islamaumaroc

أحلام الربيع

  دعوة الحق

29 العدد

لا يخامر العاقل أدنى ريب في أصالة هذه الثورة ومثانة دعائمها، وامتداد عروقها في أعماق ضمير الشعب. ذلك الشعب الذي آمن كأقوى ما يكون الإيمان بأعز مقدساته من دين وعروبة وقومية، فدأب على الكفاح بكل ما لديه من وسائل مادية أو معنوية، ولم يذخر وسعا في الوقوف أمام الغارة الصليبية الاستعمارية يصارعها فيصرعها، منذ وطئت أقدام الاحتلال الأجنبي ارض الوطن، حفاظا منه على تلك المقدسات، وذيادا عن ذلك التراث المجيد، وضنا بأمجاد التاريخية الخالدة أن تنمحي آثارها، آو يغرب إشعاعها في ارض عربية إسلامية عريقة.
لقد استطاع هذا العشب العربي الأبي أن ينازل قوى البغي والطغيان في أكثر من ميدان، طيلة قرن وقرابة ثلث القرن، مستهينا بالتضحيات الجمة في سبيل المحافظة على كيانه، والتشبث بميزاته الروحية والأدبية، عاملا دوما على إحباط مساعي العدو الحقود لمحقه وإبادة قوميته وجوده.
وهكذا رأينا أن أبناء الوطن بالأمس كما هم اليوم، لم يترددوا لحظة في الإقبال على الاستشهاد بقلوب مؤمنة ونفوس مطمئنة راضية، كلما دعاهم داعي الجهاد المقدس ونادى منادي الكفاح القومي من أجل صيانة عزة الأمة وكرامتها. نفس الأهداف والغايات المثلى التي يخوض الشعب الجزائري من أجل تحقيقها غمار المعركة، معركة التحرير منذ خمسة أعوام ونصف، وما فتئ يواصلها، مؤمنا بانتصار المثل العليا والعدالة الإنسانية، على قوى البغي والوحشية الاستعمارية التي وصمت فرنسا بوصمة الخزي والعار في حربها الجزائرية، مؤمنا بأنه لابد من غلبة الحق للباطل، إن الباطل كان زهوقا...
ومهما اشتدت وطأة النضال، وارتفع غبار المعركة وتلبدت السحب، سحب البارود والنار في سناء وطننا ينسينا كل ذلك أن نلتفت بين آونة وأخرى إلى الماضي البعيد أو القريب، لربطه بالحاضر والمستقبل، نلتفت إلى استلهام ذكريات عزيزة علينا، نستوحيها من ذلك الحقل الخصيب، حقل الذكريات الوطنية الثورية، لنجني منه باقات من أزهار الرجولة ورياحين البطولة – إن صح التشبيه – نقدمها تحية متواضعة لأرواح زمرة من رجالاتنا الميامين، الذين كانوا في طليعة أبطال الثورة على الظلم والفساد، واستشهدوا وهم يرفعون لواء الثورة عاليا، ويخوضون معركة التحرير الوطني ضد الاستبداد والعبودية.
يحتضن شهر مارس بالنسبة لثورتنا ذكريات جليلة، تثير في نفوسنا مشاعر متباينة، وأحاسيس مزيجة من الألم والاعتزاز في آن واحد، الألم لسقوط نخبة من شهدائنا الأفذاذ في هذا الشهر، والاعتزاز ببطولتهم التي أضحت مثالا يحتدى، وقدوة قل نظيرها في تاريخ الأجيال...
*
*   *
وتعود بنا أول ذكرى في هذا المجال إلى جبال(الاوراس) الشامخة التي انطلقت منها أول شرارة للثورة العتيدة، التي تريد محو الفساد، والقضاء على الطغيان والاستبداد، واسترجاع كرامة بني الإنسان، وكان الذي أنذر نفسه للقيام بهذه المهمة الجسيمة، وتولى فتح هذا الباب التاريخي على مصراعيه، ليلجه شعب مصمم، عقد العزم على أن يبحث عن حريته في ظلال القنابل والمدافع حتى يجدها ويظفر بها، هو رجل.
انبثق من صميم الشعب، وتسلح بالخلق المتين، وتسربل بالإيمان واليقين، عرف بالإرادة القوية، والعزم الصادق، والثبات على المبدأ دونه ثبات الراسيات، ذلك هو(مصطفى بن بولعيد) الذي آثر الخلود الأبدي في سجل الأبطال المجاهدين على حياة الذلة والمهانة التي يتخبط فيها أبناء وطنه. ودفعه الإيمان بحق هذا الوطن في حياة العزة والحرية والكرامة إلى تسلق القمة...قمة جبال الاوراس ليعلن منها ثورته الجارفة على الظالمين والمفسدين، الذين أهلكوا الحرث والنسل، فشوهوا بصنيعتهم وجه الإنسانية، فما عتم أن تردد صدى إعلانه في أنحاء العالم، قبل أن تتجاوب معه جبال الجزائر الأخرى في استعداد وقوة، وأبي التاريخ إلا أن يسجل اسم الرجل الثائر مقرونا بأسماء كبار الرجال، أعداء الرق وأبطال التحرير في العالم.
*
*   *
ويذكر شهر مارس بشاب، تقمصت في شخصه كل معاني الشباب في سموها، ومثالية طموحها، ونبل أهدافها وغاياتها. شاب قل نظيره في الإقدام على المخاطر، والاستهانة بالخطوب، والثبات أمام الملمات، أهله عزمه الذي لا ينثني، وإرادته الحديدية الجبارة، لأن ينهض بمهام جسام، وأعباء ثقال في جهاز الثورة، تنوء بحملها الجبال. تعشق الحرية منذ نعومة أظافره وحداثة سنه، فهام بها حبا، وراح ينشدها مستهينا بكل التضحيات، دون أن يغدو وطنه محرزا على استقلاله وحريته. ولذلك طفق يناضل في كل ميدان اعتقد أنه يؤدي به إلى تحقيق أمله المنشود، ولكن التجاءه إلى الكفاح المسلح أصبح عنده أمرا لا مناص منه، بعد أن ستفرغ الشعب الجزائري جميع الوسائل السليمة في إقناع العدو...في الاعتراف بالحق لذويه.وأبي إلا أن يتحدى هذا العدو، ويتولى إدارة رحي المعركة الفدائية في قلب العاصمة نفسها، رغم إلحاح إخوانه عليه مرارا أن يغادر الخطر.
إن النفس الكبيرة التي كان يحملها هذا الشاب بين جنبيه، جعلته يتسامى عن أن يشغله أي شاغل عن خدمة وطنه، بما في ذلك أسرته الصغيرة، مؤثرا أن يعيش – ما عاش – محلقا في أفق الأسرة الوطنية الكبرى باذلا كل جهوده وقواه أن يلهم أعضاء هذه الأسرة بتضحيته ونضاله طريق الحرية والمجد. وحينما حاول العدو أن يشل حركته ويعطل نشاطه بإلقائه في غيابات السجن، كما فعل بالكثير من رفقائه في النضال، التجأ إلى حماية الجبال، قبل نشوب الثورة بأربعة أعوام، أعوام الإعداد والاستعداد، لإعلان يوم الجهاد.
ولم يكن هذا الشاب إلا محمد العربي بن مهيدي، والحق أن مثالية نفسه في مختلف صورها، وعلو صفاتها، لما تنحني أمام عظمتها رواسي الشامخات...
«وإذا كانت النفوس كبار* تعبث في مرادها الأجسام »
وإذا كانت الأحداث العظام، تقترن دائما بأسماء رجال عظام أيضا، لأنهم يعملون على إيجادها وإبرازها إلى عالم الوجود المحسوس، في نسف الوقت الذي تعمل تلط الأحداث بدورها على إيجادهم، كأنها تستمد عناصر حياتها ووجودها من وجودهم، وتأبى إلا أن ترافقهم في قطع الفيافي والمغاور لالتحاق بالقافلة التاريخية. إذا كان لابد من هذا الازدواج بين الأحداث العظام والرجال الذين يعيشونها ويتحكمون في سيرها واتجاهها، فإننا نستطيع أن نتخذ مثالا لهذا المظهر قائدين استشهدا في شهر مارس من السنة المنصرمة، وقد أظهرت أحداث الثورة وتطورات مراحلها عظمة بطولتها وشجاعتها النادرة بالإضافة إلى ما أظهراه من دقة وبراعة في وضع خططهما الحربية المحكمة طيلة أعوام عدة، مما احتار له كبار ضباط العدو الذين تخرجوا من أرقى الكليات الحربية الفرنسية.
 وأن القائد عميروش الذي قضى في ميدان الوغى بجنب رفيق له في الجهاد المقدس، وهو البطل احمد بن عبد الرزاق، بعد أن قضيا بضع سنين في قلب المعركة التحريرية، قد أبان – كصنوه – عما تزخر به ارض الجزائر من عبقرية إنسانية، ارتفعت إلى منزلة سامية، لا يرتفع إليها إلا عظام الرجال، الذين أنكروا دواتهم من أجل إيجاد ذوات الآخرين ونفعهما، واوقفوا وجودهم لخدمة الوجود العام الذي يقوم عليه وجود أمتهم، ويوفر لها أسباب الحياة وإلبقاء.
إننا نشير بانجاز إلى ذكرى استشهاد هؤلاء الأبطال الأربعة، التي تصادف شهر مارس من كل عام، دون أن ننسى غيرهم من أبطال ثورتنا الكثيرين، وجنودها المجهولين، الذين يستحق كل واحد منهم أن يسطر اسمه في صفات الخلود، مقرونا بما في جدير به من الإجلال والإكبار.
إن التاريخ سوف لا يهمل أبدا ما قامت به من أجله هذه الثورة، من تحقيق لأهداف نبيلة، وحماية لمثل وقيم إنسانية سامية، قدم هؤلاء الرجال وغيرهم حياتهم لها فدى وقربانا بغية أن تحيى وتسود وتخلد في وطن من اعرق أوطان العروبة والإسلام.
*
*   *
وتعود بنا الذكرى مرة ثانية إلى حقل ثورتنا لتعيش مع نوع آخر من الأبطال، الذين لم يجرد أي منهم الحسام ضد العدو، ولا استعمل في ثورته البندقية أو المدفع الرشاش، ولكن كلا منهم صال وجال في ميدان أعظم خطرا، وابلغ أثرا من استعمال السلاح المادي بمفردهن ذلك هو ميدان العلم والثقافة والتوجيه الصالح ونشر الوعي القومي بين الأفراد والجماعات، وإعداد الأمة لليوم المنتظر...
ونقتصر على ذكر رجلين من نوع هؤلاء الثوار، فمناسبة حلول كذكرى وفاتهما في شهر ابريل. إذ كانت كل حركة يأتيانها هذان الرجلان، وكل نشاط يقومان به يعني التمهيد للثورة، وإعداد النفوس لاعتناق مبادئها، وتهيئة الأرض الخصبة التي تنبت وتترعرع فيها، وتنمو بين أحضانها.
أولهما الشيخ العربي التبسين رجل علم وعمل، فريد في ورعه وتقواه، وشدته في الحق وغيرته على حرمات الدين، وعنفه مع الخونة والمفسدين، متضلع في فنه، بليغ في تعبيره وسرعة بديهته. أقض مضاجع المستعمرين، وأضحى شجى في حلوقهم، ونظرا لما امتاز به من شدة وعنف في حملاته لفرض سيطرتهم على الدين الإسلامي في الجزائر، واستعبادهم لرجاله، واغتصابهم لأوقاته. حاولوا مساومته في عقيدته، وطمعوا ان يجدوا منه لينا أو مهاودة في حقوق بلاده فلم يروا منه إلا المضي في حربهم، والتنديد بسياستهم العنصرية البغيضة، فاضطهدوه وعذبوه، وأخيرا قرروا القضاء النهائي عليه، وأوكلوا تنفيذ جريمتهم إلى جنود المظلات الفرنسيين، فاختطفه هؤلاء من منزله بعاصمة الجزائر يوم الرابع من شهر رمضان سنة  1376، موافق يوم رابع ابريل 1957، ولم يظهر له اثر بعد ذلك. ويعد اقتحام جنود المظلات منزل الشيخ العربي، واختطافه من فراش مرضه بتلك الصورة مأساة من أفظع الماسي الإنسانية، وجريمة من أشنع الجرائم التي اقترفها الاستعمار الفرنسي في بلادنا، لان الفرنسيين قد برهنوا بأسلوب اغتيالهم لهذه الشخصية الدينية الإسلامية، على عنصريتهم المقيتة وتعصبهم الأعمى، وعلى ما يضمرونه من الأحقاد الدفينة ضد الإسلام والمسلمين.
إن ساسة فرنسا حينما يعمدون على مهاجمة رجل مريض في منزله مجرد من كل سلاح، إلا سلاح الإيمان وإعداد النفس للاستشهاد في سبيل الله، إنما يبينون بذلك عن جبنهم ونذالتهم، وانعدام أية ذرة من ذرات الشرف في نفوسهم، وهذا شيء ليس غريبا عنهم...
ولما شعر بعض المواطنين بالخطر الذي يهدد حياة الشيخ أشاروا عليه بمغادرة ارض الوطن، اتقاء لذلك الخطر المؤكد، لكنه امتنع من ذلك، خشية أن تؤثر هجرته على معنويات أبناء الشعب، أو تكون سببا في فتور بعض العزائم في مجال المقاومة. وقد آثر أن يستشهد فوق ترى بلاده على أن يفارقه ناجيا بنفسه رحمه الله.
*
*   *
وأورد أن أجعل – مسك الختام لهذه اللمحات التذكارية – إشارة عابرة إلى ذكرى وفاة الرجل الثاني، أو الثائر الأول على اصح تعبير، ولذلك هو الأستاذ الشيخ عبد الحميد ابن باديس، الذي تصادف ذكرى وفاته السنوية اليوم السادس عشر من شهر ابريل سنة 1940ن وبحلول هذا التاريخ تكون قد انقضت على وفاته عشرون سنة.
إن دراسة شخصية الشيخ عبد الحميد بن باديس وتحليل أفكاره ومبادئه في مجال العلم والدين والسياسة، لا تفي بها مقالة أو مقالات، بل هي تستحق أن تكتب فيها المجلدات. وحسبي أن الفت الأنظار – بهذه المناسبة – إلى جهاده العلمي والثقافي والوطني على العموم، وما كان من اثر عميق في إقامة دعائم النهضة الجزائرية الحديثة، تلك النهضة التي انبثق عنها وعي قومي شامل، استمد عناصره الأولى من روح الإسلام الصحيح والعروبة الأصيلة، إذ كان هم الرجل أن يجلي حقائق الدين الجوهرية الناصعة، المتمشية مع تطور المدنية والحضارة وتقديمهما في مراحل سيرهما نحو الخير والكمال الإنساني، وذلك في نطاق القومية العربية ةالجزائرية، مع ما تمتاز به من ميزات ومقومات روحية وتاريخية. وقد أمعن النظر في حال أمته المتأخرة، وفكر طويلا فيما يجب أن تعالج به هذه الوضعية الشاذة الناشئة عن تمكن الجراثيم الاستعمارية في البلاد، فهداه تفكيره الصائب إلى أنه ليس أنجع في علاج في الأمة، ولا أفيد لها من توجيهها نحو تعاليم دينها، تستوحيها الهداية والرشد، ومن دعوتها إلى التمسك بلغتها، وتراثها الروحي والقومي. وقد أسس لهذا الغرض كثيرا من المدارس والأندية الثقافية التي قامت بمهمة نشر التربية والتعليم، وعملت على حماية الدين والعربية من الغارة الاستعمارية التي ما فتئت تستهدف إبادتهما والقضاء على كل اثر لهما.
ولعل هذا الجانب ابرز الجوانب في كفاح الأستاذ ولكن هناك جانبا آخر، قد يعد الجانب الثوري في حياته النضالية، وهو ما عرف عنه من شدة وصراحة في فضح أساليب الاستعمار وأعوانه وعملائه، إذ كان يجابههم دوما في قوة وشجاعة ترتعد لها فرائصهم، وتجعل أعوان الشر، وحلفاء الباطل ينخدلون أمام صيحات الحق المدوية، التي كان يواجههم بها بين الفينة والأخرى، دفاعا عن حقائق الوطن وصيانة لقوميته.
إن الشيخ ابن باديس لم يفارق دنياه، ويختار جوار الله في الملكوت الأعلى، إلا بعد أن أحيا امة أوشكت على الاضمحلال، وبعث نهضة قومية استوت على سوقها، وأتت أكلها كل حين بإذن ربها. وكان شارعنا قد أراد أن يطمئنه في قبره على أن جهوده لم تذهب سدى، وأن غرسه النامي قد أتى بالثمار المرجوة، فخاطبه قائلا:
« عبد الحميد لعل ذكرك خالد
ولعل وريك للعقول منير»
« لا تخش ضيعة ما تركت لنا سدى
فالوارثون لما تركت كثير»

*
*   *
هذه بعض الذكريات التي طلت وما برحت موضع القدوة الحسنة، ومثار العبرة الكاملة لدى مواطنينا، كلما استعرضوا أطوار الكفاح الجزائري، وذكروا الرجال الذين أخذوا على عاتقهم قيادته نحو الظفر المرجو والنصر المرتقب.
أولئك(رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ونمهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا)

 

 

 

 

 


 
                        

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here