islamaumaroc

حول مدرسة المترجمين بطليطلة

  دعوة الحق

29 العدد

لـقـب « الفونسو العاشر» في تاريخ ما يسمى عند الإسبانيين بحملة استرجاع الأندلس من المسلمين بالملك« الحكيم» جزاء على ما كان له من الفضل في إحياء العلوم والآداب والفنون والاستعانة بها في إقامة قواعد المجد للدولة التي اقترن ميلادها بتوحيدها عند انتهاء الحملة المذكورة في العقد الأخير من القرن الخامس عشر. وقد ملك«الفونسو العاشر»قشتالة فيما بين السنتين الثانية والخمسين والرابعة والثمانين من القرن الثالث عشر الذي تقلص فيه الإسلام عن الأندلس إذا استثنينا مملكة بني نصر بغرناطة وأقصى شواطئ الجنوب التي أنهى« الفونسو الحادي عشر»استردادها بسقوط طريف في قبضة جيشه سنة أربعين وثلاثمائة وألف. ولقد كانت مدينة طليطلة قاعدة ملوك قشتالة وظلت عاصمة للدولة الاسبانية الناشئة إلى حلول السنة الستين من القرن السادس عشر. وتبعد هذه المدينة عن مدريد نحو الجنوب بمسافة خمسة وسبعين كيلو مترا إذا سرنا في خط مستقيم. أما سكانها في الوقت الحاضر فأربعون ألفا. وتوجد بهذه المدينة كاتدرائية جميلة أنهى بناؤها في القرن الخامس عشر ويقيم القاصد الرسولي لاعتبارها العاصمة الدينية لاسبانيا من قبل الفاتيكان.
ولم يقترن عهد«الفونسو العاشر»بالمآثر الحربية كما اقترن في أسفار التاريخ بجلائل الأعمال في عالم الفكر. وقد كان في طليعة تلك الأعمال بعثه لجامعة« سملنكة» التي هي أولى الجامعات في العالم المسيحي وقيامه على وضع الجداول الفلكية مستعينا بالمؤلفات وآلات الرصد التي خلفها العرب. أما العمل الجبار الذي نهض به الملك وكان له الأثر البعيد في التمكين لعصر النهضة لأوربا المسيحية فهو تأسيسه لمدرسة المترجمين بطليطلة. فقد كان« الفونسو العاشر» ملكا«حكيما» حقا إذ أنه اقتنى اثر العرب في إقبالهم على نقل تراث الفرس والإغريق إلى اللغة العربية فأسند مهمة ترجمة الكتب العربية القيمة بالأندلس إلى اللغة الاسبانية الناشئة آنذاك إلى أساتذة المدرسة الطليطلية المشهورة وطلابها. وكان من بين أساتذة هذه المدرسة علماء مسلمون ويهود وقعوا في الأسر فعهد إليهم ملك قشتالة بتعليم العربية للطلبة النصارى وبالقيام على ترجمة كتب العلوم المنطقية والتطبيقية العربية إلى اللغة القشتالية التي لم تستكمل تكوينها ونشوءها إلا في القرن الثاني عشر. وقد رعى الملك فضل هؤلاء العلماء فأحسن معاملتهم وأجزل لهم العطاء وفرض احترامهم على الناس ولم يجبرهم على الدخول في دين التثليث. ويقول رواة التاريخ الاسباني خلال هذه القرون السبعة الأخيرة أن أولئك العلماء من مسلمين ويهود قد نهضوا بالمهمة المسندة إليهم على أحسن وجه بما أنجزوا من عمل النقل وتعليم الترجمة والإشراف عليها فكان فضلهم على النهضة الاسبانية عظيما. فقد ترجمت الكتب العربية في الطب والفلك والرياضيات والكيمياء والفلسفة. وكانت العربية لغة الوصل بين الكتب اليونانية القديمة واللغة الاسبانية الناشئة. وليس في وسع ما سبق ذكره أن ينسينا جريمة الإحراق الذي تعرضت له الكتب العربية فيما بعد عندما اشتد طغيان الكنيسة التي قادت حملة الاسترجاع التي انتهت بسقوط غرناطة في اليوم الثاني من شهر يناير لسنة اثنتين وتسعين وأربعمائة وألف واستبد بالحكم الحبر المتعصب«شيسنيروس»  بعد وفاة الملكة« أسابيل الكاثوليكية» في السنة الرابعة من القرن السادس عشر. ومن المؤرخين الاسبانيين والأجانب من يقول أن عددا هاما من الكتب التي ترجمت إلى اللغة الاسبانية في طليطلة لم يسلم من النار التي أوقدها الحبر لما أصبح وصيا على العرش وأخذ نفسه باجتثاث أصول الثقافة العربية من البلاد.
ولست أريد في هذا المقال أن افرغ لذكر المؤلفات التي تم نقلها أو التي عبثت بها ريح التعصب العاتية فأضاعت فائدتها الجليلة على الإنسانية جمعاء وهي التي قيمها بعض المؤرخين من المستعمرين بنكسة ألف سنة في تاريخ الحضارة. فلعشاق البحث من المؤرخين لنتاج الفكر ومجال واسع في مكتبة « الايسكوريال» الغنية بالمخلفات العربية وبالكتب المنقولة عن أصول عربية. وما القصد من هذا المقال إلا الإشادة بالبادرة التي صدرت عن ملك قشتالة فلقب بالحكيم مدرجة في عرض تاريخي موجز لتلك الفترة الفاصلة بالقياس إلى الوجود الإسلامي بالأندلس أولا وبالقياس إلى ما كان لها من إشعاع بدد ظلمات القرون الوسيطة التي كانت أوربا النصرانية تائهة فيها لنخلص من خلاله إلى عبرة نستنتجها من مقارنة لا تخلو من مفارقات.
فإذا كانت السلطة السياسية للمغرب متحررة الآن كما تحررت السلطة السياسية لاسبانيا عقب انتهاء حملة الاسترجاع وسلمنا جدلا بمشروعية تلك الحملة وما صحبها وأعقبها من قمع وتشريد للاسبانيين الذين دخلوا في الإسلام فثبتوا عليه وكانت لغته في حاجة إلى تعهد ورعاية يعيدان إليها سالف مجدها لا في طور التكوين والنشوء كما كانت اللغة الاسبانية آنذاك فمن الخير له أن يقتفي اثر تلك البادرة الحكيمة لملك آمن بأن كيان الدولة لا يكون متينا ما لم يكن له سند من الثقافة. وإذا كانت اللغة القومية للمغرب لغة مشتركة بينه وبين الأقطار العربية الأخرى كما أصبحت اللغة الاسبانية مشتركة بين اسبانيا والجمهوريات الأمريكية العشرين منذ اكتشاف الاسبانيين للعالم الجديد في نفس السنة التي سقطت فيها مملكة بني نصر بغرناطة في أيدي« الملكين الكاثوليكيين»فللمغرب بحكم موقعه الممتاز على البحرين اللذين تلتقي عندهما معظم حضارات اليوم ما يؤهله للقيام بنفس الدور الهام الذي من شأنه أن يعود بالخير العميم على الحضارة العربية المنبعثة إذا هو أخذ نفسه بنقل تراث اللغات الحية على لغته القومية وعرض هذه الأمانة على  الكفاة من بنيه الذين لهم الخبرة المتوازية العميقة بإحدى اللغات الحية على الأقل بالإضافة إلى اللغة القومية لتصهر المعلومات والمدارك الحديثة في قالبها الأصيل.
إن المهمة السامية التي نهضت بها المدرسة الطليطلية المشهورة في القرن الثالث عشر مهمة نرى فائدتها تتجدد في هذا القرن بالقياس إلى المغرب إذا هو أراد إحياء ثقافته وتطعيم تراثه القيم بما جد خلال القرون الأخيرة في العلوم والفنون والآداب جميعا بمختلف اللغات. ولقد اقترن تاريخ المغرب بخدمته الموصولة للثقافة فكان سجلا ذهبيا بفضل ما نشر من الهدى وأشاع من العرفان.
ولن يكون مستقبله حافلا بالمكرمات إلا إذا أعاد سيرته الأولى. ومن الحكمة الإخلاص للماضي مع الاعتزاز به والاهتمام بالمستقبل مع الاستعداد له إذا أردنا أن يكتبنا التاريخ في زمرة الحكماء...

 

 

 

 

 

 

 

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here