islamaumaroc

الفن النصري بين غرناطة وفاس.

  عبد الهادي التازي

العدد 254 ربيع2-جمادى1 1406/ يناير-فبراير 1986

إن هناك ظاهرة حضارية معالمها تظهر في الأعوام الأخيرة، على يد مسؤولين سامين سواء في إسبانيا أو المغرب، ويتعلق الأمر بالبحث في التراث الذي يشترك فيه الطرفان المتجاوران وصولا إلى الأواصر القوية التي تربط على مر الدهور بين الشعبين الإسباني والمغربي، وانتهاء إلى الحفاظ على تلك الوشائج ودعمها وتنميتها برورا بذلك الماضي الأثيل وتطلعا للمستقبل الذي ننتظر أن تنعكس فيه وعليه صورة بذلك الأمس الجميل...
إن "أبناء العم" الذين انتقلوا من الأندلس إلى المغرب ظلوا على صلة وثيقة بالأندلس، يعيشون معها في وجدانهم، في قلوبهم، وفي مخطوطاتهم، في عاداتهم، في فنونهم..
ولم يكن غريبا علينا أن نسمع في المغرب عن أسماء لمدن أندلسية تحملها بقاع في المغرب تعبيرا عن ذلك الارتباط القوي الذي نمته السنون والقرون الخالية، سوف لا أذكر هنا بهذه المناسبة سوى واحد من تلك الأعلام الجغرافية التي تجد لها مكانا في جنوب الأندلس...
ويتعلق الأمر بحصن المنكب الذي نقرأ عنه في الوثائق المغربية التي ترجع لعهد السعديين(1)، والذي رحل بدون شك، من الأندلس ليعيد إلى الذاكرة اسما كان يحتضن طائفة من "أبناء العم" بعضهم فضل أن يبقى، وآثر الانتقال بعضهم الذي احتفظ باسم المنكب كتحية متجددة إلى "أبناء العم" الموجودين هنا ! وكتعبير عن فكرة ما يسمى في اصطلاح البلديات المعاصرة بالتوأمة بين المدن..
فإذا ما تجاوزنا كذلك نقاط اللقاء المتجلية في العادات والتقاليد، إذا ما تجاوزنا ذلك إلى ميدان الفن فإننا سنجد أنفسنا أمام حشد زاخر بالمعالم التي تدعونا إلى الجلوس سوية للوقوف على مفاتنها ومباهجها ووحدة مواضيعها، الأمر الذي يتميز به هذا الركن دون غيره من أركان العالم...
وقد اخترت أن يكون حديثي اليوم خاصا برواقين يحتلان قلب مدينة فاس، وبالذات في صحن أقدام وأهم وأشهر جامع يوجد بالمغرب،  معروف باسم جامع القرويين أو جامعة القرويين نسبة إلى المهاجرين الذين وردوا من القيروان...
إذا قدر للمرء أن يزور ساحة الحمراء في غرناطة ثم تأخذه طائرة لتنزله في فناء مسجد فاس فإنه ليخيل إليه أنه ما يزال في صحن الحمراء.. ! الشكل واحد والتصميم واحد والمقاييس واحدة وحتى الموقع المتقابل واحد..
وهذا كان يعنى أن هناك امتدادا ملحوظا للفن النصري نحو المغرب، والواقع أن الجهود تضافرت بين اليد المغربية واليد الأندلسية منذ الأيام الأولى للوجود العربي في جنوب إسبانيا على نحو ما تقرأه للمؤرخ الأندلسي أبي مروان عبد الملك ابن صاحب الصلاة في الفصل الخاص من كتابه بـ" بناء جامع اشبيلية" حيث نجد طائفة من الفنانين المغاربة يعبرون البوغاز لأداء مهمتهم هناك.
ولكن الذي يهمني الآن هو تقديم الرواقين الفاسيين... منذ العهد الذي بنى فيه جامع اشبيلية على عهد الموحدين، أنشئت في صحن هذا المسجد الشهير، بالناحية الشرقية منه، خصة حسناء من رخام قديم أعدت لوضوء المصلين لكن الخصة بقيت عارية دون ما أن يظللها سقف يحمي المتوضئين ومن وهج الشمس وهطول المطر...
وبما أن الجامع المذكور كان يحظى من سائر ملوك المغرب بما يجدد من حياته وما يجمل جهاته فقد رأينا السلطان أب العباس أحمد المنصور الملقب بالذهبي يزوده بخصة أخرى عوض بها الخصة القديمة... وقد جلب رخامها من فرنسا على ما يفيده المقرى في كتابه "روض الآس".
ولما تم هذا الاستبدال وجدها المنصور فرصة لبناء قبة رائعة على الخصة حيث وجدناه يستشير عددا من المهندسين حول تصميمها...
وبما أن فاس على هذا العهد كانت تزخر بالبنائين الذين كونهم أجدادهم بعد تسليم مفاتيح الحمراء ثاني يناير 1492، 20 صفر 896 فقد وقع اختيارهم على تصميم الرواق الموجود بساحة الحمراء...
قال المقرى: وقد رأيت هذه القبة وقد أكملت صنعتها إلى الغاية، وجعل على خارجها وفي داخلها الذهب الأحمر، فهي عبرة لمن اعتبر، وكان ذلك سنة 996 هـ، 1588م.
وقد طلب إلى ابن القاضي صاحب (الجذوة) أن ينشئ شعرا مما يكتب داخل القبة المذكورة المزركشة بأنواع الألوان والنقوش وغير ذلك من أنواع الصباغات، فنظم أبياتا ضمنها تاريخ الانشاء(2):
كهف الملوك أبو العباس أنشـأني             بحر المكارم من معد بن عدنــان
حزت المفاخر بالمنصور أجمعها            ومن علاء سنام المجد أرسانـــي
من جاء يشكو الظمأ يوما وقبلى             أغناه ما قد همى من صوب أجفاني
لا تنكرن وجود الدمع من فرحي            فالعين تدمع من إفراط ســلوان !
واشرب هنيئا من السلسال لا حرج فعين دمع جرى من فيض خلجاني
فخر السلاطين من أبناء فاطمـة             أشاع صيتي إلى أطـراف عمان !
وقد جرت مقلتي تحكي سحائبها            كف الخليفة من أبناء زيــــدان
ولا زال للدين والدنيا يوسـمها               ما هيجت عاشقا ورق بأفــــنان
إذ شادني زمن التاريخ وافـقه               (للدين) والأجر بحر الجود أجراني
وقد نقش خارج القبة شعر الأديب الكاتب أبي العباس الغرديس (ت 1020 هـ) الذي لم يتضمن تاريخا:
حسن سنى منظري يستوقف النظرا        وفائق الصنع منى طرز الطــــررا
حباب ماء من الدر النثير عــدا             وصوب وردي من ذوب اللجين جرى
ابن نبي الهدى االمنصور أبدعنى          من فيض نعماه ما بين الورى انتشــرا
فعال بره لا يحصى تعـــددها              وخبر آثاره يصدق الخـــــــبرا
وقد كان من المفروض أن يشتمل الخد الغربي للقبة، الموالي للصحن على البيتين الباقيين من قطعة الغرديس:
لا ينثني راشف تغري من ظمأ  إلا ويحمد مني الورد والصـــــدرا
من أم قربي بفرض أو بنافـلة  يجد معيني مبينا للظهور ســــــرى
لكنه، أي الخد الغربي يشتمل اليوم على ما يشبه أن يكون بيتين من شعر غريب يظهر أنه طرأ عند عملية إصلاح للقبة فيما بعد، أيام الدولة العلوية.
قال المقرى: "وقد رأيت القطعتين مكتوبتين بالقبة، تلم من داخلها وهذه من خارجها".
ويظهر أن المنصور الذهبي كان يعتزم أن ينشئ في مقابل هذه الخصة بما يعلوها من قبة، أخرى بخصتها في مقابلها، إلا أن الوفاة أدركته وادخرت الأقدام لذلك حقيده الأمير أب محمد عبد الله بن محمد الشيخ..
وهكذا رأينا هذا الحفيد يسعى لتجميل الجانب الغربي من صحن جامع فاس بخصة وقبة كانتا تفوقان من حيث الفن والدقة ما كان جده المنصور قام به في الجانب الشرقي، فاكتملت بذلك صورة طريفة من الأندلس، ومن غرناطة بالذات، من ساحة الأسود، حيث تتقابل قباب في مثل هذا التصميم وهذا التركيب !.
وعلى نهج سابقتها فقد طرزت هذه القبة بباقات من الشعر زاهرة، نقش في داخلها مما تمكنت من تبنيه بعد طول معاناة هذه الأبيات:
يا واقفا سره صنعي وتصويـري            (حسن سنادي) بديع غير منكـور
يا من ترشف عذب الماء من ظمأ           عليك أقسمت بالأحزاب والنــور
تدعو بنصر لما لاحت محاسـنه             على الدنا كهلال فوق ديجــور
خليفة الله من في النبوة قـــد                 علت به همة بالنصــر مغمور؟
هو الإمام الذي قد حاز منــزلة              عند الإلاه بدار الخـــلد والحور
أبو محمد عبد الله أفضــل من                حلاه ربي بجـــــف؟ والنور
من لا يزال وعين الله تكلــؤه                 من شر ما يتـــقى وكل محذور
فاخلص له دعوة تمحو إسـاءته              بجاه أم القرى والبــيت والطور
وعلى كل قوس دائرة عن اليمين، وأخرى على اليسار، ثمان دوائر نقش عليها كلمات: "باسم الله، ما شاء الله، لا قوة إلا بالله".
وعلى جوانب القبة من الخارج نقشت الأبيات التالية التي توزعت ابتداء من الركن الشمالي إلى الشرقي إلى الجنوبي، وهي تشير إلى تفوق قبة الحفيد على قبة الجد:
بدائعي نسخت لما تلت ســـورا              من الجمال الذي أبدى بها صــورا
آيات تلك التي قالت مصرحـــة             "حسن سنا منظري يستوقف النظرا"!
فحقها أن تحط الرأس صاغـــرة             فالكوثر العذب من ماء المعين جرى
ولي فخار عليها بانتسابي إلـــى             عبد الإلاه الذي كل الورى بصـرا
ابن الإمام الرضى المأمون من عظمت      به قريش وسادت بالعلا مضـــرا
في عام (زهو) بعيد الألف أبدعــني          لهجرة من دنا من ربه وســـرى
(لا ينثني راشف ثغري من ظــمأ             إلا ويحمد مني الورد والصــدرا)
(من رام قربا بفرض أو بنافلــة              يجد معيني معينا للطهـور جرى)(3)
هذا وفي القوس الشرقي الذي يلي جهة الصحن تتقابل لوحتان، نقش عليهما بخط نسخي كلام استعصي علينا التقاطه كله، ويشبه أن يكون قطعة شعرية مختومة بقافية اللازم، ففي اللوحة الجنوبية من بدايتها: "صلى الله على محمد..." وفيما قبل السطر الأخير يمكن أن تقرأ: أبو محمد عبد الله أنشأها؟.
وإذا كانت سواري القبة الشرقية تخلو من كل أثر للكتابات المنقوشة، فإن بعض السواري في هذه القبة الغربية امتازت ببعض النقوش التي تحمل أسماء وتواريخ من عهد بني مرين، ويتعلق الأمر بالساريتين المتقابلتين اللتين تجاوران ددار الصومعة.
وتصميم الرواقين معا لا يكاد يختلف في هذا وذاك، فكلاهما يحتوي على أقواس مطرزة، وكلاهما يحتضن خصة من المرمر: الشرقي يضم خصة المنصور السعدي والغربي يضم خصة حفيده.
وبعد فقد قصدت بهذا الغرض أن أضع بين يدي القراء عنصرا من عناصر المقارنة والمفارقة بين ما يشاهده السائح في ساحة الأسود بحمراء غرناطة، وما يشاهده الزائر في صحن القرويين: بجامعة فاس.

---------------------------
1) هذا هو الحصن الذي ورد في شعر أبي فارس الفشتالي يهنئ بفتحه الخليفة الناصر أواخر رمضان 1029- 29 غشت 1620: وهو بالذات "إيمي نتانوت"
ورد البشر بفتح حصن الفتح في  شهر به حور الجنان تزين...
ع. كنون: رسائل سعدية ص 227 228م السوسي: المعسول ج 19 ص 84.
2) د. التازي: جامع القرويين ج 2 ص 336- 337.
3) نلاحظ أن البيتين الأخيرين للغرديس السابق الذكر...

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here