islamaumaroc

حول توحيد أول الصيام والعيدين

  دعوة الحق

29 العدد

عندما يهم المسلمون باستقبال شهر رمضان أو أحد العيدين، الفطر والأضحى يكثر حديث المجامع حول ضبط أول الشهر بالتدقيق.إن المسلمين فيما مضى قبل شيوع اللاسلكي كانوا يعتمدون على رؤيتهم الخاصة. فكان كل قطر يكتفي برؤيته ويعمل عليها، ولا تتطلع نفسه إلى غير ذلك اعتمادا على أن مطالع الاهلة تختلف. وبناء على ذلك فلكل قطر رؤيته. أما الآن فقد قربت المذاييع أخبار الأقطار بعضها من بعض فصار خبر الهلال إذا طلع بالمشرق أو المغرب يعم الآفاق في ثوان معدودات، وهذا ما جعل الناس يلاحظون الفروق في الأقطار في الأعياد وأوائل الشهور. وتطلعت جمهرة من المفكرين إلى توحيد أول الصيام والأعياد في العالم الإسلامي بحجة أن ملة الإسلام واحدة وأنه لا لزوم إلى الاختلاف في مظاهر الأعياد والصيام التابعة للأهلة بين المسلمين، وكان الجواب على هذا هو مسايرة ما قرره الفقهاء وعملوا عليه عدة قرون من أن اختلاف المطالع والأقاليم يقتضي هذا، وهو رأي جمهرة من العلماء. وإن كان هناك جمهرة مهمة ومعتمدة تقول بأن رؤية الشهر في بلد تعم ويسري حكمها على غيرها ولو مع عدم توحد إمامة المسلمين. وهذا القول يعجب به المفكرون المسلمون الذين يودون أن تتوحد الأمم الإسلامية في مظاهرها وقوانينها المستمدة من القرآن الكريم والتشريع النبوي حتى يجرها ذلك إلى توحيد نفس سياستها الداخلية والخارجية وتصبح متناسقة متحدة على قلب رجل واحد كالشجرة المباركة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء توتي أكلها كل حين بإذن ربها.
وهذه الفكرة وجدت آذان المسلمين صاغية وقلوبهم واعية ورغبتهم متجلية لقبول توحيد أوقات الصيام والأعياد شرقا وغربا، وبالتالي تشوف المفكرون والطلبة النابهون إلى الاطلاع على النصوص الدينية والأقوال الفقهية في هذا الموضوع، فأردت أن أدلي بوجهة نظر في هذا الموضوع الشائك تنير السبيل أمام الباحثين حتى يهيئ الله من أولي الحل والعقد في العالم الإسلامي من علماء وولاة المسلمين من ينفذ الفكرة وسنشير على نقط ثلاث في البحث.

النص الديني، والقياس، والإجماع:
النص الديني عن ابن عمر(ض) قال سمعت رسول الله(ص) يقول: إذا رأيتموه(أي الهلال) فصوموا وإذا رأيتموه فافطروا، فإن غم(بضم الغين المعجمة وتشددي الميم) أي حال بينكم وبينه غيم« عليكم فاقدروا له»، قال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام: متفق عليه وفي رواية مسلم: « صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته فإن غبى عليكم فاكملوا عدة شعبان ثلاثين» علق الحديث حكم الصوم بالرؤية وظاهره اشتراط رؤية الجمع له من المخاطبين قال في سبل السلام: لكن قام الإجماع على عدم وجوب ذلك. وقال في فتح الباري: ليس المراد تعليق الصوم بالرؤية في حق كل أحد بل المراد بذلك رؤية بعضهم، وهو من يثبت به ذلك إما واحد على رأيي الجمهور أو اثنان على رأي آخرين»هـ. إلا أن الحنفية قالوا: إذا كان الصحو لم يقبل إلا من جمع يقع العلم بخبرهم.
قال الصنعاني فمعنى إذا رأيتموه إذا وجدت فيما بينكم الرؤية، فيدل هذا على أن رؤية بلد رؤية لجميع أهل البلاد فيلزم الحكم، وقيل لا يعتبر لأن قوله إذا رأيتموه خطاب لأناس مخصوصين به هـ. ولقائل أن يقول أن صيغة الأمر عامة كأقيموا الصلاة وأوفوا الكيل وذروا ما بقي من الربا. وإذا خصص الدليل شيئا منها يعدل عن التمسك بالعموم إلى الخصوص لدليل إما بدونه فلا، وقد أشار بن حجر إلى ترجيح العموم حيث قال: وقد تمسك بتعليق الصوم بالرؤية من ذهب إلى إلزام أهل البلد برؤية أهل بلد غيرها، ومن لم يذهب إلى ذلك قال لان قوله حتى تروه خطاب لأناس مخصوصين فلا يلزم غيرهم(قال ابن حجر( ولكنه مصروف عن ظاهره فلا يتوقف الحال عن رؤية كل واحد فلا يتقيد بالبلد هـ. وقد حكى ابن حجر في الفتح مذاهب العلماء في المسألة بقوله.
أحدهما لكل بلد رؤيتهم وفي صحيح مسلم من حديث ابن عابس ما يشهد له وحكاه بن المنذر عن عكرمة والقاسم وسالم وإسحاق، وحكاه الترمذي عن أهل العلم ولم يحك سواه وحكاه المارودي وجها للشافعية.
الثاني مقابله إذا رؤي ببلدة لزم أهل البلاد كلها وهو المشهور عند المالكية:هـ. وقال عياض قال بعض شيوخنا أنما الخلاف إذا ثبت في البلد المنقول عنها بالبينة وأما لو ثبت فيها بالاستفاضة فإنه يلزم غيرها كثبوته عند الإمام وفي قوله صلى الله عليه وسلم صوموا لرؤيته حجة للجمهور هـ. وحديث كريب: أنه حين قدم من الشام اخبر ابن عباس أنه صام لرؤية ليلة الجمعة فقال ابن عابس لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه فقال كريب أو آلا تكتفي برؤية معاوية ؟ قال : لا، بهذا أمرنا رسول الله(ص) فإن ابن عباس فهم قول الرسول صوموا لرؤيته أي لرؤيتكم انتم على ما يظهر وقال بعض الشافعية: إن تقارب البلاد كأن الحكم واحدا وأن تباعت فوجهان لا يجب عند الأكثر، واختار أبو الطيب وطائفة الوجوب وحكاه البغوي عن الشافعي، هـ. وقال شيخ الإسلام بن تيمية تختلف المطالع باتفاق أهل المعرفة بهذا، فإن اتفقت لزمه الصوم وإلا فلا وهو الأصح للشافعية وقول في مذهب احمد، هـ.
وقد علل عياض قول ابن عباس« هكذا أمرنا رسول الله (ص) بوجوه تجعله لا يقوى على معارضة قول الجمهور حيث قال: عدم اعتداده برؤية معاوية يحتمل انه بناء على مذهبه أن لكل قوم رؤيتهم أو لأنه لم يقبل خبر الواحد، أو لأمر كان يعتقده في ذلك ! أو لاختلاف أفقهم وقيل لأن السماء كانت بالمدينة مصحية فلم يروه ارتابوا في الخبر»،هـ. والخلاصة أن القول بتوحيد الحكم في الصوم أن اتفقت المطالع أو تقارب البلاد كما حكى هذا وجها للشافعية يتجه اتجاها قويا في النظر لهذا قال الصنعاني: وفي المسالة أقوال ليس على أحدها دليل ناهض والأقرب لزوم أهل بلد الرؤية وما يتصل بها من الجهات التي على سمتها، لكن هل يعتبر المسامتة باعتبار إمكان ظهوره في وقت واحد أو يكفي أن تقع عبادة الصيام بالفعل في تلك البلاد في وقت يمكن أن يرى بها لو كان الوقت غروبا ؟ هذا هو ما يظهر مراعاة لمن يقول بتعميم الرؤية.

الإجمـاع:
نقل ابن مرزوق في شرح العمدة عن ابن عرفة: « اجمعوا على عدم لحوق رؤية ما بعد كالأندلس من خراسان»هـ. ولما حكى في فتح الباري القول بأن رؤيته ببلد تعم البلاد وأن ذلك هو المشهور عند المالكية قال: لكن حكى ابن عبد البر الإجماع على خلافه وقال اجمعوا على أنه لا تراعى الرؤية فيما بعد من البلاد كخرسان من الأندلس قال القرطبي قد قال شيوخنا إذا كانت رؤية الهلال ظاهرة قاطعة بموضع ثم نقل إلى غيرهم بشهادة اثنين لزمهم الصوم وقال ابن الماجشون لا يلزمهم بالشهادة إلا لأهل البلد الذي ثبتت فيه الشهادة إلا أن يثبت عند الإمام الأعظم فيلزم الناس كلهم لان البلاد في حقه كالبلد الواحد إذ حكمه نافذ في الجميع، هـ. وتقدم عن عياض تحديد موضع الخلاف فيظهر أن ابن عرفة اعتمد في حكاية الإجماع على ابن عبد البر ومعلوم تحذير العلماء من اجماعاته وعليه فقد انتفى الإجماع.

القيـاس:
في الفرق الثاني والمائة من فروق القرافي ما نصه: « إن المالكية جعلوا رؤية الهلال في بلد من البلاد سببا لوجوب الصوم على جميع أقطار الأرض ووافقهم الحنابلة ورحمهم الله على ذلك وقالت الشافعية رحمهم الله لكل قوم رؤيتهم.
واتفق الجميع على أن لكل قوم فجرهم وزوالهم وعصرهم ومغربهم وعشاءهم فإن الفجر إذا طلع على قوم يكون عند آخرين نصف النهار وعند آخرين غروب الشمس إلى غير ذلك من الأوقات وما من درجة تطلع من الفلك أو تتوسط أو تغرب إلا وفيها جميع الأوقات بحسب آفاق مختلفة متباينة» هـ. ولكم القرافي ظهر له أن الحق مع الشافعية القائلين بأن لكل قوم رؤيتهم فقال: وإذا كان الهلال يختلف باختلاف الآفاق وجب أن يكون لكل قوم رؤيتهم في الآهلة كما أن لكل فجرهم وغير ذلك من أوقات الصلوات، وهذا حق ظاهر وصواب متعين، أما وجوب الصوم على جميع الأقاليم برؤية الهلال بقطر منها فبعيد عن  القواعد، والأدلة لم تقتض ذلك فاعلمه، هـ.
وهذا قياس من القرافي لرؤية الهلال المتعلق بها الصوم على وقت الصلاة مع أن هناك فرقا واضحا لم يلاحظه القرافي وهو أن عبادة الصلاة تلزم فور حلول وقتها، وعبادة الصيام والفطر في شوال تقعان بعد مرور عدة ساعات من رؤية الهلال فإذا صام المغاربة برؤية الهلال في مصر مثلا فصومهم بعد رؤيته بأكثر عشر ساعات لأنه يظهر في مصر قبل الرابعة مساء بتوقيت المغرب والمغاربة يبتدئون عبادة الصيام في فجر اليوم الذي بعده فما أوقعوا عبادة الصيام إلا وقت إمكان رؤية الهلال بأفقهم لو كان الوقت وقت رؤيته بخلاف الصلاة لضيق وقتها وبالجملة أن رؤية الهلال في العالم الإسلامي تحتاج إلى تحديد المطالع بالنسبة للأقطار الإسلامية على أساس مراعاة أوقات فعل عبادة الصيام مع العمل لتوحيد مظاهر الأعياد وغيرها بين المسلمين ما أمكن والله ولي التوفيق.

 

 

 

 

 

 


                        

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here