islamaumaroc

مناقشات: قراءة في قصيدة

  محمد الحلوي

العدد 257 شوال-ذو القعدة 1406/ يونيو-يوليوز 1986

رفع الأستاذ عبد الكريم التواتي إلى شعب الإمارات وإلى أميرها الجليل زيد ابن سلطان آل نهيان (تحية إكبار وتقدير) بمناسبة زيارته لأبي ظبي لإلقاء محاضراته الرمضانية كما قال: وهي رسالة مفتوحة وتحية موجهة إلى بلد يحبنا ونحبه، وإلى أمير جليل يبادلنا ولاء بولاء ووفاء بوفاء، تمنيت لو كانت رسالة معبرة عن عمق الروابط التي تجمع بين شعبينا والنضال المستمر الذي يوحد قائدينا تعبيرا يجمع بين الصدق وحرارة العاطفة ويرتفع فيه الشاعر إلى المستوى الفني المرموق، ويترجم من خلال هذه اللوحة مشاعر حبنا وإعجابنا بالجهود الجبارة التي يحققها شعب الإمارات، وهي لوحة رائعة لو استوحى منها لأعطت تحيته دفقا من الحيوية والإشراق ومنحتها نبضات تقترب بها من الكمال.. غير أنه أغفل هذا العنصر الفني المتوهج وركز كل اهتمامه على أن ينقل إلينا صورة عن جمال الإمارات وحسنها الخلاب وصحرائها المخضلة الأعشاب، وبهاليلها سادة الأعراب. وهي صورة جميلة لو نقلها إلينا بغير الشعر الصحفي لكانت أجمل..
ما لم أتوقعه في تحيته هو هذه الهفوات التي كان يجب أن تخلو منها قصيدة إكبار وتقدير والتي جاءت كالقذى في العين، والكلف في وجه الحسناء، والحق أني ترددت في كتابة هذه الكلمة بعد قراءتي لها مخافة أن لا يتسع لها الصدر.
فليأذن في عرض بعض الخدوش التي غيرت ملامح طائفة من أبياتها مع التذكير بأني لم اهتم كثيرا بمضمونها، إذ أن المضمون في نظري يفقد الكثير من قيمته إذا لم يستوف الشكل كل مقوماته وعناصر صياغته، وهذا لا يعني التنقيص من مضامينها باعتبار ذاتها... ومن المدهش أن أكثر هذه الهفوات رضوض صارخة في الوزن تخرج الشعر عن إيقاعه السليم، أو مخالفة لأصول اللغة وضوابطها.
أو فساد في المعنى لا يقبله الذوق.
وبكل إيجاز تمر الشاعر على هذه الأبيات المتعاقبة ليعيد النظر فيها من جديد.
• يقول:
نبل الأصل والفروع وأرض       قد حبا الله شيبها بالشباب
فالبيت لا يستقيم في الخفيف إلا بحذف الهمزة في الأصل (نبل لصل) وهي همزة لا يجوز حذفها لأنها فاء الكلمة وأصل من أصولها، ويعجبني قوله:
قد حبا الله شيبها بالشباب فهي ومضة شعرية لو قيلت وحدها لأغنت عما بعدها من فضول الكلام.
• ويقول:
هم غطاريف يعرب وبهاليل        الإمارات سادة الأعراب !
وهو بيت هزيل المحتوى ولا رائحة فيه من شعر، فالغطاريف والبهاليل والسادة ثلاثة لمعنى واحد.
أما الأعراب فهي تذكرنا بتفرقة ابن خلدون بين العربي والأعرابي وبالوصف القرآني للأعراب- الأعراب أشد كفرا ونفاقا- ويوحي بهذه التفرقة أيضا مقابلته ليعرب في صدر البيت، فهي إن لم تكن عنده غيرها في المعنى كانت الضرورة تكرارا لها.
فما كان أحراه أن يتحاشى عنها لولا القافية التي كان يلهث وراءها.
• ويقول:
ومغانيك للأباة عرين        شامخ الصرح راسي الأعتاب
فمن المستثقل في الفصيح إظهار الضمة على ياء المنقوص، وكان له عن ذلك مندوحة لو قال ثابت أو راسخ الأعتاب.
• ويقول:
أين يممت أبهرتك مشاريع نماء مغدودون الأهداب وفيه استعمل الرباعي: أبهر، ولم تورده المعاجم إلا ثلاثيا فقيل: بهره، غلبه فهو مبهور، وبهر القمر: سطع ضوؤه فهو: باهر...
• ويقول:
سر شمالا أو سر جنوبا وشرقا       أو غربا تجد عجاب الرغاب
فقد أصر على أن يجعل من البيت "بوصلة" تستقطب كل الجهات الأربع، فألحق ذلك بالعجز كسرا لا يستقيم معه، ولو قال ثم غربا لضمن سلامته من الكسر.
• ويقول:
ما لأقداسنا الحرام سوى العرب يفدون أهلها والروابي
 والحرام ما يحمى ولا تنتهك حرمته
جاء في القرآن: "جعل الله الكعبة البيت الحرام" وجمعه حرم كما ورد فيه "منها أربعة حرم" ولكنه هنا وصف الأقداس الحرم بالحرام أي أنه وصف الجمع بالمفرد. ولو كان جائزا لقيل أربعة حرام. ونحن معه في أن العرب وحدهم الذين سيخلصون أهلها وروابيها كما قال.. ولكنا لا نرى للروابي خصوصية أو مزية شرف تستوجب ذكرها بالذات فالاقتصار عليها استبعاد لما سواها...
• ويقول:
وارى المغرب المعبأ شعبا يتحدى –والله- كل الصعاب ولا أحد يشك اليوم في أن المغرب معبأ وراء قائده وأنه قادر على أن يتحدى كل الصعاب. فمن أحوجه واستحلفه بالله؟ وهل كان مخاطبه في شك من ذلك لا سبيل إلى رفعه إلا بيمين؟ لا أعتقد ذلك ولو أنه قال يتحدى بالعزم كل الصعاب ليتجنب يمينا لم يطالبه بها أحد....
• ويقول:
والمثنى وآل نهيان صنوان وشعباهما متحدي الحباب فمع الكسر الذي شوه عجز البيت يظهر عدم التطابق واضحا بين (شعباهما) متحدي العباب.
• ويقول:
والإمارات للعروبة مال    وللشرق منتدى الأحباب
والكسر في عجز البيت واضح لا يستقيم إلا بكلمة (هي):
  هي للشرق منتدى الأحباب
وبعد فما كان أغنانا عن الخوض في هذه الصغائر لو أنها جاءت من مندوب يضع قدمه أول مرة، على سلم الشعر، ولكنها حسناء، والحسناء لا تعدم ذاما !

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here