islamaumaroc

دواء الشاكين وقامع المشككين -4-

  دعوة الحق

29 العدد

تحت هذه الترجمة كتب العالم الفلكي كريسي مورسن رائعا أجاب به عن هذا السؤال الخطير الذي شغل أذهان الحكماء وأطال فكرة العلماء.
وسألخص كلامه بعد أن أذكر شيئا من الآيات البينات التي جاءت منوهة بشأن الحياة، قال الله تعالى  وهو اصدق القائلين« كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون» أي كنتم في العدم فأخرجكم إلى الوجود، ثم ييمتكم بعد انقضاء آجلكم ثم إليه ترجعون لجزيكم بأعمالكم، فواهب هذه الحياة يجب أن يشكر ولا يجوز أن يكفر به. ومن كفر به فقد سفه نفسه ولم ينتفع بعقله قال تعالى في سورة الحج« هو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحيكم إن الإنسان لكفور» صدق الله العظيم إن الإنسان لكفور يجحد نعمة الله ويتبع هواه إلا من رحم ربكن وقال تعالى في سورة الملك« هو الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم ايكم أحسن عملا» وهب الله عباده الحياة ليختبرهم وهو أعلم بهم ليتبن فضل المحسن فيجازي على إحساسه لأحسن منه، وتظهر إساءة المسيء فيعاقب على إساءته بمثلها.
والآن ندرس مع المؤلف حقائق الحياة الباهرة ونطلع على أسرارها المحيرة، قال المؤلف أن الحياة أمر عجيب لقد غزت أعماق البحار المحيطة وقمم الجبال الشاهقة ورمال الصحاري القاحلة وكتل الجليد الضخمة التي هي كالجبال وقاومت الزلازل الهائلة التي غيرت وجه الأرض مرارا، واستمرت في ذلك كله قوية نامية لا يقف في طريقها شيء تقاوم الأخطار والعوائق لا تعرف الإحجام فضلا عن الانهزام، لم تزل في تقدم منذ نشأت تذلل جميع العقبات من جليد وطوفان وأعاصير في ملايين السنين، لقد أتى الطوفان على القارات فاكتسحها وألقاها في البحر فكان تراب الأراضي القديمة كأنه كفن يغطي قعر البحر المحيط ومع ذلك بقيت الحياة مستمرة.
إن الحياة تستعمل ذرات الأرض وتتبع القوانين الكونية وتظهر في شكل عجائب جديدة لكنها تترك خلفها كلما تقدمت في أطوارها آثارا تدل عليها، فالفحم والزيت الأرضي والغاز كلها أدلة تشهد بنشاط العالم القديم وبالقوة التي أخذتها الحياة من الشمس واستخرجها الإنسان في شكل النار، فهذه القوة تفوق وتفضل غيرها من الفوائد لأنها هي التي رفعت شأن الإنسان وفضلته على الحيوان، فبسبب النار استطاع الإنسان أن يتخذ لنفسه مستقرا وأن يحصل على جميع مقومات الحضارة كل ذلك وقع لأن الحياة استطاعت أن تحافظ على القوة المأخوذة من الشمس.
لقد استولت الحياة وسيطرت على أحوال البحار والأرض والجو، ثم تقدمت إلى الأمام فظهرت في شكل نبات وحيوان من الأميبا(وهو حيوان صغير لا يرى إلا بالمجهر متكون من خلية واحدة) من الاميبا إلى الحوت والحشرات ودوات اللبن والطير السابحات في الهواء، لقد سيطرت الحياة على العناصر فحللت مركباتها ثم أعادت تركيبها بنسب جديدة، ثم انحدرت إلى المكاريب والخلايا(وهي الأجزاء التي لا تتجزأ من الأحياء)سواء في ذلك الحيوان والنبات، أن الحياة تنتج مخلوقات على أطوار مختلفة لكل طور شكل معلوم ولا تزال تلك المخلوقات يتعاقب عليها الموت والحياة لمدة أجيال لا يأتي عليها الحصر، إن الحياة تسير على خطة مرسومة في تطورها ونتائجها محافظة على قوامها بإيجاد ما تحتاج إليه مما يضمن بقاءها تغذي نفسها بنفسها، ومع ذلك تحافظ على جميع أنواعها ببقاء كل موع مرغوب في بقائه بميزان مقدر مضبوط، ولتضرب لذلك مثلا الجراد لو لم يدخل تحت ذلك الميزان المضبوط لأكل في سنين قليلة كل شيء أخضر على وجه الأرض من النبات وحينئذ يموت كل حيوان في البر ولا تبقى إلا حيوان البحر، إن الحياة قالب عام يحتوي على أشكال كل شيء حي فيه شكل، كل ورقة في كل شجرة ولون كل زهرة في كل نبات وكذلك ألوان الثمار، وألوان ريش الأطيار، عن الحياة استناد موسيقي علم كل طائر كيف يغني ألحان حبه وعلم كل حشرة كيف تخاطب غيرها من الحشرات بنغمات وأصوات لا يأتي عليها الحصر، تسمع هذه الأصوات في وقت الربيع، ومن هذه الأصوات الموسيقية نقيق الضفاضع وصوت الدجاجة الأمي الذي تخاطب به فراريجها وزئير الأسد وأصوات الناس واختلافها، أقول وهنا يجدر بنا أن نذكر قوله تعالى« ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم أن في ذلك لآيات للعالمين » ففي اختلاف ألوان الناس واختلاف لغاتهم آيات تدل على عظمة الخالق سبحانه وما يعلقها إلا العالمون، وكذلك اختلاف أصواتهم فقد زود الباري سبحانه كل شخص من ذكر وأنثى وصغير وكبير بصوت خاص كم ميز وجهه بشكل خاص يعرف به ويميزه عن غيره.
ثم نعود إلى كلام المؤلف قال: إن الحياة قد أعطت الإنسان وحده القدرة على تركيب الأصوات بالنفخ في القصب أو القرن أو تحريك أوتار العود فتحدث بذلك أنغام وأصوات لا يأتي عليها الحصر تتألف منها الأدوار الموسيقية التي تخلب الألباب، وكل ذلك من ثمرات الحياة ونظمها العجيبة- إن الحياة مهندس ماهر لأنها وضعت تصميم ساقي الجدجد(وهو حيوان يكون في الزرع يشبهه الجرادة في خلقته) له أربع قوائم صغار وله قائمتان طويلتنا نصفها مخروطي صاعد والنصف الآخر كالمنشار نازل يلتقيان بمفصل يستعين بهما على الوثب، ووضعت تصميم العضلات والمفاصيل والقلب الذي لا يزال يوالي ضرباته المنتظمة ونظام الأعصاب الكهربائي لكل حيوان، والنظام الكامل للدورة الدموية لكل شيء حي، ووضعت تصميم شجرة دندليون ذات الأوراق التي هي كالأسنان والأزهار الصفر الرائقة وجعلت لها بزرا مختلف الأولان وساقا وعروقا حمراء تحتوي على عصير لبني اللون مر الطعم، عن الحياة تصنع أوراق الأزهار وتجبر الحشرات أن تحمل اللقاح من العضو المذكر إلى العضو المؤنث من الأزهار، عن الحياة أستاذ كيميائي تعطي الفواكه والثمار طعومها المختلفة وتعطي التوابل ما فيها من الحرافات المختلفة وتعطي الورد وسائر الأزهار روائحها العطرية، عن الحياة تهب الحباحب(وهو دويبة تطير بالليل كأنها شرارة) ضوءا باردا يظهر به في الليل لتزدوج ذكوره بإناثه، عن كمياء الحياة عالية رفيعة لأنها لا تقتصر على جعل أشعة الشمس تعمل على تبديل الماء وحامض الكاربون عودا فسكرا، بل في عملها ذلك تستخلص الأكسجين ليكون حياة للحيوان بتنفسه إياه.
إن الحياة لمؤرخ عظيم لأنها كتبت تاريخها صفحة فصفحة في أثناء العصور تاركة سجلها في الصخور، ذلك السجل المنقوش الذي ينتظر فقد ترجمانا ماهرا ليترجمه ترجمة صحيحة، عن الحياة تعطي المخلوقات الفرح والغبطة لحياتها، فترى الخروف ينقر ويثب دون أن يعرف لماذا يفعل ذلك، عن الحياة تصبغ خد الصبي بحمرة لامعة وتجعل في عينيه بريقا وتجعل على شفتيه ابتساما وضحكا، نعم إن الحياة هي التي تبتسم، أما الطبيعة فلا تعرف الابتسام أبدا.
إن الحياة تحافظ على المخلوقات فتزودهم بالغذاء الوافر فتغذي الطائر وهو في البيضة غذاء كافيا وتعد كثيرا من الصغار أن يكتسبوا معيشتهم فور ولادتهم وتغدي صغارا آخرين بواسطة عطف الأمهات وحنانهن الطبيعي بقصد أو بدون قصد. إن الحياة تنتج الحياة فتعطي اللبن غذاء للمولود على قدر حاجته وكأنها ترى هذه الحاجة قبل حدوثها فتهيئ لها ما تتطلبه، عن الحياة أوجدت حب الأم لأولادها وحب الرجل لبيته الذي يئويه، ولوطنه الذي يحيا لأجله ويقاتل إلى أن يموت لأجله، عن الحياة تحافظ على نفسها بيقظة وحذر، فتعطي بعض المخلوقات ألوانا لتعينها على الاختفاء عن عيون أعدائها، وتعطي بعض المخلوقات سوقا صالحة للجري السريع محافظة على حياتها وتسلح بعض المخلوقات بالقرون الحادة وبعضها بالمخالب لتدافع عن نفسها وتعطي بعض المخلوقات سمعا يفوق سمع أعدائها أو بصرا يفوق بصر أعدائها أو شما قويا تعرف به الخطر قبل وقوعه فتنجو بنفسها ، وتعطي بعض المخلوقات أجنحة تحلق بها في أعالي الجو كلما رأت خطرا يهددها.
فأنت ترى هذه الوسائل بعضها صالح للهجوم والدفاع وبعضها صالح للدفاع فقط، وفي كل ذلك حكم بالغة وأسرار عظيمة. إن الحياة تزود بعض الحشرات الضعيفة بوسائل اختفاء تؤمنها من كل خوف، أما المادة فإنها لم تعمل قط أكثر من الإذعان لأحكام قوانينها فالذرات على اختلاف أنواعها مطيعة لما تمليه النسب الكيمائية، وقوة الجاذبية وتأثير درجات الحرارة والنبضات الكهربائية بدون الحياة يكون وجه الأرض صحراء قاحلة ليس فيها بقعة خضراء لا يختلف بعض أجزائها عن بعض وإن وجد فيها ما وجوده وعدمه سواء لا فائدة من وجوده، بدون الحياة تكون المادة عديمة الحركة ميتة.
أما من أين جاءت الحياة وإلى أين تذهب فإن العلم لا يجيب عن هذا السؤال.
هناك سؤال آخر وهو ما هي الحياة ؟ إلى الآن لم يستطع أحد أن يجيب عن هذا السؤال لأن الحياة لا يمكن أن توزن ولا أن تقاس فلا حجم لها ولا مساحة.
إن الحياة لها قوة تستطيع بها أن تجعل عروق النبات تشق الصخرة الصماء، عن الحياة تصنع شجرة عظيمة وتمسكها غير متأثرة بالجاذبية الأرضية لمدة ألف سنة أو أكثر، إنها ترفع أطنانا من الماء من الأرض كل يوم وتصنع أوراق الأشجار والثمار، عن أقدم شيء من الأشياء المتصفة بالحياة هو شجرة، هذه الشجرة عاشت خمسة آلاف سنة، وهذه المدة إنما هي لحظة من الأبد، عن الحياة تحسب حسابا لكل حركة تصدر من كل شيء حي، وكل هذه القوة غالبا تأتي بواسطة أشعة الشمس.
إن الحياة لا تستطيع أن تبقى في المادة المحصورة في حدود ضيقة، فالحر الشديد والبرد الشديد كل منهما يبيد أحوال المادة التي تتوقف عليها الحياة، عن الحياة تعلن وجودها فوق هذه الأرض حين تكون الأحوال ملائمة لها فقط.
وسيقضي نشاطها حين يقع أي تغير ملحوظ في أحوال المادة، غير أن الأحوال الحاضرة اليوم قد وجدت منذ ثلاثمائة مليون سنة على الأقل، إن الحياة هي وحدها مصدر الشعور وهي وحدها تمكن الإنسان من معرفة أفعال الله التي لإنزال أنصاف عميان عنها ولكننا نعرف أنها كلها خير، عن الحياة آلة تخدم أغراض العناية الربانية.

تعليقات على كلام المؤلف
الأولى إذا كانت الزلازل والأعاصير والطوفان قد غيرت وجه الأرض وجعلت عاليها  سافلها وبرها بحرها وبالعكس، وبقيت الحياة مع ذلك سائرة في طريقها الذي رسمه لها الخالق الباري سبحانه نعلم من ذلك أن أفعال الله لا تتقيد بالعادات بل تخرقها لان الله هو الذي أجرى تلك العادات بعد أن لم تكن جاريه فاجهل الجاهلين هو الذي يقيد قدرة الله بما جرت به العادة.
الثانية ذكر المصنف أن النار بقيت في إجراء الأرض بعد تفاصلها عن الشمس، وخص الإنسان باقتباسها وإظهار أسرارها وبذلك صار سيدا وانقادت له المخلوقات وصارت طوع أمره يتصرف فيها كيف يشاء بإذن الله، وقد أمتن الله على عباده بأن هداهم لإيراد النار واستخراجها قال تعالى في سورة الواقعة«أفرأيتم النار التي تورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين» وقال تعالى في سورة يس استدلالا على قدرته على إحياء العظام وهي رميم« الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون».
وقالت العرب في أمثالها في كل شجرة نار واستمجد المرخ والعار وهما نوعان من الشجر تستخرج النار من حطبهما بسهولة وقوله تعالى: «نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين» فيه آية عظيمة للمستبصرين فإن المقوين هو المسافرون وهم في حاجة إلى النار يستضيئون بها ويعرفون ما حولهم من عدو وسبع ضار ودواب سامة وحشرات مؤدية فيتقون شرها، ومن استمتاع المسافرين بالنار أنهم يهيئون بها طعامهم ويتدفأون بها في وقت البرد، أما في هذا الزمان فقد اتسع مجال الاستمتاع فصارت النار للمسافرين وسيلة هي أهم وسائل السفر، فالمركب الذي يحمله ويحمل أمتعته زيادة على البضائع والرسائل لا يسير إلا بالنار سواء أكان سفره في البر أو في البحر أو في الجو لا يسير على بالنار، والاتصال بين المسافرين والمقيمين بالهاتف والرسائل البرقية والراديو لا يكون إلا بالنار، ودفاع المسافر عن نفسه كيفما كانت الوسيلة التي يسافر بها لا يكون إلا بالنار، وعلى ذلك يقول: عن النار قد صارت كل شيء بالنسبة إلى المسافر في هذا الزمان، وذلك يدلنا دلالة واضحة على أن القرآن لم ينزل لعصر محدود ولا لجيل أو أجيال محدودة ، وغنما نزل ليكون منهاجا دينيا ودنيويا مدنيا وعسكريا ضامنا لسعادة الشعوب كلها وأمنها وسلامته ورخائها وازدهارها في كل زمان ومكان حتى يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
التعليقة الثالثة: قال المصنف أن الحياة تسير على خطة مرسومة أقول: من رسم هذه الخطة وقدرها ودبرها وسيرها على حسب تقديره بدون اختلال ولا اختلاف ؟ أليس هو الله رب العالمين ؟ فأين تذهبون يا خفافيش المادة الميتة ؟ ألم يان لكم أن تؤمنوا بالخالق الباري المصور وأنتم تشاهدون آياته في كل ذرة من ذرات هذا العالم العجيب.
وفي كل شيء آية            تدل على أنه الواحد
من ذا الذي وضع القانون العظيم لذلك المخلوق الضعيف منفردا، القوي مجتمعا، قوة تحتاج إلى تعاون دول عديدة بطائرتها وأدويتها السامة وجهود أطباءها وعلمائها ورجالها العسكريين.
ومع ذلك كله تعجز هده الدول مجتمعة أن تقضي على جميع أرجال الجراد وتتقي ضرره، وإنما تستطيع أن تكف بعض شره، لولا ذلك القانون الرباني لما استطاعت جميع دول العالم مجتمعة أن تقاوم هذا الجند العظيم وتتغلب عليه« وما يعلم جنود ربك ألا وهو، وما هي إلا ذكرى للبشر».

 

 

 


 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here