islamaumaroc

من تراثنا الفكري

  دعوة الحق

29 العدد

جاء على الامة الإسلامية حين من الدهر خبا فيه نور حضارتها، وتضافرت عليها عوامل داخلية وخارجية جعلت منها أمة منكمشة على نفسها، وجعلت من تراثنا مهملا في الرفوف، لا يجد من يمسح عنه غبار الزمان، ولا من يسامره ويحاوره. فلما بزغ فجر نهضتنا الحالية فعدنا إلى تراثنا المجيد نسائله ونسامره ونحاوره أجابنا: أننا أمة جديرة بالحياة وبالبقاء، وان لنا تراثا معبرا عن مقوماتنا وخصائصنا الذاتية، وان لنا حضارة زاهية الألوان باسمة الوجه تصيح بملء فيها أن فكوا أغلالي وأطلقوا سراحي فإنني قاومت عوادي الزمان ونكبات الأيام ومع ذلك لا زلت صالحة لكل زمان ولا زلت قادرة على الحياة ما بقيت على وجه البسيطة حياة.
كان الرجوع إذن إلى تراثنا الفكري ضرورة ملحة تفرضها علينا أصالته وتحتمها طبيعته التي تختلف اختلافا أساسيا عن التراث اليوناني مثلا ذلك التراث الذي اتخذه الغرب كأساس لحضارته الحالية. وإذا ماتت لغة هوميروس وارسطاطاليس فإن لغة الأمة العربية لم تمت بفضل الكتاب الحكيم الذي انزل بها. ومن حسن حظ العرب أن القرآن الكريم نزل بلغتهم، فحفظها من الاندثار الذي حصل لأمم من قبلهم كاليونان والرومان وغيرهم من الأقوام الغابرة. ولم تكد الرسالة الإسلامية تنتشر حتى رافقتها حضارة إنسانية عالمية سجل مظاهرها كثير من المؤرخين المعاصرين في العالمين الغربي والشرقي سواء بسواء.
ومن الصعب جدا الإتيان على التراث الفكري العربي في مقال واحد أو مقالين، فلذلك وحده يتطلب أعواما على مقاعد الدراسة، ويتطلب الرجوع إلى كثير من المصادر والمراجع. على أنني رأيت أن اخص هذا المقال بالحديث عن كتاب طبقت شهرته الآفاق وتحدث به كل مشتغل بقضايا الفكر العربي في عصوره الذهبية. وهذا الكتاب هو الذي يعرف باسم «الأغاني».
فما هذا الكتاب ؟ ومن مؤلفه ؟ وما طريقة التأليف التي اتبعت فيه ؟ تلكم أسئلة إن اجبنا عليها كانت كافية لإعطاء القارئ صورة واضحة عن كتاب «الأغاني».
مؤلف الكتاب هو علي بن الحسين بن محمد القرشي المعروف بابي الفرج الاصبهاني. ولد في أواخر القرن الهجري الثالث في مدينة اصبهان من بلاد فارس(إيران الحالية) ومن هنا أتاه الاسم الذي عرف به. وقد نشأ أبو الفرج نشأة أدبية كان لها أحسن الأثر في إلمامه بشوارد اللغة وشواذها، ثم توفي في أوساط القرن الهجري الرابع عن سن يناهز الخامسة والسبعين من عمره.
أما الكتاب فإنه مصدر هام من مصادر البحث عن تراجم الأدباء والشعراء عند العرب، إذ أن مؤلفه يذكر جميع ما يعرف عن الشاعر من نسبه وأخباره واتصالاته مع مختلف الشخصيات السياسية والثقافية فجاء بذلك صورة صادقة عن الحالة الفكرية والحالية الاجتماعية عند العرب منذ عصورهم الأولى حتى عصر المؤلف. إلا أن السؤال الذي يوضع عادة عند الكلام عن «الأغاني» هو: ما هي العلاقة بين العنوان الذي اختير للكتاب وبين موضوع الكتاب ؟ وبمعنى آخر هل هو كتاب موسيقي أو كتاب أدب إذا رجعنا إلى كتب التاريخ لنطرح عليها مثل هذا السؤال أجابتنا بأن الخليفة العباسي(ق2 ه) كان قد أمر بعض المغنين باصطفاء مائة صوت أو أغنية من بين الأغاني المشهورة، ليعتمدها في مجالس طربه. وفعلا تم للخليفة ما أمر به، غير أن حفيده الواثق أمر بإعادة النظر من جديد في هذه الأصوات المختارة، وهنا يأتي دور أديبنا أبي الفرج حيث يسهر بنفسه على تثبيت هذه الأغاني وتقييد كلماتها وألحانها وذكر أسماء ملحنيها وأسماء الشعراء الذين نظموا قوافيها وأوزانها الشعرية، وهكذا كلما تعرض لصوت من الأصوات إلا وتعرض في الحقيقة للشاعر الناظم فيطل في الكلام عنه وعن قصائده وشاعريته وما إلى ذلك. ثم ينتقل بعد ذلك على الملحن فيفعل معه مثل ما فعل مع الشاعر الناظم.
والواقع أن«الأغاني» كتاب أدب أكثر منه كتبا موسيقى، بل إن قيمته الموسيقية لا تكاد تذكر إذا ما قورنت بقيمته الأدبية والتاريخية، تلك القيمة التي أتته من كونه يتحدث عن مجالس الغناء في ذلك العصر، فيجيد تصوريها ويصفها وصفا دقيقا مفعما بالحيوية والحركة، مما لا نجد له نظيرا في بقية الكتب الأدبية العربية. ولذلك فلا غرابة إذا اعتبره الدارسون معلمة ثمينة للأدب العربي الأصيل وموسوعة نفيسة للمعارف العربية، يحق لمكتبنا أن تفاخر بها الآداب العالمية الأخرى.
وسوف يطول بنا المجال إذا نحن تناولنا كتاب الأغاني بالدرس والتمحيص وإذا أردنا أن نوفيه حقه في الدراسة تطلب ذلك منا وحده كتابا مستقلا بذاته. وللتدليل على ما نقول نذكر بعض الكتب التي درست كتاب الأغاني بالتفصيل. فهناك كتاب « دراسة الأغاني» للأستاذ شفيق جبري عميد كلية الآداب بجامعة دمشق، وهنالك كتاب« أبو الفرج وكتاب الأغاني» لمحمد عبد الجواد الاصمعي من منشورات دار المعارف بالقاهرة.
وعن طريقة أبي الفرج في التأليف يمكن القول بأن طريقته تمثل نموذجا حيا من نماذج التأليف العربي في ذلك العصر، إذ كان فقدان الاختصاص وعدم الاقتصار على مادة واحدة، على جانب الاستطراد المستمر، من مميزات تلك الطريقة. وإلى جانب ذلك مكان أبو الفرج يعتمد في تأليفه على الرواية المرفقة بالأسانيد الطويلة، أي على الطريقة المعروفة في جمع الحديث الشريف عند العلماء المسلمين وهي طريقة شهد ببراعتها وصحة منهجها كثير من العلماء الاجتماعيين في العصر الحاضر وعلى رأسهم المؤرخ اللبناني الكبير اسد رستم صاحب كتاب «مصطلح التاريخ» في كيفية تقصي الأخبار التاريخية، وقد أشار ياقوت الحموي صاحب المعجم إلى طريقة أبي الفرج في التأليف فقال ما معناه في ج 13 والصحيفة 95«وكان أبو الفرج الاصبهاني يجمع بين سعة الرواية والحذق في الدراية، كما :كان معروفا بحسن استيعاب ما يتصدى لجمعه» في نفس الموضوع قال ابن النديم صاحب الفهرست ص 167« كان أبو الفرج يروي ما يروي في كتابه مرفقا بالأسانيد المطولة كما كان يشير على مصادره المكتوبة في كثير من الأحيان، وكان أكثر تعويله في تصنيفه على الكتب المنسوبة الخطوط أو غيرها من الأصول الجياد». وقد ذكر ذلك أبو الفرج نفسه في مقدمة كتباه وزعم أنه انفق في تأليفه خمسين عاما من حياته.
وإذا عرفنا أن الكتاب يحوي ترجمة خمس مائة شاعر وشاعرة زال استغرابنا للرواية التي ترويى عن الكاتب الصاحب بن عباد الوزير البويهي، في شأن هذا الكتاب إذ يروى عنه أنه(أي الصاحب) كان مولعا باقتناء الكتب حتى اجتمع له منها ما لم يجتمع لغيرهن فكان إذا سافر استصحب معه من الكتب ما يحمل على ثلاثين جملا فلما وصل إليه كتاب الأغاني استغنى عنها جميعا.
بقي علينا أن نذكر أن الكتاب حينما طبع لأول مرة بمطبعه بولاق(القاهرة) في سنة 1285هـ (1868م)، كان يقع في 20 جزءان وبعد ذلك أضاف إليه المستشرق (رودولف بروفو) جزءا آخر في سنة (1888م) ثم أضاف إليه المستشرق الايطالي(جويدي) فهارس هجائية طبعت باللغة الفرنسية في مجلد ضخم مستقل سنة1900. وتمت الطبعة الثانية في القاهرة سنة 1323هـ حيث جاء مشتملا على 21 جزءان مضافا إليها فهارس(جويدي). أما الطبعة الثالثة فقد بدأت سنة 1927 بالقاهرة أيضا ولكنها لم تنته بعد.
تلكم كانت نظرة خاطفة عن كتاب«الأغاني» قدمتها للقارئ ليعرف من هو أبو الفرج وما هو كتابه الشهير وما هي قيمته الأدبية والتاريخية في آن واحد. فإذا رسخ في ذهننا ذلك أدركنا سبب اعتماد كثير من المؤلفين المعاصرين عليه وعرفنا لماذا يشيرون إليه غالبا سواء في هوامشهم، أو في أواخر مؤلفاتهم عندما يتصدون لذكر المصادر والمراجع التي استقوا منها أبحاثهم ودراساتهم.
وهكذا اتصفت همة أسلافنا بالجلد والصبر والمثابرة على العمل حتى الوصول إلى النهاية المتوخاة.
وبعد أفلا يحق لنا أن نباهي ونضاهي بما أنتجه الفكر العربي وما خطته أقلام العلماء المسلمين من جلائل الأفكار وعظائم الإعمال ؟.

 


 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here