعتلاء فوق كيوان
في كل مؤتمر أو كل معترك
   نلت انتصارا بإقدام وإيمان
وانت للسلم في الدنيا مدعمه
   وأنت مذ كنت ذاك المصلح الباني
صنت الجوار فلم تعبث بحرمته
   وكنت ملجأ أحباب وجيران(27)
 وإلى جانب القضية العربية هذه، يبرز اهتمام جلالة الملك بالقضايا الإسلامية، ورعايته السامية للسنة النبوية الغراء في كل خطوة يخطوها جلالته. ولعل من أبرز ما يعكس هذا الاهتمام الملكي إقامة جلالته للدروس الرمضانية التي تعتبر منبرا إسلاميا متميزا يبلور سعة علم جلالته وشمولية إحاطته وإدراكه. وفي هذا المجال يقول الشاعر عبد الرحمن الدكالي من قصيدة :
يا أيها الحسن الإمام المرتجى
   للعدل للإصلاح للعرفان
أحييت في شهر الصيام لياليا
   تحيي أجل مقاصد ومعان
وتتبع الشعب الكريم دروسكم
   في السنة الغراء والفرقان
في كل جمع كنت تسمع مثينا
   يثني على الحسن الحبيب الثاني
بالدين يا مولاي ترفع شأننا
   فبه الهدى والرشد للإنسان(28)
 وفي المجال نفسه تستوقفنا قصائد أخرى تعكس اهتمام جلالته بالعلم والمعرفة، وتؤكد حرص جلالته على نشر الثقافة الإسلامية في كافة ربوع المملكة. وكدليل على ذلك إحياء جلالته للكراسي العلمية التي تشع المعرفة والنور، وتشبع نهم المتعطشين إلى منابع الهدى والعرفان. ومن هذه القصائد أبيات للشاعر محمد بن حماد الصقلي بمناسبة أمر جلالته بإحياء كراسي العلم بجامع القرويين حيث يقول :
هو الحسن الثاني فكل كريمة
   بهمته فالعسر من أمرها يسر
فأعظم بحامي الدين والعلم والإخا
   وأعظم بأعمال يخلدها الدهر
كراسي الهدى بالأمس أعلى منارها
   فأنوارها عمت وضاء بها القطر
وهذي كراسي العلم تبعث، إنه
   ليوم مجيد لا يضاهى له قدر(29)
5) تجاوب الكلمة الشعرية مع المناسبات المختلفة التي يعيشها المغرب، والتي تعرب بدورها عما يجمع العرش والشعب من أواصر المحبة والهيام، وروابط التعلق والوصال.
ولعل أبرز هذه المناسبات، احتفال الشعب المغربي بعيد الهرش المجيد، حيث يطفح هذا الديوان بالقصائد العرشيات التي يتبارى الشعراء بها في الإفصاح عن صادق عواطفهم وخالص أحاسيسهم بهذه المناسبة الخالدة، على غرار ما نقرأ من قصيدة للشاعر محمد أجانا وهو يستعرض بعض مميزات العرش قائلا :
هو عيد العرش رمزا لبلادي
   قد حملى وحدتنا من كل شر
إنه يجمعنا في وحدة مثـ
   ـلى وينفي كل تمزيق ونكر
يجمع الشمل وقد كان شتيتا
   يجعل الشعب قويا دون كسر
إنما العرش لواء تحته نحـ
   ـيا جميعا دون تمييز وعسر(30)
 وكما تجاوبت الكلمة الشعرية مع هذه المناسبة الخالدة كلما حلت ذكراها العطرة الميمونة، كذلك تجاوبت مع غيرها من المناسبات التي نذكر منها :
• ذكرى عيد الشباب، وفيها نقتصر على قول الشاعر المدني الحمراوي من قصيدة بمناسبة الذكرى الأربعينية لميلاد جلالته :
هذه الأربعون جد ومجد
    وأياد كريمة زهراء
وستحيا من بعدها تتفيا
    ظل ملك أقطاره خضراء
ويمد الإله عمرا زكيا
    يتولاه لطفه والوقاء(31)
• ذكرى ثورة الملك والشعب، ونستشهد عليها بقول الشاعر محمد بن محمد العلمي وهو يؤكد ما ترمز إليه هذه الذكرى من ثورة ضد التخلف بقيادة جلالة الحسن الثاني  نصره الله :
هو الحسن الرائد المرتضى
    عظيم المشاريع في الخطة
به المغرب الحر قد صار ورشا
    يحث خطاه إلى العزة
يكافح في عمل مستمر
    ويبني الصروح مع الدولة
تصاميمنا ثورة ونمو
    عميم نراه بعفوية
أقاليمنا وقرانا انبعاث 
    فما أحسن الجد من فكرة(32)
• ذكرى عيد الاستقلال وعودة الأسرة المالكة من المنفى، وفيها نقف أمام قصيدة للشاعر عبد الكريم التواتي يشدنا بها إلى تلك المرحلة الحاسمة في تاريخ المغرب، والتي توج الله كفاحه خلالها بعودة الأسرة المالكة إلى وطنها وعرشها واستقلال المغرب في عزة وكرامة، يقول في مطلع هذه القصيدة :
هي الأفراح تغمرنا فتوتا
   وتبدي من مباهجنا شؤونا
شؤونا قد كتمناها زمانا
   وأخفينا ملذتها سنينا
كتمناها نغلب من شجاها
  براكينا تؤج هوى دفينا
وأحلاما تهز النفس شوقا
  وتغمر بالسنا القلب الحزينا
لقد رات ابن يوسف آب حرا
  وأبناء ابن يوسف مكرمينا
وبشر بالهنا الحسن المفدى
  وقال أبوه : عدنا فائزينا
لقد عادوا فهللت الأماني
  بعودتهم وأرقصت الشجونا
لقد عادوا وكان العود حمدا
  ونصرا قطع الأعدا الوتينا(33)
• إشراق طلعة سمو ولي العهد الجليل سيدي محمد، الذي ابتهج المغرب لميلاده السعيد، كما يقول الشاعر المدني الحمراوي من قصيدة:
الشعب من أعماقه
   عن بشره قد عبرا
في كل حي حفلة
هزت من الطرب الثرى
وبكل بيت فرحة
   غمرت بهجتها الورى
القطر منها راقص
   وبها زها وتنورا(34)
• مناسبة ختان سموه المحبوب، وفي ذلك يقول الشاعر مفدي زكريا من قصيدة :
ختنوه بفاس، ينظر له اللـ
   ـه ويحرس شبابه والمقاما
ختنوه وليشهد الحفل إدريـ
   س ويكبر في أصغريه الفطاما
ضمدوا جرحه الطهور بفاس
   أي جرح لم يلق فيها التئاما(35)
• تأبين سمو الأميرة للا نزهة التي لبت داعي ربها في شهر رمضان الأبرك، والتي نجد الشاعر المدني الحمراوي يبكي فقدانها في شعره، ويعزي شقيقها جلالة الحسن الثاني فيقول :
إن تكن نزهة العزيزة أودت
    فإلى الله راجع كل أمر
ولنا فيك إذ بقيت عزاء
    يا حبيبا نراه أنفس ذخر
ورعى الله أسرة نفتديها
    وحماه من كل خطب ونكر(36)
• مناسبة الاحتفال بعيد المولد النبوي،وفيها نقتطف قصيدة للشاعر محمد العربي الشاوش يذكر فيها بعظمة الرسول صلى الله عليه وسلم وجهاده في سبيل نشر كلمة الله، ويختمها بمدح حفيده جلالة الحسن المفدى فيقول :
هو الحسن المحسن المرتجى
   لخير البلاد ونيل المرام
له في سبيل الحمى خدمات
   كشمس تبدت بدون غمام
له في سبيل النهوض أياد
   تفوق ندى حاتم ذي الخيام(37)
  إلى أن يقول :
فدم للبلاد عزيزا عظيما
   وللشعب تخطو به للأمام
وزادك ربك عزا ومجدا
   وللمغرب الحر أبقاك حام
سلامي عليكم وحسى ثنائي
   وشكري لكم هو مسك الختام(38)
• إطلالة مطلع القرن الخامس عشر الهجري، نجد الشاعر محمد بن محمد العلمي في إحدى مطولاته يؤكد على مصداقية الإسلام كدين حطم الأوثان، ونظم الحياة الإنسانية بما دعاها إليه من نبيل الصفات وكريم الأخلاق، ويأمل أن يكون بزوغ القرن الخامس عشر الهجري تصحيحا للمسار الديني في العالم الإسلامي، متجها في الأخير إلى الإشادة والثناء على جلالة الحسن المفدى الذي ما فتئ يبذل من جهده ووقته لتصحيح هذا المسار، يقول :
وفي المغرب الأقصى تصح بشارة
    بمطلع هذا القرن ذي الغرة البكر
فنحن هنا في نهضة حسنية
    كتبنا معانيها النفيسة بالتبر
نزف التهاني كالعرائس رونقا
    وننشد ألوانا من الشدو والشعر
ومن عجب أنا نثرنا ورودنا
    وأحسن ما في الملتقى نفحة النثر
وأمتنا بالعرش مشرقة الروى
    وبالحسن المحبوب مشدودة الأزر(39)
1) تمجيد الملك الراحل جلالة المغفور له محمد الخامس قدس الله روحه، حيث إن من قصائد الديوان ما اتخذه الشعراء مناسبة للتنويه بهذا الملك العظيم الذي كان خير سلف لخير خلف، والذي كانت وفاته أكبر فاجعة مني بها للمغرب. وفي هذا الإطار نذكر أبياتا من قصيدة للشاعر محمد معمري الزواوي يقول فيها :
من يجمع الأشتات بعد محمد
    من يزهر الأوطان بالإصلاح
من يملأ الآذان نصحا مثله
    وينير رشدا أعمق الأرواح
من تقصد الركبان من أقصى البلا
    د لتستنير برأيه الوضاح
من يرحم الضعفاء مثل محمد
    ويزيح عنهم أثقل الأرزاح
من ينشر الحرب العوان على الجها
    لة كي ينير عقولنا بصلاح
ويقول جدوا في العلوم لتصلحوا
    والعلم ضد الجهل خير سلاح(40)
 على أن الشاعر يعود بعد تساؤلاته هذه ليشعر بالسعادة والطمأنينة لأن الملك الراحل طيب الله ثراه، قد عهد بأمور هذه الأمة ومقاليدها إلى نجله ووارث سره جلالة الحسن الثاني أيده الله، إذ يقول :
نم هانئا في نعمة الله الكريـ
    ـم منعما بثوابه الفياح
أما البلاد ففي النعيم بنجلك الـ
    ـحسن المثنى خدن كل سماح
يحذو مناهجك الكريمة موقنا
    أن اقتفاك بها ضمان نجاح(41)
 وإذا نحن خلصنا بعد هذا إلى الجانب الأدبي، أدركنا أن الديوان يعكس جملة من الخصائص التي يمكن أن نستعرض بعضها كالتالي :
1) إن قصائد الديوان تتميز بوحدة الموضوع، حيث إنها جميعها تندرج تحت إطار المدح كغرض أساسي، مع ما يتفرع إليه هذا الغرض من جزئيات ودقائق. ولعل في النماذج المعروضة سابقا ما يزكي هذه الخاصية.
2) إن هذا الديوان يغطي فترة هامة من تاريخ الحركة الأدبية في بلادنا، تلك الفترة التي تميزت بوجود العديد من الحوافز والمنشطات لاتساع هذه الحركة، وإعطائها الحجم الذي انتهت إليه في ظل رائد النهضة العلمية والأدبية جلالة الحسن الثاني أعز الله أمره، لما يوليه جلالته لهذا القطاع من أهمية خاصة، وما يتعهده به من حدب ورعاية، أطلقت ألسنة الشعراء بالمدح والثناء، وكأن لسان حالهم جميعا يقول :
أمولاي طاب المدح فيك وإنني
   وحقك لولا الصدق ما كنت أنشد(42)
3) إن قصائد الديوان تمثل الواقع الذي عرفته الكلمة الشعرية في بلادنا، حيث إن من شعرائنا من حافظوا على التيار القديم، فراحوا يقلدون القدامى من الشعراء، سواء في مضامينهم أو أشكالهم، ومنهم من انساقوا مع موجة التجديد التي استطاعت أن تفرض نفسها كواقع ساهم في تكريسه مجموعة من المبدعين والنقاد، وفي هذا أيضا نوع من التقليد والتبعية لجماعة أبولو مثلا، أو مدرسة المهجر، ومنهم أخيرا من مزجوا بين التيارين معا، فتراهم حينا يقلدون ويحافظون، وحينا آخر يجددون ويبتكرون. ومن هنا يمكن أن نصنف قصائد هذا الديوان إلى عينات ثلاث هي الآتية :
- القصائد التقليدية التي اعتمدت الأوزان الخليلية والقوافي الموحدة، وهي الصنف الغالب على محتوى الديوان بصفة عامة، حيث إننا نلاحظ غلبة البحور ذات النفس الطويل كالبحر البسيط والكامل والطويل، كما أننا نلاحظ وحدة القافية إلا في نماذج قليلة، علاوة على ما يشم أحيانا من رائحة النسج على منوال بعض الشعراء القدامى كابن كلثوم الجاهلي وأبي تمام العباسي وأضرابهما من فحول الشعر العربي وأقطابه. ونكتفي للتمثيل لهذه الظاهرة بنموذجين اثنين، أحدهما للشاعر محمد بن علي العلوي القائل من قصيدة :
سلوا الهيجاء عنا كم تركنا
   خصوما في الحروب مجند لينا
وكم عرفت مواطننا انتصارا
   وكم حمل المحيط لنا سفينا
وكم نجوب البحر نهدي
   إلى سبل الرشاد الغافلينا
وهاهي ذي مسيرتنا تخطى
   لصحرانا الحواجز والحصونا
بأقدام السلام ندوس حدا
   أقام حصونه المتجبرونا(43)
 فلعل في هذه الأبيات نفسا من نونية عمرو بن كلثوم التي يعدد فيها هو الآخر فضائل قومه وقدرتهم على المواجهة والصمود حيث يقول :
ونحن إذا عماد الحي خرت
   على الأخفاض نمنع من يلينا
ندافع عنهم الأعداء قدما
   ونحمل عنهم ما حملونا
نطاعن ما تراخى الناس عنا
   ونضرب بالسيوف إذا غشينا
بسمر من قنا الخطي لدن
   ذوابل أو ببيض يعتلينا(44)
 وأما ثانيهما فللشاعر المدني الحمراوي القائل من قصيدة يناجي فيها الصحراء :
صبرا قليلا فقد جاشت ضمائرنا
   ولاح فجرك في داج من السحب
وكاد صائحنا يعلي عقيرته
   بالزحف في جحفل معصوصب لجب
يمده مثله بل ضعفه عددا
   ولو إلى غاية الآماد والحقب
ولا نبالي بمن يجتر إحنته
   ولم يبادر إلى الحسنى ولم يجب
فنحن نحن إذا هاجت عزائمنا
    وصممت لم تهن، كلا ولم تخب(45)
  فلعل هذا القول يذكرنا ببائية أبي تمام في فتح عمورية، والتي مطلعها :
السيف أصدق أنباء من الكتب
    في حده الحد بين الجد واللعب(46)
 ولعل هذا الصنف من القصائد يغلب عليه أحيانا طابع الطول، حيث إن من قصائده ما كان يتجاوز المائتي بيت، كواحدة للشاعر محمد بن محمد العلمي تبلغ مائتين وسبعة وأربعين بيتا مطلعها :
بك زدنا بين الأنام فخارا
   وأقمنا فوق الثريا منار(47)
- القصائد التي مال أصحابها إلى انتهاج مسلك التجديد، سواء على مستوى الوزن حيث اعتمدوا على البحور الخفيفة، أو على مستوى القافية إذ لم يتقيدوا بالقافية الواحدة، أو على المستويين معا. وقد ظهر ذلك عند جملة من الشعراء نمثل لاثنين منهما.
 فمن نماذج الشاعر أحمد عبد السلام البقالي نختار قوله من قصيدة بعنوان : شعب المسيرة :
وقف العالم يرنو
  لك يا شعب المسيرة
وقفة الإعجاب بالملـ
   ـحمة الكبرى المثيره
  ومراميها الخطيرة
وشعوب الأرض قامت
   لك يا شعب بلادي
بقلوب ملؤها الحـ
   ـب وأفواه تنادي
  عشت يا شعب المسيره(48)
 ومن نماذج الشاعر عثمان جوريو قوله من قصيدة تحت عنوان : عرشنا وصحراؤنا :
وطني أنت الأماني
  وتراث الأولينا
لم تزل رمز المعالي
   للأباة الطامحينا
                                                  * * *
أخصبت فيك حقول
   بجهود العاملينا
وأمدتها سدود
   تسكب الماء المعينا(49)
- قصائد تأخذ طابعا متميزا يجمع بعضها بين التقليد والتجديد، بينما يغرق بعضها الآخر في التقليد.
 فعلى المستوى الأول نستطيع أن نمثل ببعض القصائد لشعراء أمثال المدني الحمراوي حيث تعتبر هذه القصائد بمثابة ملاحم يقسمها أصحابها إلى فقرات ويضعون لكل فقرة عنوانا، دون أن يلتزموا بوحدة القافية، وإن التزموا بوحدة الوزن. ومن نماذج ذلك قصيدة للشاعر المدني الحمراوي بعنوان : الملاحم الحسنية(50)، واخرى له بعنوان : تحية إلى بلادي العظيمة، حيث قسمها إلى فقرات هذه عناوينها ومطالعها:
  مدخل :
يا بلادي إليك ألف تحيه
  تتغشى ربوعك الذهبيه
 مشرق النور والحضارة (فاس)
مشرق النور والحضارة (فاس)
  يا لنور زها به النبراس
 مهب  الفيالق (مراكش)
تلك مراكش مهب الفيالق
  ودوي الطبول مثل الصواعق
 صولة الإنقاذ (مكناس)
حي مكناس حي عرشا ودارا
  بعثت أمة وأحيت فخارا
 المنطلق الجديد (رباط الفتح)
حي عرشا وقبل الأركانا
  أيها العز والتزم إذ عانا
 طلائع الجيل الجديد (من كل الجهات)
هذه من شباب شعبي طلائع
  قادت الركب في غمار المعامع
 ختام : أمة وعرش يفرضان وجودهما
يا زمان استمع فهذا نداء
  رددته الأزمان والأرجاء(51)
 أما على المستوى الثاني فنستطيع أن نستدل عليه بأرجوزة الشاعر محمد بن محمد العلمي التي تربطنا بظاهرة التقليد حيث إنها تتصل بنمط من الشعر قديم، ولكنها تتقيد بالقافية الواحدة، بل بالقافية نفسها في كافة الصدور والأعجاز، مما أضفى عليها مسحة من الصنعة تبدو في مثل قوله :
مراكش في نشوة عذراء
  تنعم بالعطف والاجتباء
فهي بما تشمل من أفياء
  منطلق الحمائم البيضاء
تلك أكادير من النعماء
  ترفل في أثوابها الحسناء
تصدح في الوصال بالغناء
  وترتوي من كوثر الهناء
بشرى لها بذلك الميناء
  مستودع النهضة والثراء(52)
4) تتميز قصائد الديوان، أو معظمها، بصفاء اللغة وسلاسة الأسلوب، الشيء الذي يعكس مدى تمكن شعراء الديوان من اللغة فهما واستعمالا، ورغبتهم في الحفاظ عليها ناصعة واضحة مبينة. وقد نتج عن هذه الرغبة أن جاء أسلوبهم أميل إلى الوضوح والإشراق، وجاءت تعابيرهم تربط واقع الشعر العربي بماضيه، نظرا لما يطبع هذا الواقع من ميل نحو الخصائص الفنية القديمة، وتوسل بعناصر التشبيه والاستعارة والبديع، على غرار ما كان يفعل الشعراء القدامى عبر العصور المختلفة.
وتجنبا للإطالة، نكتفي بالإشارة في ميدان البديع مثلا إلى ظاهرة الاقتباس، متمثلة في قول الشاعر إدريس الجاي من قصيدة :
يا عاهلي جادت يداك بفيـ
   ـض الخير، فالشكر علينا وجب
كم منن للشعب أسديتها
   فانهمرت كالوابل المنسكب
فاهتزت الأرض لها وربت
   وانبت من كل حب وأب(53)
 فلعل مضمون الأبيات، وتعبير صدر البيت الأخير منها، مقتبسان من قوله تعالى من سورة فصلت : "ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت"(54).
  وظاهرة الجناس في قول الشاعر عبد الكريم التواتي :
وأضاءت أنواره سبل الخيـ
   ـر وعمت أنواره كل فدفد(55)
وظاهرة الطباق في قول الشاعر المدني الحمراوي :
دوت رواعدها في كل دانية
  وكل قاصية في السهل والحزن(56)
 أما في ميدان الصور الشعرية، والتي كان أغلبها يقوم على التشبيه والاستعارة، فنقتصر على قول الشاعر محمد الحلوي وهو ينشد :
يا يومها والشمس در شعاعها
  ذهبا على ذهب الكئيب المائد
دوت مدافعها فزلزلت الربى
  وأضاءت الصحرا بنور واقد
وتفجرت برك النعيم كأنها
  سيل من اللهب المطل الصاعد(57)
 هذا علاوة على ما تتميز به بعض قصائد الديوان من تكرار إن على مستوى اللفظ أو العبارة، ولعل الشعراء، وهم يجنحون إلى هذا النمط من التعبير، يهدفون إلى الإقناع والتأثير، على غرار قول الشاعر محمد بن علي العلوي من قصيدة :
كم طريق وكم معابد شيدت
  كم ديار بها الشبيبة تقرا
كم أراض قد وزعت وبذور
  تملأ الحقل والمزارع برا
كم سدود وكم معامل أضحت
  عن حمانا تزيل جدبا وفقرا(58)
 وإذا كان هذا النموذج يرمز إلى تكرار اللفظ الواحد، فإن النموذج الآتي يرمز إلى تكرار التعبير نفسه، حيث يقول الشاعر عبد الكريم التواتي من قصيدة :
رأت فيه سناء عاش يسبي
  بحب يملأ الدنيا فتونا
رأت فيه الذي بهر الليالي
  وأخلب لبها وشفى العيونا
رأت فيه زعيما مشمخرا
  أبي العزم فداء أمينا
رأت فيه أخا سمحا عطوفا
  وأما برة وأبا حنونا(59)
 على أن من الشعراء من كان يتوسل بالتكرار، لا على مستوى اللفظ أو العبارة، ولكن على مستوى الإيقاع الصوتي كما نلمس ذلك في أبيات للشاعر مفدي زكريا يقول فيها :
وما حسناته إلا سطور
  محجلة يموج بها السجل
وما وثباته إلا سفين
  به انطلق الشراع المستقل
وما هبواته إلا سرايا
  يواكب زحفها دين وعقل
وما عرصاته إلا منار
  إذا التبست لدرب المجد سبل(60)
5) تكاد قصائد الديوان تلتقي حول بناء هندسي واحد اعتمده شعراؤها حيث إننا نلاحظ أنهم يدخلون الموضوع مباشرة دون الاستهلاك بتلكم المقدمات الطليلة أو الغزلية التي اعتاد عدد من شعراء المديح أن يفتتحوا بها قصائدهم في الموضوع. وإذا كان منهم من اعتمد هذه المقدمة الغزلية – وهم قلة قليلة – فإنهم قلدوا فيها الشاعر الكميت بن زيد الأسدي الذي قال في إحدى هاشمياته :
طربت وما شوقا إلى البيض أطرب
    ولا لعبا مني، أذو الشب يلعب
ولم يلهني دار ولا رسم منزل
    ولم يتطربني بنان مخضب
ولكن إلى أهل الفضائل والنهى
   وخير بني  حواء، والخير يطلب(61)
 ونمثل لهذا بقصيدة للشاعر محمد البوعناني بعنوان : "فردوس المساعيد" حيث يستهلها  بقوله :
ليلاي ردي إلى ليلي أناشيدي
   وباعدي بين  إبداعي وتقليدي
سأبدع اليوم لحنا لم تغن به
   عرب ولا سمعته الجن في  البيد
وبدعة الشعراء الظامئين إلى
   عينيك ما شربوا إلا بتحديد
تنهلوا وأمانيهم تؤججها
   فحولة فاستظلوا دون تبريد
إلا أنا فلقد أشبعت ملحمتي
   وقد علمت تهاليلي وتغريدي
كما علمت بأني ما قصدتك في
   شعري سوى كي تمري خلف مقصودي(62)
 وبعد ذلك تخلص إلى موضوعه الرئيسي – وهو المدح – فقال :
قصدت بابك يا خزان مكرمة
   وليس بابك في الفتوى بمسدود
ولست أحنى لهوجاء الرياح ولا
   أهوى الدوالي بلا ظل وعنقود
أشم من تافيلالت النخل مقتبسا
   من الحجاز شعاعا غير موؤود
وعرشنا خلف يقتات من سلف
   مناقبا كلها تيجان تخليد(63)
 على أن معظم شعراء الديوان يختمون قصائدهم بخاتمة متشابهة يعربون فيها عن آمالهم في أن يمد الله سبحانه وتعالى في عمر جلالة الملك الحسن الثاني أيده الله، ويقر عينه بسمو ولي عهده المحبوب سيدي محمد وصنوه السعيد المولى رشيد، وفق ما يدل عليه النموذج الآتي للشاعر عبد الكريم التواتي :
أيها المجتبى المثنى تحيا
   ت أبي في مدحكم يتمادى
وبأمجاد عرشكم يتغنى
   في ولاء ويصطفيها اعتدادا
يكلأ الله سعيكم وخطاكم
   ويفيض التوفيق والإرشادا
وبشبل إلى النبوة ينمى
   قد أقر العيون والأكبادا
ولي العهد يا محمد زكيـ
   ـت وأبقيت للمثنى عمادا
والرشيد السعيد يحفظه اللـ
   ـه ويولي أيامه إسعاد(64)
                                                  * * *
 وخلاصة القول أن ديوان دعوة الحق هذا يعتبر وثيقة تاريخية وأدبية هامة، ترصع مفرق الأمة المغربية، كما يعتبر غرة ناصعة تنير جبين مجلة دعوة الحق الغراء، نقدمها اليوم للقراء، في هذه المناسبة الغالية على قلوب المغاربة كافة، والتي تخلد الذكرى السابعة والخمسين لميلاد حبيب الأمة المغربية ورائد وحدتها ونهضتها، وقائد مسيرتها نحو النماء والتطور، جلالة الملك الحسن الثاني أعز الله أمره، وخلد في الصالحات ذكره، وأقر عينه ب فلذات كبده الأجلاء، سمو ولي العهد الجليل سيدي محمد، وصنوه المجيد المولى رشيد، وباقي الأميرات الجليلات، وحقق للمغرب على يديه الكريمتين ما يصبو إليه من طموحات وتطلعات، إنه على كل شيء قدير، وبالاستجابة جدير.

---------------
1) الشاعر محمد الهاشمي زين العابدين، ديوان دعوة الحق، ج 1.
ص122.
2) ديوان دعوة الحق، ج 1، التقديم.
3) ديوان دعوة الحق، ج 1، التقديم.
4) ديوان دعوة الحق، ج 1، التقديم.
5) ديوان دعوة الحق، ج 1، ص 217.
6) ديوان دعوة الحق، ج 1، ص 36.
7) ديوان دعوة الحق، ج 1، ص 229.
8) ديوان دعوة الحق، ج2، ص 538.
9) ديوان دعوة الحق، ج2، ص 523.
10) ديوان دعوة الحق، ج2، ص 636.
11)  ديوان دعوة الحق، ج2، ص 77.
12)  ديوان دعوة الحق، ج2، ص 614.
13) ديوان دعوة الحق، ج 1، ص 101.
14) سورة الأحزاب، الآية 33. 
15) ديوان دعوة الحق، ج1، ص 55.
16) ديوان دعوة الحق، ج2، ص 602.
17) ديوان دعوة الحق، ج2، ص 498.
18) ديوان دعوة الحق، ج1، ص 89.
19) ديوان دعوة الحق، ج1، ص 64.
20) ديوان دعوة الحق، ج1، ص 87.
21) ديوان دعوة الحق، ج 1، ص 286.
22) ديوان دعوة الحق، ج 1، ص 54.
23) ديوان دعوة الحق، ج 2، ص 627.
24) ديوان دعوة الحق، ج 1، ص 203.
25) ديوان دعوة الحق، ج 1، ص 204.
26) ديوان دعوة الحق، ج 2، ص 457.
27)  ديوان دعوة الحق، ج 1، ص 51.
28) ديوان دعوة الحق، ج 1، ص 41.
29) ديوان دعوة الحق، ج 2، ص 610.
30) ديوان دعوة الحق، ج 2، ص 617.
31) ديوان دعوة الحق، ج 1، ص 110.
32) ديوان دعوة الحق، ج 1، ص 322.
33) ديوان دعوة الحق، ج 1، ص 194.
34) ديوان دعوة الحق، ج 1، ص 157.
35) ديوان دعوة الحق، ج 1، ص 176.
36) ديوان دعوة الحق، ج 2، ص 393.
37) ديوان دعوة الحق، ج 1، ص 118.
38) ديوان دعوة الحق، ج 1، ص 119.
39) ديوان دعوة الحق، ج 2، ص 504.
40) ديوان دعوة الحق، ج 1، ص 26.
41) ديوان دعوة الحق، ج 1، ص 27.
42) إدريس الجاي، ديوان دعوة الحق، ج 1، ص 44.
43) ديوان دعوة الحق، ج 1، ص 337.
44) شرح القصائد العشر للخطيب التبريزي، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ص 396.
45) ديوان دعوة الحق، ج 1، ص 339.
46) ديوان أبي تمام، دار الفكر للجميع، بيروت، ص 14.
47) ديوان دعوة الحق، ج 1، ص 233.
48)  ديوان دعوة الحق، ج 2، ص 419.
49)  ديوان دعوة الحق، ج 2، ص 666.
50) أنظرها في ديوان دعوة الحق، ج 1 من ص 305 إلى ص 314.
51) أنظرها كاملة في ديوان دعوة الحق، ج 1 من ص 140 إلى ص 147.
52) ديوان دعوة الحق، ج 2، ص 627.
53) ديوان دعوة الحق، ج 1، ص 249.
54) الآية رقم 39.
55) ديوان دعوة الحق، ج 2، ص 542.
56) ديوان دعوة الحق، ج 2، ص 435.
57) ديوان دعوة الحق، ج 2، ص 509.
58) ديوان دعوة الحق، ج 1، ص 231.
59) ديوان دعوة الحق، ج 1، ص 195.
60) ديوان دعوة الحق، ج 1، ص 216. .
61) الكميت بن زيد شاعر العصر المرواني  وقصائده الهاشميات، لعبد المتعال الصعيدي دار الفكر العربي، القاهرة، مطبعة الرسالة، ص 118.
62) ديوان دعوة الحق، ج 2، ص 397 .
63) ديوان دعوة الحق، ج 2، ص 397 .
64) ديوان دعوة الحق، ج 2، ص 559.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here