islamaumaroc

الإسلام الدائم الخالد

  دعوة الحق

29 العدد

نحن في سيارة تنهب بنا الطريق نهبا وكانت المسافة ما بين الرباط وتطوان طويلة والطول كل شيء ممل، ولا نريد أن نستسلم للنوم لأنه حالة يجوز أن تنتقل إلى السائق، ذلك لأن الغريزة تحرك الغريزة فإذ تجلت سجية الطمع أخرجت سجاياه في مختلف النفوس رؤوسها وكذلك سجايا الكرم والبغض والحب والبكاء والضحك، ولا نؤيد لسائقنا أن تأخذه سنة أو نوم لأن أرواحنا أمانة في يديه. فيلكن يقظا حذرا وعاينا أن نساعده على تأدية علميته مثل ما يلزمنا أن نشجع العالمين للخير على أن يمضوا في خطتهم. وأخذنا نتنقل من حديث إلى حديث ومن موضع إلى موضوع ولا نبالي بأن نقع على غث و سمين مادام القصد هو إزالة الملل وإيناس السائق الجاد العاكف، ووصلنا إلى موضوع الدين وما أصبح به مهددا في النفوس الحائرة بعد أن أخرجت الأدمغة أثقالها وبعد أن استحكمت المادية الجامحة فحاولت أن تخضع كل شيء لإرادتها مثل ما حاول الدين، أن يخضع كل شيء لإرادته. وأمر المادية والدين كسائر العوارض دولة بين هذا الجانب وذلك وما دام التاريخ ماضيا في طريقه لا يوفقه  شيء وما دامت صورة تتلون وتتغير فكل ما يمكن أن نقوله عن الشر أنه لابد منته ومن الضروري أن نقول في مرحلة الخير أم من المؤسف حقا أن الخير لن يبقى لان الزمان ماض في طريقه لا يقف لخير ولا لشر ولا يتحرك لخير ولا لشر.
وقال صاحبي الشاب أن الشباب في العالم لم يبقوا في نفوسهم يحملون للأديان من الإجلال ما كان يحمله لها آبائهم وأنهم في خطتهم الجديدة ماضون في طرق تصاعدية فلكما مر يوم أحسن من سابقه فيما يرجع للقيم الأخلاقية. وهذا مصداق لما ورد(كل يوم ترذلون) ويوشك الناس أن يتحرروا من الذين حتى لا يبقى منه إلا كباقي الوشم في ظاهر اليد.
فقلت لصاحبي ما يهدد الأديان اليوم ليس بأهول ولا بأفظع مما كان يهددها أمس فبالأمس كانت الخرافة وكانت الدار الآخرة تباع بمبلغ من المال محدود وكان يكفي المسرف على نفسه أن يتصدق بصدقة على أحد الدجاجلة لكي يضمن له النجاة من النار والخلود في الجنة ولو أكثر من كل موبقة. وهذا ليس بالدين الذي أمر الله به. أما اليوم فإن الشبان ينظرون إلى الدين بنظرة أجل مما كان ينظر إليها به من ذي قبل بسبب ارتفاع مستوى التعليم وتعمق الشباب في مظاهر الحياة الاجتماعية وما لمجموعها من تأثير على إقامة نظام محكم يضمن اطمئنانا وراحة. فأنا أحسب أن دين الناس اليوم أمكن من دينهم بالأمس لأنهم ربطوه بالحياة ولم يبق شأنه ما بعد الموت. وإذا استمر التعليم في طريقه التصاعدي فإن نتيجة ذلك سيكون توسع أفق النظر السديد. وسوف يجد لولوا الألباب الدين دعامة أساسية لإقامة النظام الاجتماعي وعلى فرض أنه لم يكن دين فلابد من فرض نظام للمجتمع يحمل في النفوس القداسة التي كانت للدين حتى يتمكن الإنسان من أن يحيا حياة تتفق مع الواقع ولا يمنعنا مانع من أن نقول أن الحيوانات غير الإنسان ذات دين أيضا فهي تغار على إناثها وهي تحرص على بقاء أوكارها وأعشاشها وهي لا تزال دائبة في تربية أولادها فلها نظامها الفطري الذي وجه الإنسان الأول فاتجه إلى فكرة الدين وأحطها بهالة من التقديس والإجلال وكان من آثار ذلك أن سارت فيه النفوس الطيبة الكريمة فوصلت إلى العنصر الذي بعث الفطرة على النظام وإقامة بناء محكم ليعيش على رأسه المجتمع الصالح إلى أن أدتها خاتمة المطاف إلى أن للكون مدبرا للخلق الخير ويمدهم بجنود من عنده ويهديهم ويرشدهم عن طريق الوحي. ولو هدمنا فكرة الدين لهدمنا فيها تعاليمه الفاضلة فأصبحت الزوجات حقا مشاعا بين المجتمع في آن واحد لأن الذي كان يحترم قوانين الزوجيات هو الدين وقد خفت صوته وخبث ريحه وقل مثل ذلك في الملكيات وفي الطقوس التي تلتف حولها الأمم كالصوم والحج وبقية الشعائر.
إن فكرة الدين نبتت من الأرض كما نزلت من السماء وأنها ليست عبارة إلا عن غريزة دفعها التاريخ فاكسبها هذه المهابة والجلالة وإن كان شيئا حقيقيا بالتقديس والإكبار فإنه هذه الديانات التي تأتي من طريق سهل واضح وهو أن من حافظ على الشرائع فاز برضى الله ونال سعادة الدارين. وأن ضيق الفكر في العامة وعدم اتساع الوقت لتفهيم وفهم التفاريع المحتاج إلى قواعد مبسطة للأخلاق ولا ابسط من أن تخوف المسيء بالمقت العاجل والعذاب الآجل ولا أن تشوق المحسن إلى راحة الضمير في الدنيا والفوز بالجنة في الآخرة. إذا كان الدين حيلة احتال بها الأخيار لتنظيم شؤون المعاش والمعاد فما أنبلها من حيلة وما أشرفها من وسيلة. والذي يعاب على المغفلين ليس هو البحث والتنقيب عن وجوه النقص والكمال، وغنما هو الانصراف الكلي عن دراسة الأديان وتبيين ما فيها من تعاليم وتشريعات، وإذا لاح وجه من وجوه النقص فعلى الباحث أن يدرس زيادة على الدين التاريخ الذي اشتمل على الظروف والملابسات الذي تكون فيها ذلك الدين وعلى الذين يدافعون عن حيلة الربا أن يعملوا الصورة العظيمة التي كانت عليها مراباة الجاهلية، غذ كان الربا يؤخذ أضعافا مضاعفة كما كان جائزا في أوربا في العصور الوسطى وأخذ في التناقض إلى أن وصل إلى الحد المعقول ويوشك أن يتلاشى مع الأيام يوم تصبح الحكومات تقدم قروضا رأسا برأس ويكفيها من الربح أن تروج الأموال في البلاد. وعلى الذين يدافعون عن حيلة الخمر أن يعرفوا أثره في أهل الأقاليم الحارة وأنه لا يتحمله إلا جسوم من نوع خاص في قدرتها على المقاومة والدفاع.
وليس الأمر بالطواعية في الأوامر التي تصدرها الحكومات إلا وجها من وجوه الدين وقل مثل ذلك في الوطنيات التي تفرض بذل المهج في سبيل ما يعود على البلاد والأمة بالخير، ولو توسعنا في الدين لفسرناه بالأخلاق من أي نوع كانت وما نرى هذه الحضارة إلا أطرا جميلة للتعاليم الدينية فقد جاءت الحضارة بمنع الاسترقاق والرقيق فحققت بذلك أمنية من أجمل الأماني الإسلامية الحريصة على الحرية، المتشوقة لمحو آثار الرق والرقية وجاءت الحضارة بتنظيم الأمن الداخلي والخارجي فحققت بذلك حرص الدين على سلامة النفيس والمال. وجاءت الحضارة بالمياتم والملاجئ والمستشفيات فحققت بذلك صيانة الأم واليتيم والعاجز والمسكين، وجاءت الحضارة بتنظيم ووجوه الجباية بنسب عادلة أو تقرب أن تكون عادلة فحققت غرض الدين في جمع المال لتسديد ما تحتاجه البلاد من نفقات، وقد شعر المسلمون من أول يوم بالحاجة إلى أموال فوق الزكوات فدعا الدين إلى الإنفاق في سبيل الله، فتصدق الناس على مقدار شعورهم بخطر ما يدعون إلى النفقة من أجله، فجاء أبو بكر بماله كله، وجاءت الحضارة بإصلاح الطرقات فحققت بذلك شعبة أماطة الأذى عن الطرقات، وجاءت الحضارة بتنظيم السياحات فحققت بذلك أمر الله حيث يقول: «قل سيروا في الأرض فانظروا» وجاءت الحضارة بتنظيم التعليم ونشره فحققت بذلك قول الله: « فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم» وحمت الحضارة الأمن بمختلف الأسلحة فحققت بذلك قول الله: « وادعوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل» وجاءت الحضارة بالاقتصاد فحققت بذلك قول الله سبحانه: « كلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين» إن الحضارة هي التي عرفت كيف تطبق قواعد الدين فنقلت الأمر من الأفراد وجعلت ذلك حركة مجموعة فما زادت على أن نظمت ذلك ووضعته في إطاره العلمي المجدي، وأجدر بها أن تكون كذلك ما دامت تعمل لإسعاد البشر وهي المهمة التي جاء بها الدين الإسلامي. والقادحون في الدين قادحون في الحضارة والقادحون في الحضارة قادحون في الدين فمن الأمرين تبنى سعادة البشر، اللهم إلا ما كان من خرافات لا تمت إلى الدين بنسب وما كان من رذائل هي أنسب بالهمجية منها الحضارة، ولعل ما يخصنا للمس هذه الحقائق أن ندرس الإسلام دراسة متينة، وأحر به يعتني بدراسته ما دام يشكل النظام الكامل للمجتمعات المسلمة. لعل الجميع يدركون أن نظاما كاملا لأمة من الأمم تكون خلال ما يقرب من أربعة عشر قرنا لابد أن يكون عميقا عتيدا، فغن البقاء إنما هو للأصلح ويجب أن يكون سمحا سهلا عكس ما يتهم به الإسلام من طرف خصومهن وإلا فقد استبان أن العنف مذهب سريع الانقراض، وقد حاول الخوارج أن يوجهوا الإسلام جهة الشدة والعنف وأحاطوا رجالاتهم بإطار من المثالية الجذابة، لكن الخارجية على مثاليتها نبل مقاصدها ذهبت في الغابرين. وليس هنالك سبب لانقراضها ما عدا عنفها وصلابتها، ولا نذهب بعيدا فهذه النازية الصلبة الجبارة بلغت من الحيوية والوعي واليقظة إلى الذروة والقمة، وحسبها الناس طوفانا يفيض على العالم يتجلى عن عصر تيوتوني، فكانت قوتها الذي حسبها الناس علامة خلودها هي السبب المباشر لسقوطها وموتها وإقبارها في مهدها. ذلك لأن الحياة لا تحتمل أن تسرع السير أكثر من سيرها، ولا تطبق الركود في اقل من حركتها فهي دائبة في سيرها المتوسط بين الركوض والركود. والإسلام في مجموعه يسير سير الحياة فلا هو بالبطيء ولا هو بالسريع بل هو وسطى لأمة وسط ويستحيل أن تكون آثاره البارزة غير آثاره العميقة ويمكن أن تأتي مآت الآراء المذاهب ويمكن أن تفوقه وتتركه إلى الوراء، لكن التاريخ الذي شهد مصرع جنكزخان لا يزال يخدم الإسلام مثل ما يخدمه الإسلام وقد تشبه سير المبادئ العنيفة بالأفكار المتطرفة بسير الشهاب الراصد في قوته ولمعانه وسرعته وخطورة نتائجه في حين تشبه فيه الإسلام بالشمس المنتظمة الهائلة. واقرأ أن شئت وصايا لقمان لابنه وهو يعظه في القرآن لترى نموذجا من نماذج الخلود القرآني الإسلامي، ومن لدن ظهر الإسلام وهو يتقي أخطار المتطرفين من خصومه ويتنكب مجابهتهم بالعداء أيام حماسهم إيقانا منه بان الغليان آثارهن ولكن الغليان لن يدوم وقد قبل رسول الله صلى عليه وسلم صلح الحديبية وهو صلح مشين ومع ذلك فإن القرآن سماه الفتح المبين ذلك لأنه نتيجة حماس قريش بعد أن اهاجها المسلمون فوصلوا في عددهم وعددهم إلى المنطقة الحرام من مكة فهاج القرشيون وماجوا ولكن مدبرهم قنع بعقد معاهدة ظاهرها في صالحهم وباطنهم شاهد عليهم بأن حماسهم وقواتهم المعنوي لم يزد عن أن يرضى بكلمات حبر على ورق دون أن يناجزوا المسلمين الذين يرونهم في تقدم مطرد وأنهم ما وصلوا إلى مكان فتراجعوا عنه وإن كل شبر وطئه المسلمون دخل في حرزهم إلى الأبد لأنهم يسايرون الطبيعة في سلوكها ويأخذون يسيرا مما لا يضر بالأغنياء ويردونه على الفقراء فلا يغضب الأثرياء لتفاهة نما أخذ ويرض الفقراء لأنهم صاروا ذوي حق في مال الأغنياء. ولقد شاهد المسلمون عدة انهزامات ولكنهم كانوا منتصرين في انهزامهم انتصارهم في زحفهم وحتى في الحروب الصليبية التي شنها النصارى على المسلمين كان النصر حليف صلاح الدين وجنوده من حزب الله ولا نعني انتصار الأسلحة فإنه كان انتصارا عظيما وغنما نعني انتصارا من نوع آخر وهو الانتصار الذي اقلق الكنيسة والكهنوت النصراني حيث كان الصليبيون يخرجون من أوربا ممتلئين حماسا وتقديسا للنصرانية فّا اتصلوا بالمسلمين وعرفوا الطابع الذي طبع به الإسلام إتباع مذهبه في سائر فروع معايشهم بدر حماسهم لأنهم وجدوا أنفسهم يحاربون قوما فضلاء مؤمنين ولا يحاربون أمة واحدة كافرة همجية كما كان يوهمهم القساوسة والرهبان، فكان الصليبي إذا رجع إلى أوربا لا يسعه إلا أن يذكر محاسن المسلمين وهو يريد أن يذكر عيوبهم ونقائصهم حتى كان رجال الكنية يعبرون عن الصليبيين بأنهم حينما يرجعون من الشرق يعودون نصف مسلمين، وأخيرا جاء الزحف الأوربي المسيحي فزحف زحفا استعماريا محضا لا يحدوه إليه إلا الرغبة في حطام الدنيا فتمكن من السيطرة على العالم الإسلامي وانكمش الإسلام ولأن كعادته في خطته التي اعتادها منه التاريخ حتى إذا هضم المسلمون الحضارة الأوربية العصرية أو كادوا وحتى أتقنوا علم المستعمرين أو قاربوا فإذا ذاك تحرك الإسلام من جديد فأجهز على الاستعمار في تركيا، والعراق، ومصر، والباكستان، واندنوسيا، والمغرب ن وتونس، وها هو يكافح من اجل موريطانيا والجزائر، وهكذا ينتصر الإسلام في سائر معاركه ولكنه انتصار منطقي ينكمش إذا وجب الانكماش ثم يقوم عملاقا هائلا، أما وسائله وأساليبه فهي هذه الشريعة وهذه العقلية التي كونها من مجموع تعاليمه وقد شاهدنا الشبان المسلمين يتمردون على الإسلام ثم لا يلبثون إلا قليلا فيعودون إلى أحضانه بررة مكرمين فيتلقاهم بالترحيب والتكريم لأنه اعتاد أن يدرج في حساب بقائه وخلدوه مناورات الخصوم وتشكيكاتهم ولكنها مناورات لا جذور لها وتشكيكات في صميم الحياة التي يلزم أن تقبل بشكوكها وحقائقها، وما الحقائق في الشكوك غلا كالملح في الطعام، وللإسلام واقع هو أنه ضمن لمسلمين البقاء في الماضي ولا يزال قويا جديدا لضمانة الخلود في المستقبل.

 

 


 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here