islamaumaroc

أبو عبد الله محمد المرابط الدلائي -2-

  عبد الجواد السقاط

العدد 256 رجب-شعبان-رمضان 1406/ أبريل-ماي 1986

موضوع الأمداح النبوية من أكثر الموضوعات انتشارا في الشعر المغربي، انطلاقا من العصر المرابطي إلى اليوم، ولاسيما إذا علمنا أن مجموعة من العوامل قد ساعدت على هذا الانتشار، وجعلت موضوع المديح النبوي بضاعة نافقة في سوق الإبداع في بلادنا، نذكر منها على الخصوص:
تمكن العقيدة الإسلامية من المغاربة، بما يطرحه هذا التمكن من إكبار وتعظيم لهذه العقيدة، ولحامل رسالتها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ولآل بيته الطاهرين، وصحابته الكرام الراشدين.
تعدد طرق الصوفية التي تتخذ من الأمداح النبوية دعامتها الأساسية والتي تتوسل بهذه الأمداح في طقوس تختلف باختلاف هذه الطرق وتباينها.
التأثر بالشعراء الذين مارسوا هذا اللون من الشعر في المشرق، بدءا بالشعراء الصحابة كحسان بن تابث، وكعب بن زهير وأضرابهما.
احتفال المغاربة بالمولد النبوي الشريف، ذلك الاحتفال الذي يعتبر مناسبة يتبارى فيها الشعراء، بدءا من العصر المريني الذي كان المنطلق لهذا الاحتفال إلى اليوم(1)، ويتنافسون في فنون الصنعة وألوان التأنق، ولاسيما وأن هذه المولديات تلقى في محافل رسمية يحضرها أحيانا بعض ملوك الذين يشجعون على هذا اللون من الشعر، ويثيبون أصحابه عليه.
اتحاذ المغاربة سيرة الرسول صلى الله علي وسلم مثلا أعلى، ونبراسا يستضيئون به من حياتهم، ومن تم فقد راحوا يذكرون بهذه السيرة العطرة في كل مناسبة وعصر، وينظمها شعراؤهم ليزداد ترسخها في النفوس، وتبقى قدوة جديرة بالإنتهاج والاحتداء.
طول المسافة الجغرافية التي تفصل بين المغرب وبلاد الحجاز، مهد الدعوة الإسلامية ونبعث الرسول صلى الله عليه وسلم ومثواه، مما يزيد المغاربة شوقا إلى زيارة المقام الشريفـ، ونطلعها إلى التملي بقبر المصطفى عليه الصلاة، الشيء الذي يولد لديهم حبا قويا وتعلقا شديدا لا يملك الشعراء منهم إلا أن يسجلوه في قصائدهم ومطولاتهم.
من هذه العوامل وغيرها، يكون موضوع الأمداح النبوية في المغرب قد اشتد عوده، وكثر تناوله، هذا التناول الذي نستطيع أن نلمسه بارزا عبر العصور التاريخية المتلاحقة، فإذا انطلقنا من العصر المرابطي، وجدنا القاضي عياضا الذي تعددت نصوصه في هذا الباب، والذي عبر فيها عن مدى تعلقه بالرسول الكريم، وعارم فرحته بزيارة قبره الطاهر،كقوله في مستهل قصيدته:
بشراك يا قلب هذا سيد الأمم
  وهذه حضرة المختار في الحرم
وهذه الروضة الغراء طاهرة
  وهذه البة الخضراء كالعلم
ومنبر المصطفة الهادي وحجرته
  وصحبه والبقيع دائر بهم
فطب وغب عن هموم كنت تعرفها
  وسل تنل كل ما ترجوه من كرم(2)
وإذا توقفنا بعد هذا عند العصر الموحدي، ألفينا الشاعر ميمونا الخطابي الذي احتفظت له المصادر بمطولة فريدة مدح فيها المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأشار إلى جملة من مناقبه ومآثره، كقوله منها في موضوع الهجرة:
وآيته في الغار إذ نزلا به
  وكان له الصديق بالصدق ثانيا
وقد أرسل الله الحمام لبابه
  وقارنه بالعنكبوت مبانيا
فدافع عن صديقه ورسوله
بأضعف أسباب الوجود مقاويا(3)
وإذا وصلنا إلى العصر المريني، لمسنا اهتماما متزايدا بالموضوع، سواء على صعيد المضمون أو الصياغة. ففي هذا العصر نجد ابن المرحل صاحب "الوسيلة الكبرى المرجو نفعها في الدنيا والآخرة"، وصاحب "المعشرات النبوية"، وهي كلها قصائد في مدح الرسول الكريم، والتذكير بأمجاده وآياته. وقد حاول ابن المرحل أن يلتزم لونا من الصنعة يتمثل في بناء قصائده على حروف المعجم، جاعلا بداية البيت هو نفس حرف الروي منه، كقوله في حرف الهمزة:
أمام هدى صلى النبيون خلفه
  وصلى عليه أهل كل سماء
أمين على الوحي الكريم وإنما
  هو السر لم يودع سوى الأمناء
أضاءت به الدنيا، فمن وجهه سري
  إلى الشمس والأقمار كل ضياء
أسرته تهدي السرور، وكفه
  تكف من الأعداء كل عداء
أتانا القرآن مفصل
  جلا صدأ الأذهان أي جلاء(4)
ولا تنسى أن نشير في هذا العصر كذلك، إلى الشاعر أبي القاسم العزفي الذي مال نحو المديح النبوي سواء في شعره أو نثره، ومن نماذج ذلك قوله في آل البيت:
درية المصطفى إني أحبكم
  وحبكم واجب في الدين مفترض
فليس ببعضكم، لا كان باغضكم
  إلا امرؤ سارق في قلبه مرض
وحسبكم شرفا في الدهر أنكم
خير البرية، هذا ليس يعترض
  ولست أطلب من حبي لكم ثمنا
    إلا الشفاعة فهي السؤال والغرض(5)
ونتوقف بعد هذا العصر السعدي لتقابلنا مجموعة من الشعراء الذين طرقوا موضوع المديح النبوي،
ولا سيما في إطار المولديات، بل منهم من خصوا به دواوينهم، كما فعل أبو محمد عبد الله بن علي بن طاهر الشريف العلوي الذي ذكر له صاحب الدليل ديوانا خاصا بالأمداح النبوية(6)، وكما هو الشأن بالنسبة لشاعرنا المرابط الذي جمع بعض المهتمين مجموعة من نبوياته في ديوان مستقل (7)، أكتفي منه الآن بالإشارة إلى مقطع من قصيدة يقول فيه:
تسامي على كل البرية منصبا
  فكل ذوي الأخطار باد تضاؤله
مواطنه كالمسك لا بل تفوقه
  وشتان ممكاث الأريج وحائله
لغرته نور تساطع في النهى
  بها أصر المكفوف والرشد شامله
تعالت مزاياه وفاح عبيرها
  فللروض منها ما أذاعت شمائله
وتاهت به العلماء وانتعشت به
  أواخر أعلام الورى وأوائله(8)
وكذلك الأمر بالنسبة للعصر العلوي، حيث نجد استمرار متميزا في طرق المديح النبوي، سواء كان ذلك في قالب القصائد التقليدية العمودية أو في قالب الموشحات، وسواء كان أيضا في إطار الدواوين الخاصة المستقلة أو في إطار القصائد المفردة، ونكتفي بالإشارة، من هذا الفيض الزاخر، إلى عبد الرحمن بن عبد القادر الفاسي صاحب الديوان في الأمداح النبوية(9)، وعبد الكريم ابن زاكور صاحب ديوان "السراج الوهاج في مدح صاحب التاج والمعراج"(10)، وابن الطيب العلمي صاحب "القصائد المعشرة في التشوق إلى البقاع المطهرة"(11)، ومحمد الحراق القائل في مستهل موحة في الموضوع:
قسما بمن سما فوق سما
  إذ سرى من بيته في الغلس
وأنيل في المعالي قسما
  لم تكن صلصلة من جرس
آية كبرى رأى من ربه
  ما رأها قبله من أحد
نالها من بعده عن سريه
  إذ علا السدر ونور البرد
يالها من رتبة في قربه
  خص فيها بالمقام الأوحد
فهو عن حب شفاها كلما
  ورأى عين البها المقدس
ووعى عن الإله كلما
  بثه في سره وما نسي(12)
وأخيرا نشير إلى العصر الحسني الزاهر، وما عرفه فن الأمداح النبوية فيه من أزهار وتواصل، يكفي أن نقتصر من نماذجه ورجاله على الشاعر محمد بن محمد العلمي القائل من قصيدة:
محمد صفوة الأكوان قاطبة
  من دينه الحق يحيي أقوم النظم
يدعو إلى الله في طهر وفي ثقة
  نعم الأمين عظيم الجاه والقيم(13)
ولعلنا بعد هذه الإطلالة الخاطفة على مسيرة الأمداح النبوية المغربي، تعود إلى شاعرنا محمد المرابط الدلائي، باعتباره واحدا ممن أسهموا في هذا الموضوع، وأعطوه من قريحتهم واهتمامهم الشيء الكثير.
فإذا نحن نظرنا إلى القصائد التي وصلتنا عنه في هذا الموضوع، وجدناها ست عشرة قصيدة، تصل في مجموعها إلى ألف وخمسة عشر بيتا(1015)، وهي نسبة كبيرة إذا علمنا أن كل ما وصلنا من شعره لا يعدو اهتمام الشاعر بهذا الموضوع، وإلى أي حد استطاع أن يفرض نفسه فيه كحلقة متميزة ضمن هذه السلسلة الممتدة منذ العصر المرابطي إلى اليوم.
وبالنظر إلى هذه القصائد النبوية عند الشاعر، نستطيع أن نطرح الملاحظات الآتية:
1) لقد كان البناء الهندسي لقصيدة المديح النبوي عند شاعرنا يقوم على جملة من العناصر، قد تتواجد كلها في القصيدة الواحدة، وقد ينقص بعضها أحيانا.
فمن هذه العناصر:
أولا: تلك المقدمة الغزلية التي لم يكن الشاعر يعمد إليها في كل قصائده، ولكنه يوظفها بين الحين والحين، وهو توظيف غالبا ما يتسم بالطول الموحي بأن القصيدة أنشئت في الغزل لا في المدح، ومن نماذج ذلك قوله من قصيدة:
بي غادة منهم لفرط جمالها
  زهر الكواكب والبدور تصفق
تظهو على غصن النقا بقوامها
  وعلى الكثيب يردفها تتروق
حوراء تعبث باللبيب عزارة
  ولها بأفلاذ القلوب تعلق
زعمت فؤادي ملها فتباعدت
  كلا ودون وصالها أتأرق
إن رابها مني تورد منظري
  فبنأيها عني علاوة تحرق
أوغاظها أني صريع لحاظها
  فبلحظها الماضي يغان ويصعق(14)
على أننا نستطيع القول بأنه غزل قد يدخل في إطار الرمز الشعري الذي يميل غليه المتصوفة، حيث يرمزون إلى الحب الإلهي أو حب الرسول صلى الله عليه وسلم بالمرأة أو الخمر أو الطبيعة أو ما إلى ذلك (15)، كما تقرأ عند ابن الفارض مثلا:
فلي بين هاتيك الخيام ضنينة
  علي بجمعي سحمة بتشتتي
محجبة بين الأسنة والظبي
  إليها انثنت ألباننا إذ تثنت
ممنعة خلع العذار نقابها
  مسربلة بردين قلبي ومهجتي
وما غدرت في الحب أن هذرت دمي
  بشرع الهوى لكن وفت إذ توفت
جمال محياك المصون لثامه
  عن اللثم فيه عدت حيا كميت (16)
ثانيا: مدح الرسول صلى الله عليه وسلم والثناء عليه، فهو خير من وطئت قدماه الأرض، وهو الذي لولاه ما كان وجود، إلى غير ذلك من ألوصاف والنعوت التي نمثل لبعضها بقوله من قصيدة:
يا خير من وطئ الثرى وتسربل الـ
  ـمجد الأثيل وبالعلى يتألق
وتواترت آياته الكبرى التي
  يندى بها كبد المحب الشيق
أنى يسوغ تطاول من مفتر
  أو ناكص، كلا فذاك الأخرق
من بعدما سطعت شوارق مجدكم
  وتظاهرت واحتار منها السبق
لولاك ما نطق الجماد ولم تكن
  في أوجها هذي الكواكب تخفق
لولاك ما هاج الركائب عالج
  لولاك ما حديث لزمزم أنيق
لولاك ما رجي السؤال لسائل
  بعرى محاسن مجدكم يتعلق(17)
ثالثا: استعرض معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم وترديد مناقبه وآياته، بدءا من القرآن الكريم أكبر هذه المعجزات، إلى كثير غيره كالإسراء والمعراج، ورد عين قتادة، وتضليل الغمامة، وحنين الجدع، وعودة الشمس بعد غروبها، وهو استعراض ما فتئ الشاعر يعود إليه في أكثر من قصيدة، كقوله من واحدة:
حدبت عليه نواكب لاثت به
  لله ما حاكته بالغيران
وحمت حماه حمامة قمرية
  صدخت مغردة بأيسك البان
ونحته وارفة تميد وقد دوت
  شوقا إليه نواظر القضبان
وتصافحت تدعوه ألسنة الحصى
  شغفا إليه وظبية القيعان
وغذا المئين غداة أضحوا جوعا
صاعا فطم به على الفقران(18) وقريبا من هذه العناصر، نجد عنصر آخر يتمثل في تتبع سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم بكل تفاصيلها ودقائقها، بدءا من نسبه صلى الله عليه وسلم، فمولده فرضاعه فشباببه فبعثته فجهاده في سبيل الله نصرة الإسلام ...(19)، وفي هذا المضمار نقتصر على قوله في موضوه مولده صلى الله عليه وسلم من قصيدة:
يا ليلة الميلاد ما أبهاك من
  غراء جادك صيب يتدفق
فيك انبرى أسمى الخلائق ساجدا
  يرنوا إلى نحو السما يتملق
وملائك الرحمن في أفق السما
رفعت أباريقا تروق وتبرق
حفت بها خير الأنام وقد غدا
   ما بين بصرى والحطيم يخفق(20)
رابعا: وإلى هذه العناصر المتقدمة يضاف عنصر التوسلات التي كان الشعر يتخذها مناسبة يتجه فيها إلى الرسول الكريم راجيا شفاعته وصفحه على غرار قوله:
إني اتكلت عليك يا من لا يرى
  أبدا إليه القاصدون مثيلا
إن تعف عن ذنب المرابطي الذي
  طلب الثواب مسببا فأنيلا
ربحت تجارة سعده في شعره
  فسعى فنال القصد والمأمولا
فاغفر له فيما مضى والطف به
  واستره سترا من رضاك جميلا(21)
خامسا: وكذلك يضاف عنصر آخر، وهو التشوق إلى زيارة المدينة المنورة، والتمكن من زيارة القبر الطاهر، ذلك التشوق الذي لا يبرده إلا تحقيق الأمل والفوز بالمطلوب، يقول:
عسى عسى يسخو الزمان بعودة
    تروي صدى عودي فيخضر ذابله
وأسحب أذيال المنى مترددا
  إلى مسجد نال السعادة داخله
أصلي به ما بين قبر ومنبر
  وأكرع في حوض حوى المجد ناهله
أقبل آثار النبي وصحبه
  وأسكب مدرارا تهاطل وابله(22)
سادسا: ونحتم هذه العناصر بالتصلية على محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحابته، وهو العنصر الذي لا تكاد تخلو منه قصيدة من قصائد الشاعر في الموضوع، وكنموذج له قوله في نهاية إحدى قصائده:
 فعليه مني بالسلام تحية
   عدد النجوم وهاطل السحبان
 وصحابه الغر الكرام وآله الـ
   ـزهر الصباح زواخر العرفان(23)
2) لم تنحصر نبويات المرابط في شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم كهدف متفرد، وإنما تجاوزت ذلك إلى هدفين آخرين لهما علاقة وطيدة بالهدف الأول. فغما أحدهما فيشمل آل البيت النبوي الشريف الذين تعلق بهم الشاعر تعلقا كبيرا تعرب عنه بعض قصائده كقوله في إحداها:
 آل النبي معاشري أجري
   ذكراهم سرا وفي الجهر
 هم سادتي وإليهم شغفا
   أهفو هفو حوائم الوكر
 وهم الآلى ملأوا الحشامقة
   وصبابة تنمو إلى الحشر
 فأنا المملك مذ نشأت لهم
   حتى أبلغ منتهى العمر
 تفديهم نفسي وما ملكت
   وصغار ولدان هم أزري (24)
وأما ثانيهما فيتمثل في توجه الشاعر بالخطاب إلى المدينة المنورة، مبديا هيامه بها، ومشيدا بمزياها كمدينة تتميز بكونها مهبط الوحي ومغنى الرسول صلى الله عليه وسلم... يقول من قصيدة:
يا دار خير الرسل يا مثوى المنى
  قلبي لأجلك ثائر الحركات
يهنيك أنك مهبط الوحي الذي
  يعتاده جبريل بالآيات
مغتى الرسول ومنزل قد طالما
  فيه تردد دائـــم البركات
أسمى الخليقة منصبا وشفيعهم
  يوم المعاد لمجمع الحسرات(25)
3) لقد ركب الشاعر في نبوياته البحور الشعرية التي تتميز بالنفس الطويل كالكامل الذي يحظى عند الشاعر بحصة الأسد إذا ما قورن بالبسيط أو المديد أو الخفيف. وهذا يدل دلالة واضحة على أن الشاعر كان يختار من البحور ما يتسع لعواطفه المتأججة، ويستطيع بواسطته أن يعبر عن عارم تعلقه وشديد هيامه
 ولعله بهذا الاختيار كذلك، يرتبط بالتيار المحافظ في الشعر العربي، ذلك التيار الذي يقوم على وحدة البيت، الشيء الذي يضطر الشاعر لركوب بحر تكثر تفعيلات البيت الواحد فيه لتشمل أكبر قدر من المعاني والصور، فيستقل بذلك عن البيت الذي يليه.
4) تعتبر نبويات محمد المرابط تجسيدا للتيار الصوفي الذي جرف الشاعر كما جرف مجموعة اخرى من أفراد أسرته ومعاصريه وهو تيار يتسم عند شاعرنا بالذوبان المطلق في حب الرسول صلى الله عليه وسلم وآله وصحابته، والإقرار بقوة الخالق الجبار، وعظمة رسوله الكريم، في نقمة ملؤها الإنكسار والتذلل أمام هذه القوة وتلك العظمة، يبدو مما وصلنا من شعر المرابط أن صوفيته لم تقف عند هذا الحد، بل تجاوزت ذلك إلى اتخاذ بعض أعلام التصوف رمزا للسعادة الروحية والاطمئنان النفسي، وعلى رأسهم القطب عبد السلام بن مشيش الذي توجه الشاعر إليه، حيث يقول من قصيدة:
مولاي ها عبدك الصب المتيم قد
  ألقى إليك أكف الذل مفتقرا
عسى عنايتك الشماء تغمره
  بمجدك الوافر الضخم الذي حضرا
وتملأ القلب إيمانا يروق به
  نور مبين يجلي منه ما انكدرا
وينتج الرشد والعرفان باهره
  فيمحق الشك والأوهام والغير(26)
ولعل هذا التجاوز لم يكن خاصا بشاعرنا، بل إنه ملاحظة تستوقفنا عند بعض شعراء الفترة، وخاصة من الأسرة الدلائية، كأحمد بن عبد الله بن محمد الحاج الذي يتوجه بشعره إلى القطب أبي مدين الغوث، حيث يقول من قصيدة:
كيف يسلو عن الهموم غريب
  ترك العز خلفه وبلاده
أذهبت عزه صروف ليال
  نفضت من علاه ما كان شاده
فعليك معولي يا أبا مد
  ين ياغوث خائف يا عماده
يا منيل المطلوب يا جابر كسـ
  ـر طريد ألقى له بالمقاده(27)
وعموما فتبقى نبويات محمد المرابط الدلائي جديرة بالتعرف إليها، والوقوف على خصائصها ومميزاتها، تماما كما هو الشأن بالنسبة لبقية شعره. وطالما أن هذا الشعر لم ينشر بعد، بالرغم من أنه مجموع ومحقق(28)، فإني أرى، مساهمة في إحياء تراثنا الدفين، أن انشر اليوم إحدى هذه النبويات، محققة من المصادر الثلاثة التي وردت فيها، وهي ديوان محمد المرابط(29) والبدور الضاوية رقم د 261 (30) والبدور الضاوية رقم ك 294 (31)، مشيرا في الهامش إلى اختلافات التحقيق(32)، خاصة بين الديوان والبدور الأولى، أما البدور الثانية فهي فرع عن الأولى ومليئة بالأخطاء والتحريفات، ولذلك لم أشر إليها في هذا الهامش.
وفيما يلي نص القصيدة (33) محققة مشكولة، مذيلة ببعض الشروح اللغوية والإشارات التاريخية.
قف بالطلول وبث بعض هيامي
  وسل المراسم عن بدور خيام(34)
وإذا الربوع بدت فعرج بالحمى
  وأذع بلابل لوعتي وغرامي(35)
وقل: المعذب بالصدود وبالجفا
   مازال حلف أسى وحلف كلام(36)
الله في دم عاشق قد هاله
   بين دهى فسطا بنشر نظام(37)
ما رام كتمان الصبابة والهوى
   إلا ومقلته تشي بسجام(38)
ألف السهاد فما يقر قراره
   فجفونه لم تكتحل بمنام(39)
واحيرتي بان الأحبة فاغتدى
   قلبي يكابد زفرتي وضرامي(40)
والهف نفسي على الآلي طعنوا وقد
   ضنوا بتوديعي ورد سلامي(41)
ماذا عليهم لو رثوا لقتيلهم
   بعجيب وصلهم ورعي ذمامي(42)
أقسمت بالقلب المبرح لوعة
   لا زلت أهواهم ليوم حمامي(43)
ياسائق الأظغان هل من ساعة
   احظى بتوديع فذاك مرامي(44)
وأعفر الوجنات في ترب الحمى
   فعسى بتعفيري يزول أوامي(45)
ى بل فؤادي قد جعلت ثراهم
   فخطى المطي تخطه بدوام(46)
زموا الركائب للسرى وتيمموا
   شمس النبوءة بدر كل ظلام(47)
طه البشير أجل مبعوث ومن
   يهمى به للأرض صوب غمام(48)
قمر بطيبة قد تألق نوره
   فبدت لرأي العين أرض شام(49)
يا سين قد أومت لسؤدده ومن
طه الطهارة ما اختفيت بلثام(50)
هو صفوة الله الأمين لوحيه
   وله لدى الرحمان خير مقام(51)
هو أحمد ومحمد والمصطفى
   والمجتبى المختار خير الأنام(52)
وهو المشفع في العباد ومن به
  ويوم الميعاد يلوذ كل همام(53)
كم آية قبل الولاء وبعده
  بانت لخير الرسل بدر تمام(54)
ما احتازها من قبله أحد ولم
  تظهر لغير نبينا من إمام(55)
كالشمس إذ ردت بعيد غروبها
  حتى حباه الله كل مرام(56)
والبدر بعد كماله قد شق إذ
  رام الفرى والعجز كل لئام(57)
من كفه نبع الزلال وفيه للـ
  ـحصباء تسبيح بخير كلام(58)
يا من له دنت الكواكب فاعتدت
  تثني عليه من ورا وأمام(59)
وتود أن الأرض مثرواها لما
  في البعد عنه من ضنى وأوم(60)
لك حن جذع النحل إذ فارقته
  وكذا الغزالة أفصحت بسلام(61)
في الغار قد نج العناكب سرعة
  وكذا الحمام حماك أي حمام(62)
لك اخمدت نيران فارس رهبة
  وتضعضع الإيوان بعد قوام(63)
كم آية لك في الحروب قد أعلنت
  بعلاء مجدك في الورى بتسام(64)
جدلت أبطال العدى وأذقتهم
   لقواطع القسى سم حمام(65)
جاهدتهم في الله حق جهاده
  فجزاك عند الله يا ابن كرام
يامن به سمت السماوات العلى
  وبه البسيطة شرفت بدوام(66)
إني امتدحتك والذنوب قد أوهنت
  ظهري فخذ بيدي يوم زحام(67)
ماذا أقول وما عسى وإلهنا.

-----------------------
1- انظر في هذا الموضوع مقالا للدكتور عباس الجزاري بعنوان: "المولد النبوي في الأداب المغربي". مجلة المناهل، العدد 9، السنة 4، رجب 1397هـ، وكذلك كتاب "الأداب المغربي من خلال ظواهره وقضاياه" لنفس المؤلف، مكتبة المعارف بالرباط ص139-167.
2) القاضي عياض الأديب، لعبد السلام شقور، مطبعة دار الأمل، طنجة، 1983 ص 339، نقلا عن مجموعة بخزانة ابن
يوسف بمراكش رقم 359.
3) أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض لأحمد المقرئ التلمساني، تحقيق مصطفى السقا وابراهيم الأبياري وعبد الحفيظ شبلي. ج 2 ص 389.
4) السوافي بالأدب العربي في المغرب الأقصى لمحمد بنتساويت، دار الثقافة، الدار البيضاء، 1402 هـ، 1982م، ج1 ص339.
5) أزهار الرياض للمقري، النسخة المذكورة، ج 2 ص377.
6) دليل مؤرخ المغرب الأقصى لعبد السلام بن سودة المري، دار الكتاب، الدار البيضاء، 1960م، ص387.
7) يوجد هذا الديوان مخطوطا بالخزانة العامة بالرباط تحت رقمج 3644.
8) ديوان محمد المرابط، النسخة المذكورة، ص 27.
9) يوجد هذا الديوان مخطوطا بالخزانة الحسنية تحت رقم 3071.
10) توجد بعض أجزائه العامة بالرباط تحت رقم ك 1830، وكذلك بالخظانة الحسنية تحت رقم 2356.
11) التقاط الدور ومستفاد المواعظ والعبر من أخبار وأعيان المائة الحادية والثانية عشر لمحمد بن الطيب القادري تحقيق هاشم العلوي القاسمي ص 327.
12) موشحات مغربية، دراسة ونصوص للدكتور عباس الجراري، مطبعة دار النشر المغربية، الدار البيضاء 1973م ص 187.
13) دعوة الحق، عدد 241، محرم 1405 هـ أكتوبر 1984م، ص 101.
14) ديوان محمد المرابط، النسخة المذكورة، ص 11، والبدور الضاوية لسليمان الحوات، مخطوط العامة بالرباط تحت رقم د 261 ص 304.
15) انظر في هذا الموضوع كتاب "الرمز الشعري عند المتصوفة" للدكتور عاطف جودة نصر، دار الأندلس ودار الكندي للطباعة والنشر والتوزيع، 1978م.
16) نفس المرجع السابق ص 185.
17) البدور الضاوية للحوات، النسخة المذكورة ص 306.
18) نفس المصدر السابق ص302
19) انظر في ذلك كتاب "أبي عبد الله محمد المرابط الدلالي، لحسن جلاب مرقون بخزانة كلية الآداب بالرباط، وكذلك كتاب الشعر الدلالي لعبد الجواد السقاط، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، 1985م.
20) البدور الضاوية للحوات، النسخة المذكورة ص 305.
21) نفس المصدر السابق ص313
 22) ديوان محمد المرابط، النسخة المذكورة ص33، وكذلك البدور الضاوية للحوات، النسخة المذكورة ص327.
23) البدور الضاوية للحوات، النسخة المذكورة ص303.
24) ديوان محمد المرابط، النسخة المذكورة ص21
25) نفس المصدر السابق ص39، و البدور الضاوية للحوات، النسخة المذكورة ص291.
26) البدور الضاوية للحوات، النسخة المذكورة ص333.
27) البدور الضاوية للحوات، النسخة المذكورة ص436.
28) انظر مقالا بعنوان أبو عبد الهل المرابط الدلائي: دعوة الحق، العدد 254، (يناير فبراير 1985).
29) رقم د3644، بالخزانة العامة بالرباط، وقد قدم لها ناسخ الديوان بقوله: "وله رضي الله عنه"، وتقع القصيدة بين ص 8 وص 10، قد رمزت لهذا المصدر ب: د.
30) مخطوط لخزانة العامة بالرباط، وقد قدم لها الحوات بقوله: "وله رضي الله عنه وأرضاه". وتقع بين ص 319 – 320، وقد ركزت لهذا المصدر ب: بطن.
31) مخطوط لخزانة العامة بالرباط، وهو نسخة ثانية لكتاب البدور. وقد وردت القصيدة فيه بنفس التقديم السابق بين ص 312 – 314.
32) المغلط يشير إلى الكلمة التي هي محط الخلاف في التحقيق أو محط الإشكال في العروض.
33) وهي من البحر الكامل، مع عروضة صحيحة وضرب مقطوع، والقافية مطلقة مردوفة.
34) الطلول: جمع طلل وهو الموضع المرتفع الشاخص من الآثار،
 المراسيم: جمع مرسم، ويقصد بها الديار.
35) الروع: جمع ربع وهو الدار، أذع: الشر وأظهر، بلابل: جمع بلبال وهو شدة الهم.
36) الكلام: جمع الكلم وهو الجرح.
37) البين: البعد، قسطا: في بض: وسطا، نثر النظام: يقصد به ما أصاب حياته من اضطراب وانزعاج بسبب ابتعاد الحبيب عنه، وهو هنا رمز للديار المقدسة.
38) رام: حاول، وفي بض: زال الصبابة: الشوق، تشي: تخبر وتفضح، السجام: سيلان الدمع.
39) السهاد: سيلان الدمع.
39) السهاد: الأرق.
40) بأن: بعد، ضرامي: اضطرامي وانقادي
41) (نف)س (سي) على الآلي: متفاعل، والياء مد زائد كسر الوزن، ظعنوا: رحلوا، ضتوا: بخلوا، وفي بض: ظنوا، بتوديعي: في بض: بتوداعي.
42) القتيل: يقصد نفسه، بعجيب: في بض: يبديع، الرعي: الحفظ، الذمام: الحق والحرمة.
43) القلب المبرح لوعة: القلب الذي أتعبته اللوعة وآذته، الحمام: الموت.
44) الأظعان: جمع الجمع، والمفرد ظعينة، وهي الهودج أو المرأة ما دامت في الهودج، أو المرأة الراحلة عموما، وهنا يقصد بالأظعان الذين رحلوا لزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم والديار المقدسة، ساعة: في بض: وقفة، أظى: أنال حظي، أظفر، بتوديع: يقصد بتوديع هؤلاء الراحلين، وفي بض: بتوديعي، مرامي: بغيتي وهدفي.
45) أعفر وجناتي: أمرغها في التراب، الأورام: داء في الرأس.
46) المطي: جمع مطية وهي الدابة التي تركب، تخطه: تترك عليه علامتها.
47) زموا: ربطوا وشدوا الركالب: جمع ركاب وهي الإبل، السرى: السير ليلا، تيمموا: توخوا وقصدوا، شمس النبوءة: يقصد محمدا عليه الصلاة والسلام.
48) يهمي: يسيل به يقصد بسببه وبفضله، صوب الغمام: عطاؤه وهو امطر.
49) طيبة: المدينة المنورة.
50) ياسين: السورة السادسة والثلاثون من القرآن الكريم، وهي مكية، أومت: لعله يشير إلى قوله تعالى في هذه السورة: "ولا تمدن عينك إل ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه. ورق ربك خير وأبقى" (الآية 13).
51) صفوة الله: المخلص له، خير: في بض.
52) الأنام: البشر، وتقرأ: خير لنام نظرا لاستقامة الوزن.
53) يوم الميعاد : يوم القيامة،  يلوذ: يحتمى.
54) الولاء: أحد مصادر فعل ولد، قبل الولاد وبعد: يعني قبل مولد الرسول صلى الله عليه وسلم وبعده، بعده بانت: ظهرت واتضحت، لخير: في بض: بخير.
55) احتازها: حصل عليها .
56) كالشمس: في بص: فالشمس، غروبها: في بض: غروبها، حباه: أعطاه، وفي البيت إشارة إلى معجزة نبوية هي ان المشركين راموا تعجيزه صلى الله عليه وسلم فطلبوا منه أن يرد لهم الشمس بعد غروبها ليثبت لهم صدق رسالته، فأسعفه الله تعالى بذلك (انظر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم عن طبقات ابن سعد).
57) الفرى: جمع قرية وهي الكذب واختلافه، وفي البيت إشارة إلى معجزة نبوية أخرى هي أن أهل مكة قد سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أية ليصدقوه فانشق القمر حتى رأوا جبل حراء بين طرفيه (انظر سيرة الرسول عن طبقات ابن سعد، ص25).
الزلال: الصاد العذب، وفي بض: الفرات، الحصباء: الحصى، ومفردها حصبة، بخير: في بض: بأي، وفي البيت إشارة إلى معجزتين النتين، أولاهما نبع الماء من بين أنامله صلى الله عليه وسلم، وقد وقع هذا مرارا كثيرة منها انفجار الماء  من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم، في غزوة تبوك حتى شرب القوم وتوضأوا، وهم ألف وأربعمائة، وفي رواية ألف وخمسمائة (انظر كتاب الشفا للقاضي عياض، مكتبة الفاربي دمشق) وثانيهما تسبيح الحصى براحتيه صلى الله عليه وسلم، وقد وقع ذلك عندما أتى مكرز العامري رسول  صلى الله عليه وسلم، فقال: هل عندك من برهان لعرف به أنك رسول الله؟ فدعا بسبع حصيات فحسن في يده، فسمع نغماتها من جوفها( انظر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم عن طبقات ابن سعد ص33).
59) أغتدت: بكرت وهنا يقصد صارت وتجولت.
60) عنه: في د وبض: منه ولعل عنه أنسب، الضنى: المرض، الأوام: الداء.
61) حن: اشتاق، وفي البيت إشارة إلى معجزتين نبويتين، أولاهما حنين الجذع إليه صلى الله عليه وسلم، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يخطب غلى جذع كان يستند إليه، فلما اتخذ منبرا تحول عن الجذع إليه، فحن إليه الجذ، حتى ضمه إليه فسكن.
وثانيتهما نطق الغزالة بين يديه صلى الله عليه وسلم.
62) العناكب: جمع عنكبوت أو عنكب وهو دويبة صغيرة تنسج من لعابها خيوطا وتصيد بذلك النسيج طعامها، وفي البيت إشارة إلى معجزة نبوية أخرى هي حماية حماية الحمام والعنكبوت له صلى الله عليه وسلم، فقد نسج العنكبوت وباضت حماماتان على باب الغاز الذي احتمى الرسول صلى الله عليه وسلم داخله رفقة أبي بكر الصديق ليلة هجرته من مكة إلى المدينة.
63) الإيوان: يقصد كسرى ملك الروم، القوام: الاعتدال وفي البيت إشارة إلى معجزتين أخريين هما خمود نار فارس وتصدع إيوان كسرى.
64) التسامى: العلو والرفعة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here