islamaumaroc

المدن الثقافية الإسلامية -2- دمشق

  محمد كمال شبانة

العدد 251 ذي الحجة 1405- غشت 1985

2- دمشق:
لقد عرف عن دمشق أنها كانت قبل الفتح الإسلامي بنحو سبعة قرون مقرا لحاكم الروم، وهي بموقعها في طرف بادية الشام تكتسي أهمية استراتيجية، من حيث أنها ملتقى الطرق العسكرية والسبل التجارية القديمة، وهي من أقدم مدن العالم، فقد أشارت إليها المؤرخات المصرية والآشورية وبعض الكتب المقدسة.
فتحها العرب بعد حروب سجال بينهم وبين الروم، بحيث عد الاستيلاء على دمشق تتويجا لفتوحاتهم في منطقة الشام، وقد تم ذلك فغي اليوم الذي توفي فيه الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه، في السنة الثالثة عشر للهجرة (634م)، وعقب انتصار العرب في معركة اليرموك الشهيرة، في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.وقد استردت دمشق زمن الحكم العربي – رخاءها الذي فقدته زمنا، وبلغ هذا الرخاء أوجه في العهد الأموي والصدر الأول من العصر العباسي.
لقد تولى معاوية بن أبي سفيان الخلافة عام 40 هـ/660م، ومن يومئذ أصحبت دمشق عاصمة للخلافة الإسلامية، وبذلك انتقلت من المدينة إليها، وبلغت شأوا رفيعا عظيما، عن فن العمارة، وامتازت من دون المدن الأخرى بوفرة أنهارها وينابعها.
ويروي ياقوت الحموي في (معجم البلدان) "أن دمشق قد أحاطتها الأسوار المنيعة، والتي بلغ ارتفاعها ثمانية أمتار وعرضها خمسة عشر قدما، ذات أبواب سبعة متميزة بأبراجها الساحقة، بحيث يمكن للقادم من مسافة بعيدة أن يبصر هذه الأبراج. وقد أسس بها معاوية "قصر الخضراء" مقر إقامته، وبذل الوليد بن عبد الملك جهدا كبيرا في تجميل المدينة بالمرافق العامة، لدرجة أن سارت عنايته هذه بدمشق مسار الأمثال، فقيل: إن الناس في دمشق كانوا في عهده يتكلمون عن العمارات وجمالها، وفي عهد سليمان عن الطعام والنساء، وفي عهد عمر بن عبد العزيز عن الدين والقرآن" (2).
هذا وقد ترك الأمويون بصامتهم التاريخية الخالدة في دمشق، فقد شقوا القنوات المائية المختلفة، ومن أشهرها نهر بردي الذي يمد المدينة بالماس، وقد كان للأمويين هندسة بالغة الدقة في تخصيص نافورة لكل دار بالمدينة، حيث شقوا سبع قنوات رئيسية، لإمداد دمشق بما تحتاجه من مياه من كافة نواحيها، بالإضافة إلى القناطر والجسور.
أما عن الجانب الحضاري فقد "روى المؤرخون أن سورية لم تلبث أن ازدهرت بعد أن فتحها العرب، فجد العرب في نقل كتب اليونان والرومان إلى لغتهم مثلما جدوا في ميادين القتال، وأنشأوا المدرس في كل مكان، وصاروا أساتيذة بعد أن كانوا تلاميذ، وأنهضوا العلوم والشعر والفنون الجملية أيما إنهاض.
"وظلت دمشق مركزا كبيرا للتجارة والعلوم والصناعة في الشرق، حتى بعد أن غدت غير عاصمة لدولة العرب، وكان لمدرستها الطبية ومرصدها الفلكي وقصورها ومساجدها شهرة عالمية.
تبدو دمشق ذات المآذن الجميلة وغوطتها للناظر من بعيد ذات منظر ساحر، أجمع السياح على امتداحه..." قال مسيوادفيد:
"يرى السائح الذي يقترب من دمشق أنه لا شيء يعدل عظمتها وروعتها وسحرها، فدمشق غوطتها النضرة التي تعب بين سهل واسع فتتخللها منازل القوم وحدائقهم، فتحيط بأغرب ما في الدنيا وأسطع ما فيها من أسوار، خلافا لمعاقل الغرب الشاحبة الكالحة القذرة، فتبدو هذه الأسوار ( المؤلفة ممن حجارة صفر وسود ذات ألف شكل بانسجامها – خميلة موشاة بالزبارج كما وصفها شعراء الشرق.
"وليس ذلك النطاق كل ما يبدو للأعين، فهنالك أسوار في داخل المدينة تفصل بين أحيائها، وهنالك أسوار ذات أبراج مربعة قائمة على جوانبها، وهنالك أسوار تعلوها زخارف على شكل عمائم.
"وليس ذلك سوى المرحلة الأولى من المنظر، فصميم المدينة أسنى وأبهى، فهو يتألف من أشجار متألقة من بيوت، فهنا صف من شجر السرو، وهنا محل للنزهة، وهناك أقواس عربية، وهناك سوق للأخذ والعطاء، وهناك نخيل باسقات، تهز رؤوسها الجميلة فوق حوض على شكل نصف دائرة لعين عظيمة، وهناك أشجار مثمرة مصفوفة على شكل رقاع – الشطرنج داخل قصر إسلامي، ثم هنالك ألوف القباب التي تعلوها الأهلة النحاسية والمآذن الرفيعة على جوانبها.
"لتلك الروضة المزهرة أشجار عالية، وحدائق جميلة ذات وقع في النفوس، كأشعة الشمس الوهاجية، ولها شعب بردى السبع المتلوية الفضية التي تهب دمشق الألوان أيضا.
"تلك هي دمشق التي يسميها العرب بالشام، والشام ما يمسى به العرب بلاد سورية". (3).
المسجد الجامع:
فإذا ما قصدنا المسجد الجامع الكبير – وهو ما كان يمثل الجامعة الإسلامية الثقافية يومئذ – فسنجد أنه – بادئ ذئ بدء – يعد أقدم مباني دمشق، إذ يرجع تأسيس جزء منه إلى ما بعد الهجرة بفترة قصيرة، على أنقضا معبد وثني حوله النصارى إلى كنسية، ثم أصابه حريق عام 461 ه، (1069م) فجدد بناؤه – وهو تأليف – كبقية المساجد الإسلامية الأخرى – من ساحة كبيرة قائمة الزوايا، ذات أروقة خصص بعضها للصلاة، وأقيمت المآذن على أركانها.
إن أول من اختط هذا المسجد هو القائد الحربي أبو عبيدة بن الجراح، ثم أقامه الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك بين عامي 88/، 96هـ، حيث كان الوليد مولعا بفن العمارة ولا سيما عمارة المساجد الكبرى، حتى لقد روى أنه أنفق على عمارة مسجده هذا ما يوازي خراج الدولة لمدة سبع سنوات.
ويروى المسعودي قائلا:
"وحكى عثمان بن مرة الخولاني، قال: لما ابتدأ الوليد ببناء مسجد دمشق وجد في حائط المسجد لوحا من حجارة فيه كتابة باليونانية، فعرض على جماعة من أهل الكتاب فلم يقدروا على قراءته، فوجه به إلى نهب بن منبه، فقال: هذا مكتوب في أيام سليمان بن داود عليهما السلام، فقرأه، فإذا فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم. يا ابن آدم، لو عاينت ما بقي من يسير أجلك لزهدت فيما بقي من طول أملك، وقصرت عن رغبتك وحيلك، وإنما تلقى ندمك إذا زلت بل قدمك، وأسلمك أهلك، وانصرف عنك الحبيب، وودعك القريب، ثم صرت تدعى فلا تجيب، فلا أنت إلى أهلك عائد، ولا في عملك زائد، فاغتنم الحياة قبل الموت، والقوة قبل الفوت، وقبل أن يؤخذ منك بالكظم ويحال بينك وبين العمل. وكتب زمن سليمان بن داود".
"فأمر الوليد أن يكتب بالذهب على اللازوردي في حائط المسجد: "ربنا لله، لا نعبد إلا الله. أمر ببناء هذا المسجد، وهدم الكنيسة التي كانت فيه، عبد الله الوليد أمير المؤمنين، في ذي الحجة سنة سبع وثمانين", وهذا الكلام، مكتوب بالذهب في مسجد دمشق إلى ونقتنا هذا، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة" (4).
ويروى المؤرخون – في صدد عمارة المسجد – أنه قد استخدم الرخام النادر في أسفل جدرانه، وأن الفسيفساء كانت تغطي الجزء الأعلى من الجدران، أما السقف فقد كان من الخشب المموه بالذهب، تتدلى منه مصابيح من الأبريز بلغت ستمائة مصباح، كما كان المحارب يزدان بالأحجار الكريمة، ويزين نوافذه زجاج متعدد الألوان، وإن كان لم يبق من تلك الزينة في مجموعها سوى الشيء القليل.
إن هذا المسجد – الذي عرف من بعد بالمسجد الأموي – يعد تحفة من الفن العربي والبيزنطي، ولبعض العرب من أهل دمشق وصف له يدل على ما بغله المسجد من الروعة والبهاء، يقول: "هو جامع المحاسن، كامل الغرائب، معدود من إحدى العحائب، قد ازرو بعض فرشه بالرخام، وألف على أحسن تركيب ونظام".
ونعود إلى عمار المسجد لنتعرف على فن المآذن به، فنرى أنه قد اشتمل على مئذنتين مربعتي الشكل، وهناك أخرى ثالثة مثمنة الشكل ذات أورقة منضدة، تعلوها بكرة وهلال. ويعتقد أن هذه الأخيرة هي أقدم مآذن المسجد الثلاث، فقد أقيمت في القرن الأول من الهجرة.
وبالمسجد ساعته المشهورة في كتب المؤرخين، ولعل وصف ابن جبير لها هو أدقها، ومنه نستدل علة مقدار ما بغله العرب في فن "الميكانيكا" بالإضافة إلى سبقهم غيرهم في اختراع الساعات ذات الأثقال. وتردد المؤرخات مقدار البذخ والإسراف الذي أتاه الوليد من أجل هذا المسجد. وتهامس الناس في عهده بما كان منه في ذلك، ولما تسامع الخليفة بما يدور في أوساط الناس من نقد في هذا الشأن – خطبهم في المسجد، فقال: "بلغني أنكم تقولون وتقولون...، وفي بيت مالكم عطاء ثماني عشرة سنة، إذا لم يدخل لكم فيها حبة قمح".
ثم ولى الخلافة عمر بن عبد العزيز، فألفى أن المال الذي أنفقه سلفه على المسجد قد جانبه فيه الصواب، فقد تأثر بيت المال بسببه، فأخذ على عاتقه أن ينقذ بعضا من هذه – الأموال، وذلك بأن نزع الفسيفساء، واستعاض عن السلاسل الذهبية التي كانت تعلق بها المصابيح – بالحبال.
تلكم هي دمشق عاصمة بني أمية، وذلكم هو المسجد الأموي الجامع، تظللهما حضارة هذه الدولة، حين وسعت معار الإنسانية، وأبرزت بدورها العلماء الأجلاء الذين ارتبطت حياتهم بذلك العصر، وفيهم من ارتقى به علمه إلى مناصب الدولة العليا حتى مرتبة الحكام. وقد قبضت الظروف آنئذ أن يكون للمسجد الكبير هذا دور هام في تخريج ذوي المواهب في شتى المعرفة.
وإن اتخاذ معاوية دمشق مقرا لخلافته لأمر خالفه في التوفيق إلى حد بعيد، فقد كانت الشام تحتفظ بالدم العربي والعصبية العربية، وعمل معاوية – منذ كان واليا عليها في عهد عمر بن الخطاب – على ترسيخ نفوذه في بلاد الشام، بوساطة الأقارب والأتباع والأنصار من تألفهم بالأموال والعطايا، حتى أصحت دمشق صالحة للخلافة الأموية، بالإضافة إلى العوامل الجغرافية، كاتصالها بشبه الجزيرة العربية، وما عرف عن خصوبة أضرها ووفرة محصولاتها، لأن قرب حاضرة المسلمين عن بلاد الحجاز لما يسهل تجنيد الجيوش – إذا دعت الحاجة في أقرب الأوقات وأيسرها، على أنه من العوامل الاستراتيجية كذلك قرب دمشق من حدود الإمبراطورية البيزنطية، تلك الحدود التي كانت مثارا للنزاع بين حين وآخر بين العرب والروم، بحيث لم تكن تنطفئ جذوة بين الطرفين هذين إلا لفترات الاستعداد للاقتتال.
هذا، وقد اتسعا مدارك علماء الإسلام في هذا العصر لعلوم شتى، كعلم القراءات – والتفسير، وعلم الحديث ورجاله، وعلم النحو، وعلوم الأدب، وما إلى هذه الثقافات من فروع.
وفي مجالات العلوم العملية برزت طوائف من الرواد في علوم الكيمياء والطب وغيرها، مما اعتمد فيه علماء المسلمين على التجربة والترصد.
كذلك أخذ المسلمون على عاتقهم يومئذ تدوين السير والفتوح الإسلامية، فظهرت مؤلفات في السيرة النبوية وكتب المغازي، وقد استهل معاوية عهده بتشجيع كتاب السير والمغازي، ببذل العطايا والمنح، إيمانا منه بأهمية كتب التراجم والغزوات.
3- بغداد
تولى الخليفة أبو جعفر المنصور الخلافة العباسية عام 136 هـ (754م)، فلم يشأ أن يبقى على دمشق عاصمة للدولة الإسلامية، وربما كان له العذر في هذا التحول عنها إلى غيرها، وذلك لعوامل داخلية وأخرى خارجية، فمن العوامل الداخلية أن بني أمية وأتباعهم وأنصارهم كانوا يعمرون دمشق، الأمر الذي سوف لا يساعد العباسيين على تثبيت دعائم دولتهم على المدى البعيد, ومن العوامل الخارجية أن حاضرة الأمويين كانت – كما ذكرنا – قريبة من حدود الدولة البيزنطية، فكانت بذلك هدفا بين الحين والحين لغارات جيوش بيزنطة، يضاف إلى هذا أن العباسيين كانوا يومئذ في حاجة إلى مقر لخلافتهم يكون قريبا من بلاد الفرس الذين كانوا مصدرا لقوتهم، حيث لم تكن للعباسيين عصبية بين العرب ، وإنما اعتمدوا في الوصول إلى مركز الخلافة على الموالي من الفرس.
لذلك حاول المنصور أن يتخذ حاضرة جديدة قرب نهر دجلة، حيث خصوبة الأراضي المحيطة به، وفي بقعة تسهل فيها المواصلات بين أطراف الدولة، وتنتعش فيها أسباب الرزق للرعية، وهكذا بعث برجاله الذين انطلقوا في مناطق قريبة من الموصل، مقارنين بين بقعة وأخرى، حتى استقر رأي المنصور باستشارتهم واستطلاع رأي سكان تلك المناطق – على اختيار إحداها على طريق دجلة والفرات وفروعها، وحيث ترد إليها المؤن من الشرق والجزيرة ومصر والسند والبصرة وواسط وأرمينية وأذربيجان (5)، ويقال لهذه البقعة "بغداد" والتي كانت – قبل اتخاذها – مصرا عبارة عن قرية قديمة ينسب تأسيسها لبعض ملوك الفرس على الشاطئ الغربي لنهر دجلة.
ويؤيد البحث الحديث وجود بغداد القديمة، " وقد ذكر لي سترينج أن المنقب الإنجليزي سيرهتري رولينون عثر في سنة 1948م في وقت انخفاض نهر دجلة على سور من الآجر بحذاء بشاطئ هذا النهر الغربي، ومنه يظهر أن مدينة قديمة كانت تقوم في هذا المكان, وقد وجد اسم "بختنصر" وألقابه وغزواته منقوشة عغذلى قطع الآجر، كما ظهر في الثبت الجغرافي الآشوري لحكم "سرد انابالوس" لفظ يقارب تماما لفظ بغداد" (6).
وقد سميت المدينة بمدينة السلام، هكذا دعاها المنصور، تفاؤلا وإحياء لذكرى جزء منها درس، وكان قد أنشأن أحد ملوك الفرس. كذلك كان يسمى الجانب الغربي من بغداد – "الزوراء"، لا زورار واضح في اتجاه القبلة بها، وقيل لازورار نهر دجلة عند مروره بها، ويؤيد هذا الاتجاه ما جاء عند المسعودي من أن أهل هذه المدينة كانوا يطلقون عليها الزوراء – والروحاء في عصره، والروحاء بالذات كانت تطلق على الجانب الشرقي من المدينة لانبساط نهر دجلة عنده، كما دعاها المؤرخون أيضا "المدينة المدورة" لاتخاذها شكل للدائرة، كما عرفت بدار السلام تشبيها بالجنة (7).
هكذا بدأ المنصور يخطط لمدينة بغداد، بأن جند لذلك المهرة من المهندسين والفعلة والصناع وأصحاب الحرف المختلفة من البلاد المجاورة في الشام والكوفة وواسط وبلاد الديلم والكوفة والبصرة، بالإضافة إلى طائفة من الموثوق بهم فضلا وعلما وأمانة ومعرفة بالهندسة والحسابات، أمثال عمران بن وضاح والحجاج بن أرطأة.
وضع أبو جعفر المنصور أول لبنة للمدينة، مستفتحا بقوله: "بسم الله، والحمد لله، والأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين"، ثم أردف قائلا مخاطبا من حوله: "ابنوا على بركة الله" (8)، وذلك من خلال احتفال عظيم، حضره كبار ورجال الدولة من الأمراء والوزراء والعلماء والقواد وأعيان القوم، ثم حفر الأساس عام 145 هـن بعد أو روعي فيه الاستجابة لرغبة المنصور في أن تأخذ المدينة شكل الدائرة، وأن يكون قصره ومسجده في وسطها، وهو تقليد غير مسبوق في إقامة المدن الإسلامية مما يستنتج منه أن يمكن أن يكون مقتبسا من الهندسة المعمارية الفارسية. وكان من الطبيعي أن يجعل المنصور حول القصر والمسجد بناية خاصة بالحرس من ناحية باب الشام، بالإضافة إلة سقيفة كبيرة أقيمت على أعمدة، واختص بها كلا من صاحب الشرطة وصاحب الحرس، تحيط بها دور الخدم والعبيد الذين يقومون بشأنهم، وحولهم شيدت كذلك القصور الخاصة بالأمراء ورجال الدولة وأصحاب الدواوين المختلفة، ومن بعد ذلك أقيمت الدور العامة تتخللها الأسواق والمرافق العامة، بعد أن روعي في البداية أن تكون الشوارع الرئيسية للمدينة أربعة، ومنها تتفرغ الشوارع الأخرى، ويحيط بالمدينة سور عظيم مزدوج بلغ ارتفاعه قدر قامة، تتخلله البوابات الرئيسية ذات الأبراج العالية (9)، بحيث أجمع المؤرخون على أن بناء بغداد قد تم عام 146 هـ، ولكن بناء السور والخندق لم يتم قبل سنة 149 هـ (10).
ويذكر أنه سرعان ما ازدحمت بغداد بالسكان من مختلف الطوائف، وقصدها العلماء والأدباء من كافة الأنحاء المجاورة خاصة، وغصت بها فئات شتى من أرباب الحرف والصناع، الأمر الذي رأى معه المنصور أن يهجر قصره داخل المدينة، إلى حيث أنشأ لنفسه دارا- خاصة خارج المدينة، إذ بنى "قصر الخلد"، عام 157هـ في مكان طيب الهواء بعيدا عن اكتظاظ السكان (11).
هكذا أصبحت بغداد أم المدائن في الشرق يومئذ، وبلغ عدد سكانها مليوني نسمة، وحيث ازدهرت فيها الصناعات المختلفة، وتطورت بها الفنون في شتى ألوانها، ولقد بالغ الأدباء والكتاب في مدحها، فمن ذلك قول بعضهم: "بغداد جهة الأرض ومدينة السلام، وقبة الإسلام، ومجمع الرافدين، وعزة البلاد، وعين العراق، ودار الخلافة، ومجمع المحاسن والطيبات، ومعدن الظرائف واللطائف، وبها أرباب الغايات في كل فن، وآحاد الدهر في كل نوع".
وقد امتدحها من الشعراء الكثيرون، نذكر منهم وصف طاهر بن المظفر بن الخازن بالأبيات التالية:
هي البلدة الحسناء خصت لأهلها      بأشياء لم يجمعن مذكن في مصر
هواء رقيق، في اعتدال وصحة       وماء له طعم ألذ من الخمر
ودجلتها شطان قد نظما لنا            بتاج إلى تاج، وقصر إلى قصر
ثراها كمسك، والمياه كفضة        وحصباؤها مثل اليواقيت والدر
ويقول الجاحظ عن بغداد أيضا:
"قد رأيت المدن العظام، والمذكورة بالإتقان والأحكام، بالشامات وبلاد الروم، وفي غيرهما من البلدان، فلم أر مدينة أوسع أبوابا سمكا، ولا أجود استدارة، ولا أنبل نبلا، ولا أوسع أبواب، ولا أجود فصيلا من الزوراء، وهي مدينة أبي جعفر المنصور، كأنما صبت في قالب، وكأنما أفرغت إفراغا". (12).
ولقد ظلت بغداد حاضرة العباسيين طوال أيامهم، وبقيت بعدئذ حتى عام 656 هـ تاريخ سقوط الدولة، حيث عاث فيها التتار وخربوها بقيادة زعيمهم هولاكو. ويذكر في هذا الصدد أن الخراب كان قد أصاب المدينة مرتين قبل التتار، أولهما خلال الفتنة التي نشبت بين الأمين والمأمون أواخر القرن الثاني للهجرة، والثانية حين أغار البويهيون على بادية العراق، أطلقوا على بغداد عام 334 هـ، وفي كلتا المرتين أصاب بغداد الجسيم من الهول، والخراب، بحيث أنفق الكثير في سبيل الإصلاحات المختلفة بها، ولم تعد مع ذلك كما كانت مدينة المدائن الشرقية".
العلم والعلماء في بغداد العباسية:
يتفق المؤرخون على أن بغداد قد بلغت ذروة الرخاء في عصر هارون الرشيد (786-809م) وابنه المأمون (813-833م)، ففي عهد الأول انتشرت الثقافة وعمت الدولة الإسلامية وخاصة بغداد، فقد استدعى الأساتذة من مختلف أقطار العامل، ونقلت إلى اللغة العربية كتب علماء اليونان واللاتين ولا سيما كتب الفلسفة والرياضيات، وأضحت تدرس في كافة المدارس، واشتغل الغرب آنئذ بدراسة تاريخ القدماء، فسبقوا الأوربيين في هذا المضمار وغيره ببضعة قرون.
"وأقدم العرب على تلك المباحث التي لم يكن لهم عهد بها بشوق ونشاط، وأكثروا من إنشاء المكتبات العامة والمدارس والمختبرات في كل مكان، فكانت لهم اكتشافات مهمة في أكثر العلوم.
"كان حب العار للعلم عظيما، فلم يترك الخلفاء في بغداد طريق لاجتذاب أشهر العلماء ورجال الفن في العالم إلا سلوكها، فمن ذلك أن أشهر أحد أولئك الخلفاء الحرب على قيصر الروم، ليأذن أحد الرياضيين المشهورين في التدريس ببغداد. "وكان العلماء ورجال الفن والأدباء من جميع الملل والنحل، من يونان وفرس وأقباط وكلدان، يتقاطرون إلى بغداد، فيجعلون منها مركزا للثقافة في الدنيا، وكان المأمون ابن هارون الرشيد يعد العلماء أناسا اختارهم الله لتنوير البصائر وإضاءة العالم وهداية الناس، فيرى أن الناس لولاهم لعادوا إلى الجاهلية الأولى، كما روى أبو الفرج" (13).
ونتيجة لهذا نلمس بوضوح مقدرا رقي المعارف والعلوم في شتى أنواعها وألوانها، ففي الميدان الشعري نرى من أئمة الشعراء أبا تمام والبحتري وابن الرومي والمتنبي والمعري والشريف الرضي. وإنه ليروى في هذا الصدد أنه قيل لأبي العلاء المعري: أي الثلاثة أشعر: أبو تمام، أم البحتري، أم المتنبي؟ فقال: المتنبي وأبو تمام حكيمان، وإنما الشاعر البحتري (14).
وفي الميدان النثري نرى من أعظم كتاب النثر أثرا وتأثيرا أبا عثمان الجاحظ، بفضل أسلوبه وغزارة إنتاجه وتنوعه، وحسبنا فيه شهادة المؤرخ المسعودي حول مؤلفاته المتعددة، وذلك حين يقول: "ولا يعلم أحد من الرواة وأهل العلم أكثر كتبا منه، مع قوله بالعثمانية (أي تشيعه لعثمان بن عفان)، وقد كان أبو الحسن المدائين كثير الكتب، إلا أن أبا الحسن المدائين كان يؤدي ما سمع وكتب عن الجاحظ، مع انحرافه المشهور، لأنها (أي مؤلفاته) تجلو صدا الأذهان، وتكشف واضح البرهان، ولأنه نظمها أحسن نظم، ووصفها أحسن وصف، وكساها من كلامه أجزل لفظ، وكان إذا تخوف ممل القارئ أو السامع، خرج من جد إلى هزل، ومن حكمة بليغة إلى نادرة ظريفة، وله كتب عدة، منها: كتاب "البيان والتبيين"، وهو أشرفها، لأنه جمع فيه المنثور والمنظوم، و...و..ومستحسن الأخبار، وبليغ الخطب مما لو اقتصر عليه مقتصر لاكتفى به، مثل "الحيوان"، وكتاب "الطفيليين والبخلاء"، وسائر كتبه في نهاية الكمال، لم يقصد إلى نصب، ولا دفع حق، ولا يعلم ممن سبق وخلف من المعتزلة أفصح منه" (15).
ويعتبر القرن الرابع الهجري عموما عصر النهضة الأدبية، لكثرة علماء البيان ووفرة إنتاجهم، قد سمت هذه الموهبة، بكثير منهم إلى درجة ارتقاء المناصب المرموقة في بلاط الخلفاء، وإلى اختيار الوزراء والسفراء منهم.
كما نبغ في الفلسفة كثيرون من علماء الإسلام، فمن أعلام هؤلاء ابن إسحاق الكندي وأبو نصر الفارابي (339 هـ)، ومن أشهر فلاسفة هذا العصر جماعة "إخوان الصفا" التي أخذت على عاتقها إتمام رسالة المعتزلة، ولا سيما فيما يتصل بالتوفيق بين العلم والدين، وتحقيق الانسجام بين الشريعة الإسلامية والفلسفة اليونانية.
كذلك ضرب العرب يومئذ بسهم وافر في العلوم العملية، كالطب الذي اشتهر فيه كثيرون، أمثال حنين بن لإسحاق (260هـ)، والذي أعجب به الخليفة الواثق، وطلب منه أن يؤلف له كتابا يشتمل على كافة ما يحتاج إلى معرفته صحيا "فصنف له كتابا جامعا ثلاث مقالات، يذكر فيه الفرق بين الغذاء والدواء والمسهل وآلات للجسد" (16).
ومن أئمة الطب كذلك أبو بكر محمد بن زكريا الرازي المتوفى عام 311 هـ الذي طبل منه حاكم الري منصور بن إسحاق بن أحمد بن نوح الساماني أن يضع له كتابا في الطب، فألف به كتاب "المنصوري" في الطب – وهو على صغر حجمه – من الكتب المختارة الجامعة بين العلم والعمل، ولا يستغنى عنه إنسان (17).
وذلك إلى جانب العديد من المؤلفات الكبيرة المشهورة، وقد أسنت على الرازي مارستان بغداد في عهد الخليفة المكتفي العباسي، وله آراؤه الصائبة في الشروط الواجب توافرها في الطبيب الماهر.
ومن العلوم التي مارسها العرب في ذلك العصر علم النجوم والفلك، وكان للأول تأثير مأثور في توجيه السياسة العامة عند بعض الخلفاء والأمراء الذين كانوا يعولون على ما يقوله المنجمون فيما يستشيرونهم فيهن كاعتماد أبي جعفر المنصور على المنجم أبي سهل بن نوبخت حينما أراد تأسيس مدينة بغداد، فقد أخبره هذا المنجم بما أشارت به النجوم من أن بقاء هذه المدينة سيطول، وستعمر بالبنايات العظيمة، وأن لن يموت بها خليفة لبني العباسي، وقد نبغ من علماء النجوم طائفة، منهم أبو عبد الله محمد بن جابر التباني الصابي، المتوفى عام 319هـ، وأبو جعفر بن محمد بنعمر البلخي، وأبو الريحان البيروني المتوفى عام 440م.
كذلك من المعارف التي نبغ فيها علماء العصر علم الرياضيات، وقد اشتهر فيه ثابت بن قرة الحراني (221-288هـ)، فمن مؤلفاته في هذا كتاب "حساب الأهلة"، وكتاب في استخراج المسائل الهندسية، وكتاب الأعداد وغيرها. ومن هؤلاء أيضا أبو الوفا محمد بن إسماعيل بن العباس، المولود عام 328 هـن ومن مؤلفاته: كتاب "ما يحتاج إليه العمال والكتاب، في صناعة الحساب"، وهو سبعة أقسام، بكل قسم سبعة أبواب شملت كافة أنواع الرياضيات، وكتاب الخوارزمي في الجبر والمقابلة، وغيرها من الكتب.
ولقد حفل القرن الثالث والرابع الهجري – وهو العصر الذهبي للثقافة الإسلامية – بمجمهرة من المؤرخين، فمن أشهر مؤرخي القرن الثالث الهجري اليعقوبي المتوفى عام 282 هـ، وكتابه المعروف ب"تاريخ اليعقوبي" من المصادر المعتمدة، كما أن مؤلفه "البلدان" من الكتب الجغرافية الهامة.
ومن هؤلاء المرخين أيضا البلاذري المتوفى عام 269 هـ، صاحب كتاب "فتوح البلدان"، ومنهم الطبري المتوفى عام 310 هـ، صاحب كتاب "الأمم والملوك، وهو من الأصول التاريخية التي يتعمد عليها، "ولا غرو فإن الطبري أكثر تحقيقا ممن سبقه من المؤرخين، فضلا عن أنه انفرد بذكر حوادث لم يذكرها أحد قبله، وقد تكلم عن الحوادث التاريخية منذ بدء الخليفة على سنة 302 هـ، ثم جاء غريب نب سعيد القرطبي المتوفى سنة 336 (976-977م)، فوصل الحوادث في كتابه المسمى صلة تاريخ الطبري"، من سنة 290 هـ إلى نهاية عهد الخليفة المقتدر العباسي سنة 320 هـ (18).
ومن المؤرخين المشهورين في القرن الرابع الهجري أبو عبد الله محمد بن عبدوس المعروف بالجهشياري، صاحب "كتاب الوزراء والكتاب"، وهو مؤرخ قديم من طبقة ابن جرير الطبري والمسعودي، ويعتبر كتابه هذا من أشهر كتبه، كم حيث أنه من أول ما ألف من نوعه، وقد جرى على منسقه بعدئذ طائفة من المؤرخين، منهم هلال بن المحسن الصابي (359-448هـ) في كتابه الفريد "تحفة الأمراء في تاريخ الوزراء"، وقد وصب به كتاب الجهشياري إلى سنة 393 هـ، ومنهم ابن منجب في كتابه "الإشارة إلى من نال الوزارة".
ومن كتاب التاريخ البارزين في هذا العصر أبو بكر محمد بن يحيى الصولي المتوفى سنة 335هـ، صاحب كتاب "الأوراق"، في تاريخ الدولة العباسية، وما كان من أخبار شعرائها،ونذكر أيضا بصفة خاصة من هؤلاء المؤرخين – أبا الحسن المسعودي صاحب "مروج الذهب".
وإن الإشارة – بهذه المناسبة – لجديرة بالتنوين بالحافظ أبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي، المتوفى سنة 463 هـ، حيث يرجع إليه الفضل في تأليف مصدر هام وضخم، تناول فيه تاريخ بغداد، "وهو من أهم الكتب التي يعتمد عليها في دراسة تاريخ الدولة العباسية، منذ تأسيس مدينة بغداد في عهد الخليفة المنصور سنة 145 هـ على سنة وفاة هذا المؤلف. ويشتمل هذا الكتاب على وصف ضاف لمدينة بغداد، كما يمدنا بأخبار من عاش فيها من الخلفاء والأمراء والوزراء وغيرهم ممن عاش فيها أو رحل إليها من أهل العلم والفضل. ويقع الكتاب في أربعة عشر مجلدا، ولا غنى عنه لطلاب البحث في تاريخ الدولة العباسية في أزهى عصورها إلى سنة وفاة المؤلف" (19).
أما على الجغرافية فقد تعددت المؤلفات فيه بصورة واضحة إبان العصر لعباسي الثاني، وأقدم جغرافي المسلمين في هذا العصر هو ابن خرداذية، معاصر النصف الأول من القرن الثالث الهجري، وكتابه "المسالك والممال" غنى عن التعريف لسبقه في ميدان التأليف بالعربية في هذا الميدان، وهو كدليل للمسافر بحرا من مصب نهر دجلة حتى بلاد الهند والصين.
وأما اليعقوبي "المتوفى عام 282 هـن فقد قام برحلات في بلاد أرمينية وإيران والهند ومصر وبلاد المغرب، وسجل أسفاره هذه في كتابه "البلدان" وكذلك الهمداني المتوفى عام 334 هـ صاحب كتاب "صفة جزيرة العرب"، وقد دون فيه زيارته التي قام بها إلى معظم بلاد العالم، كبلاد الفرس والهند وبحار الصين، وسواحل إفريقية الشرقية والسودان، إلى جانب رحلاته في إقليم بحر قزوين وآسيا الصغرى، وبالإضافة إلى الشام، كما زار مصر في عصر كافور الإخشيدي سنة 330هـ، وجال بين أقاليمها وآثارها، مسجلا وصفه لفن العمارة لدى الفراعنة، والبلاط المملوكي، وطبقات الناس يومئذ، كما تحدث عما اهتم به المصريون في التنقيب عن آثار الفراعنة، واكتشافهم بعض المقابر الفرعونية ذات التوابيت والموميات، مما كان له شأن عظيم في توجيه الأنظار في العصور المتأخرة إلى متابعة تلك الكشوف عن آثار القدماء المصريين (20).
-------------------------------------
1) الأغاني، للأصفهاني، ص 35-36 ح.2
2) معجم البلدان، انظر لفظ "دمشق".
3) حضارة العرب لجوستاف لوبون، ص 206-208.
4) مروج الذهب، ج 2/152.
5) الخطيب البغدادي، "تاريخ بغداد" ج 1/21.
6) Baghdad During the Abbasid Caliphote, PP.9-10                                                        وتاريخ الإسلام، د. حسن إبراهيم، ج 1/361.
7) البغدادي، تاريخ بغداد، ج 1/77-78.
8) الطبري في "تاريخ الأمم والملوك" ج. 9/241.
9) الخطيب البغدادي، "تاريخ بغداد" ج 1/76.
10) الطبري: ج 9/241
11) تاريخ بغداد،  للبغدادي، ج 1/75.
12) المصدر السابق، 77.
13) حضارة العرب، لجوستاف لوبون، ص 217-219.
14) ابن خلكان، ج 2 ص 176.
15) مروج الذهب، ج 2 ص 439-445.
16) نفس المصدر، ص 863.
17) ابن خلكان، ج 2 ص 78.
18) حضارة العرب، لجوستاف لوبون، ص 217-219.
19) ابن خلكان، ج 2 ص 176.
20) مروج الذهب، ج 2 ص 439-445.
21) نفس المصدر، ص 863.
22) ابن خلكان، ج 2 ص 78.
23) مروج الذهب، ج 1 ص 112-213/ 228-229.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here