islamaumaroc

نظرة التشريع الإسلامي في استغلال المراعي والمياه والغابات

  دعوة الحق

29 العدد

إن البلاد الزراعية لها جانب إنتاج الحبوب والفواكه والثمار والخضر والأخشاب وما يجانس هذه المحصولات، كما لها جانب آخر قد يحتل الصف الأول فيها وهو تربية الحيوانات من بغال وبقر وغنم وابل وجميع ما يدخل في هذا الباب.
وبلادنا مهما أخذت تتطور الزراعة فيها باستعمال الآلات الميكانيكية، والأسمدة الكيماوية، فإنها لا زالت في الأغلب تعتمد على البقر والبغال والإبل والالات القديمة.
ولا غنى لبلاد تعد الثروة الحيوانية في الصف الأول من إنتاجها من استغلال المياه لشربها ولتهيئ المراعي المفقودة ولابد لها من استغلال المراعي وكل المرافق الموجودة لهذا الغرض وبالتالي استغلال الغابات في الدوائر التي تبقى معها تلك الغابات صالحة لما هو أهم من هذا الاستهلاك المحلي.
وأعني بالاستهلاك المحلي تهيئة المحاريث وتحويط بعض الزرائب أو تسقفها أو تهيئة مأوى صالح للماشية وبقية الحيوانات على ما كان معهودا ومعمولا به قبل فرض الحماية.
إذن  من المعلوم أن استغلال المياه والمراعي والغابات شرع له الاستعمار أو الحكومة المخزنية وقت نفوذ الأجنبي تشريعات بنيت على مبدأ سيطرة الدولة على هذه المرافق لا لمصلحة الدولة ولكن ليوجه الاستعمار هذه المرافق توجيها تستفيد منه الرأسمالية قبل أي أحد كما كان هذا التوجيه هو الطابع العام لكل التشريعات الصادرة في عهد الحماية.
ولما ملك المغرب أمر نفسه أحست حكومة صاحب الجلالة بمسيس الحاجة لإعادة النظر فيما أصدره الاستعمار من تشريعات في العهد البائد فتكونت لجنة لهذا الغرض المهم.
فرأيت أن أتعرض في هذا الحديث لنظرية التشريع الإسلامي في استغلال المراعي والمياه والغابات حتى الفت نظر اللجنة المكلفة بمراجعة التشريعات في العهد البائد إلى المبدأ الذي يراعيه التشريع الإسلامي في انتفاع الضعفاء من هذه المرافق عسى أن تأخذه بعين الاعتبار لأنه الأوفق والأصلح لأهل البادية لرفع مستواهم المعاشي ولحفظ التوازن في توزيع السكان بين الحواضر والبوادي.
فقد كان الاستعمار يحافظ بالقوة على هذا التوازن حتى كان يرد المهاجرين من القبائل إليها، فلما أحرز المغرب على الاستقلال صارت الهجرة مباحة للجميع، لا فرق بين بدوي وحضري إلا أنها كثرت حتى أحست البادية بفراغ عظيم.
فنتج عن ذلك قلة العمل الفلاحي من جهة، وازدحام المدن بكثرة الأيدي المحتاجة إلى العمل لكسب القوت اليومي من جهة أخرى.
كما حصلت أزمة السكنى وامتلأت ضواحي الحواضر بمدن القصدير وكثرة الأكواخ.
وهذا اختلال في توزيع السكان يضر بمصالح البلاد ولابد أن المسؤولين سيتخدون خطوات ايجابية تضع حدا لهذا الاختلال.
وقد درس علماء الاقتصاد هذه الظاهرة واستنكروها أشد الاستنكار. يقول مؤلف كتاب?الموجز في علم الاقتصاد) الذي ترجمته سابقا وزارة المعارف المصرية وقررته في مدارسها(إن الشعوب التي يسوء نظام التربية والتعليم عندها بتفاقم أسباب التعليم المجاني فيها أو بتفاقم المنشطات الخداعة التي تخرج أبناء الزراعة عن أفقهم وتلقي بهم متهافتين على الحرف الحرة والتجارة ووظائف الحكومة تسيء على نفسها وتضر بمصلحتها الثابتة لأنها تهدم التوازن الذي عليه قوام الأعمال البشرية فيما بينها، ولأنها بتنمية عدد المنتجين غير المباشرين على عدد المنتجين المباشرين تقوض بيدها ركن بنائها أي تهدمه، انتهى).
فما هي الأسباب الخداعة التي تخرج أبناء الزراعة عن أفقهم – التي يشير إليها مؤلف الموجز – في مغربنا ؟ وهل يمكن معالجة هذه الأسباب.إن من أهم أسباب هذه الهجرة بالنسبة للشباب هذا الانحلال الأخلاقي الذي عم المدن، حيث ينساقون ووراء شهواتهم دون أي رادع، مع عدم التربية الأخلاقية التي تحيى بها ضمائر القوم فتجعلهم محافظين على المروءة والعفة، فالواجب لدرء هذا الانحلال هو تعميم التربية الدينية ليقل الإجرام والفجور وكل أنواع الفساد.
ومن الأسباب العامة عدم تزويد القرى بوسائل الحياة المدنية حتى يجد الراغبون في هذه الحياة كفايتهم منها في القرى.
ومن ذلك، وهو ما يتصل بموضوعنا، هذا التضييق عليهم في استغلال المرافق القروية كالمنع من المراعي في الغابات، ومنعهم من صنع الفحم منها، ومن أخذ بعض الأخشاب منها لخصوص تسقيف البيوت لأنفسهم أو لإيواء ماشيتهم وحيواناتهم، مع أن المرافق مرافقهم والغابة كانت لهم قبل كل أحد. ففي صحيح البخاري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة الحطب فيبيعها يكف بها وجهه خير له من أن يسال الناس أعطوه أو منعوه.
فإذا اضطره الحال  وجاء بالحبل على ظهره ليحتطب من الغابة ماذا يقول له ؟ نقول له أن تشريع الاستعمار منعك من العمل الذي إذن لك فيه الرسول عليه السلام، هذا  ما لا يجوز.
إن الشارع الإسلامي رأى أن الضعفاء يستحقون المساعدة ورفع الكلف عنهم لأن نقل الحطب أو صنع الفحم لا يباشرهما إلا محتاج، إذ هما من الأشغال الشاقة. وإذا كانت العدالة عند اقتصاصها من المجرمين تحكم عليهم بالأشغال الشاقة مدة معينة محدودة، فماذا عسى أن تطلب التشريعات ممن اضطرتهم ظروف حياتهم لمزاولة  هذه الأشغال عن طواعية واختيار ؟ وكثير من هؤلاء رجالا ونساء يحملون الفحم إلى المدن على  ظهورهم، فهؤلاء إخواننا في الإنسانية يجب أن نرفق بهم، ولا نشدد عليهم، ولا نجعل الغابة بينهم كأنها ناقة صالح بين قومه، فنقول لهم في تشريعنا لا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم.
ثم أننا ينبغي أن نكون منطقيين مع أنفسنا، فإذا كانت الحكومة توزع أراضي هي ملك لها على الفلاحين المحتاجين، وتبني القرى النموذجية من ميزانية الدولة، وتدفعها لمن يسكنها بتقسيط في دفع ثمنها لأجل طويل، أفلا يجمل بالحكومة التي هذه صفتها أن ترفق بالمجاورين للغابات، فتساعد ضعفائهم بالسماح لماشيتهم المحدودة بالرعي في الغابة، وتساعدهم كذلك ببعض الأخشاب إذا اشتدت حاجة ضعفائهم إليها، وتتركهم يلتقطون الحطب لصنع الفحم حتى يطمئنوا على السكنى في قراهم، ويقللوا من الهجرة  إلى المدن، فتخف لذلك أزمة البطالة والسكنى بها، وتحيي البوادي وتزدهر بسكانها الأوفياء، وتعرف من جديد حياة الاستقرار، ولا تشكو الفراغ الذي تشكوه الآن.
وقد اعتبر رسول الإسلام الناس شركاء في ثلاثة: الكلأ والماء والنار، فالكلأ النبات رطبا كان أو يابسا، وإباحته موضع إجماع في الأرض المباحة والجبال التي لم يحرثها أحد إلا ما حماه أي منعه الإمام أي أمير المؤمنين لمصلحة كما سيأتي، ويحرم منع المياه المجتمعة من الأمطار في ارض مباحة أي غير مملوكة لأحد، وأنه ليس أحدا أحق بها من أحد إلا لقرب أرضه منها، وكذلك إذا كانت في ارض مملوكة لابد لصاحب الأرض أن يرسل الفاضل بعد كفايته منها، وإنما يسوغ له أن يقدم في الانتفاع، وأما النار فقيل المراد بها الحطب الذي يحطبه الناس، وقيل الاستصباح بها وقيل النار حقيقة، وإن كانت من حطب مملوك فقيل حكمها حكم أصلها، وقيل يدخلها الخلاف الذي في الماء، وذلك لعموم الحاجة وتسامح في ذلك. أما حماية الإمام للمراعي فقد روى البخاري عن الرسول(لا حمى إلا الله ورسوله) والظاهر أن من قام مقام الرسول يحمي بعض المراعي للمصلحة العامة، كما حمى عمر بن الخطاب الربذة لإبل الصدقة، وكذلك حمى موضوعا يسمى الشرف، ولكنه في الواقع لم يحم المراعي المذكورة من رعي الضعفاء، بل أوصى بهم وكانت حمايته ومنعه للمراعي من الأغنياء فقط، على عكس ما كان الاستعمار ويحمي الغابات والمراعي من الضعفاء، ويدفعها للرأسمالية الطاغية تستغلها. فروى أبو عبيد وابن أبي شيبة والبخاري والبيهقي عن اسلم أن عمر بن الخطاب استعمل مولى له يسمى هنياعلى الحمى فقال: يا هني اضمم جناحك عن المسلمين يعني اتق الله ولا تمد يدك لما لا يحل، واتق دعوة المظلوم فإنها مجابة، وادخل(يعني في مراعي الحمى) رب الصريمة ورب الغنيمة، والصريمة والغنيمة تصغير صرمة وغنم والصرمة من الإبل، والغنم معروفة.ثم قال عمر: وإياك ونعم ابن عوف ونعم ابن عفان، فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعان على نخل وزرع، ورب الصريمة ورب الغنيمة أن تهلك ماشيتهما يا تيني ببنيه يقول يا أمير المؤمنين !! فتاركهم أنا لا أبا لك ؟ فالماء والكلأ – أي النبات – أيسر علي من الذهب والورق أي الفضة، وأيم الله أنهم يرون أني ظلمتهم وإنها لبلادهم قاتلوا عليها في الجاهلية، وأسلموا عليها في الإسلام، والذي نفسي بيده لولا المال الذي احمل عليه في سبيل الله ما حميت على الناس في بلادهم أهـ.
فهو يقول: عن الاضطرار لصيانة البغل والخيل الذي يقع بهما الغزو في سبيل الله هو الذي حمله على حماية هذه المراعي وحلف أنه لولا ذلك ما حماها.
وفي قوله أن تهلك ماشيتهما يا تيني ببنيه فيقول يا أمير المؤمنين! ما يبين أن التضييق على هؤلاء الضعفاء من أسباب الهجرة.
وهذا ما نرجو من المشرع المغربي أن يسير على ضوئه في تشريع الغابات والمراعي والمياه وقد قدمت الحكومة نوعا من هذا الرفق في إعفاء الفلاح الصغير من الترتيب والضرائب، وهذا هو ما رعاه الشارع في الإسلام، حيث أعفاه من الزكاة حتى تبلغ غلته خمسة أوسق وكذلك راعاه في عدم لزوم زكاة ماشية الغنم والمعز حتى تزيد على الأربعين. بل إننا نرجو من الحكومة أن تعين صغار الفلاحين بالسلف لشراء الماشية زيادة على تهيئة المراعي المهمة لهم، كما تسمح لهم باستغلال الغابات في حدود تبينها القوانين السمحة الصالحة التي تساعد على ازدهار العمران، والله ولي التوفيق.

 

 

 

 

                                  
                             

 

 

 

 

 

 


 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here