islamaumaroc

تكريم الأمة المغربية في عهد الحسن الثاني

  أحمد مجيد ابن جلون

العدد 257 شوال-ذو القعدة 1406/ يونيو-يوليوز 1986

ليس قصدي ولا في نيتي التعريف بمنجزات وعبقرية ومواهب ملكنا الصالح نصره الله لأنها غنية عن كل تعريف، ولا أن أدلي بشهادة، لأنه، وهو القائد الملهم، يشهد له الحب العميق الذي يكنه له شعبه الشكور والتعلق المتين الذي تخص به أمته عرشه الصامد، وتوجيهاته النيرة التي حققت، المعجزات، وأبهرت العالم، وأربكت الخصم والعدو.
 وإنما سأقصر كلمتي هذه على جانب خاص من تلك الملحمة الخالدة التي قادها ملكنا العظيم بوطنية خالصة، وعبقرية هادفة، وعاطفة دفاقة، وشغف لا ينقطع، وطموح مقدس لأنه موجه لفائدة الأمة قصد تحقيق أهداف الأمة.
 لقد اتفق رجال القانون على أن مهمة الدولة، أي وسيلة الحكم، تنحصر في ثلاثة ميادين : التنظيم، والتشريع، والقضاء، وطبعا، فإن لكل من هذه الميادين مميزاته وخصائصه وأخلاقه. وتمتاز الأنظمة الديمقراطية الحقة بالتوازن الذي تحققه بين هذه المهام. 
 هذا التوازن المنشود، جعل منه جلالة الحسن الثاني حقيقة ملموسة، وذلك بالاستناد على قواعد الجوهر، لا على قواعد الشكل.
 إن النظام الذي نعيش في ظله يخضع قبل كل شيء إلى قاعدة أساسية في كل مجتمع متحضر وهي قاعدة تكريم المواطن مصداقا لقوله تعالى : "ولقد كرمنا بني آدم".
 وهذا التكريم يتجلى بكيفية إيجابية في الحفاظ على حقوق المرء، والسهر على حرياته، والذود عن كرامته، وصيانة حريته، والدفاع عن مكتسباته.
 توجد عدة دول لجأت في تحديد قواعدها الدستورية إلى التقنيات المعروفة  فنسقت ونظمت، وأباحت وفرضت، ومنعت وراقبت، استنادا إلى ما يفرضه التعايش السليم بين مختلف مؤسساتها السياسية. إلا أن ما يمتاز به نظامها الدستوري هو أن جميع القواعد تأخد بعين الاعتبار ما يفرضه احترام الكرامة البشرية.
 لقد صرح جلالته حفظه الله، جوابا على سؤال أحد الصحفيين، بأن أعز ما يتذكره حدثان، أحدهما يوم أن وفر دستورا لشعبه، ولنفس السبب، يمكن لكل مواطن أن يؤكد بأن ذلك اليوم يكون حجزا أساسيا في البناء الضخم الذي شيده عاهلنا المفدى لفائدة شعبه، لأنه كان مناسبة أبرز فيها التلاحم الموجود بين القاعدة والقمة, ولأنه يوم خلد تشبث الملكية بحقوق كل فرد من أفراد أمتها، خلقية كانت أم مادية.
 إن المواطن المغربي يتوفر في هذا الميدان على رصيد من القوانين قل نظيره، بل إن صيانة حرية الفرد نظمت بكيفية دقيقة احتاجت إلى عشرات البنود من قانون المسطرة الجنائية، تلك البنود التى يتطلب شرحها وتحليلها مؤلفات ومجلدات.
 وكل ميدان من الميادين التي تعنى بالكرامة الفردية يتوفر على ما يعزز جوانبه من النصوص التشريعية :
فالحريات العامة أي حرية التجول وحرية التفكير وإبداء الرأي وحرية تكوين الجمعيات، تخضع لتقنين محكم بمقتضى ظهير 15 نونبر 1958 المكون لقانون الحريات العامة.
 وجاءت دساتيرنا الثلاثة، فأصرت على التصريح بالمبادئ المتعلقة بمجال حياة الفرد. وهكذا أكدت  بكل وضوح :
 أنه لا يلقى القبض على أحد ولا يعتقل ولا يعاقب إلا في الأحوال وحسب الإجراءات المنصوص عليها في القانون.
- وأن المنزل لا تنتهك حرمته، ولا تفتيش ولا تحقيق إلا طبق شروط القانون.
- وأن سرية المراسلات لا تنتهك.
وإذا كانت الحرية بجميع معانيها تكون حجز الزاوية في دساتيرنا، فإنه يوجد مبدأ آخر، لا يقل أهمية عن هذه الحرية، بل يعتبر في رأينا أجدى وأنفع منها، وهو مبدأ المساواة، وقد أعطته دساتيرنا وقوانينا معناه الصحيح وأبعاده الإيجابية، مصداقا لقول النبي الأعظم صلوات الله عليه: "الناس سواسية كأسنان المشط". وفي هذا التعبير ما يغني عن كل تعليق.
 وقد أكد دستورنا على الخصوص :
- أنه يمكن جميع المواطنين أن يتقلدوا الوظائف والمناصب العمومية، وهم سواء فيما يرجع للشروط المطلوبة لنيلها.
- وأن التربية والشغل حق للمواطن على السواء.
- وأنه من واجب جميع المواطنين أن يساهموا في الدفاع عن الوطن.
- وأنه من واجبهم أيضا أن يتحملوا، كل على قدر استطاعته، التكاليف العمومية.
- وأنه من واجبهم كذلك أن يتحملوا متضامنين التكاليف الناتجة عن الكوارث التي تصيب البلاد.
وإذا ما نحن أمعنا النظر في المدلول الذي أعطاه دستورنا لمبدإ المساواة فإننا نلاحظ أنه أثراه وأغناه. ذلك أنه لم يكتف بفرض المساواة المتعلقة بالحقوق، بل ذهب إلى أبعد من ذلك حيث فرض المساواة فيما يتعلق بالواجبات، وبذلك أكد وجوب وجود التضامن بين أفراد الوطن، ذلك التضامن الذي يكون شرطا لا غنى عنه، إذا ما نحن أردنا أن نكون أمة بمعناها الديني والاجتماعي والسياسي لا مجرد شعب، يكون طبعا مجموعة سياسية، تربطها روابط المصلحة، ولكن لا تربطها روابط المحبة والإخاء، وقبول التضحية الفردية في سبيل صيانة الجماعة، وقديما عرفت الأمة بأنها حلم بمستقبل مشترك.
أما فيما يخص نظام المجتمع، فقد جاء الدستور بقاعدتين أساسيتين تكون منطلقا لازما لضمان الاستقرار النفساني للفرد والجماعة. ذلك أنه أكد:
- أن حق الإضراب مضمون، وهو مبدأ يصون كرامة العامل.
-  وأن حق الملك مضمون، وهو مبدأ يقوي الطموح ويعزز المبادرات والمنجزات.
واحتراما وتزكية لمبدأ التضامن، أضاف الدستور بأنه يمكن للقانون  أن يحد من مدى حق الملك، إذا دعت إلى ذلك ضرورة النمو الاقتصادي والاجتماعي المخطط للبلاد.        
 وتوجد طبعا عدة قوانين تستند على هذه المبادئ فتفرض تطبيقها في مختلف الميادين وعلى كل المستويات.
 لقد بذل ملكنا المصلح، أطال الله عمره، مجهودا جبارا، منذ تسلمه مقاليد الحكم، فرسم وخطط، وبنى وشيد، حتى أصبح مغربنا والحمد لله مثالا يقتدى، وعزز شخصيتنا في الداخل كما فرض احتراما في الخارج، وأصبح رايتنا التي تثير الإعجاب، كما لم يفتأ أن يكون منارنا الذي أنار وما أنفك ينير طريقنا.
 ولكنه، أدام الله عزه وسؤدده، زرع فينا كذلك بذور الإخاء، وركز بيننا تلك المبادئ المثلى التي أصبحت طبيعة لا يتسرب إليها الضعف، وميزة خليقة بالتحبيذ والتأييد.
 وإذا كانت منجزاتنا المادية تستحق كل تنويه، فإن منجزات ملكنا الخلقية تحتل الصدارة لأنها أساس كل نعمة ومنبع كل خير.
 فلك منا، أيها القائد العظيم، كل شكر، وليحفظنا الله فيك، أنت الرائد الملهم، والملك الصالح المصلح، والأب العطوف والحامي الأمين، والمفكر القويم، والزعيم المسلم الذي أعلى كلمة الله، فكان جزاؤه رضى الله، وتلاحم شعبه الشكور وعرشه المجيد.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here