islamaumaroc

الشباب أمام مسؤولياته الحاضرة والمستقبلية وتحديات العصر

  علال البوزيدي

العدد 257 شوال-ذو القعدة 1406/ يونيو-يوليوز 1986

تحت ضغط وتأثير التصادم الحضاري يعاني الشباب المعاصر أزمة التوتر والقلق، ويواجه ظروفا من الهوس والصداع مما يجعله غير قادر على اتخاذ القرار الحاسم والموقف الحازم من نفسه أولا، ومن ضرورة اندماجه في مجتمعه الأصيل ثانيا، بل أجده يتأرجح بين الأصالة والمعاصرة وهو في تيه من جلية أمره وهويته، وفي وضع الجاهل لحقيقة واقعه، وهذا التأرجح كثيرا ما يجعل حياة الشباب غير متوازنة، ولكن على العكس مضطربة ومليئة بالمشاكل، وهنا يجدر بالمتحدث في الموضوع أن يتأمل بعمق واقع الشباب في هذا الظرف الدقيق الذي يجتازه العالم، والذي لا سبيل إلى حصر ذلك الخضم من المشاكل الذي يموج ويتمسرح في ساحة المجتمع الإنساني، فمن أية نافذة حاولنا الإطالة على مشكلات الشباب إلا وتراءت عويصة، ولعل هذا ما زاد في الطين بلة.

1) العلاج رهين بالحفاظ على الأصالة والتمسك بالعقيدة السليمة
وربما هذا بالذات ما أدى إلى تنشيط ظاهرة انحراف الشباب، وتسرب هذه الظاهرة واكتساحها للجهات السليمة بانتقال العدوى من الجسد المريض إلى الجسد الذي هو في صحة جيدة، وتلك في الواقع طامة كبرى نتجت عن الانفتاح والهجرة والإعلام غير الملتزم، وغير ذلك من العوامل المبتدعة والمفتعلة لأهداف إيديولوجية أو عقائدية، وأمام ذلك يحتاج الباحث والمحلل فيما آلت إليه وضعية الشباب في الوقت الراهن، وهذا الاحتيار يتجلى في العجز عن انتقاء الأسلوب المناسب لمعالجة قضاياه المطروحة بحدة على مختلف الأصعدة والمستويات، والناتج بعضها عن الانحراف في السلوك وسوء التصرف وانعدام الاستقرار في التفكير والاتجاه، وهذه المعطيات السلبية التي طرأت على حياة الشباب في العصر الحاضر لها انعكاساتها المحسوسة وعواقبها الملموسة في تؤسيب ظاهرة الانحراف واجتياحها رغم البرمجة والتخطيط، ورغم جهود علماء التربية والإصلاح الاجتماعي، وبالتالي رغم منهجية التطوير والتحديث، إذ كلما بذل مجهود في هذا المجال اصطدم برد فعل معاكس، ويبقى العلاج الحقيقي رهينا بالمحافظة على الأصالة بعيدا عن التزمت والانطواء، وإذا كان من نصيحة توجه للشباب إنما تكون هذه النصيحة بعد عرض مشكلاته عرضا منطقيا وموضوعيا حتى يتضح من خلال العرض الآثار التي يمكن أن تنجم على تخلي الشباب عن القيم السامية والمثل العليا، كما تقتضي هذه الوضعية تنبيه الجيل الجديد إلى الأخطار المحدقة به إن هو تمادى في غيه واستمر في إقباله على الطوارئ الدخيلة عليه،  باسم الثقافة الأجنبية والحضارة الحديثة والمعاصرة البراقة التي استحوذت على بعض فئاته المخدوعة، وإطلاعه بكيفية واضحة وصريحة على تراثنا الثقافي الذي ورثناه عن الآباء والأجداد وحفزه على السير في مسار السلف الصالح وعلى القيم التي كانوا يتحلون بها، وما أحوج الشباب إلى تلك القيم التي بفقدانها يتجرد الإنسان من إنسانيته ويؤول الأمر إذا تواصل واقع الحال على ما هو عليه إلى ما تحمد عقباه، يفلت الزمام ويستعصي العلاج ولهذا لا بد من إشعار الجميع بأن وراء الأكمة ما وراءها وأن هناك خطرا كبيرا يتهدد القلب النابض للأمم والشعوب وأن مواجهة هذه الأخطار تقتضي بالأساس الرجوع إلى الأصول والابتعاد عن كل ما يعارض هذه القيم والمثل، وخصوصا في هذا الظرف المتميز بالحدة والصراع على كل الواجهات نتيجة التواصل البشري والتصادم الحضاري.

2) بين الإعجاب والتقليد الأعمى
ومن هنا فإن الإعجاب المفرط والمبالغ فيه بالغرب يؤدي إلى المغالطة، ذلك أن هذا الإعجاب لم يتجاوز مرحلة التقليد الأعمى للسفاسف والمجون وتعاطي المخدرات والمسكرات إلى غير ذلك من الخزعبلات، بدل الإعجاب بما تحقق في بعض الأقطار من تقدم علمي واقتصادي وصناعي، كما على الشباب أن يستحضر في أعماقه الوعي الإسلامي الحقيقي الذي يقود إلى الفضيلة، وعليه كذلك أن يستنير في مسيرته بمعالم الماضي المجيد لمجتمعه الإسلامي الطاهر، والاقتداء بالسلوك المستقيم والتصرف السليم اللذين كانا يطبعان ذلك المجتمع، بدل التأثر بالجفاف الفكري والفراغ الأخلاقي والروحي، هذه السمات التي جعلت المجتمع الغربي يعاني أزمة الانحلال والإباحية والتفسخ والاستهزاء بالقيم والمثل. حتى أصبح غير منسجم ولا منصهر مع أفراده، فتارة تجد أن المجتمع طغا على أفراده، وتارة أخرى تجد الأفراد يسخرون من مجتمعهم، وهذه الهوة أخذت تتسع نتيجة تحديات العصر وشكلت شبه انفصام بين المجتمع وأفراده، وإذا افتقد عنصر الترابط الوثيق بين الفرد والمجتمع حصل بدون التأزم النفسي المؤدي إلى الانحلال والاضطراب، وهذا النمط من الحياة مرفوض وغير مقبول في المجتمع الإسلامي الذي يركز أساسا على الترابط والتكافل والتوازن، ونشوء الفرد يتم على هذه الوتيرة وبهذا يقوم بكل مسؤولياته الإنسانية وبهذا اكتسب المجتمع الإسلامي فضيلة التناسق والانسجام، وبهذا تمكن المجتمع من حماية نفسه وأفراده من الأخطار المتربصة.

1) الشباب وتجاوز الصعاب والمعوقات
إن خير ما ينبغي قوله في هذا المضمار هو أن ما ينتظره المجتمع من أبنائه هو الجهد والصدق والبذل والتضحية ونكران الذات في كل ما يمارسونه من أعمال، وأن يحاسبوا أنفسهم دائما ويراجعوا ما هم عليه من سلوك ويعلموا بأنهم مسؤولون أمام ضمائرهم وأمام الله، وأن يشعروا بأنهم حملة المشعل وبناة الأوطان، وعلى عاتقهم أمانة ورسالة تحتمان عليهم القيام بالمسؤولية وأداء الواجب مهما كانت الظروف، بل يجب عليهم أن يستحضروا نصب أعينهم حتى في الملمات ويوم تدلهم الخطوب تلك القولة الشهيرة: كل صعب على الشباب يهون، وإذ ذاك تلين أمامهم الصعاب وتذوب المعيقات وتعالج الإشكاليات ويتسنى بالتالي الصمود في وجه كل التحديات، وللشباب المسلم ما يساعده على ذلك إن هو فهم بوعي عميق الدعوة الإسلامية التي تدعو إلى الاعتدال وتحذر من الجحود والتطرف، وإذا كان الاعتدال فضيلة من الفضائل الإسلامية فحري بالشباب أن يتمسك به ويسعى إليه في حياته وممارساته الفكرية، وأن يتجنب الغلو الذي يجر إلى مسالك السوء والانحراف، والشباب أصبح أقرب إلى الغلو بحكم مؤثرات متعددة جاءت مصاحبة لتطور العصر.

1) طاقة خلاقة وأوقات ضائعة
والذي يلاحظ عند بعض الشباب اليوم هو التهافت والتهالك على الحياة المادية وجعل ذلك أكبر همه، وبهذا فقد توازنه الأخلاقي والاجتماعي كما فقد القناعة وهي الكنز الذي لا يفنى، وضعف إيمانه لأن الإيمان الحقيقي هو كما قال الحافظ ابن حجر: الإيمان هو اعتقاد بالقلب، ونطق باللسان، وعمل بالأركان، فالشباب الذي هو طاقة خلاقة لا يليق به أن يضيع طاقاته وأن يصبح ضحية الفراغ الأخلاقي والروحي دون أن يستغل طاقته الهائلة في القيام بواجباته ومسؤولياته على أساس الوازع الإيماني، ويركز عمله على محاور الأركان والقواعد التي حددها الإسلام ونصت عليها شريعته الخالدة، وبالنظر إلى كل ما جاء في هذا الباب من مواعظ وتوجيهات يتساءل المرء عن موقف المسلم بصفة عامة والشباب على الخصوص في هذا العصر الحافل بالبدع والمستحدثات والاستيلاب الثقافي يهدد الوسط الشبابي بالضياع؟
وقد قال البعض بأن انحراف الشباب ناتج في بعض خلفياته عن فساد الجو الثقافي والإعلامي. مما ضاعف حيرته وأوقفه أمام محنة ومتاعب مقصودة سلاحها التناقضات والمغالطات وإقحام الشباب في دائرة مغلقة وإشعاره بكونه غير مرغوب فيه لعدم توفره على التجربة العميقة وبالتالي إحساسه بالغياب عن الساحة، وبهذا تضعف فيه الإرادة المنتجة وينمو عنده عنصر الاستهلاك والتقوقع والانعزال.

1) نحو حوار بناء وصريح مع الشباب
وخلاصة القول إن الشباب في حاجة إلى حوار بناء ونقاش صريح لتدارس مشاكله وإشراكه بتقربه من العلماء وذوي الخبرة والاختصاص، وبمواجهة الواقع على أساس الاحتكاك بالناس وبعيدا عن الأنانية والخيال، فما أكثر المجالات التي تحتاج إلى جهود الشباب وطاقاته الخلاقة ومساهمته الفعالة في الحملات الشاملة والتعبئة العامة الهادفة إلى تطوير المجتمع ورفع مستواه، بالمشاركة النشيطة والتطوع الإيجابي في معالجة الأمراض الاجتماعية، كمحو الأمية ومحاربة التسول والقمار والبغاء والمخدرات وتوعية الجمهور والترفيه عن الأيتام والمعوقين فذلك يدخل في نطاق دور الشباب الطلائعي ورسالته الحيوية في بناء الوطن وخدمة الأسرة والمجتمع العام. ولا ينكر بأن الشباب من الجيل الماضي قام بدوره على الوجه الأكمل حيث كانت جهوده تلتقي في تناسق وانسجام داخل تنظيمات وجمعيات وحركات عتيدة قامت بخدمات مهمة في مجالات العمل الاجتماعي والتربوي والتوعية والتوجيه بجدية وحماس قياما بالواجب وشعورا بالمسؤولية وأداء للأمانة، وما أحوج شباب اليوم أن يواصل المسيرة، ذلك لأن العبء الذي كان يثقل كاهل شباب الأمس ويعتبر بمثابة رسالة هو نفس العبء يعد بمثابة أمانة على عاتق شباب اليوم وما أعظم الأمانة التي جاء في شأنها قوله تعالى: " إن عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا". 
وجدير بالشباب أن يقتفي أثر الجيل الذي قبله لترسيخ الأمجاد والحفاظ على المكاسب والذود عن الحياض وما ذلك على الشباب بعسير خصوصا والمصاعب أمام عزيمته تلين وصدق الذي قال: كل صعب على الشباب يهون.

1) يتحدثون عن حيرة الشباب
حتى لا تبقى حيرة الشباب مستمرة نتيجة غياب التوجيه السليم وفقدان القدوة في بعض المجتمعات التي تروم السير في ركاب الغرب وترجح المعاصرة عن الأصالة، يحتاج الشباب إلى دعوة الحق التي تقول للحسن أحسنت وللمسيء أسأت.
وعيد الشباب المجيد مناسبة للتذكير بأن جلالة الملك أمير المؤمنين هو قدوة شباب الأمة، فعلى الشباب أن يستلهم من سيرته التي تزخر بمواقف الحكمة والشجاعة والفداء والتضحية والنبل والإخلاص، حفظه الله لشعبه وأمته ذخرا وملاذا، وحقق على يديه عزة الإسلام والمسلمين.وأمتع بطول حياته شباب شعبه وأمته.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here