islamaumaroc

الحياة الأدبية في العصر المريني الأول -1-

  محمد بن عبد الهادي المنوني

العدد 254 ربيع2-جمادى1 1406/ يناير-فبراير 1986

مقدمة:
يحتل أدب العصر المريني الأول درجة مرموقة بين الآداب العربية، ويعتبر فاتح عام 667/1267 تاريخا لبداية هذا العصر، إلى أن ينتهي عند عام 731/ 1231.
وقد توفرت هذه الفترة على نشاط أدبي نشأ – أول الأمر – مستقلا عن العلاقة بالحكم، وفي الوقت نفسه استفاد هذا النشاط من المقدرات الأدبية التي نزحت إلى المغرب بعد سقوط القواعد الأندلسية الكبرى، حيث استقر كثير من النازحين في سبتة وفاس بالخصوص.
وإلى جانب هذا اللون من الأدب المستقل: نذكر عاىمل الدفاع عن وشبه الجزيرة، وهو الذي حفز الأدباء – من مختلف القطاعات – ليساهموا في المعركة بالشعر والكتابة والخطابة: للدعوة إلى إنقاذ الفردوس المفقود.
وسيأتي – بعد هذا – دور الدولة في تشجيع الحياة الأدبية، انطلاقا من يعقوب بن عبد الحق ماهد الدولة، ثم كان ابنه يوسف هو الذي نظم علاقاته – أكثر – مع الشعراء، وصار بلاطه يتوفر تعلى مجموعة تخيرها منهم ليجري لهم المرتبات والإحسانات، ويقدم المصدر(1) المعني بالأمر أربعة أسماء: تنظم من مالك ابن المرحل، وعبد العزيز الملزوزي، وأبي العباس الفشتالي، وأبي العباس الحميشي.
هذا إللاى أن أميرين مرينيين كانت لهما ميول أدبية، فكان أبو مالك عبد الواحد بن السلطان أبي يوسف: محبا للآداب والتاريخ، ذاكرا للكثير من ذلك، يجالس أهل العلم والأدب ويناظرهم، ويحب الشعر ويروي كثيرا منه، ويأخذ نفسه بنظمه(2).
ثم كان أبو علي بن أبي سعيد الأول: له بعض البصر بالبلاغة واللسان العربي، وينظم القريض(3).
ومن الرؤساء الممدحين: نشير إلى الحاجب عبد الله ابن أبي مدين، ويقول عنه ابن الأحمر(4): "وما زال يهب الخيل عرابا. ويملأ للسؤال – بالذهب – جربا، وامتدحه الشعراء بوصف الكرم".
والعزفيون أمراء سبتى – هم الآخرون – كان لهم دور كبير في تنشيط الآداب في بلدتهم، مع تأثيرات لذلك في سائر المغرب، ومن هذه المدينة انبعثت الدعوة للاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وقد فتحت هذه المناسبة ميادين جديدة في الأدب المغربي، امتدادا من الأيام الأولى للإمارة العزفية، ثم من أيام أبي يوسف، وكان أول من احتفل بالمولد الشريف من بني مرين، حيث أقام مراسمه بفاس، واستمع إلى قصائد وخطب موضوعية للشعراء والخطباء(5).
                                                       *******
وهكذا يعرف المغرب المريني أدب المولديات.
كما سيعرف – لأول مرة – أدب الرواد الذي يصوغون به ارتساماتهم، ليدونوها في رحلاتهم.
وفي الوقت نفسه يزدهر أدب النكبات، ويهتم – في هذه الفترة – بالدعوة لإنقاذ الأندلس.
كذلك تبرز للميدان أشعار نبويات وحجازيات، وأخرى زهديات: كرد فعل ضد واقع شبه الجزيرة.
ومن الطبيعي أن ينضاف لهذه الموضوعيات: الاتجاهات تقليدية للأدب العربي، وتتمثل في المديح والافتخار والرثاء والاعتذار والاستعطاف والهجاء والذم والعتاب والتأنيب والوصف والغزل.
وبهذا فإن أدب هذا العصر حافظ على مجموع الأغراض الأدبية القديمة، وأضاف لها أبوبا جديدة أو شبه جديدة في الأدب المغربي.
ومن الجدير بالذكر أن بعض هذه الأبواب الأدبية حقق تجاوبا مع الأحداث المعاصرة، كما سنراه في أدب النكبات الأندلسية، وفي أدب المولديات والحجازيات. 
                                                         *******
والآن: نقدم ثمانية من مميزات الأدب المريني: نثره وشعره.
ونذكر – أولا- أنه تخلص من أكثر التأثيرات البعيدة عن الحياة المغربية.
ثانيا: تخلص من شعارات المهدوية والعصمة وما إلى ذلك من التقاليد الموحدية.
ثالثا: شيء من الليونة في الشكل والمضمون بالنسبة للعصر قبله.
رابعا: ظهور الزخرفة والضنعة الكلامية، وإن كانت لا تزال قليلة.
خامسا: قلة الأشعار في الهزليات والمجون.
سادسا: استخدام الشعر في نظم الكتب التعليمية(6) والوقائع التاريخية(7)، وأغرب ابن المرحل في هذا الصدد، حتى نظم وثيقة صداق، بمناسبة قران أمير عزفي في سبتة(8).
سابعا: ظهور الازدواج اللغوي ولو أنه قليل، ولم يخدمه سوى أبي فارس الملزوزي فيقول عنه ابن الخطيب(9) بعد ذكر اتصاله بالحكام المرينيين: "ووقف أشعاره عليهم... وخلط المعرب باللسان الزناتي في مخاطباتهم".
ثامنا: ظاهرة الاتجاه الشعبي في الاشتغال بالشعر الملحون، وكان من فحوله – في هذه الفترة – الزجال ابن شجاع التازي (10).
وسنستشف من بعض هذه المميزات: ما صار إليه الأدب المريني الأول من انحدار يسير بالنسبة للعصر قبله، ومع هذا فقد كانت هذه الظاهرة دون ما وصلت إليه الحالة في الشرق العربي، وهذا ما يلاحظه محمد رضوان الدابة(11). ويسجل أن المشرق كان أعجز عن اللحاق بأدباء المغرب.
                                                   *******
وقد تنوع النثر الفني إلى أغراضه التقليدية، وظهر في الترسل والنثر التأليفي والخطابة.
وبالنسبة للكتابة الديوانية فإنها كانت غير منتظمة خلال العهود الأولى للدولة، وإنما انتظمت طريقتها من أيام أبي سعيد الأول، بمعرفة عبد المهيمن السبتي إمام هذه الصناعة(12).
وعن الخطابة: فإنها ساهمت مساهمة مذكورة في حملات الدفاع عن الأندلس، وبالخصوص عند موقعة الجزية الخضراء، عام 678/1279، حيث أسدى بعض خطباء سبتة خدمات مشكورة في تحريض المومنين، وإلهاب حماسهم(13).
وإذ كنا نجهل – الآن – أسماء هذه الطبقة من الخطباء، فنستطيع معرفة أسماء بعض الكتاب الديوانيين في شيء من التفصيل، ونحيل – في هذا الصدد – على تأليف ابن الأحمر الذي يحمل إسم مستودع العلامة(14).
وسبقى – بعد هذا – معرفة الكتاب الديوانيين بالإمارة العزفية بسبتة، وهؤلاء توجد تفاريق من أسمائهم خلال كتب التراجم المعجمية.
                                                      *******
والآن: نذكر أن هذا العصر خلف مؤلفات موضوعية متنوعة، إلى مجموعات نثرية أو شعرية، وشروح أدبية، وكتابات في النقد الأدبي، مما يل – بواسطة مجموع هذه الآثار – على أن الشعور الأدبي كان منتشرا – بالمغرب المريني الأول – على نطاق واسع.
وسيأتي في طليعة هذه المخلفات: المجموعات الأدبية، ومنها:
- ديوان أبي فارس الملزوزي(15).
- وديوان مالك ابن مرحل الذي جمع فيه عيون شعره وسماها "بالجولات" وهي تؤدي معنى المختارات.
- ديوان ثان لنفس الشاعر، ضمنه الصدور والمطالع من أشعاره(16).
- قصائد نبويات وأخرى زهديات للشاعر ذاته(17).
منتخب ترسيل أبي القاسم خلف القبتوري ومقطعات من شعره(18).
- "بغية المستظرف وغنية المتطرف من كلام إمام الكتابة ابن عميرة أبي المطرف"، لمحمد ابن هانئ السبتي، حيث جمع فيها الآثار النثرية وما يتخللها من الشعر من إنشاء أبي المطرف: أحمد بن عميرة المخزومي، ودونها في سفرين أتقن ترتيبهما(19).
ومن الشروح الأدبية نذكر:
- شرح المقامات الحريرية: لأبي الفضل السجلماسي(20).
- وشرح نفس المقامات لأبي عمران الزناتي المراكشي، تلميذ الشارح قبله(21).
وعن النقد الأدبي نشير إلى نموذجين في هذا الصدد، ونذكر –أولا- تعقبات بين ابن عبد المالك المراكشي وابن رشيد السبتي، وقد انتقد أولهما قصيدتين لمالك ابن المرحل، حيث دافع عنه ابن رشيد ضدا على الانتقادات المراكشية(22).
كما أن الرحالة العبدري كتب تعقبا على الرحلة المنظومة لابن الفكون القسمطيني، وأثبته – بجملته – أوائل رحلته(23).
ومن المؤلفات النقدية التي كانت متدارسة بالمغرب المريني الأول: كتاب "زهر الآداب وثمر الأباب" للحصري، وقد أثار هذا المؤلف اهتمام أديب مغربي من مدينة تازا: أبي الحسن ابن بري، فقام باختصاره وترتيبه في سفر متوسط، وسماه: "اقتطاف الزهر واجتناء الثمر"، وهو يشرح منهاج هذا المختصر في طالعته ويقول:
وبعد: فهذا الكتاب سميته "اقتطاف الزهر واجتناء الثمر" اختصرته من كتاب "زهر الآداب وثمر الألباب"... على وجه اخترته لنفسي... ضممت فيه الشكل إلى شكله، وأضفت الشيء إلى مثله، وقد أسقطت كثيرا من الكلام المنثور، والشعر المستغلق غير المأثور، وربما أضفت زيادات يسيرة من غيره.
ومن حسن الحظ أن يستمر هذا المختصر المغربي على قيد الوجود، في بعض نسخ مخطوطة يتخللها بياض (24).


---------------------------------
1) "روض القرطاس" ص.ف 1305: ص 276.
"جذوة الاقتباس" ط. دار المنصور بالرباط 1974: ص 548.
2) محمد المنوني: "ورقات عن الحضارة المغربية في عصر بني مرين" مطابع الأطلس بالرباط: ص 194، 208.
3) المصدر ص 195،208.
4) "مستودع العلامة" لأبي الوليد ابن الأحمر المطبعة المهدية بتطوان 1384/ 1964 : ص 42.
    وعبد الله الذي نعلق على اسمه هو والد الكاتب الشهير: أبي الفضل، ويتصل بنشاطه الأدبي نسخة عتيقة – ناقصة   البداية – من "ديوان ابن التعاويذي" : الشاعر البغدادي المعروف، وجاء في آخر الديوان توقيت الفراغ من نسخه بيوم الجمعة 23 رمضان 724 هـ، حيث كان تعليقه برسم الكاتب البارع أبي الفضل، بن صاحب القلم الأعلى أبي محمد عبد الله بن الشيخ أبي مدين العثماني، كتبه- بخطه – محمد بن أحمد بن عبد الله بن مسلم البجلي: خ، س 3878.
5) التفاصيل في "ورقات عن الحضارة المغربية في عصر بني مرين" ص 265 – 286.
6) ساهم مالك ابن المرحل في هذا الاتجاه بنظم كتب متنوعة، عددها في "جذوة الاقتباس" ص 328.
7) "أرجوزة نظم السلوك في الأنبياء والخلفاء والملوك" لعبد العزيز الملزوزي، انظر عنها محمد المنوني: "المصادر العربية لتاريخ المغرب" 1/66.
8) احتفظ بنص هذا الصداق في "جذوة الاقتباس" ص 330-333.
9) "الإحاطة" نشر مكتبة الخانجي بالقاهرة 1397/ 1977: 4/21.
10) "مستودع العلامة" ص 49، وانظر "المقدمة" لابن خلدون المطبعة البهية المصرية ص 554- 555.
11) "مقدمة" نشير فرائد الجان لابن الأحمر ص 57.
12) "العبر" المطبعة الميرية بالقاهرة 1284 هـ: 7/248.
13) القصد إلى بعض الخطباء في موقعة الجزيرة الخضراء، وكانت انتهت بانتصار المسلمين يوم 12 ربيع الأول 678 هـ، حسب روض القرطاس ص 239-240، وانظر ص 228-229 مع ص 234.
14)  هو المشار له عند التعليق رقه 4.
15) عن واقع ديوان الملزوزي يرجع إلى الأستاذ الجليل: عبد الله كنون: "ذكريات مشاهير رجال المغرب" ج ص 35-36.
16) هذا الديوان وسابقه ورد ذكرهما في ترجمة بن المرحل، وهما – اليوم – غير معروفين، بعد أن كان في خزانة القرويين مخطوط يحمل اسم "ديوان ابن المرحل" ثم ضاع منها، حسب "الخزانة العلمية بالمغرب" تأليف الأستاذ الكبير المرحوم محمد العابد الفاسي ص 32: مطبعة الرسالة بالرباط دون تاريخ.
17)  انظر محمد المنوني: "مجموعات مغربية في المدائح النبوية" مجلة "الثقافة المغربية" بالعدد 4 صفر 1391/1 أبريل 1971: ص 90-93.
18) منشور انظر "المصادر العربية بتاريخ المغرب" 1/81: تعليق.
19) لا تزال غير معروفة بالضبط، وعن المعروف من رسائل أبي المطرف بن عميرة يرجع إلى "المصادر العربية بتاريخ المغرب" 1/63.
20) وردت الإشارة له عند أبي عمران موسى الزناتي الأزموري برسالة ألفها في "موضوع انتقال المهل من محل إلى محل": مخطوطة ضمن مجموع يحمل رقم 1588 د.
21) جاء ذكره عند ترجمة مؤلفه عند ابن إبراهيم في "إعلام" المطبعة الملكية 7/299 – 300.
22) " ورقات عن الحضارة المغربية في عصر بني مرين" ص 224 و251.
23) ص 35-37.
24) يعرف – الآن – من "اقتطاف الزهر" أربع مخطوطات: إثنتان بالمغرب: خ، س 374، 2544، وإثنتان بدار الكتب المصرية 14094 ز و14417 ز.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here