islamaumaroc

معالم تاريخية وسياسية في مضمون الوزن الدولي للمغرب الحسني

  المهدي البرجالي

العدد 257 شوال-ذو القعدة 1406/ يونيو-يوليوز 1986

في منظر الجغرافية السياسية أو الاستراتيجية كما في منظور الجغرافية التاريخية أو الحضارية، فإن اسم المغرب يرتبط بحيثيات متعددة، بقدر تعدد الحقائق والمعالم التي يدل عليها موقعه الجهوي والقاري والدولي. وتعبر عنها صلاته وفاعلياته في الحاضر وفي الماضي البعيد والقريب: المغرب عربي إسلامي، إفريقي، متوسطي، أطلسي، الموقع المغربي موقع فريد من حيث الاعتبارات الجيوسياسية والجيوستراتيجية جهويا ودوليا: هذه الحيثيات وخلافها مما هو أصيل أو مكتسب، تضفي على شخصية المغرب الدولية، أبعادا ذات اعتبار كبير في موازين التقييم والتقدير، وبقدر ذلك، فإن هذه الحيثيات تلقي أيضا على المغرب أعباء جسيمة جدا وتجعل مسؤوليته نحو نفسه، ونحو المحيط الحضاري. والقومي والدولي الذي ينتمي إليه، مسؤولية واسعة على أكثر من مستوى.
لقد كان ذلك شأن هذه البلاد على امتداد تاريخها في العصر الوسيط وفي غضون القرون الأخيرة، وكان من الطبيعي –وقد استرجعت استقلالها- بعد فترة الحماية العابرة، واستعادت ديناميكية دورها المرتبط بحيثياتها الأصيلة والمكتسبة، أن تواجه مسؤوليات أكثر جسامة، وتضطلع برهانات أشد إلحاحا واقتضاء، وتطوقها التزامات في مثل التشعب والتعقيد الذي تمثله متطلبات الحياة الدولية المعاصرة.
                                                *  * *
لقد برز استقلال المغرب في خلال الخمسينات كحدث رائد في حركة التحرر العالمي التي ميزت عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، ومرجع هذه الريادة، أن انحسار الاستعمار عن المغرب، كان طليعة انحسار الاستعمار عند افريقيا ككل، ومعلمة على الطريق في مسلسل التطورات الجذرية التي أفضى –في سياقها- النظام الاستعماري إلى نهايته.
وإذا كانت صفة الريادة هذه، قد توفرت للمغرب في تحركه على درب النضال من أجل استعادة الاستقلال، فإن هذا الوطن، كان متفردا كذلك يكون صفته –كدولة- لم تنشأ بحصوله على استقلاله، كالحال بالقياس لعدد من أقطار إفريقيا وآسيا، بل إن استقلال المغرب كان مجرد امتداد طبيعي لحالة ذات مرتكزات عريقة عبر القرون وحالة كان فيها باستمرار كامل القدرة على ممارسة السيادة، ممتلكا ناصية التأثير المستقل والفعال في مجرى التاريخ والمشاركة القوية في مجرياته.
وعلى المدى الطويل الذي عاشه المغرب في التاريخ الوسيط والحديث، اضطلع بمهام ومسؤوليات كبرى (حماية الأندلس الإسلامية –ضد طلائع الغزو الاستعماري الأوروبي عن السواحل الإفريقية منذ القرن العاشر الهجري –تعزيز الوجود الفكري والسياسي الإسلامي بغرب إفريقيا –شد أزر المجتمعات الإسلامية الأخرى بحوض المتوسط –دعم مواجهة الدولة العثمانية للتحالف الأوروبي ضدها الخ... ) ونتيجة لمترتبات هذا الموقع الذي للمغرب في التاريخ، ولداعي خصائصه الجغرافية وممكناته على اختلافها. فإن عملية احتلاله حينما تعرض للاحتلال، كانت عملية جد معقدة، تعددت في نطاقها، القوى الاستعمارية التي مارست ذلك الاحتلال. كما تعددت أيضا أشكال وصيغ السيطرة التي زاولها المحتلون، ومما ترتب عن هذه الحال:
1) أن عملية التحرر المغربي من الاستعمار قد تمت على مراحل متوالية مستغرقة ما بين الخمسينات والسبعينات من هذا القرن.
2) أن النضال الوطني المغربي على امتداد الأشواط التي مر بها، كان ذا هدفين رئيسين متلازمين ومتكاملين: استرجاع السيادة واستكمال وحدة التراب.
3) أن المغرب قد اضطر –في سياق سعيه لاسترداد وحدته الترابية، إلى خوض المعارك التي خاضها بهذا الصدد في واجهتين اثنتين: الواجهة المفتوحة مع القوى الاستعمارية التقليدية التي نهجت سياسة التجزئة الترابية ضده في إبان احتلالها له، وحاولت – بعد جلائها- الاحتفاظ ببعض الأوضاع التجزيئية التي أحدثتها بموجب سياستها تلك، ثم كانت   بعد ذلك الواجهة الجديدة التي صار على المغرب خلالها أن يخوض معارك دفاعية في مواجهة النزعة الهيمنية التي تبناها الجيران في المنطقة، وانطلقوا –بوحي منها- في استشارة ثم في تعميق حدة التوتر المفتعل،الذي ما فتئت تعاني منه منطقة شمال غرب إفريقيا منذ 1975.
                                                     * * *
قبل خمس وعشرين سنة، والمغرب آنئذ حديث العهد بالاستقلال، كانت المعركة أمامه لا تزال طويلة ومتشعبة بقدر كبير لكي يسعه أن يفضي منها إلى إنجاز المهام المرتبطة بأهدافه في المجالات التالية:
1) استكمال الاستقلال باستكمال وحدة التراب.
2) ضمان الحصول على موقع إيجابي بمستوى كاف، في المحيط الدولي، وبما يقضيه الحال في ذلك من حسن الاستبصار في تقييم حقائق العالم واستشراف وجهة مسار تطوراته، ووعي آفاق وأبعاد وحدود تفاعل المغرب مع هذه الحقائق.
3) الحفاظ على مقومات رسالة المغرب التاريخية والحضارية في مساق تعاطيه مع المحيط العالمي حوله.
لقد كان النصف الثاني من الخمسينات، مرحلة الاستيعاب الأولى لمسؤولية الاستقلال وإقامة اللبنات –الأساس لقواعد وأساليب ووسائل العمل الكفيلة بتيسير الانتقال –على نحو ناجح- إلى المرحلة التالية، مرحلة استثمار القدرات المتاحة، نتيجة لنضج هذا الاستيعاب وترسخه، ومبنى الاستثمار من هذا المعنى: تعميق وتأصيل ديناميكية البناء الذاتي من جهة، وتأمين الحصول على وزن مناسب لقيمة المغرب كوطن وكتاريخ وكحضارة في حقل الحياة الدولية.
خمس وعشرون سنة في مسار المغرب الحسني، اجتاز فيها المغرب والنطاق العالمي الذي يكتنفه –أحوالا وأطوارا متعددة، واتخذت صورة الحياة الدولية والأوضاع والمفاهيم السائدة فيها، أكثر من سمة، وأكثر من نمط ولون، وتبلورت –على مستويات مختلفة- معادلات وتوازنات من كل نوع. دار خلالها العالم المعاصر، دورات كثيرة، لينتهي إلى ما يرى عليه الآن. وهذا الذي يرى في الوقت الحاضر، مختلف اختلافا جذريا وشموليا وعلى شتى المناحي، عما كان عليه الوضع العالمي في أوائل الستينات، سواء من حيث حوافز العلاقات الدولية وأشكالها ومضامينها وملابساتها، أو من حيث الخريطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في العالم، وعموما من منظور مستويات الأفكار والتصورات، والآفاق البادية في ظروف بداية العقد السادس مقارنة بما يبدو الآن من هذا القبيل أواسط العقد الثامن من القرن.
وخلال هذه المساحة من الزمن تأرجحت بنسبة كبيرة مواقع الكثير من الدول في العالم بين صعود وهبوط. فرب دولة كانت في موقع أقوى. فانعكس عليها من ذاتيتها ومن ظروف التحولات العالمية حولها ما جعل موقعها ينحدر درجات تقل أو تكثر، ورب دولة أخرى، تطور حالها على نحو معاكس. وعلى أي فإن ضخامة وشسوع التطورات العالمية التي سجلها الربع قرن الأخير، كان متطابقا ومنطق التسارع الحتمي في وتيرة الفعل والتأثير على الصعيد العالمي، نتيجة للانتقالية النوعية للمجتمع الإنساني منذ عصر الإمبراطوريات الاستعمارية إلى عصر التكامل بين مختلف الشعوب المتكافئة سيادة وحرية.
وبطبيعة الحال، فإن الاستعمار التقليدي، وإن كان اضطر تحت حتميات ضغط التاريخ أن يجلو عن الأراضي التي كان يبسط عليها سيطرته – فإنه مع ذلك لم يكن من شأنه أن يرضخ رضوخا موضوعيا –لا مجرد رضوخ تكتيكي- لهذه الحتميات إلا بقدر ما كان هامش المناورة يضيق أمامه في جو عالمي كالجو الذي أفرزته بيئة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
وإلى نهاية الخمسينات من هذا القرن كان يبدو للفكر الاستعماري أن هامش المناورة هذا واسع لديه إلى المدى المرغوب فيه، باعتبار أن المرحلة كانت مرحلة انتقال من عهد الاستعمار إلى عهد تصفية الاستعمار، وأن الصعوبات –نتيجة لذلك- شديدة الحدة والتعقد بالنسبة لتلك الأقطار الرائدة –وقد كان المغرب في طليعتها- التي استعادت استقلالها، وبالتالي حريتها في البناء الذاتي واختيار طريقها في مشتبكات الحياة الدولية: لقد كان المفترض ساعتها، أن مثل تلك الأقطار لا بد أن تجد نفسها –والحالة هذه- في خضم دولي كثير الأدغال والمجاهيل، وأن ما تواجهه من التحديات والمعضلات غير جدير بأن يمكنها من تجاوز العقبات الكأداء التي تعترضها دون الوصول إلى التأثير بنصيب في مجرى الشؤون العالمية، والإسهام على نحو ما، في تعديل مسار الأمور على هذا الصعيد بما يتفق والتغيير الذي تنشده، لقد كانت محاور التساؤل المطروحة في خلال المرحلة من قبل الدول الحديثة عهد بالاستقلال، ذات مناح متعددة منها:
1) أي سبيل واجب سلوكه نحو إقناع القوى الاستعمارية، إلى مرحلة التعاون والتكامل في الساحة العالمية وبدون خلفيات تكتيكية أو مناوراتية؟
2) كيف التوصل إلى قاعدة ما، لتنسيق توجهات البلدان المستقلة حديثا وصهر مراميها وجهودها صهرا كفيلا بتمكينها من الاستفادة المتبادلة بينها في مضمار مواجهة الوضع العالمي السائد والذي لم يكن لها فيه خلال الظرف تأثير فعال، إن على مستوى الدورة الاقتصادية أو في مستوى المعادلات السياسية أو الاستراتيجية العالمية أو في مجال المنظمات والهيئات الدولية؟
3) كيف تتأتى مواصلة طريق العمل المتناسق المتضافر من أجل إكمال عملية تصفية الاستعمار من العالم، وبالتبعية، من أجل مساعدة الشعوب المستعمرة (بالفتح) على تسريع وتيرة التطور العالمي المطلوب في هذا السبيل؟
4) إلى أي مدى يتسنى للشعوب المستقلة حديثا توظيف قدراتها وإمكانات التعاون بينها لتجنب الوقوع في متاهات الصراع بين القوى الكبرى في العالم، والاضطلاع بدورها في خدمة الهدف الإستراتيجي الأساسي الذي يتحتم أن تجعله نصب عينيها، والمتمثل في تحاشي الانحشار في مضايق الاستقطابات الدولية والسعي للتخفيف من حدة تلك الاستقطابات، والنزاعات المرتبطة بها، والإسهام في تعميق نوازع المسالمة والتفاهم في أفق أوسع ويقوم على التوازن بين المصالح وتلطيف حدة التناقضات في المحيط الدولي؟ الطروح هذه التي كانت تأخذ باهتمامات الأقطار المستقلة فيما بين الخمسينات وأوائل الستينات كانت تقابلها في حيز الواقع –أوضاع دولية على جانب كبير من السلبية لمصالح ومصاير ما أصبح يدعى منذ ذلك الحين، بالعالم الثالث. وهي حال جعلت من صفة الريادة في وضعية الأقطار المتحررة من الاستعمار آنئذ، صفة باهظة التكاليف نفسيا وفكريا وعمليا، وذلك بالنظر لصعوبات الظرف الذي كان يكتنفها وأيضا لقلة عددها في ذلك الحين، ومحدودية إمكاناتها في التأثير على الإطار الدولي حولها، ومن جوانب الصعوبات هذه:

1) من الناحية الأمنية:
كانت قوى الاحتلال الاستعماري لم تستكمل –بعد- مظاهر جلائها الكامل عن البلدان التي أحرزت على استقلالها، ثم إنه بحكم أن عددا من الشعوب كانت لا تزال في حالة صراع من أجل الاستقلال، فإن الأقطار المستقلة المجاورة لتلك الشعوب، كثيرا ما كانت تتعرض لاعتداءات انتقامية من جانب المستعمرين. ردا على ما كان يعتبره المستعمرون مساعدة تأتي من البلدان المستقلة –المعتبرة بلدان مواجهة –إلى الشعوب التي توجد في حالة صراع معهم لانتزاع استقلالها.

2) من الناحية السياسية – الدولية:
 كانت الحرب الباردة بين الكتلتين الرأسمالية والشيوعية، مثار ورافد مختلف الهواجس الملحة –في خلال الظرف- على الدولتين العظميين ومن معهما. ومن ثم، فقد كان الجو الدولي بوجه عام مفعما بشحنات جد ضاغطة، مترتبة عن ملابسات الحرب الباردة وما كانت تحمله في ثناياها من انعكاسات ثقيلة على الأقطار الحديثة عهدا بالاستقلال، أما فكرة عدم الانحياز التي بذرت بذورها في "باندونغ" فلم تكن إلا في أوليتها، بحيث لم تتعد حينئذ كونها مظهر رد فعل عالم ثالثي وعفوي على النزعة الاستقطابية، التي كانت تميز فلسفة وتصورات فرقاء المواجهة في إطار الصراع بين الشرق والغرب.

3) من الناحية التنظيمية:
لم يكن التضامن بين البلدان المستقلة حديثا قد اتخذ –بعد- أشكالا مؤسساتية لها حضور دولي ذو فاعلية ملموسة، مثلما وقع في مراحل لاحقة، متجليا مثلا في المؤسسات التضامينة من هذا القبيل، إما على صعيد قاري، كالوحدة الإفريقية، أو في نطاق عقائدي، حضاري مشترك كمنظمة المؤتمر الإسلامي، أو سياسي دولي كمنظمة عدم الانحياز.
                                                   ***
ولج المغرب الحسني عتبة الستينات، والوضع العالمي –كما يترآى من بعض الملامح التي ذكرنا- لا يزال وضعا انتقاليا وبالتالي متأرجحا بين متخلفات ما قبل الحرب العالمية الثانية، وبين إفرازات العصر الذي أعقب نهايتها. وليس ثمة أثقل حملا وتحملات من أن يكون على بلد معايشة انتقالية نوعية عالمية من هذا الحجم، وبكل ما تتطلبه المعايشة هذه من قدرة على التبادل والتفاعل، المتكافئ والإسهام –فكرا وممارسة ومسلكا- في مجرى صياغة وتوجيه المؤثرات العالمية.
لقد كانت الدلالات الفورية التي ترتبت عن استقلال المغرب، من بين أعمق ما أحدثه- في نطاق النصف الثاني من هذا القرن –إحراز قطر من أقطار العالم الثالث على الاستقلال، فتحرر المغرب كان يعني -بالضرورة- امتداد تيار تصفية الاستعمار إلى أقصى الجناح الغربي للعالم العربي والإسلامي. وقد كان التقليد التاريخي الذي ارتبطت به صورة المغرب طوال قرون أنه كان قاعدة الحفاظ على حرية وسيادة الغرب الإسلامي جنوب المتوسط وشماله، واحد مراكز الثقل الرئيسية في مناعة العالم العربي والإسلامي ضد التيارات المناوئة، وفي خط آخر كان استقلال المغرب إرهاصا بانطلاق التحدي الإفريقي ضد الاستعمار وانطلاقته الفاصلة التي انتهت إلى تحرير القارة منه، ومما كان أيضا من دلالات استقلال المغرب وبدء انكماش النفوذ المطلق الذي كان للضفة الشمالية على الضفة الجنوبية من الحوض المتوسطي وكما كان لهذا الاستقلال - في اعتبار أشمل- أبعاد دولية أفسح أفقا لها من حيث جذورها الفكرية –صلة بالتألق الذي أضفي في مستوى الفكر السياسي الدولي- على مبادئ التعايش والتعاون والحوار بين الحضارات ونحو هذا.
لقد عرف المغرب في جملة ما عرف به من حيثيات، أنه همزة وصل فيما بين أوروبا وإفريقيا، ومعبر أصيل من معابر التفاعل الفكري والثقافي بين المحيط الغربي والمحيط العربي –الإسلامي. كما عرف عنه أيضا أنه بلد التعددية الفكرية على المستوى السياسي والاجتماعي، وأحد رواد عدم الانحياز، وسوى هذا وذاك من الحيثيات التي ارتبطت بصيت المغرب، وكانت داعي إغناء لإشعاع هذا الصيت. وإذا كان حدث استقلال المغرب قد انطوى –كما ذكر آنفا على دلالات ثرية المضمون على هذا المنوال. فإن الانطلاقة الكبرى التي سجلها هذا الوطن منذ أوائل الستينات، قد أتاحت لهذه الدلالات حضورا ديناميكيا كثيفا في واقع الحياة الدولية وأهلت الدور المغربي –بكيفية متصاعدة- لاكتساب وزن مشهود في الشؤون العالمية من جوانبها العربية- الإسلامية والإفريقية وغيرها، وكما هو ملحوظ فإن تعدد هذه الجوانب وتنوعها ليربط موضوعيا بدرب الشمولية والتكامل التي يتسم بها الدور المغربي وغزارة روافده.
لقد كانت الصفة الرائدة لظروف وتوقيت استقلال المغرب، قرينة الصفة الرائدة للطريقة التي توصل بها –عبر كل سلبيات الظروف العالمية- إلى بلورة المعالم الفعالة التي اتسمت بها مسيرته –وطنيا- ودوره في الحقل الدولي، ومن غير شك، فإن التماسك القومي للمغرب –الذي جسدته ثورة الملك والشعب، وعراقة تقاليده السياسية المرتكزة على أسس فكرية وحضارية وطيدة، كان قاعدة ارتكاز جوهرية في هذا المضمار: ومما يشار إليه في هذه المعالم التي سجلها المغرب الحسني في ظل عاهله القائد، ومنجز وحدته:

• في النطاق القومي
طول النفس النضالي ومتانة التركيز في مضمار العمل على تعميق مضمون الاستقلال واستكمال وصيانة وحدة التراب.
متانة القدرة على استيعاب المتربات الجيوسياسية والجيوستراتيجية، الناجمة عن حساسية الموقع الجغرافي للمغرب، وتأمين مناعة هذا الموقع في مواجهة المطامع الخارجية التي تثيرها أهميته ذات الأبعاد المختلفة.
-كفاءة الجمع-في النطاق المغربي- بين عراقة الأصول المتجذرة في أغوار الماضي وبين ديناميكية التواصل والتفاعل مع التيارات التحولية الإيجابية، وبواعث التطور التي يزخر بها العالم المعاصر.

* على مستوى المغرب العربي وغربي المتوسط     
تحييد التوثرات المقحمة على المنطقة (سنة 1963، ومنذ سنة 1975 إلى الآن) كي لا تنال بشوائبها من مصداقية فكرة المغرب العربي، واستبقاء المبدإ المغاربي بالتالي، منطلقا وسبيلا مركزيا لبناء مستقبل شعوب المنطقة ضمن إطار التكامل الطبيعي القائم فيما بينها.
- رعاية وإثراء الروابط التاريخية والفكرية والحضارية، مع غربي إفريقيا حيث توجد جذور انتماء متبادل تصل بين الطرف المغربي وبين غيره من الأطراف الواقعة إلى الجنوب من نهر السنغال.
- إعطاء مجالات أوسع لمبادرات التعاون والتبادل وإخصاب جو الحوار مع مجموعة الشعوب المتساكنة في الضفة الشمالية لغرب البحر المتوسط والجهات الأوروبية المتصلة بها واستثمار إيجابيات القواسم المشتركة، مع بلدان هذه المجموعة.

• في الإطار العربي –الإسلامي والإفريقي
- دعم التوجه العقلاني والعملي والفعال في خط الفكر والتخطيط والتنظيم والتقرير بصدد العمل العربي، والعمل الإسلامي.
- الالتزام بمبادئ القانون ومعايير الشرعية في مسالك وممارسات منظمة الوحدة الإفريقية، باعتبار أن الأمر له علاقة حتمية وشمولية بمصداقية المنظمة وكفاءتها، ويتحكم –بالتالي- في مدى قدرتها على القيام بمهامها القارية والدولية.
- العمل على محورة الفكر السياسي والاجتماعي الإفريقي حول المصالح الحقيقية الموضوعية والمتكاملة للقارة، ورفض هامشيات الاختلافات الإيديولوجية، خاصة ما ينعكس من هذه الاختلافات –سلبيا- على مجالات التعاون والتناسق ودواعي التضامن بين بلدان القارة.

• في محيط عدم الانحياز
- المساهمة التاريخية في ضبط وإثراء مفهوم وأبعاد فكرة عدم الانحياز الصيغة السلوكية للمغرب على ضوء مبدإ عدم الانحياز كنموذج للدقة والصدق في الالتزام بالمبدإ، بعيدا عن أية اعتبارات تكتيكية أو تفعيلات مفتعلة.
- التضافر على تطوير الفكر أللانحيازي وتبلور التوجهات –في سياق ذلك- نحو الحوار الاقتصادي بين الشمال والجنوب.

• في الساحة الدولية العامة
التفتح على كافة الجهات بالعالم، وقوام العلاقة مع مختلف المجموعات الدولية: حسن التعايش والتعاون البناء.
- مناصرة قضايا الحرية وتدعيم ديناميكية العمل العالم الثالث من اجل استكمال تصفية بقايا الاستعمار.
- إيثار سبيل السلام والحسنى في حل المشاكل، والتكاثف على التخفيف من حدة التوترات الدولية.
                                                   ***
هذه بعض المعالم البارزة في نهج المغرب الحسني ومواقع خطاه في الساحة الوطنية والدولية، وقد سجلت المسيرة الحسنية على هذا الدرب إنجازات ضخمة لها موقع مشهود في سجلنا القومي وفي تاريخ العالم الثالث والمحيط الدولي عامة، ومن هذه الإنجازات على سبيل المثال (دون ترتيب زمني أو موضوعي).
المسيرة الخضراء وإنجاز وحدة التراب وتوطيدها والدفاع عنها.
- المشاركة الفعالة في حرب أكتوبر 1973 مساندة زايير في وقف التسللات المناوئة لوحدتها الترابية بإقليم شايا.
- تقديم العون لشعوب المستعمرات في نضالها من أجل الاستقلال.
- المساهمة النشيطة في مجمل التطورات التاريخية التي أدت إلى قيام منظمة الوحدة الإفريقية.
- الدعوة إلى عقد أول مؤتمر قمة إسلامي عالمي في التاريخ الحديث واحتضانه.
- دعم خطوات منظمة المؤتمر الإسلامي.
- استضافة مؤتمرات قمة عربية وإسلامية ذات قيمة تاريخية كمؤتمر القمة العربي السابع بالرباط سنة 1974، الذي أعلن فيه عن الإجماع العربي على اعتبار منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني –وكقمة فاس سنة 1982 التي انبثق عنها مشروع السلام العربي لحل معضلة الشرق الأوسط.
                                                ***
الوزن الدولي للمغرب الحسني، وزن بلد متميز من منظور الفكر النضالي والسياسي، وأيضا من زاوية الاختيارات والمفاهيم والمعايير المنضبطة بها علاقته بالآخرين، وصياغة أسلوبه في التعامل معهم واختطاط نهجه في خدمة القيم التي يعتنقها على الدولي من منطلق إيمانه بالتفاهم وبالتعايش والتشارك والتكافل.
الوزن الدولي للمغرب عريق عراقة تاريخه وحضارته ومقوماته، وقد أغنت المسيرة الحسنية خلال ربع قرن –هذا الوزن لما طبعت به صورة المغرب- دوليا- كبلد ذي مصداقية متينة في نظرته إلى الأمور، وفي تصوراته، ومبادراته، وخطواته، وإنجازاته كبلد مشبع- في سياسته الخارجية – بروح التفاهم والتعاون، مفعم بحوافز السلام والوئام.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here