islamaumaroc

المدخل إلى كتاب الحيوان.-3-

  دعوة الحق

29 العدد

الجاحظ وفن الحديث
الجاحـظ ممن روى الحديث فقد حدث عن يزيد هارون والسري بن عبد الله وأبي يوسف القاضي وحجاج بن محمد بن حماد بن سلمة ومما روى عنه أبو بكر عبد الله بن أبي داوود السجستاني وابن أخته يموت بن المزرع ذكر ذلك السمعاني في كتاب الأنساب وفي لسان الميزان ما صورته روى الجاحظ حجاج الأعور وأبي يوسف القاضي وخلق كثير وروايته عنهم في أثناء كتابه الحيوان واسند له الخطيب في تاريخ بغداد أحاديث منها حديث:«من أكل ما سقط من الخوان فرزق أولادا كانوا صباحا». قال قرئ على محمد بن الحسن الأهوازي – وأنا أسمع فأقربه – قيل له حدثكم أبو علي احمد بن محمد الصولي – بالأهواز – حدثنا دعامة بن الجهم حدثنا عمر بن بحر الجاحظ حدثنا أبو يوسف القاضي قال: تغذيت عند هارون الرشيد فسقطت من يدي لقمة وتنتشر ما كان عليها من الطعام، فقال يا يعقوب خذ لقمتك فإن المهدي حدثني عن أبيه المنصور عن أبيه على عبد الله بن عباس قال رسول الله(ص): (من أكل ما سقط من الخوان فرزق أولادا كانوا صباحا). وهذا الحديث أخرجه الخطيب أيضا في ترجمة عبد الصمد الهاشمي ثم ضعفه وأورده الغزالي في الأحياء بلفظ عاش في سعة وعوفي ولده. وفي الباب عن أنس أورده الخطيب في ترجمة يونس من المؤتلف، وفيه قصة لهدبة بن خالد مع المامون. وعن أبي هريرة وكلها مناكير قاله الشخاوي في المقاصد الحسنة. ومنها حديث:« إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» قال حدثنا أبو الحسن علي بن أحمد النعيمي – إملاء من حفظه – حدثنا أبو احمد الحسن بن عبد الله بن سعيد، قال حدثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث، قال : دخلت على عمرو بن بحر الجاحظ فقلت له حدثني بحديث فقال: حدثنا حجاج بن محمد حدثنا حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة قال رسول(ص): «إذا أقيمت الصلاة إلا المكتوبة» قال النعيمي لا أعلم لحجاج بن محمد عن حماد بن سلمة غير هذا. والحديث صحيح مشهور أخرجه مسلم والأربعة.

الجاحظ في ميزان أهل الحديث
قال في الميزان: عمرو بن بحر الجاحظ صاحب التصانيف روى عنه أبو بكر بن داوود فيما قيل(1)قال: «ثعلب ليس بثقة ولا مامون» قلت: « وكان من أئمة البدع». وقد عقد له في لسان الميزان ترجمة أورد فيها مطاعن المجرحين له فبعضهم رماه بالزندقة وبعض رماه بالكذب ومن احدهم شباة ابن قتيبة  في تأويل مختلف الحديث رماه بالوضع للحديث والاستهزاء به ونصرة الباطل كما حكى البغدادي بسنده أنه كان لا يصلي، ولكننا قبل النضال عنه نورد عليكم نظرة في الحديث وأهله لعلكم تهتدون بذلك إلى سبب رشقه بتلك السهام المسمومة: ذلكم أن الجاحظ ممن شارك في تلك الخصومة التي كانت  تجري في ذلك العهد بين أهل الحديث المعتمدين على النقل وبين المتكلمين ولا سيما المعتزلة الذين كانوا يعرضون ما يروون على محك النقد العقلي الصارم، وقد قال بعد ما أبدى نظره في بعض
الأحاديث(2):« لولا مكان المتكلمين لهلكت العوام واختطفت واسترقت، ولولا المعتزلة لهلك المتكلمون» وقال أيضا(3):«إلا أن كل من لم يكن متكلما حاذقا وكان عند العلماء قدوة وإماما فما اقرب إفساده المتعمد لإفسادهم».
وكان يسمى أهل الحديث الحشوية(4) فقد أورد البغدادي بسنده أن أبا بكر بن داوود استأذنه عليه فاطلع عليه من خوخة فقال من هذا فقال: رجل من أصحاب الحديث، فقال ومتى عهدتني أقول بالحشوية الخ. كما كان ينعي عليهم إيراد الحديث بلفظ مقتضب عار عن سبب الورود وبيان العلة التي تهدي إلى المقصود منه كحديث النهي عن تسمية العنب كرمان كما كان ينتقد من الأحاديث ما لا تتفق معانيه مع الأصول العلمية الثابتة كحديث الإذن في قتل الوزغ، لأنه كان ينفخ على نار إبراهيم وكان لا يتفق مع سنن الكون كما ورد في الحجر الأسود أنه كان ابيض من اللبن فسودته خطايا المشركين، وربما انتقاده مقرونا بإبداء النكتة أم مشوبا بشيء من الظنز عادة له ألفها وملكة لا يقدر على إخفائها لا يقصد الاستهزاء بالحديث كما  يلمزه خصومه ولكنه يرمي رواته بأنهم ليسوا من ذوي الدهاء والنكراء والنقد والتمحيص وإدراك ما يفند من المرويات وما لا  كما هو رأيه الذي قرره في كتاب الحيوان(5). هذا ما أجج عليه صدور حزب أهل الحديث وشيعتهم ورموه، ولو رأيت كلام البغدادي فيه في كتاب الفرق بين الفرق وورميه بوابل من قدائف الشتم العريض لأدركت تحاملا واضحا وحقدا لائحا، كما أن ابن قتيبة في كتابه: «كال له بالمكيال الأوفى ونافع عن أهل الحديث وخنق صاحبنا حتى جحظت عيناه، وكأن هذه الأسباب التي شرحنا هي التي أثارت رميه بالزندقة وترك الصلاة سيما وراوي قصتها في وليمة حضرها هو ابن أبي الذيال المحدث بسرمن. رأى وحاله معهم كما قد سمعت، وابن أبي الذيال من معاصريه، ووراء هذا فإن الجاحظ ممن يروي الحديث كما علمتهم وهو عنده من أسس  كتاب الحيوان فقد قال بجزء 6 ص 5: « ولم نذكر بحمد الله تعالى شيئا من هذه الغرائب وطريفة من هذه الطرائف إلا ومعها شاهد من كتاب  منزل أو حديث مأثور أو خبر مستفيض أو شعر معروف أو مثل مضروب أو يكون مما يستشهد عليه الطبيب»الخ...كلامه، وفي ج 2 ص 88 منه عن أبي إسحاق بلغني وأنا حدث أن النبي(ص) « نهى عن أختناث فم القربة والشرب منه». قال فكنت أقول أن لهذا الحديث لشانا وما في الشرب من فم قربة حتى يجيء هذا النهي حتى قيل أن رجلا شرب من فم قربة فوكعته حية فمات وأن الحياة تدخل في أفواه القرب علمت أن كل شيء لا أعرف تأويله من الحديث أن له مذهبا وأن جهلته.
والحافظ الذهبي صاحب الميزان يمقت أهل الكلام ولو كانوا من أهل السنة، ويرى أن ما هم عليه من الضلال وقد طعن لهذا السبب في الأشعري، الإمام والفخر الرازي والآمدي، ومعلوم مكانهم من العلم، والدين فكيف بالمعتزلة، أما رمي الجاحظ بالكذب فيظهر لنا أنه من الأمر البعيد وحاله من التثبت جلي وهذه كتبه بين أيدينا نتلمس منها علمه العتيد وندرك فيها شخصيته الجبارة لا نرى فيها أثرا للكذب والوضع، وقد قال فيه ابن حزم في الملل والنحل – ولسانه قرين سيف الحجاج - :« كان أحد المجان الضلال غلب عليه الهزل ومع ذلك فأنا ما رأينا له في كتبه تعمد كذبة يوردها مثبتا لها، وإن كان كثير الإيراد لكذب غيره». على أنه وإن حكى كذب غيره كر عليه بما يفنده فإن الرجل رائد الفكر بالنظر والتعليل لا يذعن إلا للأمر الواقع وقد نعى على من يتتابع في النقل ويلقى الكلام على عواهنه، فقال (ج 6ص5) وقد رأينا أقواما يدعون في كتبهم الغرائب الكثيرة، والأمور البديعة، ويخاطرون من أجل ذلك بمروءتهم، ويعرضون بأقدارهم، ويسلطون السفهاء على أعراضهم، ويجرون سوء الظن إلى إخبارهم، ويحكمون حساد النعم في كتبهم، ويمكنون لهم من مقاليدهم »الخ...
وبعد فإني وإن كان هواي مع أهل الحديث فإنه يعز علي أن أتلقى ما يزهد في علم الجاحظ وفكره الفياض، فإن الرجل من أعلام الأدب العربي، ومن مفاخر الدولة العربية علما وتصنيفا ودقة إدراك وسعة علوم، وما كنت لا تتطاول إلى رميه بالكذب بله الزندقة والإلحاد من غير أن يكون لدي ما يثبت ذلك من القواطع السالمة من الفوادح. أما كلام أهل الحديث في رواية المبتدعة وأهل الأهواء فهو شهير، ومن اعد له ما عليه الحافظ بن حجر من أنه لا ينبغي رد كل مبتدع ولو كفروه ببدعته لأن كل طائفة تدعي أن مخالفيها مبتدعون، وقد تبالغ فتكفر مخاليفها(6) فلو أخذه لك على الطلاق لا ستلزم رد جميع الطوائف، وعلى ذلك يجب أن لا ترد رواية مبتدع إلا من أنكر متواترا من الشرع، معلوما من الدين بالضرورة. وكذا من اعتقد عكسه ومن لم يكن بهذه المثابة وهو ضابط نقي ورع فلا مانع من قبول روايته. وفي المواقف بمزج بشرحه: « ولا نكفر أحدا من أهل القبلة إلا بما فيه نفي للصانع القادر العليم أو شرك أو إنكار للنبوة أو إنكار ما علم مجيئه عليه السلام به ضرورة أو إنكار لمجمع عليه كاستحلال المحرمات أجمع على حرمتها فإن كان ذلك المجمع عليه مما علم ضرورة من الدين فذلك ظاهر  داخل فيما تقدم ذكره، وإلا فإن كان قطعيا ففيه خلاف، وأما عداه فالقائل به مبتدع غير كافر».ويعجبني جدا أن اختم مبحثي هذا بقول أبي الحسن الخياط في الانتصار: « وبعد فمن قرأ كتاب عمرو الجاحظ في الرد على مشبهة، وكتابه في الأخبار وإثبات النبوات، وكتابه في نظم القرآن، علم أن له في الإسلام غناء عظيما لم يكن الله عز وجل ليضيعه له» . قلت: وله تحقيق في نسب النبي(ص) وتنزيه عن كل وصمة يمكنكم أن تراجعوه في كتاب(الأصنام) له وقد نقله الدميري في حياة الحيوان.

أيراد انتقاد الجاحظ لبعض الأحاديث
قال في حديث الوزغ: « وجهال الناس يقتلون الوزغ على أباها وأمهاتها كانت تنفخ على نار إبراهيم وتنقل إليها الحطب فأحسب أن أباها وأمهاتها قد كن يعرفن  فصل ما بين النبي والمتنبي. وأنهن اعتقدن عداوة إبراهيم على تقصير في أصل النظر أو عن معاندة بعد الاستبانة حتى فعلن ذلك كيف جاز أن تزر وازرة وزر أخرى إلا أن تدعوا أن هذه التي نقلتها هي تلك الجاحدة للنبوة والكافرة بالربوبية وأنها لا تتناكح ولا تتوالد. وقد يستقيم في بعض الأمر أن نقتل أكثر هذه الأجناس، أما من طريق المحبة والمتعبد وأما إذا كان الله عز وجل قد قضى على جماعتها الموت أن يجري ذلك المجرى على أيدي الناس، كما أجرى موت جميع الناس على يد ملك واحد هو ملك الموت. وبعد، فلعل النبي(ص) قال الناس العلة وأوردوا الخبر سالما من العلل مجرد أغير مميز. ولعل من سمع هذا الحديث شهد آخر الكلام ولم يشهد أوله ولعله عليه الصلاة والسلام قصد بهذا الكلام إلى ناس من أصحابه قد كان دار بينهم وبينه فيه شيء، وكل ذلك ممكن سائغ غير مستنكر ولا مدفوع(اطلب ج 1 ص 148 وج 6 ص 96منه) وقال في ج 1 ص 166 في تغليطهم في حديث حسان: وكما غلطوا في قول النبي(ص) لحسان قل ومعك روح القدس والتوفيق. وكثيرا ما يعتمد في تفسير الحديث إلى تقريبه من المعاني المتعارفة دون الحمل على الأمر الخارق. فقد قال بج 7 ص67 وقد روى الناس عن النبي(ص) في كلام السباع والإبل ضروبا ولم يذهبوا إلى أنها نطقت بحروف مقطعة ولكن النبي(ص) 6إما أن يكون أوحى إليه بحاجاتها وإما أن تكون فراسته وحسه وتثبته في الأمور مع ما يحضر الله من التوفيق بين له معانيها وجلاها له واستدل بظاهر على باطن ونبهه وحركه على موضع الحاجة، وإما أن يكون الله ألهمه ذلك إلهاما(انظر تتمته)، كما نرى أن نظره في شرح الحديث كنظره في التفسير لا يذعن إلا لشرح يقد من أديم العروبة وقد قال(7) في حديث فإنها تطلع بين قرني شيطان أن للعرب أمثالا واشتقاقات وأبنية وموضوع كلام يدل عندهم على معانيهم وإرادتهم، ولتلك الألفاظ مواضع أخر، ولها حينئذ دلالات أخرى، فمن لم يعرفها جهل تأويل الكتاب والسند والشاهد، والمثل فإذا نظر في الكلام وفي ضروب من العلم وليس هو من أهل هذا الشأن هلك وأهلك، وقد أرشد كلامه إلى أن ما في الحديث على التشبيه.

(1) الرواية عنه ثابتة (انظر تاريخ الخطيب البغدادي).
(2) الجزء الرابع ص 86.
(3) الجزء الأول ص 86.
(4) نقل نحو هذا عن الصاحب أبي عباد الوزير الشهير اطلب لسان الميزان.
(5) الجزء الرابع ص 97.
(6) من اغرب ما تسمع أن الشيخ عبد القادر الجيلالي الشهير الحنبلي يرى أن الاشاعرة لا يناكحون ولا توكل ذبائحهم ولا تسنم قبورهم. ذكر ذلك في الغنية ونقله عنه اكنسوس في الجيش ومنه نقلت للجاحظ كتاب فصل ما بين النبي والمتنبي ذكر فيه جميع المتنبئين وحيلهم ذكره وبصحيفة 112ح 5
(7) ج1 صحيفة 70.

 

 

 

 

 

 

 

 

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here