islamaumaroc

من أعلام الريف الشرقي في القرن الحادي عشر الهجري: عيسى بن محمد الراسي البطوئي-2-

  حسن الفكيكي

العدد 251 ذي الحجة 1405- غشت 1985

بعودة عيسى بن محمد الراسي إلى منزله ببني سعيد (1) دخلت حياته في طور جديد، وستستمر هذه المرحلة مما تبقى من عمره، إلى ما بعد منتصف القرن الحادي عشر الهجري دون تحديد. وخلال هذه المدة قدم لنا أول إنتاج له في التصوف ورجاله. كخلاصة مركزة للحصيلة العلمية التي جد في طلبها سنوات متواليه.
هذا هو أول ما لمسناه منه أثر أوبته من تلمسان، حينما شرع في التفكير لتدوين مذكراته عن شيوخه وعمن ربطته بهم أواصر الصداقة. فمتى تبلورت هذه الفكرة في ذهن البطوئي وشرع في تنفيذها؟
إن النتيجة الأولى التي توصلنا إليها من خلال إشارات المؤلف نفسه أن المسألة راودته ما بين 1028 هـ، وهي السنة التي تأكد لدينا فيها استقراره بمنزله تيذي عدنيت، وسنة 1033 ه وهي السنة التي توفي فيها شيخه علي وارث الغاسي، صاحب الفضل عليه في إثارة موضوع تخليد مناقب أهل زمانه.
وحتى إذا سلمنا أن الذي حدث هو مجرد عقد النية على خوض ميدان الكتابة، فأننا نرى خلال هذه المدة الزمنية بالذات، أن الراسي كان فعلا قد كاتب محمدا الصغير بن محمد بن مريم، يرجو منه إمداده بنبذة عن حياة ومناقب والده المتوفى، ومن الرسالة الجوابية نتقدم خطوة لنستنتج أمرين اثنين: (2)
إن الشروع في تنفيذ خطة التأليف سابق لسنة 1039 ه، وهي سنة وفاة أحمد بن إبراهيم الراسي، أحد شيوخ عيسى البطوئي، الذي كان حيا حينما أجاب محمد الصغير صديقه.
إن عزمه كان قد تأكد بالفعل لتقديم تراجم أهل الفضل والصلاح، ويمكن أن نذهب بعيدا لمساندة هذا الرأي إذا نحن تفقدنا المكانة التي احتلتها تلك التراجم على صفحات المجلد الثاني، وحينما نجد أنها مسجلة في الباب السابع، نفهم من ذلك أنها تشكل آخر ما سطر قلم المؤلف، على الرغم من أننا نعلم أنها كانت أول موضوع فكر في كتابته.
والإشارة الوحيدة التي يصرح فيها البطوئي، وتدل على أن التأليف كان قد قطع شوطا هاما، هي التي يعبر عنها بنصه، وهو يحكي لنا تبركه برؤية النبي صلى الله عليه وسلم في منامه:
" من الله علينا برؤيته صلى الله عليه وسلم بعد أن شرعت في هذا التأليف، وكنت أكتب في أوصافه صلى الله عليه وسلم، وأنا إذ ذاك بالمغرب بالزاوية المباركة أولاد إزم من جبل صنهاجة" (3).
وقد أدرجت تلك الأوصاف في الفصل الثاني من الباب الرابع من الكتاب (4)، وما يعترض سبيلنا لتقريب تاريخ التأليف إلى الأذهان، هو جهلنا التام بتاريخ تلك السفرة التي قصد من ورائها الحصول على مزيد من المراجع. ولا يسعنا سوى أن نرجح أن الكتابة كانت قد عرفت بدايتها منذ مستهل الثلاثينات من القرن الحادي عشر على أكثر تقدير، بعد أن اثمرت الفكرة في ذهن صاحبها خلال السنوات الأولى التالية لاستقراره النهائي ببطوية.
ومن المؤكد أن الكتابة استمرت فترة لا يستهان بها، وامتدت حتى ما بعد 1040 ه، نعلم هذا حينما نقل إلينا تاريخ وفاة عمه يحيى الراسي، وكان المؤلف يقدر آنذاك ضخامة المشروع، وهو يجتاز ما بعد الخمسين من عمره، ويتحسر على قلة ما تبقى منه، وعلى وهن عظمه، ليبرر عدم الاكثار من سرد المزيد من مناقب جميع من يستحق الذكر من معارفه على صفحات الكتاب.
يتبين من تفحص قائمة الموضوعات المدرجة في المجلدين أنها خضعت لنوع من التعديدات في تصنيفها ولعدد من الإضافات في مادتها، وجاءت متأخرة عن الفكرة الرئيسية التي يمثلها عنوان المؤلف "مطلب الفوز والفلاح في آداب طريق أهل الفضل والصلاح" (5). وعلى الرغم من تأخير التفكير فيها، فأن تسجيلها استغرق المجلد الأول بدمته وشغل الصدر الأول من الذي يليه، وهذا يمثل خمسة أبواب.
ويفسر لنا عيسى البطوئي الدافع الذي ألجأه إلى إدخال هذا التعديل في فاتحة كتابه: "فلما رأيت شعائر الإسلام قد كثرت وهممنا عن المعالي قد قصرت والنفوس بدخان الهوى وظلام الجهل قد غمرت، فكرت فيما كلفت به فقط من تخليص نفسي وانفع عمل أتزوده... فتاقت نفسي أن أضع تقييدا واضح المسالك، يجمع ما لابد منه من الديانات والآداب مما يحتاج إليه المريد السالك، يكون تذكرة لنا ولمن احتاج إليه".
من خلال هذا تتجلى الغاية التي توخى من ورائها تقديم عدد من أصول الديانة الإسلامية، وما من شأنه أن يساهم في توعية بني قبيلته، قبل الشروع في استعراض مناقب الصلحاء منهم، لاعتقاده أن الاقتداء بهم وإتباع طريقهم لا يمكن أن يتم إلا على أساس العلم والمعرفة.
والذي يدل على سبق موضوع البابين السادس والسابع المتبقيين من الكتاب إلى ذهن المؤلف، كما يعكسه العنوان الذي اختاره، وحسبما عبر عنه، ما جاء في مقدمة الباب السادس:
" اعلم يا أخي أن هذا الباب عندي أهم أبواب هذا الكتاب كلها، ومن أجله سطرت كلما ذكرت وأذكر وهو السبب في جمعها".
وهاذان البابان هما اللذان نالا اختيارنا لينصب عليهما البحث والدرس. لاعتبار أنهما من إنتاج قريحة المؤلف وتبويبه، ولأن الحديث فيهما موجه، من جهة ثانية، إلى أهل بطوية ومن أجلهم كتبت فصولهما، وأخيرا لأن البابين مصدرنا الوحيد في الميدان الثقافي خلال قرن من الزمن.
يتألف الباب السادس من سبعة فصول وجهت لصالح من أراد بهم البطوئي "أهل الله تعالى"، ويعني بهم الأولياء من شيوخ التربية الصوفية والتعليم. وقصده من عرض مختلف موضوعاته ترغيب المريدين والعابدين والمتعلمين في محبتهم ببيان الطرق والآداب التي يجب أو ينبغي أن تراعي أثناء التعامل مع الطبقة العليا من أهل الفضل والصلاح. وهذا هو المعنى الذي ينطبق عليه عنوان الكتاب. ولم يات البطوئي بالباب السابع والأخير إلا لتقديم نماذج من الجماعة التي عد أفرادها من الصالحين.
بدأنا نلمس من خلال ما سبق، أن هناك سببين رئيسيين شكل كل واحد منهما الدافع القوي لاقتحام عيسى البطوئي ميدان التأليف. ويمكن أن نطرح أولهما بالإشارة إلى السبب الدفين الذي نقله من مرحلة التحصيل إلى طور الإنتاج.
لقد كان البطوئي فقيها متمكنا من مادته، حملته اتصالاته المتعددة ببلدته وخارجها واحتكاكاته بعلماء عصره، أن يصبح شديد الإعجاب بشيوخه وبمن عاصرهم من الصلحاء، إعجابا فرض عليه الإيمان بمقامهم العلمي. لذلك جاء البابان السادس والسابع تعبيرا صادقا على الوفاء لأولئك والإشادة بفضائلهم. فمن أجلهم كتب كل ما جاء به في الأبواب السابقة وما سيبسطه في البابين الأخيرين.
ويدل على هذا الإعجاب قوله فيهم: فيا ليتنا أعددنا للآخرة كما أعدوا وشمرنا كما شمروا وأوجدوا ... ولعل بقدرهم عند الله وبركة حبهم نطمح فيما تسوقه الأقدار...".
وما أنشده من قوله:
أحب الصالحين ولست منهم         أرجو أن أنال بهم شفاعة (6)
وبناء على هذا لم يكن السبب المباشر الذي عرضه علينا البطوئي سوى الحافز الذي أثار تلك الرغبة من مرقدها وقوى حماس المؤلف لتحريك رغبته الكامنة: فهو يصرح "والسبب في ذلك أن بعض الإخوان (7) الموصوفين بالدين والإحسان، سأل مني أن أجمع من مناقب أهل زماننا مما أسمي إليه علمنا ... ولما كان الراغب في تأليف هذه الأبواب من الخلصاء الأولياء الأحباب، مائلا بطريقه إلى طريق الآخرة، لم أجد عن إسعافه حولا، فقلت أهلا وسهلا لمن رآني لذلك أهلا، فبادرت إلى ذلك" (8).
لهذين السببين ظهر مطلب الفوز والفلاح، وهو أول إنتاج بتصريحه هو ولا نعلم ما إذا كان الأخير، وإن كنا نميل إلى ذلك، فمن هم أهل الفضل والصلاح في نظر عيسى البطوئي؟
سنلتمس الجواب عن السؤال في إيجاد خط التوافق والتكامل بين ما سجله البطوئي في مقدمة الباب السادس عن أهل الله تعالى، وما افتتح به الباب السابع حينما رام التحدث عمن لقيهم من أهل زمانه. وتظهر المقاييس التي اعتمدها لاختيار الفضلاء الصالحين حظ ذلك التوافق:
كل من شهد ظاهر الشرع بالتفضيل وظهرت عليه عناية الجليل، بما خصه الله من غزير علمه وحسن أخلاقه وعظيم فضائله.
كل من دلت عليه طريقته وآدابه وكراماته (9) المأثورة وأحواله المشهورة.
أخضع البطوئي اختياره للتحدي. فلم يقبل من أفعالهم وأحوالهم إلا ما نقله عنهم الثبات، وما وقع موقع العيان وشهد به الكافة من الناس والأعيان.
وستتضح هذه المقاييس بصورة أكثر وضوحا من الأوصاف التي أظفاها البطوئي على مترجميه الذين بلغ عددهم واحدا وعشرين صالحا. وبالرغم من تحدثه عن الكرامات وإيمانه بها، إلا أنه لم يشر بها لواحد من شخصياته، وقد اكتفى ببيان مكانتهم العلمية ومنزلتهم في إطار الزهد والتعبد، بعيدا كل البعد عن المغالاة والمبالغات في الأوصاف والأفعال.
وحدد لنا البطوئي نطاق التراجم بالاقتصار عن أهل زمانه، ولم يخل بتلك الحدود حينما أدمج الحاج يحيى الورداني وأحمد المديني البطوئي، وهم من أحياء النصف الأول من القرن العاشر الهجري، إذا جاء ذكرهم عرضا في ترجمة علي وارث الغاسي.
وضيق ذلك النطاق أيضا بالاكتفاء في الحديث عمن لقيهم ممن درس عليهم ورافقهم طيلة مدة دراسته، سواء كانوا ممن تعرف عليهم أثناء تكوينه الأولى ببلدته أو أثناء رحلته إلى فاس وتلمسان أو ممن وجدهم إحياء بعد أو بته الأخيرة إلى منزله.
والملاحظ أن التراجم موجزة جدا، ولا يمكن أن نعد منها في مستوى ما نعرفه في كتب التراجم (10)، سوى تسع منها، أما باقيها فأما أنه قصير، وهذه تعد ثلاثة فقط، أو مجرد استعراض لأسماء الأشخاص مكتفيا بتقديم تعبير "ومن أتراب هؤلاء".
وكانت في ذهن البطوئي قائمة أخرى من الصلحاء تخلى عن ذكرها. وكان عليه أن يعتذر تلافيا لكل تأويل سقيم:
"ولم نعرض عن غيرهم لقلتهم لا استنقاصا لمرتيتهم... لو كنا تتبعنا من اتصلت قراءته بهؤلاء السادات لخرجنا عن
مقصود الاختصار ولتهنا في بحار الملل والإكثار، لأن استقصاءهم يحتاج إلى ديوان والعمر قصير فإن".
----------------------------------------
1) هذا الموضوع الذي نعرضه على صفحات "دعوة الحق" استمرار لما نشر في العدد السابق بعنوان: من أعلام الريف الشرقي، عيسى بن محمد الراسي البطوئي.
2) نص الرسالة نشر في العدد السابق من هذه المجلة.
3) أكد هنا أن جميع النصوص الواردة في المقالة، مأخوذة من البابين السادس والسابع، وسنكتفي بالإشارة إلى الباب الذي اقتبست منه، إذ صفحات المجلدين غير مرقمة. وهذا النص المعروض الآن مأخوذة من الباب السابع.
4) الباب بعنوان: فيما يجب للنبي على أمته، والفصل المذكور أعلاه يتناول أوصافه وأحواله صلى الله عليه وسلم.
5)  كان أول من نبهني إلى وجود هذا المخطوط هو الأستاذ إبراهيم الكتاني حينما دلني على النسخة الكائنة بالخزانة الحسنية تحت رقم 1667، مشكورا. ثم وقفت بعد ذلك على نسخة أخرى مبتورة الأول والآخر وهي بالخزانة العامة، قسم الوثائق بالرباط تحت رقم 613.2 د.
6) الباب السادس.
7) الإشارة إلى علي وارث الغساسي ابن عمة المؤلف بصريح العبارة التي جاءت في ترجمته. "وهو الذي أثار علي بجمع مناقب من أدركنا من أهل الخير في بلادنا، وذلك السبب في جمع ذلك التأليف" الباب السابع، الفصل التاسع.
8) الباب السادس: الفصل الأول.
9) الكرامات ما يظهر على يد الصالحين من الخوارق وهي دون المعجزات التي هي خاصة بالأنبياء.
10) لنأخذ مثلا – المتشوف للتادلي، والمقصد الشريف للبادسي.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here