islamaumaroc

أثر الحياء في حياة الأمة

  دعوة الحق

29 العدد

الإسـلام عقيدة وعبادة وقانون وأخلاق، تحفظ كيانه وسياجه الدولة المسلمة، وتراعي حقوقه وحدوده وتوفي أماناته وعهوده الأمة التي تؤمن بهداه، فما دام أفرادها واثقين بمبادئه عاملين على حفظ شرائعه، فنجاحهم ونجاح ولاتهم الراشدين مضمون، وبقدر انحرافهم عن جادته وبقدر انعدام ثقتهم بشريعته وبنفوسهم تكون لهم في الحياة صفقة الخاسر المغبون..ومن أجل ما يحفظ على الأمة صفة الكمال في العقيدة والعبادة ومراعاة القانون والأخلاق في الحياة العملية سجية الحياء، ولذلك عبر النبي بفائدته فقال الحياء من الإيمان، فجعله من الإيمان المكتسب وإن كان جبلة لما يفيده من الكف عما لا يحسن.
قال الراغب مبينا حقيقته وحده: الحياء انقباض النفس عن القبيح، وهو من خصائص الإنسان لتردع عن ارتكاب كل ما يشتهي فلا يكون كالبهيمة، وهو مركب من جبن أي خوف وعفة لذلك لا يكون المستحيي فاسقا كما في بعض الصبيان. فالفاسق فقد العفة التي تركب منها الحياء ففقد الحياء، والشجاع فقد الجبن أي الخوف لمنافاته للإقدام والجرأة اللازمين للشجاعة وقيل في حد الحياء هو خلق يبعث على ترك القبيح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق.
واثر الحياء في حياة الأمم عظيم وإذا كانت التربية تحسن السلوك العام عند بعض الأمم فتكون عندها شعبة من الحياء، فإن ذلك من فضل الشرائع السماوية، التي عمل الأنبياء والرسل الذين أنزلت عليهم هذه الشرائع على رعاية هذا الخلق وإشاعته في جميع المتبعين لهم، وقد اخبر رسول الإسلام بخبر يتضمن أن الحياء من شرائع الأنبياء الأولين، حيث قال : أن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحيي فاصنع ما شئت، وللحافظ ابن القيم كلام جامع في اثر الحياء وخاصيته فقد قال فيه: هو خاصية الإنسانية فمن لاحياء له ليس معه من الإنسانية إلا اللحم والدم، وصورتهما الظاهرة، كما انه ليس معه من الخير شيء لولا هذا الخلق لم يقر الضيف، ولم يوف بالوعد، ولم تؤد الأمانة، ولم يقض لأحد حاجة، ولا تحرى الرجل الجميل فآثره والقبيح تجنبه ولا ستر له عورة ولا امتنع من فاحشة، وكثير من الناس لولا الحياء الذي فيه لم يؤد شيئا من الأمور المفترضة عليه ولم يرع لمخلوق حقا ولم يصل له رحما ولا بر له والدا فإن الباعث على هذه الأفعال إنما ديني وهو رجاء عاقبتها الحميدة، وإما دنيوي علوي وهو حياء فاعلها من الخلق، فقد تبين انه لولا الحياء إما من الخالق أو من الخلائق لم يفعلها صاحبها، وفي الترمذي وغيره مرفوعا( أي إلى رسول الله) استحيوا من الله حق الحياء، قالوا(أي الصحابة) وما حق الحياء قال إن تحفظ الرأس وما حوى، والبطن وما وعى وتذكر المقابر والبلى، ه. فكمال الحياء شيئا عن معرفة الله تعالى ومراقبته، وعن هذا المعنى عبر بعض السلف بقوله أولى الحياء الحياء من الله هو ان يراك حيث نهاك ولا يفقدك حيث أمرك، ومضمن هذا أن لا تخالف نهيا ولا تعصى أمرا، وإذا كان هذا حالك مع الله الذي يعلم السر وأخفى، ولا يعزب عن مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، فإنك تكون طاهر العقيدة، كامل العبادة، مستقيم السلوك مع الخلائق وخالقهم، فتشاهد نعم الله ويبعثك الحياء منه على استدامة شكرها، ولهذا نقل عن أبي القاسم الجنيد في حقيقة الحياء انه رؤية الآلاء أي النعم ورؤية التقصير فيتولد بينهما حالة تسمى حياء، وعبر الإمام علي كرم الله وجهه عن اثر الحياء في سلوك الشخص بقوله: من كسا الحياء ثوبه لم ير الناس عيبه ويعتبر الحياء بهذا المعنى جمال الحياة الإنسانية حيث يسمو بها عن كل النقائص، ويميزها في الوجود بأنبل الخصائص وذلك أنبل مقصد يرمي إليه الإسلام من تطهير النفوس وتزكيتها، وبه كان ذلك الخلق الطابع العام للأخلاق الإسلامية حتى قال الرسول كما رواه الإمام مالك في الموطأ(لكل دين خلق وخلق الإسلام الحياء).
فلو رفع هذا الخلق الذي يردع النفوس عن ارتكاب الرذائل ويبعثها على التحلي بأجمل الفضائل لكان للحياة الإنسانية وجه غير وجهها الإنساني الجميل وفي هذا المعنى قال الشاعر:
إذا لم تخش عاقبة الليالي
               ولم تستحيي فاصنع ما تشاء
فلا والله ما في العيش خير
               ولا الدنيا إذا ذهب الحياء
فإذا انتقلنا من النظريات إلى واقع الحياة لنرى نصيب الأمة العربية من هذا الخلق الكريم نجده ضئيلا يكاد ينطمس رسمه ويعفو أثره، فقد امتلأت الصحف اليومية ببيان أمراضنا الدينية والاجتماعية فانحلال أخلاق الإسلام في الوسط المغربي ظاهرة بارزة للعيان، وشرائعه وحدوده كادت تصير في خبر كان، ناهيك بعدم وجود تشريع في المحاكم يعاقب بموجبه من ينتهك ركنا من أهم أركان الإسلام وهو الصيام، فيتحدى الهادم لهذا الركن الإسلامي شعور جمهور المسلمين بالفطر جهارا في رمضان وناهيك بعدم تطبيق تشريع العقوبات على شاربي الخمور ومروجيها، وبشيوع الزنى شيوعا اقلق بال الأمة مع إهمال المسؤولين للتفكير في محاربته وقطع دابره وهذا الإهمال حاصل مع جزء الشبان الفساق في الشوارع على انتهاك حرمة النساء بالتعرض لهن بمختلف أنواع الإغراء وناهيك بانتشار القمار ونصب موائده في كل جهة ومكان، كأنه عمل مشروع، وليس رجسا من عمل الشيطان وبالسخرية بالمقدسات من الذين يسمون أنفسهم بالتقدميين، هذا بالإضافة في المعاملة، وتكالب الجماهير على جمع الحطام من غير مبالاة بكونها من الحرام فالغش في الصناعات والتطفيف في الكيل والميزان وكثرة الحلف في كل المعاملات لترويج السلع بالزور والبهتان ميدان خاضه الأكثر إلا بقية ممن عصمهم الله عرفوا بالاستقامة بين جميع الأصناف التي ذكرنا فصاروا محل ثقة الجمهور المؤمن وكل هذا ناشئ من ضعف خلق الحياء أو فقدانه فما هو الدواء لعلاج هذه الأمراض الدينية والاجتماعية !
كثير من الناس يوجهون المسؤولية إلى علماء الدين حيث لم يقوموا بإرشاد الناس وتعليمهم أمور دينهم ويردون فساد الأوضاع الدينية الاجتماعية إلى كثرة جهل الناس بأمور دينهم وأمور دنياهم وفي نظري أن بيان العلماء لا يكفي رغم اعترافي بإهمال الكثير منهم للواجب الملقى على عاتقهم بل لابد مع بيان العلماء من تطبيق قانون صالح صارم يحمي المجتمع من هذا الانحلال ويبعث الثقة في النفوس بالمبادئ المثلى في العدالة فيقع الضرب على كل أيدي العابثين بحقوق الناس.
فإذا ظهرت على موظف ثروة خارجة عن إمكانيات راتب وظيفته، أو وجد يحيى حياة المترفين التي لا يحياها امتثاله فلابد من تطبيق قانون من أين لك هذا عليه، حتى تستقيم أحوال جميع الذين يتخولون في مال الأمة بغير حق وكذلك من محاربة المنكرات المعلومة من الدين بالضرورة وحماية المجتمع من أضرارها بتشريع كفيل يسد به هذه الحاجة الملحة وإذا وجد المستهترون بالأخلاق والمتحدون للقيم الإنسانية التي هي قوام المجتمعات البشرية المتحضرة المتدينة فلا بد للأخلاق ممن يحميها بقانون عادل وتطبيق شامل لأن فقدان الأمة لأخلاق خروج بها عن إنسانيتها على ميدان الهمج والإباحة والفوضى، وبالتالي فقدان الروابط التي تحفظ كيان الأمة وإذا جد من يسخر بمقدسات الأمة وبدينها الرسمي فلا بد من عقاب رادع يردعه وأمثاله، حفظا لقداسة الدين ومكانته في نفوس المؤمنين من عبث الملحدين وقد كان القانون الرادع طوال عهود الإسلام هو قتل المرتدين بعد استتابتهم عملا بقول الرسول: من بدل دينه فاقتلوه وتأديب وتعزير من قارب الارتداد عن الدين ونشر الضلالات بين المسلمين.
وقد كتب إلى بعض القراء يقول أن الموعظة وحدها لا تكفي فلا بد من القصاص وإقامة الحدود الشرعية وإني أجيب هذا القائل بأني متفق معه ولكن الرسول يقول: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وإني لا أستطيع التفسير باليد لأن الرسول وقت ضعفه بمكة لم يستطع تحطيم الأصنام التي كانت فوق ظهر الكعبة حتى جاء نصر الله والفتح فدخل مكة ونكس الأصنام وهذه هي سنة الحياة وحسب مثلي أن يقول ما يعتقده حقا، وينبه المسؤولين إلى الواجب ناصحا لأن الرسول قال: الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة قلنا لمن يا رسول الله، قال: لله ولكتابه ولرسوله ولائمة المسلمين وعامتهم، وهذه النصيحة هي مهمة كل مؤمن مخلص وبكثرة الناصحين والسامعين للنصيحة تصلح حال المسلمين والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

 

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here