islamaumaroc

كلمة السيد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية في الجلسة الختامية لندوة الطرق الصوفية بفاس ( دورة الطريقة التجانية)

  عبد الكبير العلوي المدغري

العدد 254 ربيع2-جمادى1 1406/ يناير-فبراير 1986

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
- سعادة عامل صاحب الجلالة على إقليم فاس.
- سعادة السيد رئيس المجلس البلدي لإقليم فاس.
- السادة ممثلو ومنتخبو المدينة والإقليم.
- أصحاب الفضيلة والسماحة أساتذتنا ومشايخنا العلماء الأجلاء الصوفية الكرام.
حضرات السادة الأفاضل.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إن التصوف درجة من النضج الفكري والصفاء الروحي، لا يصل إليه الإنسان إلا عندما يطل على مشارف الفهم الصحيح لطبيعة الكون ونظامه وسبب وجوده والغاية منه، وموقع الإنسان في هذا الكون وفي هذا النظام، وصلته بالخالق فيؤمن بالله بكل ما تدل عليه صفاته وأسماؤه، ويستسلم لتدبيره ويرضى بقضائه ويخلص التوكل إليه، ويشعر بأنه في حرزه وأمنه، ويعلم أن الله ما أحل له شيئا إلا وفيه خير، ما حرم عليه شيئا إلا وفيه شر، فيأتي ما أحل الله له، ويجتنب ما حرمه عليه، لمجرد علمه بحكم الله طاعة لله، ودون تعلق بالأسباب والعلل، ولا بالمنافع والمصالح، ويتم له صفاء الروح ونقاؤها وجلاء النفس وشفافيتها وطهارة القلب وانشراح الصدر واتقاد البصيرة وزوال الغبشة عنها، بإخلاص العبادة والمواظبة على ذكر الله والمحافظة على الصلوات والمداومة على تلاوة القرآن وتدبر أسراره، والاقتباس من أنواره، فإذا تم للإنسان ذلك كله، فإما أن تحصل له نفرة من الدنيا ومن الناس وزهد في أمور الدنيا وخوف وفزع من الوقوع في المحظور، فينطوي على نفسه ويتصرف بكليته إلى التأمل والعبادة مع القعود  فيكون قد أخطأ طريق التصوف الحق وفوت على الأمة النفع المرجو من أمثاله، وإما أن يمتثل قول الله تعالى: ? وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون"، وقوله: ?وجاهدوا في الله حق جهاده ?، وقوله: ? فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون? فإن امتثل لهذه الآيات ومثيلاتها التي تحض على العمل والسعي والتعاون مع الناس وطاعة أولي الأمر في تنفيذ سياسة النماء والازدهار الاقتصادي والإصلاح الاجتماعي وتعلم العلوم وتعليمها ونشرها وغير ذلك مما فيه صلاح أمور الدنيا وسعادة البشر وقوة المسلمين وعزتهم ونجاح الفرد في الحياة ومشاركته الفعالة في التنمية.
وإذا كان هذا الصوفي قد دخل إلى هذا المعترك وهو كما علمنا نضجا فكريا وصفاء روحيا، التقت حينئذ المادة بالروح والعمل بالتقوى واستقامت أمور الدين والدنيا معا، وأدت الصوفية دورها على الوجه الذي يرضي الله ورسوله، وهذه الغاية السامية، والمرتبة العالية، هي ما قصده أشياخ الطرق الصوفية عندما وهبوا حياتهم لتربية الإنسان ولدفعه للإسهام فيما فيه عزة الإسلام والمسلمين، وهي الهدف الأسمى الذي تهدف إليه الطرق الصوفية الحقة جميعا.
إن الصوفية أيها السادة، ليست طرقا للانزواء في الزوايا، وإنما هي طرق لتزويد الإنسان بطاقة الإيمان وتوجيهه للعمل النافع وللصلاح والإصلاح.
حضرات السادة الكرام:
     إن كبريات  الزوايا في المغرب كانت عامرة بالعلماء، وكانت فيها خزائن الكتب وكانت مراكز للتربية الصوفية وتلقين العلوم، وفي نفس الوقت كانت رباطات للجهاد، وشارك مشايخ هذه الزوايا وأتباعهم مشاركة عظيمة في حماية ثغور بلادنا والمحافظة على وحدتها الترابية والإبقاء على رايتها عالية سامية، وأسهم الصوفية في بلادنا وفي جميع البلدان الإسلامية إسهاما كبيرا في حركات الإصلاح الاجتماعي وفي مختلف الحقب التاريخية، لأن الزوايا كما قلنا لم تكن ملجأ للعجزة ولا للقاعدين، وإنما كانت مدرسة لتخريج العلماء العاملين والدعاة الصالحين المصلحين. وعندما أصاب التأخر العالم الإسلامي أصاب الزوايا فيما أصاب، فانكمشت وتراجعت حتى لم يبق منها في وقت من الأوقاف إلا رسمها، ثم جاء الاستعمار ليمهد الطريق للكنيسة التي حاربت الزوايا بضراوة وما زالت تحاربها إلى الآن. وتحامل بعض المسلمين أيضا على الزوايا بما أضعف عضدها وأخبى جذوتها وأعان من يريد هدمها والتخلص منها، وأضاف أبناء الزاوية أنفسهم سببا إلى هذه الأسباب فتنازعوا وحارب بعضهم بعضا، وأطلق بعضهم لسانه في بعض، مع أنهم أسرة واحدة وأمة واحدة، ورغم ذلك كله، بفي المنصفون يشهدون بأن التصوف طاقة إيمانية قوية وضرورية للأمة، ويعترفون بأن الزوايا أدت خدمة جليلة للإسلام، وما زالت قادرة على أداء خدمات أخرى ربما لا يقوم بها غيرها من المؤسسات، وأنه لابد من إعادة الإعتبار لها ولأهلها والاعتراف لها بالجميل، وتيسير السبل لها لمواصلة رسالتها وأداء أمانتها، وقد بذلت جهود مخلصة في هذا السبيل فأعطت – ولله الحمد – ثمارها الطيبة وأعادت الحياة إلى الزاوية على أيديكم أيها العلماء الصوفية الأفاضل، فما من واحد منكم إلا وقد وقف حياته ليعيد للزاوية دورها ومكانتها واعتبارها، وليسهم بجهوده المخلصة في أداء رسالة الزاوية التيس أراد الله لها أن تؤديها، وها نحن في المغرب برعاية أمير المؤمنين، صاحب الجلالة الحسن الثاني نصره الله وأيده نضع أيدينا في أيديكم ونضم جهودنا إلى جهودكم ونسهم بكل ما استطعنا لخدمة الزاوية وجعلها قادرة على أداء الأمانة التي ناطها الله برجالها، ها نحن برعاية أمير المؤمنين وبدعوته وبإشرافه وبرعايته نعقد هذا الملتقى الدولي للطرق الصوفية وللطريقة التجانية خاصة في منبعها ومطلع شمسها ومنطلق أسرارها وأنوارها، في مدينة فاس الفيحاء التي رحبت بكم قبل أن تصلوا إليها، ومنذ بلغها خبر توجهكم إليها واستمرت في ترحيبها وفي إظهار البهجة والسرور والسعادة بوجودكم بين أحضانها منذ وطئت أقدامكم الكريمة هذه الديار. ولقد استمعتم أيها السادة الكرام إلى كلمة جلالة الملك أمير المؤمنين الحسن الثاني أدام الله نصره وعزه، تلك الكلمة السامية الكريمة التي أبى جلالته إلا أن يوجهها من فرنسا إلى ملتقاكم هذا، والتي أبرز فيها مكانة هذه الطريقة وأهلها في نفس جلالته وقلبه وما يكنه لها ولأهلها من تقدير وإكبار وإعزاز، ورثه عن آبائه وأجداده الكرام. والحمد لله فالطريقة التجانية في مستوى هذا التكريم رغم الحاسدين والماكرين والضالين المضللين، ولهؤلاء نقول: من أراد أن يعرف فضل الطريقة التجانية، فلينظر إلى عدد من اعتنق الإسلام على بد مشايخها في إفريقيا وفي العالم، ولينظر إلى عدد أتباعها وليحص أتباعه، وهل له مثل أتباعها، ولينظر إلى إيمان رجالها الراسخ وعقيدتهم الصافية وأخلاقهم العالية، ولينظر إلى أدبائها وشعرائها، ولينظر إلى وزرائها، ولينظر إلى روح الأخوة والتعاون والتآزر والتآلف التي بين أفرادها، ولينظر إلى مكانة كتاب الله فيها، ولينظر إلى ذكر الله فيها، ولينظر إلى موضع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، ولينظر إلى حب أهلها لآل البيت وتعلقهم بهم وولائهم الروحي لهم.
ماذا عساني أقول، وهل أستطيع أن أعد محاسنها؟ فليخرص لسان كل حاسد، وليطأطئ رأسه كل مكابر معاند.
        أيها السادة:
    والله لا أحتاج إلى الترحيب بكم، لأنكم في بلدكم وبين أهليكم وإخوتكم، وليس فيكم ضيف واحد، بل كلكم أسرة واحدة في بلدكم وفي منبع طريقتكم وفي مدفن شيخكم.    
حضرات السادة الكرام:
اسمحو ا لي أن أتوجه بالشكر العميق الجزيل إلى راعي هذه الندوة باسمكم جميعا إلى أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني، فهو الذي آوى الصوفية في بلده، وهو الذي رحب بكم في مملكته.
واسمحوا لي أن أشكر كل من أسهم في إعداد هذه الندوة وتوفير الجو المناسب لها والوسائل الضرورية لإنجاحها، بدءا بالكتابة الخاصة لجلالة الملك، وديوان جلالته، والسيد الوزير الأول في حكومة جلالة الملك، وجميع وزارات حكومة جلالته، وأن أخص بالشكر سعادة عامل صاحب الجلالة على إقليم فاس، وسعادة رئيس المجلس البلدي لمدينة فاس، وأن أشكر أطر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وعلى رأسهم الكتاب العام للوزارة الحاج محمد المرابط الذين خدموكم بكل حب وتفان وإخلاص غيرة منهم على هذه الندوة والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here