islamaumaroc

الإمام عبد الجبار الفيكيكي مؤسس الصرح الثقافي بفكيك

  بنعلي محمد بوزيان

العدد 254 ربيع2-جمادى1 1406/ يناير-فبراير 1986

مقدمة:
بنو عبد الجبار الفجيجيون، كغيرهم من بيوتات العلم بالمغرب ساهموا في إثراء العطاء الثقافي منذ أواخر العهد المريني. ولكنهم وإلى الآن ما يزالون ضحية إهمال يستحق منا أن نواجهه في سبيل تغيير موقع فجيج في خريطة المغرب الثقافية حتى يشار إليها مستقبلا كمركز ثقافي معتبر ولا يقل أهمية عن درعة وتافلالت وتادلا وسواها.
ولا بد من أجل تنفيذ هذا المشروع وإنجاحه أن يجد صداه في نفوس المثقفين من أبناء فجيج خاصة. ونحن ممن يعتقد بوجاهة تعليل المرحوم المختار السوسي الذي ندب نفسه إن لم نقل تفرغ إلى العمل على إحياء تراث منطقته فكان من الفائزين، ونحن ممن يعتقد أن فوزه إنما هو آت من كونه من أهل سوس، وقديما قيل: أهل مكة أدرى بشعابها !
ولمجلتنا الغراء- دعوة الحق- في الواقع رباء لا ينكر على اتخاذي موضوع فجيج تاريخا وفكرا وأعلاما، ميدانا أواصل فيه البحث بعد فتور كاد أن يسلمني إلى الإحباط والقطيعة، وإذ قرأت موضوعي منشورا في أحد أعدادها(1) رأيتني أنشط من ظبي مقمر لأن فتحت أمامي فرص الاندماج في زمرة الباحثين.
وفي صدري ترجعت مواضيع متعددة تتعلق كلها بفجيج إلا أن الاختيار وقع على الإمام عبد الجبار بصفته مؤسس الخزانة وباعتباره ذؤابة بني عبد الجبار.

1) مولده:
إن الإهمال الذي لقيه كثير من شيوخ العلم وأقطاب المعرفة في المغرب انسحب على صاحبنا الإمام عبد الجبار بن أحمد بن موسى الفجيجي، بحيث لا نجد أحدا من أصحاب التراجم يشير إلى مولده ضبطا أو تقريبا، على الرغم من أننا لا نعدم أخبار أسرته في كتب المسلسلات والمشيخات والمصادر المهتمة بطبقات الرجال وتراجم الأعلام، فالمتصفح لثبت الوادي آشي(2) مثلا – وهو من أنجب تلامذته وأحفظهم لذكره- لا يجد إلماعا إلى سنة ميلاده أو حياته الأولى، في حين تعترضه صفحة بيضاء ربما كان خصها لهذا الغرض لولا أنه سار في الاتجاه الذي أنساه إياه، وانشغل عنه بسرد أخباره العلمية، وإجازاته، وأسانيده، ومروياته، وعليه، أجدني في حيرة من أمري وأنا أعد عدتي وآخذ أهبتي كيما أسجل للتاريخ حياته في شيء من النصفة والعدل ما وسعني الجهد.
والحق أن هذه القضية غالبا ما تقض مضجع الباحث المتخصص، - فما ظنك بالمبتدئ القاصر- فيحاول كل بوسائله أن يخفف من حدة الشكوك التي تكتنف مولد هذا ونشأة ذاك، وماذا علينا لو أتينا أتيهم، وقفونا قفوهم مجتهدين لتعيين تاريخ ميلاده أو تقريبه على الأقل.
حدثنا المعمرون الثقات من أحفاده حديثا يروونه كابرا عن كابر ملخصه أن جدهم الإمام عبد الجبار عمر حتى مشت رواحله، بل ومنهم من حاولوا الضبط فقرروا أنه أهدف إلى المائة عام، وفي هذا الصدد أرونا مخصرته التي كان يتوكأ عليها، وهي عندهم صنف من أصناف الشواهد الدامغة، والدلائل الساطعة يقدمونها لكل باحث عن الحقيقة من زوار روضته المباركة، وتوحي بأنه كان ذا قامة طويلة هذا إذا كانت مخصرته حقا وصدقا.
    وهذا الخبر المتواتر نتحسسه ونكاد نتأكده لا من خلال تلك القرينة المادية فقط وإنما استنادا إلى القرائن التاريخية أيضا. فإذا علمنا أن ابن مرزوق الحفيد المتوفى عام 842 هـ أجازه بتلمسان قبل هذا التاريخ بقليل أو كثير، وإذا علمنا أن العلامة الشهير، الخطير الكبير، وحيد دهره، وفريد أهل عصره أب عبد الله محمد ابن الحسين بن محمد بن حمامة الأوربي النيجي المتوفى عام 887 هـ أجازه بفاس في الأربعينات من القرن التاسع، وإذا علمنا أيضا أن العالم الزاهد الصالح الناصح إبراهيم التازي اللنشي أجازه بوهران سنة 865 هـ أي قبل وفاته بنحو عام، وقد استاف منه اكتمال مخايل رشد آنهافيه المتقدمان، وإذا علمنا آخر الأمر أنه أجاز تلميذه البلوي الوادي أشي سنة 895 هـ بتلمسان فدل ذلك على تألق متأخر في مجال التدريس، ودلت النعوت التي حلاه بها تلميذه الدؤوب على شخصية أربذت حبل الشباب وأخذت تخطو نحو الذبول فالأفول.
"فالبركة وأبقى الله بركته، وأبقاه الله" عبارات ترددت غير ما مرة بين دفاف الثبت بينما ينعته هو بالشاب النجيب أنا والشاب الصالح آونة (3)، إذا وضعنا كل هذا في الحسبان واعتبرناه، فرضنا أن يتراوح عمره في مرحلة التتلمذ بتلمسان بين عشرين وثلاثين عاما بالتالي جاز لنا أن نحصر ولادته في الخط الزمني الممتد من 810 هـ إلى 820 هـ، ومن ثم تقارب ما رواه أحفاده، ولا أخالهم إلا من الصادقين.

2) نشأته الأولى:  
في غياب المصادر التي تؤرخ لنشأته الأولى: استنجدنا بالأخبار المتواترة بعد نخلها طبعا، على أن يكون مفهوما أن تخيلاتنا ستظل غير مضمونة النتائج والعواقب، ذلك أن هذه المتوترات عجزت عن استيعاب مختلف مراحل نشأته الأولى من جهة، وهي من جهة ثانية تجاوزت الاعتدال إلى التناقض والاضطراب باد منذ الوهلة الأولى في تحديد محل ولادته، ففريق يرى أنه ولد بفاس حيث قضى أول عمره مهتما بالقراءة والتحصيل، ثم التحق بأبيه أحمد بن موسى في فجيج وهو في ريعان الشبيبة ليكون معه في إصلاح ذات البين، ومحاربة البدع الضالة، ونشر التعاليم الدينية الصحيحة، والفريق الثاني يرى أن الإمام عبد الجبار ولد بفجيج، وتلقى علومه الأولى على يد والده قبل أن يضرب أكباد الإبل إلى تلمسان وفاس.
وأيا كان الأمر، فالذي لا يرقى إليه شك أنه شهر بين أصحابه وتلامذته بالفجيجي، ومن بينهم البلوي الآنف ذكره. ويقدمه هكذا: "عبد الجبار بن أحمد بن موسى بن أبي بكر بن محمد بن عبد الله البرزوزي الورتغيغي الفجيجي بجيمين بربريتين، يكنى أبا محمد رضي الله تعالى عنه.(4)
   ولقد كان الإمام يفخر بهذا النسب الجغرافي ويعتز به، لأن حب فجيج كان يجري منه مجرى الدم في العروق، إن ارتحل حن إليها حنين النيب إلى فصالها، وإن أقام آنس إليها كما يأنس الواحد إلى الجميع، على خلاف ابنه إبراهيم وحفيده أبي القاسم الذين استوخماها واستثقلا الإقامة بها لأسباب قد نتطرق لها في مقال مستقل.
 وسواء أولد بها أم طرأ عليها، فإنه تأقلم واستباء بها منزلة أهلته لأن يصير أبا الفجيجيين دون غيره من أهل العلم والورع.

سلوكه ومكانته العلمية:
كان رحمه الله ورعا تقيا، رضي العشرة، سديد الكلمة، فصيح اللسان، لا يزدهيه ثناء ولا يستخفه تقريظ، متواضعا، متصرفا عاملا تنسب إليه كرامات كسائر الأولياء، عده الباحثون إماما يقتدى به، واعتبروه حجة ثقة، وصادقا مصدوقا لا يطرح قوله، وأقروا له بطول الباع وسعة الإطلاع وكثرة الحفظ، وكتاباته تشي بذلك كأن يقول بعد ما نقل حكاية من مدارك عياض، نقلته من حفظي بالمعنى والله أعلم. (5) هذا، وتشع من الأوصاف التي تناعته بها عصريوه ولاحقوه من باحثين وأعقاب صور سارية كل كرجل موقف ناصح الجيب إذا أعطى أحسب، وقاض أحسم إذا حكم عدل، وعالم جهباذ بصير يجمع بين الحقيقة والشريعة، نعته أحد أساتذته(6) بالحافظ اللافظ المجتهد المبارك الخير، ولقبه شيخه إبراهيم التازي بالفقيه الصالح،(7) وهي صفة يقول صاحب نفح الطيب: لها خطرها وجلالها حتى إن ملثمين كانوا يسمون الأمير العظيم منهم الذي يريدون التنويه به الفقيه، وقد يقولون للكاتب والنحوي واللغوي فقيه لأنها عندهم من أرفع السمات.(8)
وتستطيع ونحن نقرأ بعض الأوصاف التي أضفاها عليه تلامذته وبنوه وأعقابه أن نلامس حياته العلمية لنقول بعدها إنه بلغ درجة النبوغ في الميدان الفقهي على وجه خصوص، فهذا تلميذه ينعته: سيدنا وشيخنا وبركتنا ومفيدنا الإمام الأستاذ المفيد المقرئ العلامة المحقق الجليل الرواية المرشد الناصح المتبرك به الخطيب القدوة الحجة، الحاج الصدر الجليل، العام الصالح، العارف المحقق المجيد، المجدد المفيد، الرحال(9)، ورثاه ابنه محمد فتحا بقصيدة من الطويل المقبوض عروضا وضربا جمعت خصاله ومناقبه، ومما جاء فيها:
لقد كان عونا للأنام فهل لنا
  سواه معين في الأمور العظيمة
غرائب علم ثم حلم وحكمة
  حواها ولو سارت بها العين كلت
يسرك مظلوما ويرضيك ظالما
  كريم إذا لاقيته بالمودة(10)
وأما أنجاله فنراهم مأخوذين بما كان يقال في حق جدهم في الحلقات والنوادي العلمية، فيحثهم ذلك على تجديد رثائه وذكر مناقبه، ومن هنا ما أنشده الفقيه الأديب محمد بن أحمد ابن عبد الجبار غداة ختمه المرشد المعين لابن عاشر يقول:
ولله يوم تم فيه ابن عاشر
 وذلك من أولى جمادنا سابع
بمسجد(11) شيخ شيخه وإمامه
 ومن هو لأشتات المكارم جامع
إمام همام، عالم ومؤدب
 ومن هو في أعلى المعالي يطالع
وذلك تاج العارفين بربهم
 تجده مقامات اليقين يراجع
إمام به بحر المعارف مشرق
 لذا كل سالك إليه يسارع
أقام من العلوم ما كان واهيا
 أزاح ظلام الجهل، للغي مانع
إمام به قد زاد فج فجيجنا
 محاسن، وهو كان قبل يخادع (12)

 4- شيوخه وتلامذته:
وإذا صرفنا النظر عن قائمة البعوث والأوصاف قبل إنهائها وتلفتنا إلى شيوخه، تبين أنهم كثيرون، وكلهم أهل مروءة وأدب، وتقوى وصلاح. وكلهم ممن لا يحتاج إلى بسط الشواهد على نباهتهم وألمعيتهم، ويكفي أن نلم هنا بسرد تمثيلي نقله أحد الفقهاء الولوعين بالبحث والتنقيب عام 1251 هـ من فهرست المترجم نفسه يقول: " وهو –أي عبد الجبار – رضي الله عنه من أهل التاسع أخذ عن علمائها ومشايخها منهم علامة الدنيا، الحائز من علم الظاهر والباطن المرتبة العليا. أبو عبد الله سيدي محمد بن مرزوق التلمساني شارح البردة والمختصر. ومنهم نادرة الزمان ونخبة الأوان حافظ العصر أو الوفاء التونسي، ومنهم شيخ الشيوخ، ومعدن الثبات والرسوخ، مربي المريدين، ومحيي ما اندرس من علوم الدين أبو العباس سيدي أحمد زروق. ومنهم قطب زمانه، وفريد عصره وأوانه، من حاز المجد الراسخ، والولاية التي ما لمحكم آياتها من ناسخ، أبو إسحاق سيدي إبراهيم التازي، خليفة الشيخ الكامل أب عبد الله سيدي محمد الهواري دفين وهران أعادها الله دار إسلام، التقى معه عام خمسة وستين وثمانمائة بوهران أعني السيد عبد الجبار المذكور، وأجاز له في صحيح البخاري قائلا: أخذته عن فلان وفلان إلى مؤلفه أبي عبد الله سيدي محمد ابن اسماعيل البخاري له أيضا صحيح مسلم، والشفاء لعياض كالبخاري. وأخذ عنه أيضا طريق المشابكة إلى الباغزاوي وهو الذي شابكه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال له من شابك من شبكك إلى سبعة وروى عنه أيضا إلى يوم القيامة داخل الجنة، وأخذ عنه أيضا طريق السبحة إلى الحسن البصري، وقد قيل له في ذلك، فقال: "شيء استعملناه في البدايات، وبدايته من غير شك كانت مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجدت هذا في فهرست سيدي عبد الجبار المذكور بخط يده الكريمة(13)". ونلحق بهذا المسرد علماء آخرين نسلم بأستاذيتهم لصاحب السيرة كقاسم بن سعيد بن محمد العقباني (768-854هـ) ومحمد بن أحمد بن أحمد بن أبي يحي التلمساني الشهير بالحباك والمتوفى عام 867 هـ، ومحمد بن أحمد بن قاسم بن سعيد العقباني المتوفى عام 871 هـ وعمه إبراهيم بن قاسم(14) (808-880هـ). وممن اتصل بهم اتصالا وثيقا، وتبادل معهم الأخذ والإسناد على الطريقة المعهودة إذ ذاك" نذكر محمد بن يوسف السنوسي (832-895 هـ)، وأبا القاسم الفهري (825هـ-896هـ)، وابن زكري المتوفى عام 899. ومحمد بن عبد الجليل التني المتوفى 89 هـ، وابن صعد المتوفى 901 هـ وابن مرزوق الكفيف المتوفى في نفس السنة وهلم جرا. ويبقى بعد هذا أن نعرف أن ابن غازي المتوفى سنة 919 هـ، والونشريسي المتوفى قبله بخمس سنوات اعتبر من أعز أصدقاء الإمام عبد الجبار وأودهم. أما الأول فقد حضر معه الحلقات العلمية التي كان يرأسها الشيخ الصغير وأجازهما معا في حرز الأماني ورسالة القيرواني وسواهما، وأما الثاني فقد لقيه غير ما مرة في تلمسان وفي فاس. ومن آيات الود والإخلاص المتبادل أن يحتفظ الشيخ عبد الجبار في خزانته: التي كانت عامرة؛ بتصانيف صاحبه ذاك، ولم يبق منها الآن غير نماذج     قليلة من بينها ثلاث عشرة صفحة من كتاب غريب نادر الوجود ربما عديمه. ويتعلق الأمر بمصنفه عن المقري الجد. هذا الصنف الذي تحدث عنه الأستاذ الخطابي (15) وهو أحد المهتمين بفكر الونشريسي فقال: "له تأليف في التعريف بأبي عبد الله المقري ذكره في النفح ولم أقف عليه" (16). وليس علمنا للآن أن أحدا وقف عليه في أي من الخزانات المغربية عامة كانت أو خاصة، وعلى من يحمل رأيا مخالفا أن ينبه على ذلك مشكورا.
وتنقلات الإمام عبد الجبار المتكررة بين المراكز العلمية المشهورة، وبخاصة فاس وتلمسان توحي بأن تلامذته كثيرون جدا، وإن لم يشر إليهم في المصادر المهتمة بطبقات الرجال وتراجم الأعلام، باستثناء أولاده الثلاثة أحمد ومحمد (فتحا) وإبراهيم، وتلميذه البلوي الوادي آشي الذي صرح  بأخذه عنه رواية ودراية وحرص على بيان المواد المدروسة فقدمها في فصلتين. ذكر في الأولى أنه سمع عليه من أول صحيح البخاري إلى ترجمة الإيمان(17) في أصله العتيق بقراءة سيدي أبي الحسن العقباني، وناوله السفر الأول منه المحتوي على نصفه إلى باب إسلام أبي بكر، ثم إنه أجاز له جميع كتاب مسلم والشفا إجازة معينة فيهما، وعمم له الإجازة فيما أجاز له شيخه إبراهيم التازي،
وذكر في الثانية مقروءاته الأخرى وهي حزب النصر والتصلية لأبي المواهب التونسي، وسؤالاته السبعة التي سأل عنها أب العباس حلولو (ت 898 هـ) وجواباته عليها، وشرحه على جمع الجوامع لابن السبكي، وأجاز له رواية ذلك.
ولا يفوتنا أن نشير في هذا الباب إلى أربعين قبرا، بعضها يحاذي روضته الشريفة، ويقال إنها لطلبة مصريين جازوا السباسب والفدافد للأخذ عنه.

5) مؤلفاته:
ونحن إذا ذهبنا نستقصي تآليف الإمام وجدنا أنفسنا أمام مخلفات ذات قيمة علمية محترمة عموما، جاد منها الزمان بطرف وضن بأطراف، ومنها:

 أ- تفسير القرآن العظيم:
وهو أول مؤلف اشتهر أمره وذاع صيته مع العصر السعدي وما تلاه، وبدل أن نخوض في منهجه وقيمته بالنسبة لما كتب في هذا الاتجاه نكتفي بوقفات ثلاث نعرف في الأولى بعنوانه من خلال هذه الوثيقة: "وكان فيما يكتب رحمه الله تعالى ورضي عنه ونفعنا به على رأس كل سفر من أسفاره، بدأ بالأول فقال: السفر الأول من مختصر جامع أحكام القرآن المبين لما تضمنه من السنة وآي القرآن هكذا إلى آخرهم" ويسمى تفسير الإمام عبد الجبار، وهن كما يتوضح من الوثيقة اختصار لتفسير القرطبي الأندلسي المتوفى عام 671 هـ والموضوع في عشرين جزءا أو خمسة عشر مجلدا بتعبير صاحب نفح الطيب. ونؤكد في الثانية أنه كان إلى عهد قريب جدا في حكم المفقود حتى عثرنا عليه ب مجهود كؤود استهدف نشر طيه، وقد تفرق في رفوف خزانة صاحبه.
وإنقاذ بعض أجزائه البلغة اثنى عشر، وترتيبها كما كانت أول مرة يتطلب مجهودا جبارا ولا شك، وفي الوقفة الأخيرة نسجل انطباع رحالة مغربي قدر له أن يزور الخزانة عام 1197 هـ، والأمر يتعلق بمحمد بن عبد السلام ابن ناصر المتوفى عام 1239 هـ يقول: "وأوقفونا – أي أعقاب الإمام – على تفسيره من اثني عشر جزءا من الكبير قال في أوله إنه اختصر القرطبي فوجدناه يزيد عليه زيادة مستحسنة، وفوائد مستغربة، يطرزها بعبارات ريضة، ويوسمها بجواهره...(18) فوا أسفي على هاذي الجواهر الضائعة!
وواحسرتاه على هذه الفوائد المستغربة ! والعبارات الريضة ! فليت الناصري لم يثن على الكتاب ولم يبالغ في الثناء. فقد أثار فينا هواجس كامنة لم نكن نريد أن تنشط من عقالها، واستشعرنا المرارة والحسرة والألم الممض على مؤلفات بني عبد الجبار التي تفرقت فى كل وجه.

 ب) مختصر حياة الحيوان:
 وهو كتاب اختصر فيه "حياة الحيوان" لكمال الدين محمد بن موسى الدميري المصري (742-808 هـ)، ومعلوم أن هذا الكتاب حظي بشهرة واسعة في الأوساط العلمية فاختصره غير واحد من المهتمين نذكر على سبيل المثال لا الحصر ابن الدماميني (763- 827 هـ) وسماه عين الحياة، وتقي الدين الفاسي (755- 882 هـ) وأسمى مختصره "مختصر حياة الحيوان" ونعود إلى مصنف صاحبنا لنجده ينص على منهجه، وتاريخ تأليفه في السطور الأخيرة وهي كما يلي: "انتهى ما قصدت من اختصار حياة الحيوان بلفظه غالبا، وبمعناه تارة، وبتقديم في بعض، وأخير في بعض، وكان الفراغ منه عشية الأربعاء في شهر شوال عام 894 هـ". ولعله من المفيد أن نشير إلى أن هذا الكتاب كان آخر ما حرره بفجيج قبل أن يثير فرسه التراب إلى تلمسان حيث كانت عدة ورابط ووصلات. ومما يحمد له سبقه إلى الاختصار العلمي في زمن استحوذت المختصرات الفقهية على الحياة الفكرية العامة.

 ج) الفهرست:
وكغيره من علماء وقته خلف فهرسة جمعت بين دفتيها المصنفات العلمية المجاز فيها، وتراجم الشيوخ الذين لقيهم، وجلس إليهم في أسفاره ورحلاته بغرض اتصال الإسناد واسترساله ويظهر أن الأثرمين تقدما لها بالسوء فتنازلت عن حقها في الوجود، ولولا نقول هنا وهناك في المجاميع الخطية والوثائق ما عرفنا أن للشيخ عبد الجبار فهرسة.
وفضلا عن هذا خلف المترجم فتاوي لو تناهت إلينا جمعاء لكانت خير حافد على سبر أغوار الحياة الاجتماعية بفجيج عهدئذ، ويبدو أن الفجيجيين كانوا يستفتونه في كل صغيرة وكبيرة تجد، ومثال ذلك: "ومن خط العلامة القاضي سيدي عبد الجبار الفجيجي رحمه الله، وسئل عن نسوة يتعاون في المناسج تعين هذه هذه، حتى يفرغ المنسج وتعينها الأخرى، والعادة أن التي تنسج مع صاحبة المنسج تأكل عندها حتى تفرغ من المنسج، وكذلك الأخرى، فأجاب: هذه المعاملة فاسدة ولا ينبغي أكل ذلك الطعام والله أعلم"(19).
وإذا فتحنا ملف الشعر بفجيج باحثين عن مدى إسهامات صاحبنا في إثرائه، لا نقف له إلا على قصيدة يتيمة في المديح النبوي، وهي مما كان يتغنى به في مواسم المولد النبوي الشريف، ونصرح منذ البداية أن لا شيء يصلها بعالم الشعر إلا الوزن والقافية مما يشجع على تصنيفها ضمن شعر الفقهاء والعلماء الذين كانوا ينشدون راحتهم في القريض بعد لغوب الحلقات والتصنيف، فيتقربون به إلى الله مادحين نبيه، أو محذرين من سفاسف الحياة الدنيا وزينتها، ويجعلونه مرقاة لهم إلى صعود الدرجات العلى، والباب الذي سيعبرون منه إلى حياض الحسنات والزلفى، ومما جاء في القصيدة ذات الأربعة والثلاثين بيتا عدا اللازمة التي تتكون في بيتين:
لقد عاد عيدك باليسر أحمد
 بيمن وبشر وبالسعد الأسعد
بطه البشير النذير الشفيع
 بين مذمذ (20) سميت يا أحمد
برقليط (21) في الكتب تسمى وتذكر
 بتوراة موسى حريا يسند
بإنجيل عيسى أتانا البشير
 فسميت فيه بأنك أحمد(22) 
 وهكذا، وبعد حياة زاخرة بالعطاء الفكري السني، توفي صاحب الترجمة بفجيج حوالي 920هـ، وقد دفن قريبا من زاويته العلمية خلف المسجد المشهور إلى الآن بين الأهالي باسمه في قصر (23) المعيز، وهو المسجد الذي أسسه وتصدر فيه للاقراء والتدريس.
 تلك بوجه الإجمال حياة الإمام عبد الجبار المؤسس الأول للصرح الثقافي بفجيج، هذا الصرح الذي أعلى رفعته وأفشى سمعته بنوه وحفدته من بعدهم، ولاسيما ابنه إبراهيم وحفيده أبو القاسم الذي يعتبر بحق أعظم شخصية درجت على أرض فجيج الفيحاء في العصر السعدي.

----------------------
1) يتعلق الأمر: بالعدد 284 راجع المقال في ص : 95-102.
2) دراسة وتحقيق الدكتور عبد الله العمراني، راجع عن حياة البلوي المقدمة التي كتبها المحقق ص 20 وما بعدها.
 - 2الثبت ص: 381-383-387-388-399.
-3المصدر نفسه ص: 378.
تفسير الإمام عبد الجبار- مخطوط خاص-  الإشارة إلى الأوربي النيجي في إجازته-مخطوط خاصة.الثبت ص:396. 
 نفح الطيب ج1- ص221.       
 9) الثبت ص: 380-383-385-387-396-398
10) مخطوطة ضمن مجموع (خاص)
  11)الإشارة إلى مسجد الإمام عبد الجبار صاحب  الترجمة وقد أضيف إلى اسمه ولا يزال إلى الآن.
12) العربي هلالي، فجيج تاريخ... ص: 121.
13) مجموع خطي (خاص).
14) أساتذته كثيرون ذكر بعضهم البلوي في الثبت وأبو القاسم في إجازته لأحمد بن أبي محلي.
15) محقق "إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك" للسونشريسي 17) العباس أحمد، وهو من منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية    
16) إيضاح المسالك ص 71.  
 17)  الثبت ص: 396-397 وانظر صحيح البخاري ج 1 ص 12 الطبعة الميزية.
 18) الرحلة الكبرى ص 67 مخطوط ع رقم د 192327        
19) وثيقة خاصة. 
20) مذمذ أو ماذ ماذ: فيما يتصل بمعنى الكلمتين روي عن كعب الأحبار أنه قال: " اسم النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة موذ موذ وفي الإنجيل طاب طاب" والماذ في العربية يعني الحسن الخلق والفكه النفس.
21) بارقليط: كلمة سريانية الأصل وتعني المخلص المنقذ.
22) القصيدة: مخطوطة خاصة.
23) فجيج يتوزعها الآن سبعة قصور هي حسب التدرج في الكثافة السكانية: قصر زناقة- قصر الوداغير- قصر المعيز- قصر الحمام الفوقاني- قصر أولاد سليمان- قصر العبيدات- قصر الحمام التحتاني. 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here