islamaumaroc

كلمة العدد: يوم الميلاد

  عبد الكبير العلوي المدغري

العدد 257 شوال-ذو القعدة 1406/ يونيو-يوليوز 1986

   بسم الله الرحمن الرحيم
في يوم تاسع يوليوز من كل سنة، يطل من سماء الغيب وجه طفل كريم نبيل، عمره عمر دلك اليوم، يتراءى للعين في ألوان الأحلام، تارة في قلب زهرة من شقائق النعمان بمزارع الأطلس الخضراء، تشرق ابتسامته الذهبية وسط الحمرة والخضرة فتنعكس على بلور الندى وتملأ السماء بالألوان.
 وتارة أخرى في صفرة عرجون، يهدهده نسيم أصباح الخريف في قمم النخيل وخضرة الواحة من حوله، والهواء مضمخ بحلاوة التمر، وترقرق ابتسامته فضة وذهبا تسمع رنينها مع حركات جريد النخل من تافيلالت.
 ويتراءى في صور ورؤى لا تكاد تحيط بها عين الحلم أو ملكة الخيال، تختزنها ذاكرتك وتحاول أن ترسم لها بعدا في الزمان والمكان لتجد علاقة الحلم بالحقيقة.
ذات يوم من الأيام الطويلة التي تحسب بها أعمار الشعوب، خيم على بلادي ليل دامس فيه رعد وبرق وإعصار وزلازل وظلمات، بعضها فوق بعض – كنت لا تسمع في ذلك الليل إلا أنين المنكوبين يتناغم مع أصوات المستضعفين المحتشدين في المساجد لقراءة اللطيف. وكان الوطن قد أمسى البحر يحيط به من كل الجهات، وغدا جزيرة تذوب كالسكر في الفنجان.
 والراية الحمراء سالت في الدروب دما، وفي المزارع لهيبا وفي قمم الجبال حمما من براكين الغضب.
لم تعد الشمس ترى ما يدعو إلى إشراقها على هذا البلد في غده، وباتت الطيور تستعد للرحيل.
 ظهر وجه ذلك الطفل الكريم في الأفق لا يستطيع أحد أن يؤكد لك أنه رآه بعين الحلم أم بعين اليقظة، كل ما يذكر أنه رآه.
 وفجأة كسر صمت ذلك الليل صوت مؤذن يؤذن في الناس:
- " الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور".
- " وأشرقت الأرض بنور ربها".
- " وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء اقلعي وغيض الماء وقضي الأمر، واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين".
لم يفارق خيال الأمة وجه ذلك الطفل الكريم الذي آنس وحشتها وما تزال ترقب وجهه البريء في كل تاسع يوليوز، إنه الفأل الحسن تتفاءل الأمة بذكره.
                                               *****
 لاشك أن ميلاد الجمال أجمل من الجمال نفسه، وكذلك ميلاد الزرقة في الأفق، والاحمرار في الشفق، والماء في النبع، والتغريدة في حناجر الطير، وكثيرا ما يهتم الناس بالربيع ولا يهتمون بميلاده، وكذلك شأنهم بالنسبة للإنسان نفسه، لا يذكرون يوم ميلاده إلا رقما جامدا لا حياة فيه، مع أن يوم الميلاد هو اليوم الذي يبقى على مدى الدهر غضا طريا مغسولا بندى البراءة والطهر، وملفوفا في أسرار الخلق الموصولة بجلال الخالق وآية قدرته.
 عندما يذكر الأب يوم ميلاد طفله يستشعر جمال الخلق والإبداع وعظمة الخالق، ويذوق طعم الحياة يوم ميلادها، ويشم رائحتها، ويحس بطراوتها، ويمسك البراءة والطهر بأنامله، وينظر بعينيه المجردة إلى حقيقة الإنسان في فطرته. وكذلك عندما يمسك الإنسان عصفورا بمجرد خروجه من البيضة، أو عندما يرقب فسيلة وهي تخرج من الحبة وتشق التراب لتعلن عن ميلادها.
 ما أجمل يوم الميلاد وما أجدره أن يكون عيدا لكل إنسان يحييه فيحيي ما فيه من المعاني والأسرار.
 ونحن نحتفل اليوم بعيد ميلاد أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين الذي ما هو إلا رمز لميلاد المغرب الجديد، لا يسعنا إلا أن نتوجه إلى الخالق المبدع مبتهلين إليه أن يحفظه فينا رمزا حيا، وفألا حسنا، وطلعة يمن وخير وبركة.
والحمد لله رب العالمين

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here