islamaumaroc

المدن الثقافية الإسلامية -5، 6- قرطبة وغرناطة

  محمد كمال شبانة

العدد 254 ربيع2-جمادى1 1406/ يناير-فبراير 1986

5 – قرطبة:
     تقع مدينة قرطبة في إسبانيا على سفوح الجبال المتفرعة من سلسلة جبال سييرا مورينا، التي تمتد شمالي المدينة، وتحاذي قرطبة الضفة اليمنى لنهر الوادي الكبير، وهي مدينة قديمة يعتقد أنها ايبيرية الأصل، فقد دلت الحفريات الأثرية التي تمت في منطقتها على ذلك الاعتقاد، حيثما عثر على تماثيل ايبيرية من البرونز، وأن اسمها يتشابه في مقاطعه مع أسماء بعض مدن أخرى، فليس من المستبعد أن اسمها القديم Corduba قد حرفه العرب إلى "قرطبة".
وقد توالى على المدينة حكم دول مختلفة على مر تاريخها، ففي عام 169 ق.م. اتخذها الرومان عاصمة لإسبانيا السفلى، حيث تناولتها العمارة الرومانية، كما أحيطت بالأسوار المنيعة، وازدحمت بالسكان وخاصة الأسرات النبيلة الرومانية. ثم تمكن قائد الامبراطور يوليوس قيصر من الاستيلاء على قرطبة عام 45 م، حيث قسمت إسبانيا السفلى إلى إقليمين: لوزيتانية، وباطقة، وكانت قرطبة عاصمة لإقليم باطقة، وبغد فترة قصيرة أصبحت هذه العاصمة أحد المراكز القضائية في إسبانيا الجنوبية، أما الثلاثة الأخرى فكانت في استجة وأشبيلية وقادس.
وحدث أن غزا الفندال والسواق والألان شبه جزيرة أيببيريا عام 409 م، واستولى الفندال على إقليم باطقة وأشبيلية، واتخذوا من هذه الأخيرة عاصمة للإقليم. أما قرطبة فقد ظلت تحت سيطرة البيزنطيين، حتى تمكن ملك القوط الغربي "ليوفخلدو" من امتلاكها عام 568م، ومن ذلك الحين تنتقل قرطبة إلى منطقة الظل، وتفقد قوة مركزها بالنسبة إلى طليطلة التي فاقتها منذ أواخر القرن السابع الميلادي.
وأقبل الفتح الإسلامي إلى الأندلس، وتم الاستيلاء على قرطبة دون مقاومة تذكر، إذ تذكر الرواية العربية أن طارق بن زياد بعث قائده مغيث الرومي إلى قرطبة على رأس سبعمائة فارس، فوصلوا المدينة تحت جنح الظلام، حيث كان حراس أسوارها في غفلة عنها، فتمكن جنود مغيث من تسلق الممر الخاص بالسور، وقفزوا إلى داخل المدينة، وباغتوا حراس بابها الجنوبي فقضوا على من تعرض منهم لهم وفتحوا الباب الرئيسي من الأسوار، فتفرقت الجيوش الإسلامية، وصارت قرطبة بعد هذا الفتح عاصمة لإسبانيا الإسلامية، حيث أخذت تستعيد ماضي مجدها شيئا فشيئا، ووطد بها ولاة الأندلس سلطانهم منذ عصر الوالي أيوب بن حبيب اللخمي حتى نهاية الحكم الأموي، وقد ترك للنصارى من سكانها حرية البقاء على دينهم أو الإسلام، فمن لم يسلم فرضت عليه الجزية، كما جرت به عادة الفاتحين الإسلامين للأقطار النصراينة.
بيد أن السمح بن مالك الخولاني – الذي كان واليا على الأندلس عام 100 هـ (719م) – أخذ على عاتقه أن يرتفع بقرطبة إلى مصاف الحواضر الكبرى، فبدأ بترميم السور المحيط – بالمدينة حيث كانت قد تهدمت أجزاء منه، واستعمل الأحجار الضخمة التي تخلفت عن الأجزاء المتهدمة من السور الروماني – بعد ترميمه – في إعادة بناء قنطرة قرطبة، وهي التي كانت تعد من أعظم وأعجب الآثار الأندلسية، وقد كانت قبل ذلك من إنشاء الرومان حتى تهدمت تماما فيما عدا أسافلها...
ولقد كان طول هذه القنطرة العربية الجديدة ثمانمائة ذراع، وعرضها عشرون باعا، وارتفاعها ستون ذراعا، وعدد حناياها (أقواسها) ثماني عشرة حنية، وعدد أبراجها تسعة عشر برجا، وذلك حسب الروايات العربية الإسبانية.
وتربط هذه القنطرة مدينة قرطبة (الجزء المغمور منها) وبين ربضها – وهو ضاحيتها – الواقع الجنوبي قرطبة على الضفة اليسرى لنهر الوادي الكبير، وهو الربض الذي يطلق عليه "شقندة"، ولا تزال هذه القنطرة باقية حتى عصرنا الحاضر، بعد اعتبار الإصلاحات والإضافات التي شملتها على مر التاريخ.
وترجع قيمة ثروة قرطبة الاقتصادية إلى شهرتها الزراعية، وبخاصة سهلها الجنوبي المعروف بالكنبانية، فمن محصولاتها الهامة الزيتون الذي هو أساس لصناعات غذائية مختلفة، وبها المعادن المتنوعة ولا سيما الفضة والزئبق، وحجر الشاذنة، ويستغل في صناعة التذهيب، بالإضافة إلى الرخام الخمري والأبيض الشديد البياض.
ولقد أخذت قرطبة وضعها التاريخي كعاصمة كبرى عندما اتخذها الأمير عبد الرحمن بن معاوية (الداخل) حاضرة له، فقد أضحت مركزا ثقافيا إسلاميا له مكانته التاريخية الشهيرة، بما اشتملت عليه من أسباب الحضارة السامية، واحتضان المدينة لأعظم الفلاسفة والأدباء – والعلماء يومئذ، بحيث كانت مركزا للعلوم والفنون والآداب، وتطورت بها الحركة المعمارية تطورا لم تعرفه أوربا وقتئذ، والتي كانت تعاني من ظلمات الجهل الذي ضرب أطنابة في كافة أرجاء القارة الأوربية.
ويأتي عصر عبد الرحمن الناصر ثم ابنه الحكم المستنصر... لتبلغ قرطبة في عهدهما أوجا حضاريا لم تعرفه قبلهما ولا بعدهما، فقد عم الثراء والرخاء أرجاءها، وبهذا تفوقت على سائر المدن الأندلسية الأخرى، وظلت كذلك حت سقطت الخلافة الأموية، وجاء إليها البربر فاتحين عام 1010 م، فحولوا آثارها إلى أنقاض، وقضوا على عمرانها وما امتازت به، ومع ذلك فقد احتفظت بتفوقها في الميادين الفنية والأدبية، بعد أن نهضت من كبوتها، واستمرت هكذا حتى استردها الإسبان على يد فرناندو الثالث في 26 يونية 1936 م.
وقد كان لسقوط قرطبة – في حروب الاستراداد – رنة أسى أصابت المسلمين في العالم الإسلامي، إذ سرعان ما قام الإسبان بتحويل مسجدها الجامع إلى كنيسة هاجرت أعداد عظيمة من المسلمين، واستعارض عنهم "فرناند" وبآخرين من الأقاليم المسيحية كقطالونيا وليون وقشتالة. ولكن هذه العناصر الجديدة لم تستطع أن ترفع قرطبة من تلك الكبوة، أو تعيد إليها مظهرها القديم، بالإضافة إلى أن هؤلاء المستوطنين جاءوا ومعهم تقاليد تختلف تماما عن تقاليد قرطبة الأموية، إلا أن كل هذا لم يمح من المدينة العمارة الإسلامية، بل أضحت هذه العمارة المتميزة مصدرا يستوحى منه النصارى من بعد فنونهم المعمارية، وخاصة في كنائسهم ودورهم.
ويذكر المؤرخون أن قرطبة في القرن العاشر كانت تنقسم إلى جانبين كبيرين: جانب شرقي كان يعرف بالشلاقية، وما زال يعرف بهذا الاسم حتى اليوم Aljaguia وجانب غربي، كما كانت تنقسم إلى أحياء تعرف في الأندلس بـ "الحومات"، وهذه تتسمى بأسماء الأبواب المجاورة لها، أو تتسمى بأسماء أهم الآثار الكائنة بها، أو بأسماء تتبع حرف سكانها، مثل حومة النجارين، وحومة عين فرقد شرقي قرطبة، وحومة غدير بني ثعلبة، وحومة حير الزجالي خارج باب اليهود(1).
ويروي ابن بشكوال في "الصلة" عن أرباض قرطبة (أي ضواحيها) بعد توسعتها – أنها بلغت واحدا وعشرين ربضا: فالمدينة القبلية بعدوة النهر بها ربض شقندة، وربض منية عجب، وأما الغربية فتسعة، وهي: ربض حوانيت الريحان، وربض الرقاقين، وربض مسجد الكهف، وربض باب اليهود، وربض مسجد أم سلمة، وربض الرصافة. وأما الشرقية، فسبعة، وهي: ربض شبلار، ربض فرن بربل، وربض البرج، وربض منية عبد الله، وربض منية المغيرة، وربض الزاهرة، وربض المدينة العتيقة.
إن ورود أسماء هذه الأرباض (الضواحي) في المؤرخات العربية لذو دلالة قاطعة على أن مدينة قرطبة كانت من عظم المساحة لدرجة وسعت سكان هذه الضواحي بمرافقها العامة، وذلك من بداية القرن التاسع في عهد الحكم بن هشام المشهور بالحكم الربضي، ويذكر ابن بشكوال في "الصلة" أن تلك الضواحي لم تكن مسورة، حتى كان سقوط الخلافة الأموية، وما تبع ذلك من اضرالات وفتن، فرأى القائمون بالأمر أن يتداركوا الأخطار، وذلك بحفر خندق حول هذه الأرض جميعها، كما استدار بها سور هام بلغ محيطه أربعة وعشرين ميلا، وهو على شكل متوازي الأضلاع، وله سبعة أبواب، أكبرها الباب الجنوبي المؤدى إلى القنطرة، وهو ينتهي بالرصيف الممتد على طول الضفة اليمنى للنهر، وفي السور الشرقي بابان: الباب الجديد، وموقعه قرب النهر، وهو المعروف بباب سرقسطة، حيث يطل على الجسر المؤدى إلى تلك المدينة، والآخر يطلق عليه باب عبد الجبار، نسبة لعبد الجبار بن الخطاب مولى الخليفة الأموي مروان بن الحكم، ويقع هذا الباب شمال السور الشرقي، وقد أفاد المؤرخون أنه كان يعرف بباب طليطلة وبباب رومية. فإذا ما انتقلنا إلى السور الشمالي فسترى أن به بابا يعرف بباب ليون أو باب طلبيرة، حيث يشرف على الجسر المؤدى إلى مدينة طلبيرة.
ويلاحظ أن الجانب الغربي من السور قد اشتمل على ثلاثة أبواب، أحدها كان يعرف بباب عامر القرشي، صاحب الدور الهام في أحداث القرن الثامن بالأندلس، مما جعل الخليفة عبد الرحمن الناصر يأمر بفتح هذا الباب لإمكان الوصول إلى مقبرة عامر القرشي، أما الباب الثاني ويقع وسط هذا السور فكان يعرف بباب الجوز والباب الثالث جنوبي السور الغربي، ويسمى باب العطارين أو باب إشبيلية، وهو من الأبواب التي ما زالت قائمة حتى اليوم.
هذا، وقد اشتملت قرطبة الإسلامية على طرق كبرى وطرق فرعية، فمن أهم الطرق الكبرى طريق يعرف بـ "المحجة العظمى" ويتخذ مساره من باب القنطرة شمالا، ويشق طريقه بين المسجد الجامع وقصر الخلافة، ويتقاطع مع هذا الطريق شارعان، أحدهما غربي من باب عامر، والآخر شمالي يمتد من باب ليون، وهو نظام رئيسي قديم في تخطيط شوارع المدن الرومانية القديمة، حيث يتألف من هذا الالتقاء للطرق شكل صليب، على غرار ما نلحظه كذلك في الشوارع الرئيسية لكل من غرناطة ومالقة وغيرهما من المدن الأندلسية.
وطبيعي أن تتفرع عن هذه الشوارع دروب وحارات وأزقة، منها ما هو نافذ، ومنها ما هو غير نافذ، ويحفظ لنا المؤرخون أسماء بعض تلك الدروب، مثل درب ابن شراحيل (قاضي قرطبة زمن عبد الرحمن الأوسط) ودرب الفضل بن كامل، ودرب أبي الأشهب، ودرب بني فطيس.
ويقوم على حماية هذه الأزقة والحارات والدروب حراس معينون، ويسمى الواحد منهم بـ "الدراب" فيذكر ابن سعيد المغربي" أن بالأندلس .... يطوفون بالدروب ليلا، ويعرفون بالدرابين... لأن بلاد الأندلس لها دروب بأغلاق تغلق بعد العتمة، ولكل زقاق حارس فيه، له سراج معلق، وكلب يسعر، وسلاح معد، وذلك لشطارة عامتها، وكثرة شرهم، وإعيائهم في أمور التلصص".
تلك هي قرطبة قاعدة الحضارة الإسلامية في الأندلس، وحاضرة الخلافة الأموية في ذلك العصر، والتي يطلق عليها اليوم "السلطانة الحزنية".
لقد زارها ابن حزم، وهو أحد أبنائها البررة، وذلك بعد الفتنة التي آذنت بأفول شمس الأندلس (أوائل القرن الخامس الهجري الحادي عشر الميلادي)، وحيث أصاب قرطبة الخراب على أيدي أهلها، فوصفها بقوله:
"وقفت على أطلال منازلها بحومة بلاط مغيث من الأرباض الغربية، ومنازل البربر المستباحة عند معاودة قرطبة(بعد عودته إليها عقب الفتنة) فرأيتها قد انمحت رسومها، وخفيت معاهدها، وغيرها البلي، فصارت صحاري مجدبة بعد العمران، وفيافي موحشة بعد الأنس، وآكامها مشوهة بعد الحسن، وغرائب مفزعة بعد الأمن..." إلى آخر هذا الوصف المحزن الذي يأخذ بمجاميع القلوب، وتسيل له الدموع مدرارا...
إن من أعلام قرطبة – غير ابن حزم – في شتى مناحي المعرفة كثيرون، نذكر منهم – على سبيل المثال لا الحصر – أب الوليد بن رشد، أعظم فلاسفة العصور الوسطى على الإطلاق، وأبا بكر بن طفيل، صاحب قصة "حي بن يقظان" الفلسفية البارعة الرائعة، والتي ترجمت إلى معظم لغات العالم.
ومن هؤلاء الأفذاذ أيضا أبو القاسم الزهراوي الجراح الكبير، ومؤلف كتاب "التصريف لمن عجز عن التأليف"، الذي وصف فيه أدوات الجراحة التي ابتدعها، وقام برسمها بيده، ويروى أن الأطباء مدينون له بأخذهم عنه عملية "الكناراكتا".
ولقد قام الوزير المغربي محمد بن عبد الوهاب الغاني بزيارة قرطبة بعد سقوطها في أيدي الإسبان بنحو ثلاثة قرون فلم يجد من معالمها الإسلامية وآثارها الناذرة سوى المسجد الجامع الكبير، وكذلك الحال عندما زارها بعد ذلك بقرن الغزال الفاسي سفير سلطان المغرب وكفى بهذا الأثر الفريد شاهدا على ما بلغه عصر الخلافة الأموية، من حضارة ومدنية، شملت كافة والعلوم والآداب...

مسجد قرطبة الجامع:
تقوم عمارة هذا المسجد على صحن مسقوف، وفناء غير مسقوف، وتبلغ مساحة الصحن 4868 مترا مربعا، بينما تبلغ مساحة الفناء (732 مترا مربعا، وبذلك تصير المساحة الكلية للمسجد 12189 مترا مربعا أي أكثر من هكتارين، ونحوا من ثلاثة أفدنة، وعدد أعمدته التي ما زالت حتى اليوم يتجاوز 1200 عمود.
ولما كانت العادة قد جرت في الفتح الإسلامي للمدن الأندلسية بأن تحول الكنيسة العظمى بالمدينة إلى مسجد جامع... فهذا ما حدث فعلا بالنسبة إلى مسجد جامع... فهذا ما حدث فعلا بالنسبة إلى مسجد قرطبة، عند ما أقيم على أنقاض الكارتدرائية الكبرى بالمدينة، ولذلك لا نحتاج إلى تفسير ما قام به الإسبان، عندما حولوا بدورهم مسجد قرطبة إلى كنيسة عظمى كرد فعل طبيعي، وكما كان هو شأنهم حيال المساجد الجامعة في البلاد الأندلسية التي استردوها من أيدي المسلمين.
لقد استغرق بناء مسجد قرطبة قرابة مائتين وعشرين عاما، بحيث بدئ في إنشائه سنة 780 م، وتم بناؤه نهائيا عام 1000 ميلادية، فقضت في بنائه سبعة أجيال من المهندسين المعماريين وهو بهذا عبارة عن ثلاثة أقسام:
القسم الأول: وقد بناه عبد الرحمن الداخل فيما بين سنتي 780 و786 م، وهو الجزء الذي يدخل إليه الناس اليوم من الباب الرئيسي المعروف بباب النخيل، وهو أحد الأبواب الرئيسية الثلاثة، في واجهة المسجد الغربية على الشارع الرئيسي لقرطبة الإسلامية (المحجة العظمى)، ويمثل هذا الطرف من المسجد الربع الجنوبي، وهو يبدأ من المدخل، وينتهي عند العمود الثالث عشر في اتجاه المحراب، ومن ناحية الحائط الغربي، وحتى العمود الحادي عشر من ناحية الشرق.
ثم يلفي الداخل من الباب الرئيسي نفسه في رواق يتألف من الأقواس المزدوجة، بعرض 785 أمتار منها خمسة صفوف من الأعمدة يمينا، وخمسة أخرى يسارا.
وكان جدار الجامع الأول أو القسم الأول من المسجد الحالي قائما عند القوس الثالث عشر، وهو الذي أسسه عبد الرحمن الداخل، ولا زالت آثار هذا الجدار باقية حتى الآن حيث يمكن رؤية أجزاء منه تحمل الأقواس بدل الأعمدة.
القسم الثاني: أما الجزء الثاني من المسجد فإنه يلي القسم الأول منه مباشرة، وهو عبارة عن الزيادة التي أضافها عبد الرحمن الأوسط (206-238 هـ- 821-852)، وهي عبارة عن نفس منوال القسم الأول من المسجد تماما، وحيث تمتد إلى الجنوب سبعة أقواس تحملها ستة أعمدة، تليها البقية الباقية من جدار التوسعة الثالثة والأخيرة التي قام بها كل من عبد الرحمن الثالث ثم ابنه الحكم المستنصر.
وفي رواق هذا القسم الثاني من المسجد يبدو للناظر العجب العجاب، فالأعمدة مثل أعمدة القسم الأول من الرخام الأخضر أو الوردي أو الأحمر، بل في نفس القياس قطر ومحيط، تعلوها جميعا التيجان الرائعة، والتي اعتمدت عليها أقواس فوق أقواس، وقد أشرف على هذه الزيادة في المسجد القاضي محمد بن زياد، ونصر ومسرور موليا عبد الرحمن الريضي.
القسم الثالث: أما الزيادة الأخيرة للجامع فهي التي أضافها الحكم المستنصر في الفترة ما بين عامي 961 و966م، بإشراف احد رجال الفكر في الأندلس، وهو القاضي منذر بن سعيد البلوطي، وحيث تمكن مهندسوا الحكم المستنصر أن يوائموا بين القديم والحديث في عمارة المسجد، حتى بدأ في النهاية وحدة متناسقة متكاملة.
وتجدر الإشارة إلى أنه قد أقيمت كنيسة صغيرة بالداخل يتقاطع محورها مع محور المسجد، وأنشئ مصلب هذه الكنيسة على يسار الرواق، الأمر الذي صار كالنشاز في الموسيقى أو العبث في لوحة فنية رائعة، بشهادة كثير من المستشرقين الذين شاهدوا تلك الحماقة التاريخية.
وهناك الزيادة التي أضافها المنصور محمد بن أبي عامر آخر الأمر (366- 393 هـ* 976-1002 م)، قد وسع المسجد من ناحيته الشرقية بما يوازي ثلث مساحته أيام الحكم المستنصر، وهكذا، أضاف 245 عمودا وقوسا، تختلف عن الكيفية التي سبقت للأقواس والأعمدة التي أقامها أسلافه، فهي تبدو من بعيد وكأنها مبنية بالحجر والطوب الأحمر كبقية أقواس المسجد، ولكنها في الواقع من الحجر فقط والمطلى باللون الأحمر. كما أضاف المنصور الجدار الشرقي وأبوابه إلى المسجد، وهي بدورها تختلف في دقة وروعة الجدار الغربي.
كذلك وسع المنصور صحن المسجد بما يوازي ثلث المساحة، وأحاط كل هذا بسور شامل.
وجدير بالذكر أن هذا الصحن غير المغطى هو المعروف اليوم بفناء النارنج (البرتقال)، ولا زال شجر البرتقال حتى الآن، ولكن بعد أن أعيد غرسه مرات بطبيعة الحال، بعد أن أضيف إليه بعض النخيل ونافورات في منظر سياحي جميل، ولما كان غرس الشجر غير معهود في المساجد الإسلامية، فلذلك حدث خلاف بين العلماء حول جوازه، ولكن فقهاء الأندلس أباحوه اجتهادا، وكان الذي أفتى بذلك الفقيه صعصعة بن سلام الشامي المتوفى عام 774م.
أما المحراب فإنه آية من آيات الفن في كل العصور،وهو الفريد في معماره دقة وروعة وبهاء من بين كافة المساجد في العالم الإسلامي على الإطلاق.
إن المحراب أشبه بصومعة تدخلها من مثل ما يشبه الباب المزخرف، في هيئة حدوة حصان، مرفوعة فوق قواعد الرخام، مع ملاحظة أن الأحجار التي يتكون منها القوس مزينة بالزخارف، ويحيط القوس بدوره إطار منقوش، ويدور بالإطار جدار تعمره الكتابات، وتزينه في أسطر متناسقة، قد اشتملت على آيات قرآنية مناسبة من سور شتى، بعضها من سورة المجادلة (ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم)، وبعضها من سورة غافر( لا إلاه إلا هو، فادعوه مخلصين له الدين، الحمد لله رب العالمين).
وفي أحد جوانب المحراب بجداره أيضا نجد ما نصه:
"أمر الإمام المستنصر بالله عبد الله الحكم موليه (اي مولاه) وحاجبه جعفر بن عبد الرحمن رحمه الله، بتشييد هذه البنية، فتم بعون الله بنظر محمد بن تمليخ، ومحمد بن نصر، وخالد بن هاشم أصحاب شرطته، ومطرف بن عبد الرحمن الكاتب...".
وتحت هذا كتب: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم الآية: 23 من سورة الحشر: ( هو الله الذي لا إلاه إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، سبحان الله عما يشركون).
ثم عند قاعدتي القوس من اليمين كتابتان في ثلاثة سطور:
بعد البسملة الآية: 43 من سورة الأعراف (الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، لقد جاءت رسل ربنا بالحق)، وبعده: "أمر الإمام المستنصر بالله عبد الله الحكم أمير المؤمنين... أصلحه الله موليه وحاجبه جعفر بن عبد الرحمن – رضي الله عنه – ينصب هذين المنكبين، فيما أسسه على تقوى من الله ورضوان، فتم ذلك في شهر ذي الحجة سنة أربع وخمسين وثلاثمائة".
وكل هذه الكتابات محلاة بالفسيفساء، وهو المعروف بالموزايكو في الأوربية.
ويشتمل المسجد على مضيأة عظيمة، تتوسط فناء المسجد غير المسقوف، وقد تم توصي الماء إليها من الجبل عبر قنوات رصاصية، وعرف أن المنصور أشار بوضع صهريج عظيم تحت الميضأة، يتألف من تسعة أقبية ترتكز على أربعة أعمدة و إثنى عشر قوسا، ولا تزال آثار هذا الصهريج قائمة حتى وقتنا الحاضر.
وأما مئذنة الجامع فإنها قائمة على يمين الداخل من باب فناء النارنج (البرتقال)، وكان ارتفاعها يبلغ 45 مترا، وعمارتها تشبه البرج بارتفاع 30 مترا، وتبعا لتحويل المسجد إلى كاتدرائية فإن النواقس قد وضعت في الجزء العلوي – الحديث منها.
هذا، ويتحدث "جوستاف لوبون" عن روعة المسجد الجامع، مسجلا ذلك الخلل الذي لحق به على يد الإسبان، آخذا عليهم هذا التعصب الأعمى والمشوب بالجهل... إذ يقول:
"... ولا يزال جامع قرطبة من المباني المهمة، مع ما أحدثه الإسبان فيه من التلف والفساد، ومع تلك الكنيسة الواسعة التي أقاموها فيه لتطهيره، ومما صنعه الإسبان أن كلسوا زخارف جداره وكتاباته، ونزعوا منه فسيفساء أرضه، وباعوا تحف سقفه الخشبية المحفورة المزوقة، فيجب على من يرغب في تمثل ما كان عليه جامع قرطبة أن ينظر إلى محرابه الذي تفلت وحده من التخريب.
"ويقوم سقف جامع قرطبة على أعمدة، ويتكون من اجتماع هذه الأعمدة صفوف من الصحون المتوازية المؤدية إلى باحته، وتتقاطع الصحون وصحون أخرى كتقاطع الأضلاع الذي ينشأ عنه زوايا قائمة، ويتألف من مجموع تلك الأعمدة غابة من الرخام والغرانيت، وتعلو تلك الأعمدة أقواس رائعة منضدة، مصنوعة على شكل نعل الفرس.
"ولا يؤدي ارتفاع سقف جامع قرطبة الذي لا يزيد على عشرة أمتار – إلى ما نراه في الكاتدرائيات القديمة التي أقيمت على الطراز القوطي في القرون الوسطى من الجلال الأدجي، ككتدرائية استراسبورغ، وإنما ينشا عن تنضد أقواسه وتنوع زخارفه منظر مبتكر بديع، قلما تجد مثله في مبان أخرى.
"أما محراب جامع قرطبة فإننا – من غير أن نجارى "جيرول دي برانجه" في قوله "إنك لا ترى أحسن من زخرفه وسنائه في أي أثر قديم أو حديث – نعترف بأنه من أجمل ما تقع عليه عين نشر.
"وجامع قرطبة أقيم أيام كان الفن العربي في فجره، ثم تدرج الفن العربي إلى الكمال"(2).
هذا هو مسجد قرطبة، والذي كان – بالإضافة إلى كونه مقرا للعبادة – مجلسا للقضاء، وجامعة نشرت معارفها على الأندلس في كافة أرجائه، ونهل من ينابيعها طلاب المعرفة من أقطار شتى في أوربا.
لقد بلغت قرطبة أوج قمتها العلمية في عهد الحكم المستنصر الذي كان حب العلم آخذا بأسره، ويروى عن ولعه بجمع الكتب الكثير، فيقول ابن خلدون: "إنه كان محبا للعلوم، مكرما لأهلها، جامعا للكتب في شتى أنواعها بما لم يجمعه أحد من ملوك قبله"، وقد قدر ابن خلدون والمقري أنه كان بمكتبة الحكم نحو أربعمائة ألف مجلد، كما عمرت خزائن الأندلس في عهده بالكتب الكثيرة والمؤلفات النادرة، وكان ينفرد الحكم المستنصر عن غيره من الحكام في هذا الميدان بأنه كان يقرأ ما تصل إليه يده من الكتب، كما يتناول بعضها بالنقد أو التعليق.
يضاف إلى هذه العناية العلمية أن الحكم كان يجتهد في استقطاب العلماء الأفذاذ إلى قرطبة، ومن هؤلاء – على سبيل المثال – الشيخ أبو علي القالي العالم اللغوي المعروف، الذي أنزله لديه أكرم منزلة، فألف القالي بقرطبة كتابه الشهور "الأمالي"، وهو يتألف من المحاضرات التي كان يدرسها في جامع قرطبة المذكور، والذي أضحى جامعة على غرار الأزهر بالقاهرة والقرويين بفاس، وذلك لكثرة العلماء الذين كانوا يحاضرون فيه حول شتى ألوان المعرفة والثقافة، من علوم دينية ولغوية وطبيعية وكيميائية وطب وفلك ورياضيات وجغرافيا ورحلات، وما إلى ذلك من الفنون والآداب.
ويروى المؤرخون – الذين عايشوا هذه الفترة بالذات من تاريخ قرطبة – أن الخليفة الحكم كثيرا ما كان يعقد حلقات الدرس في قضره مع العلماء والأدباء، ويناقشهم في جو علمي بحت، وأنه عمل من جانبه على نشر الثقافة الخاصة والعامة، فأسس المدارس والمكاتب في العاصمة وفي غيرها من الأمصار بالأندلس، وكان التعليم فيها بالمجان، فأقبل عليها العديد من التلاميذ وخاصة من أبناء الطبقات العادية، كما قام الحكم بإنشاء المكتبة العامة في قرطبة، بالإضافة إلى فروع لها بنفس المدينة وغيرها من المدن، لتيسير الاطلاع وتثقيف رواد المعرفة.
والسؤال الذي يفرض نفسه بعد هذا... هو: هل كان لانشغال الحكم بالثقافة والعلوم إلى هذا الحد تأثير على أمور المملكة عامة؟ وإلى أي مدى كان هذا التأثير ؟
والجواب... أن ذلك الاشتغال لم يكن له رد فعل على مستوى السياسة الخارجية، فإن هيبة الدولة كانت قارة في نفوس نصارى الشمال بالأندلس، وكانت صولتها تحول بين من تزين له نفسه محاولة مناوشتها. ولكن هذا التفرغ العلمي من الحاكم كان له تأثيره على السياسة الداخلية، فقد ترك أمور تصريف شؤون الدولة للوزراء والقادة ورجال الدولة، وهكذا كان وزيره "الصحفي" مفوضا في كافة الشؤون السياسة والإدارية، بحيث لا يرجع للخليفة إلا في القليل منها، وكان لهذا تأثيره البالغ على دفة السياسة في المستقبل، إذ بدأت تتولد من جراء هذا التفويض طبقة من كبار موظفي الدولة، وبالتالي أصبح لهم نفوذ وسلطة، خلافا لما كان عليه الشأن في عهد الناصر، ووجود طبقة كهذه أدت إلى عواقب وخيمة مستقبلا، فقد استبد الوزراء والحجاب بعدئذ بتصريف أمور الدولة، وها هو حاجب الخليفة هشام بن الحكم (المنصور محمد بن أبي عامر 366 -363 هـ*976- 1002م) تصير عليه السلطة شيئا فشيئا حتى استقل بالملك، وهو من غير بني أميه، فأقام "الدولة العامرية" أخيرا، والتي لم يقيض لها البقاء طويلا.
وبسقوط الدولة العامرية تنتقل "قرطبة" – كمدينة من أهم مدن الإسلام الثقافية – إلى منطقة الظل، وتفقد أهميتها العلمية منذ ذلك الحين شيئا فشيئا، لاسيما وأن ملوك الطوائف ثم المرابطين والموحدين لم يولوا قرطبة من العناية ما كان لها على يد الأمويين، ولا سيما في مجال المعرفة والثقافة، وبعد أن تحولوا عنها إلى غيرها من مدن الأندلس، فاتخذوها عواصم بديلا عنها.

6 - غرناطة:  
يرتبط اسم غرناطة بعصر بني نصر أو بني الأحمر في الأندلس (أبريل 1238 – 2 يناير 1492م)، فقد كانت هذه المدينة عاصمة لملكهم الذي دام قرنين ونصفا من الزمن. ولم تكن المدينة ومن الفتح الإسلامي (712م) سوى قرية صغيرة دخلها المسلمون عنوة، ولم يولوها يومئذ أهمية، فقد استقر جند دمشق بمدينة البيرة الواقعة شمال غربي غرناطة زمن عبد الرحمن الداخل مؤسس الدولة بني أمية في الأندلس، فكانت مدينة غرناطة إحدى مدن عاصمة الإقليم (البيرة)، ولكنها بدأت تتسع شيئا فشيئا منذ القرن العاشر، ولما استولى البربر على البيرة وأحرقوها وخربوها نزح أهلها إلى غرناطة، ومنذ ذلك الحين بدأ إسم المدينة يسيطر على إقليم الكورة حتى أضحت العاصمة للإقليم.
تقع غرناطة على الضفة اليمنى لنهر شنيل، ويخترقها نهر حدرة الذي أتاح للجنان والبساتين أن تحيط بالمدينة، ويطل عليها من الشرق والغرب جبل "شلير" الذي تكسوه الثلوج صيفا وشتاء، فعرف في الإسبانية بجبل "سييرا نيفادا"، أي الجبل المكسو بالثلج، وينبع نهر حدره الذي يشق غرناطة من أعلاها، حيث تعلو الهضبة التي تضم قلعة السلاطين وحي البيازين.
ويروي المؤرخون أن زاوى ابن زيري اتخذ هذا المدينة عاصمة له عام 1013 م حينما سقطت في أيدي البربر، ثم امتدت إليها يد حبوس الصنهاجي بالتعمير، فقد جعل منها مدينة محصنة بالأسوار، كما أقام قصبتها المنيعة، ولما خلفه ابنه باديس أكمل ما بدأه أبوه من عمارتها، وهكذا ازدهرت المدينة واتسعت، واستمرت عاصمة لبربر صنهاجة حتى عام 1089م، حيث جاء جاء المرابطون بعدئذ فاستولوا عليها، وكان الصنهاجيون قد توجوا منشآتهم فيها ببناء القصر الملكي المعروف بقصر الحمراء بأعلى الهضبة التي تشرف على حي البيازين. ولم يتبق من غرناطة على عصر بني زيرى سوى بقايا لعقد كانت تقوم عليه قنطرة نهر حدره، وهي المعروفة اليوم بقنطرة القاضي.
وجاء المرابطون إلى الأندلس فاتخذوا غرناطة عاصمة لهم على ما يبدو، ثم استولى عليها الموحدون عام 1146م، وفي أواخر أيامهم تمكن ابن هود صاحب مرسية من ضم غرناطة إلى ملكه عام 1231م، وظلت المدينة كذلك قرابة ست سنوات، فما أن توفي ابن هود عام 1237م حتى قامت دولة بني الأحمر بزعامة محمد بن يوسف بن نصر بن أحمد، سيد حصن أرجوبة وبسطة ووادي آش وشريش وجيان ومالقة، فاتخذ ابن الأحمر غرناطة عاصمة لمملكته التي دامت ما يقرب من قرنين ونصف من الزمان، بالرغم من حروب الإسترداد الإسبانية التي كانت قائمة على قدم وساق بين طرفين غير متكافئين عدة وعددا، وبالرغم من الحروب الداخلية التي عانت منها المملكة طوال فترة بقائها، ولعل مرد هذا العمر الذي عاشته غرناطة يعود إلى مساندة بني مرين بالمغرب، الذين كانوا يهبون – كلما استدعى الأمر – إلى نجدة مسلمى الأندلس، بالإضافة إلى تلك المعاهدات السياسية التي كان يعقدها ملوك بني نصر مع نصارى الشمال للمهادنة أحيانا.
هذا، ويلاحظ أن موجات الهجرة الداخلية من البلاد الأندلسية المتاخمة قد بدأت – تتزايد على مملكة غرناطة، وذلك كلما سقطت في أيدي الإسبان مدينة من المدن المسلمة سواء منها الشرقية أو الوسطى، وبخاصة أولئك المسلمين الذين فضلوا الهجرة إلى المناطق الإسلامية على الخضوع للنصارى، وقبول التدجن، فقد سقطت قرطبة عام 1236م، ومرسية عام 1236، واشبيلية عام 1248م، الأمر الذي حدا بالمسلمين واضطرهم إلى تأليف جبهة قومية لمقاومة النصارى، فكانت غرناطة ملاذهم، والقلعة الحصينة أخيرا للدفاع عن الوجود الإسلامي في الأندلس.
لقد كان من بين هؤلاء اللاجئين المسلمين إلى غرناطة أعداد ضخمة من أرباب الصناعات المختلفة والفنانين المهرة، وقد عمل كل منهم في دائرة اختصاصه بالعاصمة خاصة، حتى نهض بفضلهم فن العمارة والزخرفة، وجادت الطبيعة بوفرة من المحاصيل الزراعية، بالإضافة إلى ما كانت تجود به المناطق الجبلية من معادن نفيسة كالحديد والرصاص والنحاس، وهكذا ازدهرت وسائل العيش والمقام بتلك البقعة، ونمت الصناعات المختلفة بفضل هذه الخدمات التي توفرت لتلك الأيدي النشيطة.
إن الزائر لمدينة غرناطة يأخذه العجب، وتستولي عليه الدهشة، إذ يرى ما قام به سكانها يومئذ في مجال المعمار الهندسي خاصة، ولاسيما أجنحة قصر الحمراء التي أضافها ملوك بني نصر على مر عهودهم، كباب الشريعة، وبرج قماش، وبهو السفراء، والحمامات السلطانية، وغيرها مما لا يزال – حتى يومنا هذا – شاهد صدق على الروح السامية، المنطلقة في آفاق الجمال...، لما حوته تلك الآثار من زخارف، واشتملت عليه من نقوش، في سحر أخاذ، وجمال فتان.
الحركة العلمية في غرناطة:
لم يسأل سلاطين بني نصر جهدا في سبيل نشر العلم والثقافة في ربوع مملكة غرناطة، ولا سيما في العاصمة نفسها، فقد شجعوا العلماء والأدباء والكتاب، وعمر بلاطهم بمشاهير من أمثال هؤلاء، كما عملوا على تشييد المدارس والمكتبات في المساجد ودور العلم، وكانوا يتفانون في سبيل توفير المناخ العلمي بالعاصمة إحياء لذكر قرطبة الأموية، وأملأ في أن تخلف غرناطة قرطبة في هذا الميدان، وهكذا أنشأ السلطان أبو الحجاج يوسف الأول (733 هـ/ 1333 – 1354م) أشهر ملوكهم – بعد المؤسس لدولتهم – المدرسة اليوسفية، وتسمى مدرسة غرناطة والمدرسة النصرية، وقام على تنفيذ مشروعها – بأمر السلطان – حاجبه أبو النعيم رضوان عام 750 هـ (1349م)، وكانت تقع في درب ضيق يحاذى شارع الملكين الكاتوليكيين، تجاه المدفن الملكي، بيد أن مبناها القديم قد أزيل في أوائل القرن الثامن عشر، وأنشأت بلدية غرناطة مكانه مبنى حديثا، ولم يتبق من المبنى الأصلي  سوى الجناح الذي يشتمل على محراب مسجد المدرسة، ويضم مجموعة من النقوش والزخارف، تزينها الآيات القرآنية التي انتشرت في المحراب، وتوجد بمتحف غرناطة "الأركيولوجي" بعض اللوحات الرخامية الخاصة بهذه المدرسة، منها قطع متفرقة تشكل في جملتها لوحة إنشاء هذه المدرسة، نصها:
"أمر ببناء هذه الدار العلم – جعلها الله استقامة ونورا، وأدامها في علوم الدين على مر الأيام – أمير المسلمين – ظله الله بعونه – العلي، الشهير، السعيد، الطاهر، الرفيع، الهما، السلطان المؤيد، أبو الحجاج يوسف، ابن العلي، الكريم، الكبير، الخطير، الشهير، المجاهد، الفاضل، العادل، المقدس، الأرضى، أمير المسلمين، وناصر الدين، أبى الوليد إسماعيل، ابن فرج، ابن نصر، كافى الله في الإسلام صنايعه الزاكية، وتقبل أعماله الجهادية. وتم ذلك في شهر المحرم عام وسبعمائة" (3).
وتعد هذه اللوحة واحدة من عدة لوحات خاصة بتلك المدرسة، كانت قد نزعت منها عند هدمها، ونقلت إلى مختلف المتاحف الإسبانية.
وقد نظم لسان الدين ابن الخطيب – وزير هذا السلطان – قصيدة تشيد بالمرسة ومنشئها، وكانت منقوشة على إحدى حوائط هذه المدرسة، وتتألف من تسعة أبيات، مطلعها:
ألا هكذا تبنى المدارس للعلم   وتبقى عهود المجد ثابتة الرسم
      ونهايتها :
جزى الله عنى يوسف خير ما جزى  ملوك بني نصر عن الدين والعلم(4)
ويذكر أن ابن الخطيب أوقف على "المدرسة اليوسفية" نسخة خاصة من كتابه المشهور "الإحاطة في أخبار غرناطة"، اعترافا منه بيد السلطان أبي الحجاج عليه، ولانتفاع الباحثين والدارسين في المدرسة بمؤلفه التاريخي الكبير هذا، وقد ذكر في حجة الوقف أن تلك النسخة تتألف من إثنتى عشر سفرا، وسطرت الحجة بأول سفر منها، كما أوقف الحاجب أبو النعيم رضوان – بأمر من السلطان – الأوقاف الجليلة على المدرسة، حتى "جاءت نسيجة وحدها، بهجة ورصدا وظرفا وفخامة(5).
هذا، وقد تولى التدريس بهذه المؤسسة العلمية نخبة ممتازة من العلماء الذين فاخرت بهم العاصمة غرناطة، فهم – على سبيل المثال لا الحصر – الشيخ أبو سعيد فرج بن لب، (701 – 770هـ)، والشيخ أبو جعفر أحمد بن علي بن محمد بن خاتمة الأنصاري (734 – 770)، وهما من أشهر أساتذة هذه المدرسة، وتربطهما بلسان الدين ابن الخطيب – معاصرهما (713 – 776هـ) صلات أدبية وعلمية، بالإضافة إلى مشاركته هو نفسه في التدريس بالمدرسة أحيانا.
هذا، ومن جانب آخر فقد نهضت الآداب في غرناطة في عصور بني نصر الأول (القرن الثامن الهجري – الرابع عشر الميلادي)، وقد حفل بلاط معظم سلاطين بني الأحمر بشيوخ الكتاب المبرزين في الآداب، أمثال الرئيس أبي الحسن علي ابن الجياب، والشريف أبي القاسم الحسن السبتي، والوزير أبي بكر بن الحكيم، والكاتب المحدث أبي الحسن التلمساني، وغير هؤلاء كثيرون ممن اتصل عصرهم بعصر السلطان يوسف الأول أبي الحجاج، حيث بلغت الحركة الثقافية ذروة ازدهارها يومئذ – في المملكة عموما وفي العاصمة بصفة خاصة، فقد اشتهر هذا السلطان نفسه بالعلم والأدب، كما شغف بالفنون ولاسيما فن العمارة، فكان طبيعيا أن يشجع المشتغلين في هذه المجالات حتى غدا بلاطه مضرب المثل في هذا الصدد.
ولقد ازدهرت حركة التأليف والتصنيف في الآداب والتراجم يومئذ ازدهارا عظيما، وبرزت جبهة عريضة من الأدباء المعروفين، نذكر في مقدمتهم ذا الوزارتين الأديب المؤرخ لسان الدين ابن الخطيب الغرناطي السلماني، صاحب المؤلفات في شتى نواحي المعرفة، بحيث عد إنتاجه موسوعة علمية حقا، فقد كتب في التاريخ والأدب والفلسفة والتصوف والطب والموسيقى والفلك والسياسة، وغير ذلك، وقد بلغ ما كتبه في هذا حوالي خمسة وستين كتابا، فقد معظمها – للأسف إبان محنة نزوحه من الأندلس إلى المغرب لاجئا سياسيا في أخريات أيامه(6).
فمن مؤلفات ابن الخطيب – التي تنبغي الإشارة إليها في هذا المقام – ما يشهد بازدهار الحركة العلمية والأدبية بغرناطة في ذلك العصر:
"الكتيبة الكامنة – ريحانة الكتاب – الإحاطة في أخبار غرناطة"
ففيها يتحدث بصفة خاصة عن العديد من معاصريه وغيرهم من العلماء والأدباء والكتاب، ولاسيما في مؤلفه الأخير (الإحاطة)، وعشرة أسفار، والذي يخصص أجزاء منه للتراجم، وتاريخ حياة تلك الصفوة الجمة من العلماء، ومؤرخا في الوقت نفسه للحركة الثقافية في غرناطة.
وهناك العلوم المختلفة التي نبغت فيها طائفة من علماء غرناطة، كتفسير القرآن، وشرح الحديث، واستنباط الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة، وقد اشتغل بهذا العلم في هذا العصر كثير من العلماء، من أمثال أبي القاسم عبد الله بن جزى الكلبي الغرناطي، المولود في ربيع الثاني من عام 693 هـ/ 1296م، والمتوفى قتيلا في موقعة طريف ضحوة يوم الإثنين 9 جمادى الأولى عام 741 هـ/ 1340م، ومن مؤلفاته في هذا المضمار كتاب "التسهيل لعلوم التنزيل" وكتاب "الأنوار السنية في الألفاظ السنية" (7).
ومن الأعلام المشتغلين بالتصوف يومئذ طائفة من أقطاب هذا العلم، نذكر منهم أبا إسحاق إبراهيم بن يحيى الأنصاري، المولود عام 687 هـ / 1286 م، والمتوفى في غرناطة عام 751 هـ/ 1350م، ومن مؤلفاته "زهرة الأكمام" في قصة "سيدنا يوسف"، وأبو عبد الله محمد بن محمد الأنصاري، المولود عام 649 هـ/ 1248م، والمتوفى عام 754 هـ/ 1353م، ومن كتبه "بغية الميالك" في مراتب الصوفية (8).
ومن علماء القرآن في غرناطة أبو عبد الله الشريشي تلميذ ابن الخطيب ومساعده، وفي علم النحو برز شيخ النحاة بالأندلس، في عصره أبو عبد الله محمد بن علي بن الفخار الألبيري، تلقى عنه ابن الخطيب، والوزير الشاعر ابن زمرك، وقد توفى بغرناطة عام 754 هـ/ 1253م.
وفي علم الجغرافيا والتاريخ نذكر في مقدمة المؤرخين لسان الدين ابن الخطيب، الذي خصص الكثير مو مؤلفاته للتاريخ الإسلامي وجغرافية المغرب والأندلس، والتي منها "معيار الاختيار، في ذكر المعاهد والديار" وكتاب "نفاضة الجراب، وعلالة الاغتراب"، و"رقم الحلل في نظم الدول".
ومن المؤرخين أيضا الشيخ محمد بن يحيى بن أبي بكر بن سعيد الأنصاري المالكي، المولود عام 674هـ/ 1372 م، والمتوفى قتيلا في معركة طريف، ومن كتبه "التمهيد والبيان، في مقتل الشهيد عثمان بن عفان".
ومن المشتغلين بالرحلات أبو البقاء خالد بن عيسى، الذي سافر إلى الشمال الإفريقي، واجتاز بلاد المشرق فيما بين عام 736هـ / 1325م وعام 740هـ/ 1329م، ثم دون هذه الرحلة في كتابه الذي أسماه "تاج المفرق في تحلية علماء المشرق".
وفي مجال التخصص ظهر بعض العلماء في غرناطة، ممن كتبوا في الطب والفلسفة والعلوم والرياضة، مثل أبي زكريا يحيى بن هذيل، حكيم غرناطة وفيلسوفها، المتوفى عام 753 هـ/ 1355م، فقد طارت له شهرة في هذه العلوم، وهو أحد شيوخ ابن الخطيب، ومن شيوخه المبرزين في أكثر من علم – الشيخ أبو عثمان سعد بن أحمد بن ليون التجيبي، أحد كبار الفقهاء، والذي قام بتخليص كثير من الكتب الكبار مثل كتاب "بهجة المجالس" لابن عبد البر، كما أسهم بنصيب معلوم في علمي الفلاحة والهندسة.
وقد شارك ابن الخطيب في علوم الطب بنصيب وافر، يدل على هذا ما خلفه من تراث طبي، مثل مؤلفه "عمل من طب لمن حب" وكتابه "الأصول لحفظ الصحة في الفصول" ، وغيرهما من المؤلفات الصحية والطبية.
هذه هي غرناطة المدينة الثقافية، والمركز الإسلامي في المغرب الأوربي، تلك العاصمة التي أضاء إشعاعها العلمي فترة ليست بالوجيزة في تاريخ الوجود العربي الإسلامي في الأندلس، والتي بقيت صامدة طيلة فترة حكم بني الأحمر الذين رعوا تلك النهضة الثقافية بالرغم من حروبهم الأهلية في الداخل، وصمودهم ومقاومتهم للنصارى الذين كانوا يتربصون بتلك القلعة الإسلامية الأخيرة، فرناندو وايزابيلا بالتسليم في 2 يناير 1492م.
وهكذا انتزعت غرناطة، ومن قبلها في الأندلس قرطبة كمدينتين ثقافيتين من العالم الإسلامي، بعد أن أسهمتا في الحقل الثقافي الإنساني بدور هام، شهد به المستشرقون الأوربيون في كثير من مؤلفاتهم.
طبع بأمر من صاحب الجلالة أمير المومنين الحسن الثاني نصره الله
المملكة المغربية
وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية


1) د. السيد محمود عبد العزيز سالم "دائرة معارف الشعب" (61). 
2 ) حضارة العرب، لجوستاق لولون ص 353 -354.
3) يوسف الأول ابن الأحمر – سلطان غرناطة من تأليفنا ص 98-99.
4) المقري في "نفح الطيب" ج 9 ص 186 (تحقيق محيي الدين عبد الحميد – القاهرة).
5) الإحاطة، ج 1 ص 516- 517 (تحقيق عنان –القاهرة).
6) انظر التعريف بابن الخطيب في كتابه "الإشارة إلى أدب الوزارة" بتحقيقنا ص 15 – 33.
7) المصدر السابق.
8) المقري في "نفح الطيب" ج. 3 .302.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here