islamaumaroc

رسائل جامعية: أبو الفتح اليعمري حياته وآثاره وتحقيق أجوبته [نص العرض الذي قدم به المؤلف رسالته]

  محمد الراوندي

العدد 257 شوال-ذو القعدة 1406/ يونيو-يوليوز 1986

• نص العرض الذي قدم به الأستاذ محمد الراوندي أطروحته بدار الحديث الحسنية لنيل درجة دكتوراه الدولة في موضوع "أبي الفتح اليعمري: حياته وتراثه وتحقيق أجوبته، أمام لجنة تتكون من الأساتذة: الدكتورة عائشة عبد الرحمن (مشرفة ورئيسة)، الدكتور محمد فاروق النبهان، الدكتور محمد بنشريفة، والدكتور محمد الكتاني.
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما
أساتذتي الكرام، زملائي وإخواني الطلاب.
أقف اليوم في هذه الدار التي أسست على تقوى الله ورضوان، لأقدم بين يدي أساتذتي الكرام وأصدقائي الطلاب أطروحتي التي تفضلوا رغم أعبائهم الثقال، وشواغلهم العلمية الجسام، فشرفوني بقراءتها وفحصها، وأجازوها لهذه المناقشة، ولقد مضى على تسجيلي لهذه الأطروحة عشر سنين، وكان في تقديري أن أتقدم بها ناجزة قبل خمس سنوات على الأقل، لولا ظروف وعوائق أرجأت تقديمها.
ورب ضارة نافعة، ولعلي لو استقبلت من أمري ما استبرت لاخترت هذا "الذي وقع"، ذلك أنه ما مر يوم من تلك السنين لم أعثر فيه على ما يضاف، استكمالا أو استدراكا أو تهذيبا، ولا مر مواسم من المواسم دون أن أظفر بجديد من ذخائر التراث في علوم الحديث ورجاله، مما عاد على بحثي بالفائدة.

وشاء الله تعالى، له الحمد والمنة، أن يأتي يومنا هذا الذي عشت أرتجيه منتظرا متطلعا، على موعد مع الاحتفال التاريخي لشعبي ووطني بالعيد الخامس والعشرين لتربع مولانا أمير المؤمنين جلالة الحسن الثاني، أيده الله، على عرش أسلافه المنعمين- طيب الله ثراهم.
وإنه لمن يمن الطالع، أن أشارك في أفراح هذا العيد، بتقديم أطروحتي في علوم الحديث، إلى دار الحديث الحسنية التي أسسها مولانا أمير المؤمنين، دار عزه ونصره، لتكون مركز إشعاع وإحياء للتراث القرآني والحديثي، فعسى أن أكون من أبناء العهد الحسني الذين سهر مولانا المنصور بالله على إعدادهم وتوجيههم، ليكونوا جند الأمة المخلصين، الذين ناط بهم جلالته الوفاء بحاجة الأمة في مختلف الجبهات والمواقع.
وإني لأرجو أن يكون لي من يمن هذا الطالع، ما يشد أزري في موقف الامتحان والمناقشة، وما يؤنس إلى قبول عملي، ونجاح مسعاي.
موضوع أطروحتي: "أبو الفتح اليعمري: حياته وآثاره، وتحقيق أجوبته".
وترجع صلتي بأبي الفتح ابن سيد الناس اليعمري وتراثه، إلى الوقت الذي كنت أشغل فيه بموضوع الصحابة الشعراء، إذ كان كتابه "منح المدح" من أصل المصادر التي أفدت منها في ذلك البحث. فدعاني إعجابي بالكتاب وصاحبه إلى محاولة التعرف على المزيد من تراثه، فوقع بين يدي مخطوط لأجوبة له على سؤالات وجهها إليه أحد أعيان تلامذته، في مواضيع من الحديث وعلله ورجاله مما كان يشغل المهتمين بعلوم الحديث ورواته في عصر ابن سيد الناس، فاستخرت الله تعالى، وقيدت موضوع "أبي الفتح ابن سيد الناس حياته وآثاره، وتحقيق أجوبته".
ولعلي في اتجاهي إلى اختياره، كنت متأثرا، من حيث أدري أو لا أدري، بكونه يمثل طبقة من أعيان علماء الغرب الإسلامي، قلما اتجهت عناية الدارسين إليهم، وأعني بهم: مهاجرة المغرب والأندلس، ممن حملتهم ظروف وأوضاع على الرحيل إلى المشرق، لم يرحلوا إليه طلاب علم، كالعهد بالطبقات الأولى من المغاربة الذين رحلوا رحلاتهم العلمية المشهورة، وإنما نزحوا إلى المشرق، مزودين بما تلقوا من علوم، وحاملين ذخائر من التراث، ونوادر من الأصول.
واستطاعوا في مهاجرهم أن يرسخوا وجودهم العلمي، فانتهت إلى عدد منهم، غير قليل الإمامة والرئاسة، وتوارث خلف منهم ميراثهم العلمي، فكانت منهم بيوتات علمية، وأسر قضاء ورواية.
وقد ظلوا في غربتهم، على اعتزاز، بأوطانهم وأنسابهم، ولا يعرفون إلا بها حيثما حلوا، لم يفرطوا فيها، ولم يتنكروا لها وبهذه الأوطان والأنساب عرف بنوهم الذين ولدوا في مهاجرهم.
وإذا كنا على وعي بقيمة من قدم المغرب للتاريخ من أعلام، فصرفنا العناية إلى الاهتمام بالمشهورين منهم، فإن في هؤلاء النازحين من سلفنا، ومن ولد لهم في مهاجرهم، من يستحق أن نصرف إليه عنايتنا، لنجلو ما قدمه من خدمة جليلة لعلوم العربية والإسلام تدريسا وتصنيفا.
كانت أولى خطوات البحث والتنقيب عن تراث أبي الفتح اليعمري أن وقفت على الأجوبة كما أسلفت، فوجدت فيها ذخيرة ثمينة في الحديث وعلومه ورجاله تجلوا لنا ملامح شخصية مؤلفها حافظا محدثا رواية، راسخ الدراية بعلل الحديث وعلومه ورجاله ورواته وطبقاتهم، مع مشاركة مرموقة في اللغة والفقه وأصوله.
وتعلقت في هذه المرحلة من دراستي العليا بتقديم هذه الذخيرة إلى حياتنا العلمية وثيقة هامة، وبدا لي أن بذل الجهد في تحقيقها مرجو لأن يحيي ذخيرة مقضبا عليها بالضياع، ويثرى المكتبة الحديثية بأثر قيم من آثار علمائنا المغاربة المهاجرة إلى المشرق.

ومن الله علي بأعوام عشتها مع الحافظ أبي الفتح اليعمري في تراثه ومصادر دراسته، وصلتني بمكتبة الحديث الشريف وحملته، في آفاقها الرحبة ومنهجها الأصيل الدقيق، وكانت أستاذتي المشرفة طوال هذه المدة تصحبني وتوجه خطاي، وتزودني بما كنت أحتاج إليه من توجيه إلى آفاق البحث، ومصادره...
وهكذا اقتضى النظر أن تكون الأطروحة في جزأين- كما ترون-
الجزء الأول: لأبي الفتح ابن سيد الناس حياته وآثاره.
الجزء الثاني: لتحقيق أجوبته.
                                                             * * * 
فأما الجزء الأول، فيقع في أربعة فصول:
الفصل الأول: لبيت أبي الفتح وميراثه وعصره.
الفصل الثاني: لحياته.
الفصل الثالث: لمشيخته.
الفصل الرابع: لآثاره وتلاميذه.
                                                             * * * 
يعتبر الفصل الأول تمهيدا ضروريا للكشف عن جذور أبي الفتح اليعمري، موصول النسب إلى آبائه، في هجرتهم من الشام إلى الأندلس، وتنقلاتهم فيها، ثم رحيلهم عنها إلى طنجة فيجاية وتونس، حيث انشعب البيت إلى فرعين، فرع ظل في تونس، واتجه الفرع الآخر إلى مصر حيث ولد أبو الفتح اليعمري.
وفيما بين العدوتين ومصر، كان للأسرة جاهها التالد في السياسة والعلم، فاقتضى ذلك الإلمام بأوضاع العصر والسياسة، هذا العصر الذي شهد تصدع الحصون الإسلامية في الأندلس، والإعصار التتري في المشرق، وضغط الصليبية في حملاتها المتتالية بالمشرق والمغرب، فجاء الفصل عن البيت والميراث والعصر في أربعة مباحث:

المبحث الأول: للبيت اليعمري:
وفيه تناولت نسبهم في يعمر، ومنشأهم في منبج بالشام، ومنها كان نزوحهم في كتائب الفتوح الأولى التي اتجهت إلى الأندلس، واستقروا بأبذة وما جاورها من أعمال جيان التي دار اليعمريين بالأندلس.
ويظهر أن لقب ابن سيد الناس الذي غلب على هذا البيت، من الجد الثاني عشر لأبي الفتح، كان مما تأثلوه بأبذة جيان.
وفي الاضطراب الذي عاشته الأندلس في حركة الانتقال من الحكم المرابطي إلى الموحدي، وظهور بعض المغامرين الطامعين في الحكم، ظلت الأسرة بما لها من جاه ونفوذ على ولاء للبيعة الموحدية، مما عرضها لمحنة تغريب من ديارهم إلى العدوة، حتى استتب الأمر للدعوة الموحدية بالأندلس فأسعفوا بإرجاعهم إليها حيث أنزلوا في إشبيلية، وبها طال مقامهم، وتأثلوا أملاكا وجاها. وظلوا بها إلى تغلب العدو عليها.
بإحدى قرى إشبيلية كان مولد الفقيه أبي بكر ابن سيد الناس جد أبي الفتح، ومن إشبيلية كانت الهجرة إلى العدوة حيث ولد بطنجة أبو عمرو ابن سيد والد أبي الفتح –ووالده أبو بكر وقتئذ متصد للإقراء والإمامة بجامعها الأعظم إلى أن انتقل إلى سبتة. التي لم يطل مقامه بها، فاستقر مدة ببجاية حيث عرف فضله ودينه وعلمه، فقد إلى الإمامة والتدريس بجامعها، ووصلت شهرته إلى عاصمة الحفصيين تونس، حيث استدعاء المستنصر الحفصي فقربه، وكان من أخص من يحضر مجلسه، وطاب مقامه بتونس إلى أن وافته المنية. وكانت مكانته العلمية سبب حظوته عند الأمير الحفصي.
في المبحث الثاني: "الميراث العلمي للبيت اليعمري" تناولت فيه المكانة العلمية لأجداد أبي الفتح منذ كانوا في جيان، حيث يلقانا جدهم الأعلى الشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد بن يحي مغربا مع بنيه الأربعة الفقهاء الأنباه: أحدهم أبو محمد عبد الله، والد أبي العباس أحمد ابن سيد الناس والد أبي بكر ابن سيد الناس جد أبي الفتح.
أبو العباس المذكور كان من علماء القراءات، أضاف إلى ميراثه الفقهي من أبيه الفقيه أبي محمد، وجده أبي عبد الله، ميراث جده لأمه أبي الحسين اللخمي الإشبيلي المقرئ الإمام، والدته أم العفاف نزهة، كما أضاف أبو بكر ابنه رصيده العلمي إلى تراث أجداده لأمه وأبيه، فكان حافظا للقرآن منسوبا إلى تجويده وإتقانه ذا حظ في التفسير ورواية الحديث مع الفضل والدين متسع الرواية عن شيوخ ضمنهم برنامجه الذي وقف عليه ابن عبد الملك ونقل منه ما نقل من أشياخ أبي بكر وقال: "يتعذر إحصاؤهم ويدعو إلى السآمة استقصاؤهم".
وتجاوزت شهرته الأندلس والمغرب، فعرفه المشارقة حافظا نظارا، به ختم هذا الشأن بالمغرب على حد عبارة الشريف عز الدين الحسيني في وفياته.
وحما ميراثه العلمي ابنه أبو عمرو ابن سيد الناس والد أبي الفتح ونزح بهذا الميراث إلى مصر ومعه خزانة عامرة نوه بها المترجمون، وأخذ موضعه في مصر شيخا من كبار الشيوخ، فتولى مشيخة الحديث بالمدرسة الكاملية كبرى مدارس الحديث بمصر، وكان من كبار الرواة لكتب أندلسية معروفة.
وفي القاهرة ولد لأبي عمرو أربعة أبناء من أعيان المئة الثامنة، أشهرهم أبو الفتح صاحبنا.
                                                    * * * 
ولعل هجرة أبي عمرو من تونس كانت من آثار نكبة سياسية حلت بالبيت اليعمري بعد وفاة عميده أبي بكر بتونس.
فكان المبحث الثالث للميراث السياسي للبيت اليعمري: تناولت فيه ما كان لهذا البيت من جاه سياسي، ملأ به أعلام منهم تاريخ الأندلس وتونس لقرنين من الزمن، فمنحة تغريبهم من الأندلس إلى العدوة كانت شاهدا على خطر جاههم. كما كانوا من بيوتات إشبيلية التي ترجع إليها في المشورة، قال ابن خلدون: "واضطريت الأندلس وتكالب الطاغية عليها، وردد الغزو وثار ابن الأحمر يرجو التماسك لما بقي من رمق الأندلس، وفاوض أهل الشورى يومئذ بإشبيلية وهم: بنو الباجي، وبنو الجد، وبنو الوزير، وبنو سيد الناس، وبنو خلدون.
ولعل مكانة البيت اليعمري في إشبيلية من دواعي استدعاء المستنصر الحفصي لأبي بكر ابن سيد الناس عرقانا بسابقته عند والده الأمير أبي زكرياء.
هذا الجاه السياسي ظهر متألقا في تونس بقرب أبي بكر من المستنصر وما استوثق بينهما من ألفة حميمة تعبر عنها أبيات للمستنصر بعث بها إلى أبي بكر في علة رمد ألمت بعينيه، قال:
ما حال عينك يا عين الزمان فقد               أورثتني حزنا من أجل عينيكا
وليس لي حيلة غير الدعاء فيا                 ربي: "براوي الصحيحين" حنانيكا
فأجابه الحافظ أبو المطرف بن عميرة المخزومي، خدمة عن الحافظ أبي بكر ابن سيد الناس:
مولاي حالهما والله صالحة                  لما سألت، فأعلى الله حاليكا
ما كان من سفر أو كان من حضر          حتى تكون الثريا دون نعليكا
بعد موت أبي بكر ابن سيد الناس، كان أول بنيه ظهورا في خضم الأحداث السياسية أبو العباس أحمد الذي تولى الحجابة لأبي فارس وسطع نجمه في أفق تونس مشاركا إلى مدى بعيد في توجيه الأحداث، في صراع شرس على السلطة بين الحفصيين، انتهى به إلى أن يستدعى إلى باب القصر حيث تعاورته السيوف فخلفه في هذا الجاه أخوه أبو الحسين بعد أن كان نجا من المذبحة، ولاذ بالهرب. حتى سنحت الظروف بعودته على مسرح السياسة فتولى الحجابة للسلطان أبي زكرياء إلى أن مات أعظم ما كان رئاسة، وأقرب من صاحبه مكانا وسرا، وترك ابنه محمد بن أبي الحسين وليدا يتيما فكلفه السلطان أبو زكرياء فشب ربيب القصر يعامل معاملة الأمراء، ويعرف رجال الدولة موضعه من السلطان ويؤثرونه بالتجلة والاحترام.
في عهد أبي يحي بن أبي إسحاق بلغ محمد ابن سيد الناس من جاه الرياسة والإمارة ما لم يبلغه سلفه، فتقوى مركزه وفوض في الأمور إلى أن تغير السلطان عليه، فامتحنه بأنواع من العذاب، وقتله.
وأسدل الستار على فرع البيت اليعمري بتونس بعد مصرع محمد ابن عم الفتح ابن سيد الناس الذي استمر فيه الجاه العلمي للبيت اليعمري بمصر.
                                                       * * * 
وإذا اقتربت من أبي الفتح ألقيت نظرة على عصره في رؤية عامة، كانت موضوع المبحث الرابع.
حاولت فيه أن أركز على جوانب مستخلصة دون أن يغيب صاحبي عن هذه الرؤية التي تدرك أن الرجال يؤثرون في التاريخ، كما أن التاريخ يترك آثاره في شخصياتهم.
أبو الفتح من مخضرمي القرنين السابع والثامن الهجري عاش عمره في دولة المماليك الأولى التي شهدت الحروب الصليبية ونهايتها كما شهدت اجتياح التتر للشرق الإسلامي، وهذا العصر من أشد العصور حاجة إلى وضوح رؤية، فقد تضاربت الآراء فيه، وتدافعت أقوال الدارسين وأحكامهم، بحيث يشق تبين حقيقة العصر وواقعه، وقد حجبته فكرة شائعة عنه، أدخلته في ظلمات عصور الانحطاط التي يبدأ ليلها عند جمهرة المحدثين، من اجتياح التتر للمشرق الإسلامي في القرن السابع الهجري، ثم لا ينتهي ذلك الليل الطويل  عندهم إلا ببزوغ فجر العصر الحديث.
وجرت الأحكام مطلقة على تاريخ الإسلام لستى قرون، بالتخلف الحضاري.
وقد أكون ممن ترددوا في التسليم بهذه الأحكام، ورابني من أمرها ما نئول إليه في دراستنا، من ذخائر لأئمة من علماء السلف ينتمون إلى ذلك العصر المقول بدخوله في ظلمات ليل الانحطاط والتخلف، وكان يمر بي فيما أرجع إليه من تلك الذخائر، شهادات عالية للعصر من كبار مؤرخيه، لعلي لم ألق إليها بالا من قبل، حتى أخذني "أبو الفتح اليعمري" إلى عصره، واحتجت إلى أن تصح لي فكرة عنه فرجعت إلى ما كتب عن العصر، وعرضته على ما صح لدي في رؤية شاملة، لشتى وجهات النظر: المغولية، والصليبية الأوربية، ودراسات المحدثين، ثم قابلت هذا كله على ما كتبه مؤرخو العصر من شهود أحداثه، فأعطت هذه الرؤية ظاهر عامة للعصر، لعل أهمها:
- ظهور العامة على مسرح الأحداث، ومكانة العلماء عند الشعب والسلاطين، وبدا لي أن الدراسات الحديثة لهذا العصر متأثرة إلى حد بعيد بوجهات النظر الغريبة، بحيث لا تقوى على الوقوف أمام وثائق الشهود من مؤرخيه.
وقيل فيما قيل: إن علماء عصر المماليك، لم يزيدوا على تراث السلف إلا بالإثقال عليه بالشروح والذيول والحواشي والمختصرات...
فلئن صح هذا القول، لقد أسدوا إلى الإسلام وعلومه خدمة جليلة سنية ما أرادنا اليوم نقدرها حق قدرها.
عصر المماليك بدأ بعد أن ضاعت كنوز التراث الإسلامي، ولقيت خزائنه الكبرى مصيرها التعس في المغرب والمشرق.
وعلماء عصر المماليك هم الذين ندبوا أنفسهم لاستنقاذ بقايا تلك الذخائر النفيسة والكنوز الضائعة، لا بما اقتنوا في خزائنهم الخاصة وما حمله النازحون من ديارهم فحسب، بل وبما وعت صدورهم كذلك وما سجلته سماعاتهم وقراءاتهم على شيوخهم، لمرويات ومصنفات لأئمة السلف، لم تصل إلينا إلا من طريق هؤلاء العلماء، كاملة أو مبثوثة في نقولهم ومصنفاتهم.
                                                    * * *
حياة اليعمري صفحة من كتاب التاريخ العلمي لعصره، شاهدة على ازدهاره، قد عرضتها في الفصل الثاني الخاص بحياة أبي الفتح. في ثلاثة مباحث.
المبحث الأول: نشأته ودراسته.
المبحث الثاني: رحلاته العلمية.
المبحث الثالث: وظائفه وشخصيته.
                                                    * * * 
مهدت لهذا الفصل بعرض موجز للمصادر والمراجع، كان أبو الفتح وتراثه في المرتبة الأولى، ولعل الأجوبة أسخى وأصل مصدر زودني بمادة موثقة لا أجدها في مصادر أخرى.
يلي تراثه كمصدر، ما كتبه مترجموه من معاصريه وفيهم أقرانه وأصحابه، كالبرزالي، والذهبي، والأدفوي وابن فضل الله العمري والصلاح الصفدي، والتاج السبكي وغيرهم.
ويجب التنويه هنا بمترجيمن من هذه الطبقة من معاصريه:
أولهما: "الصلاح الصفدي" وهو من خاصة تلاميذه وأصحابه، رحل إليه من صفد وأقام عنده سنتين في المدرسة الظاهرية بالقاهرة، يقرأ عليه ويأخذ عنه، فعرفه من قرب، ثم اتصل بينهما التراسل بعد عودة الصفدي إلى بلده، حتى آخر سنة في حياة شيخه، ودون في (ألحان الواجع) النصوص الكاملة للرسائل المتبادلة بينهما كما أنه في كتبه الأخرى يكثر من النقل عنه، ويذكر أخبارا ومواقف، توضح ملامح شخصيته وجوانب من حياته.
وثانيهما: "الذهبي، شيخ الإسلام" أوجز القول في ترجمة أبي الفتح اليعمري في (ذيل العبر، ودول الإسلام، وشيوخ التذكرة) لكنه كان سخي العطاء في كتابه الكبير (تاريخ الإسلام)، في (معجم شيوخه) حيث دون من أخبار العصر وفي تراجم شيوخه، ما يتصل بأبي الفتح اليعمري من قرب.
كما دون الذهبي أخبارا عن رحلته إلى مصر لقاء شيوخها حيث صحبه أبو الفتح اليعمري، في آخرين إلى الإسكندرية للسماع. ومنها استطعت أن أؤرخ لرحلة أبي الفتح الثالثة إلى الإسكندرية بعد رحلتين له إليها معروفتين.
ثم تأتي طبقة من مترجميه في القرن التاسع كالسراج ابن الملقن والتقى الفاسي وابن ناصر الدين، والمقريزي، وابن قاضي شهبة، وابن حجر، والبدر العيني، وابن تغري بردي وغيرهم.
وأشير هنا إلى أن ابن الملقن، من تلاميذ أبي الفتح اليعمري أسمع عليه وأجازه كما أن أغلب رجال هذه الطبقة، أدركوا تلاميذ أبي الفتح وفيهم شيوخ لهم ولعلهم سمعوا منهم، من أخبار أبي الفتح، ما تدوول شفاها، ولم يدون، وكتاب (ذيل التقييد للتقى الفاسي) أفادني كثيرا في تاريخ الحياة العلمية لأبي الفتح اليعمري وتراجم شيوخه وتلاميذه.
ولا يقل عن أهمية وجدوى، كتاب الدرر الكامنة، للحافظ شيخ الإسلام ابن حجر. ومعجم شيوخه أيضا "المجمع المؤسس".
وبعد هؤلاء تأتي طبقات من المترجمين في القرن العاشر فما بعده وليست في تراجمهم إضافة جديرة بالتنويه.
                                                       * * * 
بعد هذا التمهيد عن المصادر والمراجع تتبعت مسيرته من مهد مولده بالقاهرة حيث حمله والده الفقيه أبو عمرو إلى كبير مسندي العصر النجيب عبد اللطيف الحراني الذي أجازه وكناه أبا الفتح، ثم حضوره المبكر في مجالس الحديث قبل أن يبلغ خمس سنوات إلى أن أقام برحلاته العلمية إلى الإسكندرية والشام والحجاز، ورصدت ما تلقاه خلال كل ذلك عن شيوخ الوقت، وفيها اتجهت إليه الأنظار طالب علم متعدد المواهب، جذاب الشخصية، جميل الخط، رائق الشعر، فائق النثر، إلى جانب باعه الطويل في علوم الحديث والرجال، وتابع السير في الحياة العلمية موضع إعجاب من شيوخه وأقرانه ومعاصريه.
                                                        * * * 
والراجح أن ظهور مخايل نجابة ابن سيد الناس في ذلك العهد المبكر جعل شيخه ابن دقيق العيد يعرض عليه الذهاب إلى "قوص" لتدريس الحديث بها، وقوص وقتئذ من حواضر العلم بمصر، وهي بلد الشيخ ابن دقيق العيد القشيري وآله القشيريين.
وبعد وفاة شيخه الإسعردي في السبعين من عمره، خلفه على منصبه متصدرا لإفادة طلبة الكاملية-من جهة شيخها ابن دقيق العيد- وهو في نحو الحادية والعشرين من عمره. وفوض إليه الشيخ "مشيخة دار الحديث المهذبية بظاهر القاهرة".
وفي نحو الخامسة والعشرين من عمره، تصدر لتدريس الحديث بالمدرسة الفخرية خلفا لشيخه المسند "الضياء السبتي"
وغير بعيد من ذلك الوقت، قدمه شيخه الصديق العالم (سنجر الدوادار) إلى السلطان لاجين، وقال:
"أحضرت لك هذا، وهو كبير من أهل العلم".
وزكاه لدى السلطان، مما سمع من شعره ومن كلامه وما رأى من خطه وكتابته فقال: "ينبغي أن يكون في ديوان الإنشاء".
ووصفه الذين صحبوه وعرفوه من قرب بجمال الشكل والهيئة وإشراق الطلعة وكرم الأخلاق والظرف والعشرة، وحلاوة النادرة ولطف الدعابة وأنس المحضر، وخفة الظل والروح: (ما رآه إلا أحبه).
وقيل فيه: " لم تر العيون مثله ولا أرى مثل نفسه".
ووصفوه بأنه كان كيسا كثير الحياء والاحتمال، والتواضع ودماثة الطبع ولين الجانب وعذوبة الفطرة والتودد إلى الناس، حتى قال فيه صاحبه الصفدي:
له هزة من أريحية نفسه              تكاد لها الأرض الجديبة تخصب
خلائق لو يلقى "زياد" مثالها         إذن لم يقل: "أي الرجال المهذب"؟
عجبت له، لم يزه تيها بنفسه         ونحن به، نختال زهوا ونعجب
ويبدو أن هذه السجايا هي التي جذبت إليه رواد ناديه وفيهم عدد من الأمراء وأعيان الدولة، طاب لهم مجلسه الممتع.
فكان أول مسه من صحبتهم ومعاشرهم أذى وملام من قبل بعض العلماء، ولعل أشد ما غاظم من هذه المعاشرة، أن شغلته بقدر ما، عن التفرغ للعلم، درسا وتصنيفا، وكان المرجو لو أنه أخلص وقته وباله، أن يزيد في عطائه ويبلغ غاية ما تؤهله له مواهبه الفذة ورسوخه في العلم رواية ودراية.
وتعجب السلطان الملك الناصر من جنازته الحافلة، وسأل الجلال القزويني في صبيحة ذلك اليوم عنه، فعرفه بحاله وذكر له مقداره، وكان الفخر ناظر الجيوش يغض منه فقال للملك الناصر: "إنه كان مع ذلك يعاشر الأمراء والوزراء قديما ويشهد عندهم".
فذكر الملك الناصر ذلك للجلال القزويني وثقي الدين الأخنائي فبرآه من ذلك وشهدا بعدالته ونزاهته وعفته.
وتذاكر الملك الناصر مع مستشاريه العلماء فيمن يخلف أبا الفتح في مناصبه العلمية وقال: هذا رجل كبير القدر، فما نعطي وظائفه إلا لمن كان مثله –رثاه صاحبه الصفدي فقال:
هيهات ما كان فتح الدين حين مضى            والله إلا فريدا في معاليـــه
كم حاز فضلا يقول القائلون لــه                لو حازك الليل لابيضت دياجيه
لاتسأل الناس، سلني عن خلائقــه              لتأخذ الماء عني من مجـاريه
ماذا أقول؟، وما للناس من صفــة              محمودة قط، إلا ركبت فيـه
كالشمس، كل الورى يدري محاسنها          والكاف زائدة، لا كاف تشبيه
                                              * * * 
بعد هذا العرض لحياته الخصبة الحافلة عقدت الفصل الثالث لمشيخته في مبحثين:
أولهما: للشيوخ.
والثاني للمرويات.
فأما الشيوخ فابن سيد الناس ينتمي إلى عصر يعتز علماؤه بلقاء الشيوخ، ويحرص طلاب العلم على الإكثار منهم.
ومترجمو "أبي الفتح" يتناقلون قول الذهبي في ترجمته: "ولعل شيوخه يقاربون الألف".
لكنهم لا يذكرون له، غير عدد قليل، نظروا فيهم إلى علو الإسناد: أو إلى الصحبة، والملازمة.
ووجدت أن الحياة العلمية لأبي الفتح، تقتضي أن أستكمل ما استطعت، هذا الجانب الهام الذي لا يغني فيه ذكر بضعة شيوخ من كثرة قاربوا الألف.
فخرجت له معجما، اتجهت فيه أولا إلى تجريد الشيوخ الذين روى عنهم، في أسانيده بكل ما جمعت من تراثه، وأضفت إليهم من وقفت عليهم في تجريدي لكتب التاريخ والطبقات.
وقد تجاوز عددهم مئة وثمانين شيخا، إن يكن عددهم قليلا بالنسبة إلى شيوخ يقاربون الألف، فإنه ليس بقليل إذا قيس بالقلة المذكورين بأسمائهم في ترجمته.
والقدر الذي وصلت إليه، يكفي على أي حال، لإعطاء رؤية شاملة واضحة، لما سبق ذكره في حياته العلمية من سعة مشيخته، ورحابة آفاق دراسته.
ثم خرجت مرويات أبي الفتح عن شيوخه: أفردتها في المبحث الثاني استئناسا بما وصل إلينا من (ورقات عنيزة) حيث كتب أبو الفتح بخطه بعض مسموعاته على نسق خاص: فذكر على الهامش اسم الكتاب والجزء المسموع، مذيلا بكلمة "شيخ" ثم دون في المتن طريق الرواية عن الشيخ وسنده إلى مصنف الكتاب وتاريخ السماع ومكانه.
ويحتمل، أن تكون الورقات، بهذا النسق قطعة من برنامج ضاع أكثره، أو أن يكون قد بدأ في تدوين برنامج لم يكمله.
وينبغي أن أنبه هنا، على أنني في تخريج هذه المرويات بأسمائها، أسعفني ما جردته من أسانيده في تراثه، وقابلت كل إسناد، على نظائره، حيثما جاء في كتاب له، مع الاستئناس بما وقفت عليه من أسانيد الحفاظ.
إذن فالتراث اليعمري، كان معتمدي الأول في كل فصول هذه الرسالة.
ومن فضل الله علي، أنه يسر لي من ذوي النبل والمروءة، من أعانوني على تحقيق ما طمحت إليه منذ بدأت صحبتي لابن سيد الناس، في جمع كل المعروف لعصرنا من تراثه الموزع على خزائن شتى بأقطار المشرق والمغرب، ومنه كانت المادة الموثقة لما قدمت عن البيت اليعمري وميراثه، وعن أولية أبي الفتح ودراسته ورحلاته وشيوخه ومروياته ومناصبه، وفيه تبينت ملامح شخصيته.
ولم أتجه في عرضي للمصنفات اليعمرية إلى تقييمها إذ كل كتاب منها جدير بأن يستقل بدراسة خاصة لا تتسع لها هذه الدراسة.
فاقتصرت على التعريف بها، وتدوين ما وقفت عليه من كتب صنفت عليها مع ذكر من حملوا تراثه من تلاميذه، رواية وتحديثا.
ابتدأت بكتابه العمدة "عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير" ويعرف بالسيرة الكبرى وهي أشهر مصنفاته على الإطلاق، فما يكاد يذكر إلا ذكرت معه، وكأنها لشهرتها من كمال التعريف به. ولها الصدارة في تصانيفه عند مترجميه.
وموضعها يأتي كذلك في صدر المصنفات اليعمرية من حيث الترتيب الزمني، ما أعلم له كتابا صنفه قبلها، وقد أحال عليها في تصانيفه المبكرة والمتأخرة.
ومن يوم إخراجها للناس عقد مجالس للتحديث بها، وحرص الطلاب على حملها عنه سماعا وقراءة وإجازة، فلا يحصى عدد من حملها عنه فاقتصرت على ذكر من وقفت على روايتهم لها ومن حملها عنهم من أعيان الحفاظ.
ومن يوم إخراجها للناس توارد العلماء عليها في المشرق والمغرب مختصرين وشارحين وناظمين.
وأول من صنف عليها أبو الفتح نفسه: اختصرها في كتابه "نور العيون" وهو مطبوع متداول.
كما وقفت على اختصار لأبي عبد الله المرغيتي السوسي وهو من نوادر الخزانة الحسنية بالرباط.
ووقفت على مختصر آخر بعنوان "عين الأثر بمحاسن السير" في خزانة دار الكتب المصرية.
وممن صنف على العيون النور الحلبي في كتابه "إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون"، وهو مطبوع متداول.
- وفي خزانة بلدية الإسكندرية أرجوزة تقارب الألف عنوانها:
نظم اختصار سيرة الرسول                لليعمري الحافظ النبيل
أما الشروح فوقفت على شرح العز ابن جماعة بخطه.
وشرح الحافظ سبط ابن العجمي الحلبي في كتابه: " نور النبراس على سيرة ابن سيد الناس"
وشرح ابن المبرد الحنبلي: "الاقتباس في حل مشكل سيرة ابن سيد الناس".
- وفي ترجمة السخاوي لنفسه بالضوء اللامع ذكر أنه ألف ختمة على سيرة ابن سيد الناس سماها " رفع الإلباس في ختم سيرة ابن الناس".
- والواقع أني في تتبعي لموضع ( عيون الأثر) في عصر أبي الفتح وما بعده، ظهر بوضوح أنها صارت منذ ألفت الكتاب المدرسي المعتمد للسيرة النبوية، الجامع لها تفرق منها في كتب السير والمغازي والدلائل والشمائل، وروافدها من كتب الصحابة والحديث والسنن والتاريخ والأنساب قدمها حافظ فقيه نظار.
- بعد العيون قدمت ديوان "بشرى اللبيب بذكرى الحبيب" وشرحه.
الديوان تسع وعشرين قصيدة نبوية قوافيها على حروف المعجم، وعليها صنف شرحه.
وقد وصل إلينا في عدة نسخ خطية، بعضها فيه قصائد الديوان مفردة عن الشروح، وبعضها فيه القصائد مع شروحها، وقد ذكرت وصفا للنسخ وأماكن وجودها.
- وعلى غرار ديوان بشرى اللبيب شرحه: قصيدته الميمية المطولة في أسماء الصحابة الشعراء أصحاب المدح النبوية وقد شرحها في كتابه الجليل "منح المدح"، وقد عرفت بنسخ الكتاب وأماكن وجودها.
وديوان ثالث من شعره هو المقامات العلية في الكرامات الجلية، ذكر فيها كرامات الصحابة رضوان الله عليهم.
- ثم بعد ذلك قدمت كتابه الجليل شرح الترمذي"، وقد وقفت على قطعة منه بالخزانة المحمودية بالمدينة المنورة بخطه الرائق الجميل وهي المسودة، إذ يكثر فيها الضرب والمحو وإضافات مطولة على الهوامش طولا وعرضا، وورقات طيارة بمستدركات له، وتتكامل هذه النسخة مع "نسخة لا له لي باستامبول" التي تحتوي على استدراكات قيمة، وتعاليق ثمينة لعلها لمالك النسخة أحمد ابن العجمي.
وقد ندب الحافظ الإمام زين الدين العراقي نفسه لإكمال هذا الشرح الجليل على نسقه ولم يكمله أيضا.
وقد أتيح لي الوقوف على نسخة من إكمال العراقي بخط الحافظ ابن حجر بالمحمودية، قال في ديباجتها بعد التنويه بجامع الترمذي، ولكنه ليس عليه شرح يناسبه، ولا يداني التناسب ولا يقاربه، وكتب القاضي الإمام أبو بكر ابن العربي شرحه المسمى بعارضة الأحوذي، وليس المفهوم بتلك العارضة بمغتذ، وشرع الحافظ العلامة (ابن سيد الناس) في شرح أطال الكلام عليه، لكن اخترمته المنية قبل إكماله، وقبل تقصي أمانيه منه وآماله. لاخترامه فجأة بقادح الحمام، فشرعت في البناء عليه".
ومما وقفت عليه من تراثه:
كتاب "هوامش الاستيعاب" وهو من تجريد الحافظ سبط ابن العجمي في نسخة الحافظ ابن سيد الناس لهوامش بخطه على استيعاب ابن عبد البر وما استدركه أبو إسحاق ابن الأمين على ابن عبد البر أيضا.
ووقفت على جزء نفيس من الاستيعاب عليه حواش بخط الحافظ ابن سيد الناس بالرباط، ولعل هذا الجزء الذي وقفت عليه أحد أجزاء النسخة اليعمرية من كتاب الاستيعاب، وهي التي وقف عليها سبط ابن العجمي، وجرد منها ما جرد، وتعتبر أقدم نسخة لكتاب الاستيعاب، ولم تدخل –للأسف- ضمن النسخ المعتمدة لطبع هذا الكتاب الجليل، رغم تعدد طبعاته، إذ لا علم للمحققين بها.
ويضاف إلى تراثه الورقات التي بخطه في عنيزة، وقد سبقت الإشارة إليها في هذا العرض.
بذلك أكون قد ظفرت بكل المعروف من تراثه فيما عدى كتابين، ذكرا له ولم أقف عليهما، وهما: "تحصيل الإصابة في تفضيل الصحابة".
"ومصنف في العروض".
واستكمالا لآثاره ورواته من تلاميذه ختمت هذا الباب بمن ذكر من أصحابه في كتب التراجم ومعاجم الشيوخ لإيضاح اتساع التلمذة ورحابة مجالها الزمني ممتدة من الذين توفوا في حياته إلى منتصف العقد الثاني من القرن التاسع.
وعن طريقهم اتصلت الرواية لتراثه في الطبقات  التالية لهم.
بتراث اليعمري وتلاميذه انتهى الجزء الأول لبتدئ الجزء الثاني وهو خاص بالنص المحقق للأجوبة.
وأقول مع ذلك إن الجزء الأول بكل فصوله ومباحثه مستمد إلى درجة واضحة من الأجوبة وموطئ لها.
                                               * * *
والأجوبة نوع من التأليف، من جليل عطاء المدرسة الحديثية يشبه أن يكون مما، تميزت به، وقد جرت العادة أن يتجه أنباه الطلاب إلأى شيوخهم الحفاظ الأئمة، بسؤالات عن قضايا شاغلة في الرواية والعلل والرجال، فيجيب الشيوخ عنها، وتدون أجوبتهم وتستقل في مصنفات مفردة، تروى، وتدخل في تصانيف الشيوخ، فتعرف إما بسؤالات من سألوهم، أو بأجوبة من أجابوا.
وهذه الأجوبة جليلة القدر بما تحرر من مسائل دقيقة، ونوادر ومشكلات ربما لا نظفر بها إلا في هذه الأجوبة أو عند من نقل منها.
وقد ظهر هذا الصنف في عصر مبكر لا أجازف بتحديد بدايته، ولكن يمكن الإطمئنان إلى أن الأجوبة التي وصلت إلينا من القرن الثالث، عليها سمة النضج، بما يشهد أنها ليست البداية الأولى، كأجوبة يحيى بن معين وأحمد بن حنبل، والبخاري والنسائي.
 وتوالي ظهور السؤالات والأجوبة في القرون التالية، فلا تكاد تخلو طبقة من سائلين ومجيبين.
   في هذا المجال، تدخل أجوبة ابن سيد الناس.
فأما السائل فهو أحد أعيان الحفاظ في القرن الثامن: أحمد ابن أيبك بن عبد الله الحسامي أبو الحسين الدمياطي (700-749هـ) حلاه تلميذه أبو المحاسن الحسيني بالشيخ الإمام الحافظ المخرج المفيد.
كانت لابن أيبك عناية مشهودة بالحديث، وتخريج معاجم الشيوخ والتنقيب عن الرواة، ومعرفة راسخة بالرجال والتاريخ، ذيل على "وفيات العز الحسيني"، وألف "المستفاد من ذيل تاريخ بغداد". وتشهد الأسئلة التي وجهها إلى أبي الفتح بمستواه العلمي الرفيع، وسعة أفقه في الرواية، وحرصه على الإطمئنان إلى ما هو موضع نظر أو توقف.
وأما الأسئلة فعددها تسعة وخمسون سؤالا، كتب بها ابن أيبك إلى شيخه الحافظ أبي الفتح في أحد شهور سنة 731هـ وهي لا تخرج في عمومها من مجال الحديث ومختلف، ومتعارضة وعلله ورجاله، وبعض من تكلم فيه من الرواة، وأحوالهم وصحة إجازات وسماعات، وقضايا أخرى تدخل في مصطلح الحديث من اضطراب أحاديث، وتدقيق بعض الألقاب في الجرح والتعديل.
ويشتغل رجال الحديث القدر الأكبر من الأجوبة سواء منهم من ترجم له ابن سيد الناس جوابا عن أحفظ من لقي، أو من سئل عنهم من أعلام الرواة كابن مسدي، وابن دحية، وابن أبي جمرة، وعبد الخالق النشتبري وغيرهم، والذي في الأجوبة من مباحث فقهية ومسائل أصولية ونكت لغوية متعلق بسؤالات في أحاديث داخلة في هذا المجال.
ونواجه غياب الأجوبة في ثبت مصنفات أبي الفتح عند مترجميه، فلم يذكرها كل من ترجموه، ومنهم تلامذته، بل إن منهم من ترجمه وذكر مصنفاته ولم يذكر معها الأجوبة مع نقله منها واعتماده عليها كالأدفوي في البدر السافر والتاج السبكي في الطبقات الكبرى للشافعية.
ومعهم أيضا طبقة من مترجميه في القرن التاسع ذكروا مصنفاته وأغفلوا ذكر الأجوبة، مع معرفتهم وتصريحهم بالنقل منها، كالتقى الفاسي والحافظ ابن حجر.
ولا أجد لهذه الملاحظة من تفسير، إلا أن يكون ثبت مصنفات أبي الفتح قد آل مترجموه فيه إلى أقرب أصحابه إليه... وأوثقهم صلة به، وأكثرهم أخذا عنه، وأعني الصلاح الصفدي، الذي ترجم لشيخه بتوسع في الوافي والأعيان.
والصلاح الصفدي موضع ثقة في ابن سيد الناس، لأنه ينقل ثبت مصنفات شيخه من إجازة له كتب إليه بها أبو الفتح بخطه في جمادى الأولى سنة 728 قبل أن يتلقى سؤالات ابن أبيك فضلا عن أن يجيب عنها.
ومع ذلك فإن الأجوبة لم تكن قط مجهولة ولا مغمورة، بل كانت متداولة بين علماء الحديث والرجال في عصر أبي الفتح فما بعده.
وقد وصل إلينا مخطوط الأجوبة في نسخة وحيدة فيما أعلم، توجد بالاسكوريال كتبت سنة 994 هـ، وقد يجبر انقطاع السند بين تاريخ نسخ النسخة أواخر العاشر وتاريخ كتابة أبي الفتح للأجوبة قبيل وفاته سنة 731 رواية ابن فهد لها بإسناد إذ ضمن لها اتصال السند إلى وفاته أواخر القرن التاسع (871هـ) فيقرب في الاحتمال إدراك ناسخ الأجوبة لطبقة تلاميذ ابن فهد والرواة عنه.
أما من حيث توثيق نسب الأجوبة منه، وترد في المتن أسانيد له من طريق شيوخه المعروفين لنا أو مروياته عنهم، وهي متكررة في أكثر مصنفاته، كما ترد إحالاته على مؤلفاته بأسمائها، كشرحه للترمذي، وكتابه عيون الأثر.
وفي الجواب عن أحفظ من لقي، ترجم لستة عشر شيخا، ذكر لقاءه بهم وما روى عنهم، وعنه نقل الناقلون في تراجم هؤلاء الشيوخ مصرحين بالنقل عنه من الأجوبة.
وفي الجواب عن تاريخ وفاة والده وشيوخه المغاربة وبعض مروياته عنهم ما يرفع كل شبهة عن نسبة الأجوبة إلى أبي الفتح اليعمري.
فلم أكن في الواقع بحاجة إلى معاناة توثيق نسب المخطوط إلى أبي الفتح، وإنما كانت الصعوبة حقا في تحقيق المتن من نسخة وحيدة لا تخلو من مواضع اللبس في الخط، واشتباه في الرسم، واضطراب في السياق بسقط أو بياض أو تصحيف في أسماء الأعلام... مما فرض علي تحديد نهج للتحقيق، فحاولت تأسيس هذا النهج على أربع دعائم.
- الأولى: حيثما أمكن الرجوع إلى ما كتبه المؤلف في مصنفاته فالمقابلة على ما كتب المؤلف.
- الثانية: حيثما نقل عن مصدر متقدم صرح به، أو رجحت النقل منه، فالرجوع إلى المصدر المتقدم، والمقابلة عليه.
- الثالثة: حيثما آل الناقلون إلى الأجوبة، اعتبرت نقولهم نسخا للمقابلة.
- الرابعة: أعلام المتن، وهي مظنة التحريف والتصحيف، مما ليس للاجتهاد فيه مجال، كانت كتب التراجم المعتمدة مراجعي للتثبت والتصحيح.
وقد أجدى علي هذا النهج في إقامة متن الأجوبة بما أطمئن إلى سلامته في الجملة، فيما عدا مواضع ما يزال في النفس منها شيء، لم تسعف عليها الوسائل القاصرة، أو قصرت عنها الطاقة المحدودة.
بقدر ما أسعفتني المصادر على إقامة المتن، وتحقيق أعلامه، وتوثيق أسانيده، والتثبت من نقوله، كشفت المقابلة عن رجحان رواية الأجوبة على بعض هذه المصادر.
                                                 * * * 
وأود أن أقر هنا بما أدين به للسادة النبلاء الذين أسعفوني بما تعذر علي الوصول إليه من مخطوطات:
- سمو الأمير سعود الفيصل الذي زودني بمخطوطات من خزائن تركيا يعز الوصول إليها.
- والشيخ حبيب محمود عل شرح الترمذي بخط ابن سيد الناس.
- الدكتور نور الدين علي الذي صور لي كتاب "بشرى اللبيب" من طهران.
وإلى القائمين على شؤون الخزائن في المشرق والمغرب وأوربا صادق الامتنان والعرفان بالجميل، الخزانة الحسنية والعامة والصبيحية ودار الحديث بالرباط، وخزانة ابن يوسف بمراكش، وخزانة الجامع الكبير بمكناس، والعامة بتطوان، والقرويين بفاس، وخزانة الاسكوريال وكوبنهاجن وباريس وروما وفرانكفورت، والمدينة المنورة، والقاهرة والاسكندرية.
وأحيي بغاية الإكبار معالي الوزير الفقيه الجليل الأستاذ الحاج محمد أبا حنيني الذي كان لعطفه وتشجيعه ورعايته للبحث وصاحبه أكبر الأثر في إنجازه.
وأدين للأخ الزميل والصديق الحميم معالي الوزير الأستاذ الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري بما تعجز العبارة عن الوفاء بحقه، فالله يتولى عني مثوبته.
والشكر الجميل مجددا لأساتذتي الأفاضل الذين تفضلوا بقراءة هذا العمل المرهق فتشجموا من عناء الرسالة والمشاركة في مناقشتها ما لست في حاجة إلى بيانه.
ولأستاذتي المشرفة الاعتذار قبل الشكر، فإن إنجاز هذا العمل لم يكن هينا، ولها الحق أن تصف هذه الولادة بأنها كانت عسرة، فعهدا لها أن أكون لطلابي كما كانت لنا.
وللسادة الأفاضل الذين آنسوني بحضورهم في موقفي هذا أصدق الامتنان والعرفان.
وأعتذر للسادة العلماء المناقشين عما تخلل الطبع من أخطاء فاحشة جارت على تنسيق الأشعار خاصة.
وبعد، فليس من قبيل التزكية لهذا العمل –وهو ما لا ينبغي لي- الإقرار بأن الذي تعلمته في إعداد هذا البحث جاوز ما قدرته وما تعلق به طموحي ورجائي، ويدخل فيما تعلمته اليقين بأن هذا العلم الشريف "علم الحديث النبوي" بحر لا ساحل له، وأن بلوغ الكمال فيه غاية لا تدرك، بل يظل المجال مفتوحا أبدا لجديد من الإضافة والتصحيح والاستدراك.
فلا يكون من قبيل التواضع- وما أجدرني به- توقع مات يكون في بحثي من مظان عثار ومواضع قصور، أتقبل فيها بصدر رحب تعقب أساتذتي العلماء لها وإقالتهم عثارى فيها.
وأما ما حف بهذه الرسالة من دواعي التسيير وأمارات طيب الفأل، ويمن الطالع، وما بذل فيه من صادق الجهد، وإخلاص النية، إشرافا من أستاذتي الجليلة، وخدمة مني فبتوفيق من الله جل جلاله. وهو سبحانه وتعالى من وراء القصد.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here