islamaumaroc

مناقشات حول قصة "جئت لا أعلم"

  عبد الله العمراني

العدد 257 شوال-ذو القعدة 1406/ يونيو-يوليوز 1986

 في العدد 248 من مجلة ( دعوة الحق ) قرأت للأستاذ سمير أزهري مقالا نقديا بعنوان ( حول قصة " جئت لا أعلم " قراءة إشكالية)، فلفتت فيه نظري مقولات أحببت أن أقف عندها وقفة قصيرة لأناقشها الحساب، لأنها في الواقع تستوقف الباحث، وتستوجب منه التعقيب أو التصحيح.
 قدم الكاتب نفسه بدأة بدء – فعرفنا أنه محرز على الإجازة في الأدب الإنكليزي، وأنه حريص على الاستفادة من ثقافته الإنكليزية، حرصه على التعرف على مدى علاقة هذه الثقافة بالواقع والأدب المغربي. وبغية تحقيق هذا المطلب الأدبي اختار قصة "جئت لا أعلم" لمؤلفها أحمد كمال العلمي كي يطبق عليها مفاهيم ومصطلحات إنكليزية.
 هذا شيء جميل ! لكن، ألا يفهم القارئ من هذا الكلام أن مؤلف " جئت لا أعلم" هو أيضا مثقف ثقافة إنكليزية، وأنه استوحى في تأليفه قصة للكاتب الإنكليزي هنرى جيمس دعاها السيد أزهرى "ماذا علمت ميزى" ؟ يعزز هذا الفهم، ما صرح به الناقد في العمود الأول من صفحة 122 من المجلة حيث قال بالحرف الواحد:
 "يلاحظ القارئ أن هناك تشابها بين قصة "جئت لا أعلم" وقصة "ماذا علمت ميزى" من حيث العنوان. هذا التشابه لا يقتصر على العنوان فقط، بل يتعداه إلى محتوى القصة بأكملها. لهذا السبب سأعمد إلى "ماذا علمت ميزى" في كثير من الأحيان للمقارنة".
 هنا أبادر إلى القول: إني لا أعرف مؤلف "جئت لا أعلم" معرفة شخصية تمكنني من التعرف على نوع ثقافته *) قصة "جئت لا أعلم..." هي للكاتب الأستاذ أحمد كمال العلمي، وقد صدر الجزء الأول منها عن المكتبة الشعبية بالرباط (4 زنقة غزة)، ويقع هذا الجزء في أربعين فصلا (237 صفحة)، وينتظر صدور الجزء الثاني من هذه القصة، نتمنى أن يتم ذلك قريبا.
الغريبة، كما لم يسبق لي أن قرأت قصته، لذا لا يمكنني أن أحكم أو أوافق على تشابه القصتين، وتوافق محتواهما: كل ما أعرفه هو ما زودنا به الناقد من أقوال أو أحكام تتعلق بالقصة ومؤلفها، مثل قوله: "إن القصة تجربة قابلة للنقاش، قابلة للأخذ والرد أكثر من الأعمال الأدبية الأخرى المبنية على تجارب طويلة المدى، الراوية ( يعني بطلة القصة ) إلى جانب كاتبها ( يعنى المؤلف) مضافا إليهما الناقد ( يعني نفسه ) كلهم يتقاسمون شيئا واحدا هو حداثة عهدهم بفن القصة". ثم يضيف قوله: " فكل واحد من الراوية، والكاتب، والناقد يلتمس عفو ورضى القارئ، لأنه يعرف مسبقا أن نتاجه مجرد محاولة وتجربة، والقارئ هو الذي له الكلمة الأخيرة".
 مرحى ! إنها كلمة حق لم يرد بها باطل ! إن آفة الإنتاج الأدبي – وخاصة في شعوب الدول النامية – الاستعجال والابتسار ومحاولة جني الثمار قبل النضج، ثم مرحى ! لهذا القول الذي ينم عما تتسم به نفس الناقد من صراحة واعتراف حميد، وسعة صدر قابلة للنقد، المر الذي يحفز إلى الحوار البناء، ويدعو للمناقشة الهادئة الحرة البريئة.

 عنوان القصة
 زعم الناقد – كما أشرنا من قبل – أن هناك تشابها بين قصة "جئت لا أعلم" وبين قصة " ماذا علمت ميزى" من حيث العنوان، وهو زعم لا أقره عليه، وأخالفه في التشابه المزعوم كل المخالفة، وسيتضح ذلك بعد قليل، وحتى إذا كان هناك تشابه واقتباس للعنوان، فالعنوان في الواقع ليس مقتبسا من قصة الكاتب الإنكليزي كما ادعى، ولكنه مأخوذ أخذا من بيت شعري وارد في قصيدة (الطلسم) لمنشئها الشاعر المجهري إيليا أبي ماضي، تلك القصيدة الفلسفية التي فتنت الأدباء والفتانين فلحن الموسيقار العربي محمد عبد الوهاب بعض أبياتها وغناها.
 تقول القصيدة:
" جئت لا أعلم " من أيـ        ـن، ولكنـــي أتيت
ولقد أبصرت قــــدا            مي طريقا فمـــشيت
وسأبقى سائــــرا إن           شئت هـــذا أم أبيت
كيف جئت ؟ كيف أبصر       ت طريقي ؟ لست أدري
 أما زعم السيد الناقد بأن عنوان قصة "جئت لا أعلم" شبيه بعنوان قصة الكاتب الانكليزي هنرى جيمس: "ماذا علمت ميزى: what maisie knew" فإني أرفضه. وأبادر إلى تنفيد هذا الزعم من زوايا ثلاث:
 أولاها: أن الناقد ترجم اسم جيمس هكذا: دجيمس – بزيادة الدال – ولولا أنه أورد الاسم بالحروف اللاتينية، لظننت وظن غيري ان المر يتعلق بمؤلف أنكو – لاتيني ممن يبتدئ اسمهم العائلي بكلمة: "دى" مثل الروائي william de morgan. على أني لم أر في حياتي من ترجم حرف الجيم J فأورده بالدال والجيم كما فعل الناقد هنا، والغريب أنه فعل نفس الشيء في اسم المؤلفة الإنكليزية جين أوستن فكتبه هكذا: دجين.
 ثانيتها: أن هنرى جيمس ليس كاتبا انكليزيا، بل هو روائي Novelist أنكو – أمريكي، فإنتاجه روائي كله، رغم أن أخاه الأكبر ويليم جيمس كان عالما نفسانيا شهيرا، وفيلسوفا أمريكيا محضا. أما هنري المولود بالولايات المتحدة سنة 1843م والمتوفي بها عام 1916م فقد هاجر وطنه وعاش في انكلترا، وفي لندن خاصة، منذ بداية الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ولم يعد إلى بلاده إلا في سنة 1906 فألف في السنة التالية روايته: Scene The American ثم بعد ذلك أنتج روايته Fine Grain . وقبل وفاته بعام، منح الجنسية الإنكليزية.
 ثالثتها: أن الناقد زعم أن عنوان قصة "جئت لا أعلم" شبيه بعنوان قصة "ماذا علمت ميزى" قال هذا وكرره مرارا، مما حفز الناقد إلى عقد مقارنة بين القصتين، بيد أني لا أعرف للروائي هنري جيمس رواية بهذا العنوان، كل ما أعرفه هو أن روايته المقصودة تدعى "ماذا رات ميزى" لا "ماذا علمت ميزى" ولا أدري كيف خلط الناقد بين كلمة Saw بمعنى رأي أو نظر، وبين كلمة Knew  بمعنى عرف أو علم ؟ مع أن الفرق بين الكلمتين كبير، لا من حيث اللفظ، ولا من حيث الخط، ولا من حيث المعنى، ذلك أن "رأى" العربية ذات معنيين فهي إما بصرية تتعدى لمفعول واحد، وغما علمية تفيد اليقين أو الظن الراجح، وتنصب مفعولين. أما "رأى" الانكليزية فليس لها إلا معنى واحد هو الإبصار أو النظر. ومن ثم كان البون جد شاسع بين Knew Saw.
 إن من أعمال هنرى جيمس الروائية غير ما ذكر، روايات: "الأمريكي" و "البوستونى" إلى مدينة بوستن بالولايات المتحدة، و "ديزى ميلر" و "صورة سيدة"، وله كتاب آخر كان في استطاعة السيد الناقد أن يلجأ إليه في مجال المقارنة وتطبيق المفاهيم والمصطلحات الإنكليزية على الأدب العربي، ونعني كتابه The Art of Fiction and other Essays؛ كما كان في استطاعته أن يستشير أحد الكتب التالية: "صور من الرواية: Aspects of the Novel لمؤلفه فورستر Forster.E.M أو "بنية الرواية: The Structure of Nouvel" لمؤلفه موير Muir.E. أو "أشكال القصة الخيالية الحديثة: Forms of Modern Fiction " لمؤلفه O"Connor.R. أو " بعض مبادئ القصة الخيالية  Some Principles" لمؤلفه Liddel.RK

المعاصرة والواقعية
 يعود السيد الناقد إلى صلب الموضوع –كما قال- فيقرأ قصة "جئت لا أعلم" من خلال محورين: المعاصرة والواقعية.
 أما المعاصرة فمعناها مفهوم وبسيط، وقد أشار إليه في العمود الثاني من صفحة 125 حيث وصف الرواية المعاصرة " بأنها تخضع لمتطلبات الحاضر"، ولكنا نأخذ عليه هنا أنه ترجم المعاصرة بالحداثة Modernism وهي ترجمة غير دقيقة، وأنه عرف الحداثة –لا المعاصرة تبعا لناقد إنكليزي – بأنها "موجة أدبية وفنية، تأخذنا إلى ما وراء حقيقة الواقع العادي المتعارف عليه، وأنها المدرسة التي تقطع الصلة بالوظائف المسلمة للغة (كذا؟)، كما أنها لا تعير أي اهتمام إلى القواعد المتفق عليها للأشكال الأدبية".
 يا حفيظ& يا عليم & أهذا تعريف للمعاصرة أو الحداثة ؟ أم أنه ثورة جامحة ترمي لهدم ما بنته الأجيال من معالم وأمجاد أدبية وعلمية وفنية وحضارية ؟ لكأني بهذا الناقد الإنكليزي الذي لم يشر الكاتب إلى إسمه أو كتابه، إنما كان –حين إللائه بهذا التعريف- يخرف، أو يهرف بما لا يعرف، او كأن تلك الموجة الأدبية الفنية التي تحدث عنها، كانت من العتو بحيث قدفت به إلى ماوراء الحق والصواب & (فماذا بعد الحق إلا الضلال). (سورة يونس: 32).
 غن الفرق بين الحداثة والمعاصرة واضح أبلج، والخلط بينهما باطل لجلج، الحياة المعاصرة لنا مثلا هي التي نحياها اليوم بينما الحياة الحديثة التي عاشها آباؤنا وأجدادنا الأقربون منذ بداية عصر النهضة، إلى بداية العصر الذي نعيش فيه.
 واما الواقعية فهي مدرسة حدثت كرد فعل للمدرسة الإبداعية الرومانسية، فهي تعنى بطرق الموضوعات العادية المألوفة، وتعرض الحوادث والظروف السائدة، وتمثل الحياة الواقعية كما هي في العصر الذي تتحدث عنه، تقول كلارا ريف C.Reeve في كتابها Progress of Romance: " الرواية هي صورة من الحياة الواقعية وسلوكها واخلاقها، ومن الوقت الذي كتبت فيه. أما القصة الخيالية Romance في لغتها المهذبة، وأسلوبها الرفيع، فتصف ما لم يحدث قط وما ليس من المحتمل ان يحدث". هذا، ونشير إلى أن بعض البسطاء المغرورين، فهموا الواقعية فهما سقيما، حيث قصروها على لغة الحديث الدارجية وزعموا أن الواقعية تفرض أن يتحدث أشخاص الرواية –بعضهم على الأقل- بلغتهم الدارجة، فهذا في نظرهم عين الواقعية، وجهلوا او تجاهلوا أن الروائي حينما ينطق أشخاص روايته التاريخية مثلا، ويعبر عن أحوالهم وتصرفاتهم، إنما يخاطب معاصريه باللغة التي يفهمونها- أو يجب أن يفهموها –والتي من شأنها أن تسهم في ترقية عقولهم ووجدانهم، وترفع من مستواهم الثقافي والاجتماعي، إن الشاعر المسرحي العالمي الكبير ويليم شكسبير حينما ينطق أشخاص تمثيلياته مثل: عطيل، وتاجر البندقية، وهاملت، إنما كان يعبر عما في ضمائرها باللغة الإنكليزية الصميمة (المختلفة نوعا ما عن إنكليزية اليوم)، ولم يعن البتة بإنطاق كل واحد منهم بلهجته أو لغته المحلية الدارجة.
 ويبدو أن السيد ازهري يفهم الواقعية على ذلك الأساس الخاطئ، فهو يقول في العمود الأول من ص 124: " حبذا لو كان خطاب الأب والجدة بالدارجة، او تضمن على الأقل بعض المفردات والجمل باللغة العامية، ليزيد من واقعية الموقف من جهة، وليصور عن كتب الشخصية المغربية الأمية من ناحية أخرى".
 هنا يحق لنا ان نتساءل: ماذا يستفيد قارئ القصة من تعابير الأميين وأفكارهم السادجة؟ الضحك ربما& ولكن إذا لم يكن ضحكا كالبكاء، فما أسخفه من هدف & إن مهمة الأديب أن يرفع مستوى قرائه لغويا وعلميا وادبيا واجتماعيا، لا أن يتدلى إلى مستواهم الدنيء. إن من أكبر الأخطاء التي يرتكبها بعض القصاصين الذين يكتبون قصصهم بلغة أجنبية، وكذا السينيمائيون بدول المغرب العربي هو إلحاحهم في كتاباتهم القصصية، وفي أفلامهم السينمائية، على المشاهد والأحداث التي تقوم بها الطبقات الدنيا في مجتمعاتهم، والتي كان يقوم بها أجدادهم منذ آلاف السنين. إن هذه الأقوال والتصرفات ليست من الأصالة في شيء وإن تعجب الغربيين، ويشجعونها، لأنها تكشف عورات الشعوب الإسلامية، وتبرز تأخرهم الحضاري، وتزكي انحطاطهم الفكري.
 كان الوطنيون –قبل الاستقلال- يحاربون الترهات، ويعيبون مثل هذه المناظر المؤذية التي تسيء إلى سمعة البلاد، وقد تحول دون طموحهم إلى العلى، بينما الآن – وبعد الاستقلال – نرى قومنا منغمسين في الخزعبلات، ونرى تشجيع الحادبين عليهم، ينهال عليهم من كل جانب.
يحسبون أنهم يرقون ببلادهم وشعبهم، بينما هم ينزلون بهما إلى الحضيض &.
 ثم يتساءل الناقد عن المانع الذي منع مؤلف "حيث لا أعلم" من أن يستعمل الدارجة، ولكنه لا يلبث أن يجيب عن تساؤله في نفس العمود والصفحة: "المانع هو تشبث الكتاب والنقاد العرب باللغة العربية إلى درجة التقديس".
 ونجيب نحن فنقول عن هؤلاء الكتاب والنقاد العرب: إنهم خيرا فعلوا. فمن لا لغة له، لا شخصية له، ولا كيان، ولا حضارة.
 ثم يضيف الكاتب قوله: " أعرف أنه إذا كتب الكاتب لا أقول كل الخطاب، بل جزءا او فقرة منه بالدارجة، فإن النقاد سوف يلومونه على هذه البادرة".
 ونقول له نحن: إن من حق أولئك النقاد أن يفعلوا، إنهم يقومون بواجبهم المقدس المتمثل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر... ثم أرى الناقد الحصيف يتنبأ مسبقا بفشل كل محاولة من هذا القبيل، حين يقول: "لقد حاول بعض الكتاب المصريون تكسير هذه القيود، وإقحام العامية في "الحكي" (يقصد مصدر حكى يحكي، ولكنه خانه التعبير فاتى بكلمة " الحكي" التي لا وجود لها في لغة الضاد) إلا أن محاولتهم باءت بالفشل".
 وكأن هذا الفشل لم يعجب السيد الناقد، ولم يرضه، فضل أن لا يلقي السلاح، وأن لا يستسلم مادام أن هناك أمل في إنجاح المحاولة، والأمل آخر ما يفقد، ثم إن النقاد العرب ربما كانوا في نظره مخطئين، محتاجين إلى من يرشدهم إلى الجادة، ويضرب لهم مثلا لعلهم به يتعضون& ثم، لم لا يكون هو ذاك المرشد الذي يدلي بنصيحته، بل يلقي بقنبلته الزمنية، وينتظر – وكله امل – أن تنفجر في الوقت المناسب، قال في نفس العمود والصفحة: " إن هذا النوع من الكتابة أصبح مسلما به، ليس فقط في الرواية الإنكليزية، بل كذلك في الرواية الفرنسية والإسبانية... فلم لا العربية والمغربية؟".
 هنا يحلو لي أن أهمس في آذان المستغربين – عكس المستعربين- من أبناء العرب المفتونين بتقليد الغربيين، والداعين إلى التجديد في زعمهم، وما تجديدهم سوى تقليد: إن هذه اللغات الغربية التي فتنتم بها، وما فتئتم تحتجون بها على العربية في مجال الطواعية، وقبول الإصلاح، وتقبل الجديد، إنما هي لغات مستحدثة، نشأت من لهجات محلية مستجدة: لاتينية هنا، وجرمانية هناك، وانكلو –سكسونية هنالك... وهكذا؛ وهكذا فهي حديثة بالنسبة للغة العربية، قابلة للزيادة والنقصان، مفتقرة أحيانا إلى مزيد من التقعيد والتقنين. أما لغتنا العربية فقديمة لا نعرف شيئا عن بدايتها، كل ما نعرفه أنها وصلتنا مكتملة ناضجة، وان نزول القرآن الكريم زادها رسوخا وثراء وقداسة، فهي غنية بقواعدها ومفرداتها ومصطلحاتها، ولها طرقها وأساليبها في النحت والاشتقاق والتعامل مع الجديد، فمن الإجرام العدول عن هذه الثروة اللغوية الفريدة من نوعها، إلى لهجات محلية فقيرة لا هي في العير ولا في النفير& إن اللغة العربية في عصورها الزاهرة، وفي تألق نجم أبناءها الأشاوس في سماء المجد، كانت تسع كل المصطلحات الأدبية والعلمية والفنية والفلسفية، فكانت اللغة الأولى في العالم، ولم يشعر أبناؤها حينئذ بأي نقص من أي نوع. أما اليوم فنجد من بين أبنائها من يرميها بالقصور أو العجز أو التأخر، بينما القاصرون أو العاجزون أو المتأرخون هم طبقة من أبنائها أرادوا التخلص من سيئاتهم فنسبوها إلى لغتهم، ورموها بدائهم وانسلوا. ولعل هذا القصور الواضح الفاضح، هو الذي دعاهم إلى الإنغماس في حمأة ما يعرف بالشعر المنثور أو الشعر الحر، كما أن الجهل والعجز والأخر هو الذي حدا بهم إلى الاستغراب والاستلاب الفكري.

 ملاحظات أخرى
 أخشى أن يكون حبل الموضوع قد طال أكثر من اللازم، لذا أكتفي – فيما يلي – بإبداء بعض الملاحظات التي تهدف إلى تصحيح ترجمة أو تقويم عبارة، غير عابئ ببعض الأخطاء التي قد تكون هفوات مطبعية، ولا يحتاج فيها القارئ إلى تنبيه أو لفت نظر.
• في العمود الثاني من ص 122 نقرأ: " محور الحكى Centre of consciousness" الخطأ هنا مزدوج – يتجلى الخطأ الأول في ترجمة "محور" ب " Centre" بينما علم الهندسة يبين عن الفرق الكبير الموجود بين المحور وبين المركز، فينبغي ألا نخلط بين الإثنين وألا نفسر أحدهما بالآخر كما هنا.
أما الخطأ الثاني فهو ترجمة "الحكي" – وقد تقدم القول بان لا وجود لها في العربية –بكلمة انكليزية تعني الوعي أو الشعور، على أن الناقد ترجم الكلمة الإنكليزية ترجمة صحيحة بالعمود الول من ص 125 الآتية.
• في العمود الأول من ص123 ترجمت "المشاغل والأحكام المسبقة" يقابلها في الإنكليزية Prejudices ، مع أن " المشاغل" يقابلها في الإنكليزيةPréoccupations  بينما "الأحكام المسبقة" يقابلها Préjudgements. أما كلمة Préjudices فتعني التحيزات أو التحاملات. إن الواجب الأدبي، وكذا قواعد الترجمة المعمول بها في جميع أنحاء العالم، كلاهما يقتضي أن نخصص لكل كلمة معناها الاصطلاحي الدقيق حتى لا يقع القارئ في أي اشتباه أو التباس.
• في العمود الثاني من ص 126. وردت عبارة "التفريج الكوميدي" ووضع الكاتب إزاءها عبارة Comic relief. ولو كنت مكانه لوضعت بدل التفريج الكوميدي كلمة عربية صميمة هي " الإحماض" وتعني الإنتقال من الجد إلى الهزل أو من المأساة إلى الملهاة، بغية الترفيه والترويح عن النفس.
• في العمود الثاني من ص 128. نرى الكاتب لا يطمئن إلى ترجمة واحدة معينة، بل يأتي بأكثر من واحدة، وعلى القارئ بعد ذلك أن يخمن أي الترجمتين هي الصواب، أو عليه أن يغلط فيحسب الكتاب كتابين، وهكذا نجده يتحدث عن كتاب للروائية الإنكليزية جيم أوستن (1775- 1817) فيسميه: "أنانية وأحكام مسبقة" اعتزاز وتعصب؛ ولولا أنه أتبع التسميتين بالعنوان الإنكليزي الأصيل Pride and Prejudice – بمعنى الكبرياء والتحيز – لوقع القارئ في حيص بيص، ولظن أن لجين أوستين كتابين أحدهما موضوع بين علامتي تنصيص، والآخر مجرد من أية علامة.
 وجدير بالملاحظة أن لجين أوستن عدة كتب أخرى منها كتاب: الحس والحساسية: Sense and Sensibility، وانها في عهدها كانت تعتبر أقوى وأقدر إنكليزية على معالجة القصة الخيالية Fiction.
 تلك بعض هفوات الترجمة، أما بعض هفوات اللغة والأسلوب فنشير إليها فيما يلي:
- في العمود الأول من ص 125. نجد هذه العبارة: " حيث يصبح للنص ليس معنى واحدا فحسب" فنجد الركاكة واللحن معا، فإذا أردنا التخلص من اللحن قلنا: حيث يصبح للنص لا معنى واحد... أما الركاكة فتبقى كما هي. وأي كذا خلقت كما يقول النحاة.
- في العمود الأول من ص 126. نجد هذا التعبير العامي الركيك الذي يعامل الأشياء غير العاقلة (القصة، المشاهد، الإطار) معاملة العقلاء فيجمعها جمع مذكر سالما. فلنستمع إليه يقول: "من خصائص الرواية الواقعية أن يوهم الكاتب القارئ بأن القصة حقيقية، وأن أحداثها ومشاهدها وإطارها العام ليسوا فقط منبثقين من الواقع، بل يكونون صورة للواقع". إن الأشياء غير العاقلة إذا جمعت، عوملت معاملة المفردة المؤنثة، بل كذلك جمع العاقلين يعامل أحيانا معاملة المفرد المؤنث. قال تعالى: " قالت الأعراب آمنا" ( الحجرات:14) فالأعراب: جمع أعرابي وهو مذكر عاقل.
- في العمود الثاني من نفس الصفحة، لم يفرق الكاتب بين لام التعليل الناصبة، وبين لام الأمر الجازمة، ولذا نقرأ هذه العبارة: "فلنرى عن كثب الأحداث والشخصيات في "جئت لا أعلم". بينما الصواب أن يقول: "فلنر...".
إن عدم التفريق بين الللامين كثير الورود على الأقلام والألسن، فصرنا نقرؤه ونسمعه كثيرا من مثقفينا، وهي غلطة فظيعة نأبى أن يقعوا فيها، ولذا وجب علينا التنبيه عليها، ليتسنى الحذر من ارتكابها.


من توجيهات جلالة الملك الحسن الثاني
إن الطريق إلى مركز الصدارة بين الأمم مفتوح في وجه الأمة الإسلامية لا يحول بينها وبينه حائل، لكن يلزم لإتيان ذلك أن لا تقتصر عنايتها على الجانب المادي وحده وعليها أن توجه حظا كافيا من اهتمامها إلى الحفاظ على فلاح الأسرة المسلمة وحمايتها من عوامل التفكك والانحلال، وأن تعيد للتربية الدينية والخلقية ما كان لها من الاعتبار والأهمية في تنشئة الأجيال.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here