islamaumaroc

حول مشروعية البنوك الإسلامية.

  عبد الكريم التواتي

العدد 251 ذي الحجة 1405- غشت 1985

...قد سعدت بقراءة تعقيب أستاذنا الكبير الدكتور إبراهيم دسوقي (أباظة) في جريدة (العلم) العدد: 12240/ص/7/بتاريخ الجمعة: 17/فبراير: 1984/ حول ما سبق أن نشرته صحيفة: (الشرق الأوسط) تذييلا أو حاشية أو تعقيبا على بحث الربا والتعامل مع الأبناك أو بالخصوص (البنوك الإسلامية)...فرأيت إن سمح صدر الأستاذ، وفتح (العلم) حضنها أن أعقب عليه بالملاحظات التالية:
أولا: إذ يعترف أستاذنا (أباظة) بوجود انحرافات وتجاوزات في أنشطة العديد من (البنوك الإسلامية) التي بلغت: 27/بنكا في 14 دولة إسلامية، كان ينبغي الإفصاح عن هذه الانحرافات مع تقديم طرق تصحيحها أو كيفية التقصي منها.
ثم إذا كانت التجربة هي الكفيلة بإثراء النظرية وإثراء الواقع، فإن ما لوحظ من تجاوزات ومن سيطرة بعض الأسر على عدد من هذه البنوك مما يثبت إحدى الأسباب التي تحرم التعامل بالرباض، هذه الأسباب المشار إليها أو إلى بعضها في القرآن الآية: 7/ من سورة الحشر: (لئلا يكون دلو بين الأغنياء منكم).
ثانيا: كون المشروع درس من جهات عديدة ذات مستويات عليمة محترمة – ومهما أحيطت بهالات – لا يعطي المشروع شرعية مطلقة. وقد تكون التجربة التي عرى أثاراها السيئة كاتب: (الشرق الأوسط) هي التي حملت بعض الحكومات الإسلامية وبعض الجهات على التنكر له، والعمل على إجهاضه، ما دامت قد لسمت – بالواقع – محافاته للشريعة الإسلامية، وقديما قال ابن عرفة، جمركي أبواب الفقه في المذهب المالكي: (أعرف الرجال بالحق، ولا تعرف الحق بالرجال) ولهذا فقد مكان على أستاذنا (أباظة) أن يترك جانب الكاتب أو المستكتب وشخصيته..وأن يناقش آراءه الواردة في الدراسة مناقشة متأنية وبموضوعية وتجريد، ويستعرض المنافع والمضار والمصالح والعيوب حتى تفيدنا نحن الذين لا يهمنا، أولا نبحث إلا أن عن الحقيقة المجردة والموضوعية.
وتبنى نظرية ما من أي جانب أو آخر، لا يمنحها – كما قلنا – القداسة بله المشروعية إذا لم تكن تستند إلى شرع الله – فتخلى المتحمسين أولا للمشروع، قد يكون بسبب ما اكتشفوه  مما رأوه متعارضا والنظرية التي انطلق منها ذلك المشروع، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، وما أشاره له (أباظة) من تجاوزات وانحرافات واندساس (بعض أصحاب المصالح، والمتآجرين بالإسلام، ليركبوا هذا المد الجارف، وينطلقوا به بغير فواعد أو ضوابط، واتجاهم في الاستعانة بأطر تقليدية، وخبرات من بنوك ربوية، واستفادة هذه البنوك الربوية من العاطفة الإسلامية لجذب المدخرات إلى خزانتها، حتى اختلط الحابل بالنابل، واضطربت الرؤية وانحرفت المسيرة) ربما كان ذلك هو ناقوس الإنذار الذي نبه أولئك المتقاعسين عن تأيد هذا المشروع إلى ما في تجسيم النظرية أخطار.
ثالثا: الدعوة إلى عدم إمكانية تطبيق الشريعة الإسلامية في غمضة عين اتكاء على أسباب النزول في القرآن وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم في الدعوة تجديف ينأى بأستاذنا عن جادة الصواب وصدور مثل هذه القالة من مثله يدعونا إلى مزيد من البيان والتوضيح إذ هناك فرق كبير بين التدرج في التشريع في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وبين التدرج في تطبيق النظريات الاجتهادية المستحدثة من البشر سوى الرسول صلى الله عليه وسلم من حيث أن الرسول صلى الله عليه وسلم معلم ومشرع يوحى إليه من الله، وما ينطق عن الهوى، ومن هنا صح التدرج في التشريع،÷ وصح ما يعبر عنه بالناسخ والمنسوخ في القرآن، مثبتا، المحكم منه الثابت والمتغير.
والنظريات الاجتهادية يصار إليها عندما تنعدم النصوص الصريحة من كتاب أو سنة صحيحة، ويستبعد هنا الإجماع لأنه مهما قيل عنه وعن حجيته فلن يخرج عن دائرة الاجتهاد البشري، والبشر يصيبون ويخطئون.
على أن الأوضاع الآن قد استقرت، ولم يبقى تشريع جديد سوى ما يتوصل إليه العلماء المختصون من استنباطات يكون مستندها دينك الدليلان أعني القرآن والسنة الصحيحة، ما دام القرآن يقول: ?اليوم أكملت لكم دينك وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا?، المائدة: 3 ويقول: ?يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله وأطيعوا الرسول، وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا?، النساء: 59 ولهذا فليلاحد بعد ذلك أن يشرع ما لم يشرعه الله ورسوله، ولا أن يحمل النصوص ما يخرجها عن الغاية المتوخاة منها...وتحريم الربا بجميع فروعه وأنواعه بما فيها ربا الفضل قضية مفروغ منها، وحتى ما نسب لابن عباس ومعاوية من تجويزهم لربا الفضل ثبت تاريخيا وعلميا رجوعهما عن هذا التجويز لما بين لهما كبار الصحابة، يقول ابن تيمية في فتاويه الكبرى: "وإذا كان قد خفي – على ابن عباس ومعاوية ومن نحاهما من جلة الصحابة (ض) – ربا الفضل، فأجازوه، فإنهم عندما وقفهم صحابة آخرون، كعبادة بن الصامت وأبي سعيد الخدري على أضراره ومفاسده، حرموه كربا النسيئة، وتبينوا لماذا حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم التعامل بالربا، بل ولعن أكله وهو: الأخذ، وموكله وهو المحتاج المعطي للزيادة، كما لعن شاهديه وكاتبه لإعانتهم عليه. ذلك لأنه من البديهيات أن من بين الأهداف التي يتوخاها الإسلام من تحريم بعض العقود -  كبيع الغرر، وبيع حبل الحبلة، والملاقيح والمضامين، (أي بيع اللبن وبيع الثمرة قبل بدو صلاحهما وبيع الملامة، والمنابذة، - في الغالب هي الحيلولة دون إيقاع العداوة والبغضاء بين الناس، وعدم استغلال الإنسان لأخيه الإنسان وعدم ظلمه، وعدم غبنه بأي وجه من الوجوه إذ يرى أن يحفظ ما له ككل حقوقه وكل هذه المحذورات موجودة في التعامل مع الأبناك القائمة حاليا، ولذلك فلا شك أن الربا بنوعيه: النسيئة والفضل استغلال الإنسان لأخيه الإنسان ومنع الحقوق المحتاج، فإن الموسر – كما يقول ابن تيمية : (الفتاوي: ج/3/ص/415 مطبعة دار المكتبة الحديثة) (لا يأخذ ألفا حالة، بألف ومائتين مؤجلة، إذا لم تكن له حاجة بتلك الألف، وإنما يأخذ المال بمثله مع زيادة إلى أجل، من هو محتاج إليه، فتقع تلك الزيادة ظلما لمحتاج) ولدفع هذا الظلم فرض الله في أموال الأغنياء للفقراء نصيبا معلوما، ليدفع عنهم الحاجة ويقيهم الفاقة، ولا شك أن الإنسان متى ضمن حاجياته الأساسية والضرورية من المأكل والمسكن والملبس وكل ما يدخل تحت باب (الضمان الاجتماعي) لم يجد ضرورة للبحث عن دخول أخرى يطرق غير مشروعة، وهذا الذي يقبل أن يأخذ الأقل ليدفع أكثر في مقابل الأجل والتأخير، إنما يدعوه إلى ذلك الحاجة التي قد تكون ملحة، وغالبا ما يكون ذلك من جراء عدم إعطاء الغني لهذا الفقير ما أوجبه الله وفرصه في ماله لحق الفقراء، فإذا أربى الغني منه الفقير يكون – وكما يقول: ابن تيمية أيضا: بمنزلة من له على رجل دين، فمنعه دينه، ثم ظلمه زيادة أخرى.
ومع ذلك فما أجدر بالعلماء أن يضعوا تحديدا مبسطا لهذا الربا الذي يرحمه القرآن ويتوعد مرتكبيه بأوخم العواقب، أهونها وصفهم بالجنون: ?الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس?، (البقرة): 275 وأخبثها أكلهم النار وصليهم بها ومحاربتهم لله: ?يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما قي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فآذنوا بحرب من الله ورسوله? القرة: 278.
على أن العلماء لو تمكنوا – وهذا لا يتم إلا إذا غادروا أبراجهم العاجية وشاركوا عمليا وبحماس في الحياة الاجتماعية العامة- في حمل السياسيين والاقتصاديين الإسلاميين على تفهم الغاية المتوخاة من تحريم الإسلام للربا – وسياسيونا والحمد لله لهم نفس اليفين والحماس والغيرة التي لبقية شرائح المجتمع الإسلامي ولهم نفس الرغبة في تطبيق الشريعةن والتقيد بنصوصها التي لا تقبل التأويل – لأمكن الاستغناء عن هذا الخضم للجي من المواقف المتعارضة حول مفهوم الربا وأنواعه، ولأمكن إيجاد أبواب أخرى غير ابناك تسد الحاجيات المالية، وتقوم بالأدوار التي وضعت لها الأبناك دون الارتكاس في حماة الربويات.
وهذا ممكن بالتخلي عن أي نوع من أنواع الربا، مهما أحيط مصدره بهالات الأطراء عن طريق إشاعة مبادئ الرحمة والأخوة والتكافل الاجتماعي والتكامل الاقتصادي، ثم بإقناع الناس بالتقصير من الشره، وبالابتعاد عن تقليد الغرب في هذا السعار الاقتصادي الذي لا يقوم إلا على مبدإ المنافسة تحت شعار التنمية، وإعداد الظروف الحياتية لعام ألفين وما بعد.
على أن المشكل إنما حل بالعالم الإسلامي حين حاولنا – ونحاول – تتقليد العرب في فكرة الفصل بين الدين والدنيا، فلو أنا آمنا بإطلاق بأن الإسلام يرفض هذه الفكرة، ويصر على أن الأمرين: الدين والدنيا – مرتبطان، وأن الدين إنما جاء لإصلاح هذه الدنيا بما يجعلها تنال رضا الله، إذن لأمنك فهم النصوص الشرعية بروح بعيدة عن التأثر بغير الجو الإيماني الخالص المراد منها، ثم الهروب من تطبيق الشريعة كلية ودفعة واحدة وبدون تباطؤ بدعوى أن الظروف الراهنة هي غير الظروف التي كانت لعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدنا محمد عليه السلام فيه:
أولا: ما يضم الإسلام بالمادية التاريخية أي أنه دين وضع لزمن خاص ولأوضاع خاصة وأنه لذلك قد استنفد طاقته، بمرور الزمن، ويعني هذا تصديق قالة أعداء الإسلام المعارضة للفكرة التي نؤمن بها نحن والتي يؤكدها الواقع التاريخي والمعيش، أي أن الإسلام دين صالح لكل زمان ومكان فيه:
ثانيا: تجزئة التشريع إلى ما هو واجب الإنجاز فورا، وما يمكن تأخيره إن لم نقل التساهل فيه ومعنى هذا أن لا إلزامية على المسلمين بالتشريع وأن الدين مجرد تكملة ?أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون على أشد العذاب وما الله بغافل عما يعملون? البقرة: 85.
والإسلام دين الوحدة والتوحيد، ليس من صنع البشر، ولكن من صنع الله الذي أتقن كل شيء، وهو شريعة لا يمكن فضل بعض أجزائها عن بعض، ولذلك فهو إما أن يؤخذ كله، بتشريعاته ونظمه وقوانينه الجزائية: الثواب والعقاب، وبحياتيه: هذه التي على الأرض، وتلك المنتظرة يوم الديمومة وبعد الحساب، وإما أن لا يكون إسلام ولا شريعة، لأن خالق الإنسان وباعث الرسل الذين آخرهم سيدنا محمد عليه السلام، ولم يترك الشريعة ناقصة أو مبثورة، ولم يترك لممن أسلم وجهه له حرية التخلي عن شريعته التي اختارها له هو بنفسه.
واتهام كل من يصر على تطبيق الشريعة بالغيرة على الإسلام دون بقية الناس اتهام باطل، ذلك لأن غيرة الغيورين لا تعني أكثر من إيمانهم بوجوب التمسك بفكرة ضرورة تطبيق هذه الشريعة ما أمكن، لصلاح معاش الناس ومعادهم. أما المضي مع الآخرين – ولو على حسا تفتيت الشريعة – لمجرد أن يقال إننا تقدميون وإننا نساير ركب الدول المتمدينة المعاصرة، فهذا شيء لا نستيغه، حتى وإن كنا – أمام صولة الباطل – لا نستطيع إعاقته عمليا.
يم يجب أن لا ننسى أنه بفضل (جمود) أولئك الغيورين على تطبيق الشريعة الإسلامية: طليا وجزئيا، استطاعت شعلة المقاومة للتيارات الهدامة أن تستمر مشتعلة وقادة متوثبة جذلى في كل الفترات المدلهمة من تاريخ الإسلام منذ ظهوره إلى الآن.
ثم ماذا حققت النظم البنكية في أوروبا نفسها مما علق عليها من آمال وأحلام؟ سوى أن حولت الحياة إلى سعار وتكالب على المال من أجل تكديسه فحسب، ومنعه من التداول إلا بين مالكيه ليخضعوا به رقاب عباد الله لما تمليه عليهم أنانيتهم، وهل استطاعت أن تقضي على الفقر كما يزعم أصحابها؟ وهل استطاعت أو تمكنت من تحقيق الجنة الاقتصادية التي ما انفك أنصارها يعدون بها؟
إن أغنى دول العالم أبناكا، ومن توجد على قائمة النظام البنكي الرأسمالي الذي يعتمد النظريات البنكية المتطورة جدا، والتقنية جدا، والمتقدمة جدا، يشكو ممن الاحتياج، وسوء النظام النقدي العالمي، ومن التضخم، ومن كل ما ينشأ عن عدم تطبيق النظريات الإسلامية في كل مرافق الحياة: سياسة واجتماعية واقتصادية، بل ويشكو من تفاقم ديونه المتراكمة والمتضاعفة على الدوام ونحن – البلاد الإسلامية – التي أصر ويضر بعض مغتربيها أن يحولونا إلى النظام الأوروبي حتى لا نتهم بالتخلف ولا نوسم بالتحجر والجمود، هل قدرنا أن نقف على سوقنا؟ أو أن نتفصى من هذه التبيعة الاقتصادية للغرب وأمريكا، بل وللروس في كل شيء حتى في غذائنا؟ بعد أن طبقنا هذه النظم البنكية؟
ولهذا فهؤلاء الدعاة إلى تطبيق الشريعة كاملة، ودفعة واحدة، يصدرون في مواقفهم عن الإيمان بأن الإسلام – ونكرر هذا – وحدة واحدة متكاملة لا يمكن تجزئتها إلى شراح (ساندويشات) أو جرعات دواء تعطى للمريض على مراحل وفترات، لأن الطبيب الذي ركب الدواء، ووضع أسسه ونظمه – في الشريعة الإسلامية – هو الله، وما كان الله، ولا كان رسوله المعصوم من الخطأ في العقائد والأصول، أن يصدر عنهما ما يحتمل الخطأ سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا.
رابعا: يلاحظ أن الدكتور (أباظة) تحاشى التعريج على تقييم التجربة القائمة في هذه البنوك الإسلامية، فلم يفصح عما إذا كانت صالحة بكلتيها، أو – على الأقل – ما هي الجوانب الصالحة فيها والموجبة وتلك السالبة فيها والفاسدة أو الضارة، مما يشعر – أن لم يؤكد – بأنه هو نفسه يشعر بتجافي التجربة القائمة على الأسس والأهداف التي حاول أولئك الدعاة للبنوط الإسلامية توفيرها....
والقول بأن المصارف الحديثة لم تكن معروفة زمن نزول القرآن كما هي الآن في حالتها الحاضرة ووفقا لقوانينها العالمية، وإن حاجات الناس ومصالحهم في أمور الحياة لا تتم إلا بها – من بنود محكمة النقص بأبوظبي (الشرق الأوسط) عدد /1907/ص/1 العمود الثالث فيه.
أولا: أنه إنكار لواقع تاريخي معلوم بالضرورة، فإن الإسلام لما جاء كانت مكة والجزيرة العربية مرتكسة في التعامل بالربا وكانت مكة خزانا عظيما للتجارة العالمية، وكان من أبرز الأسباب التي حملت عتاة قريش على محاربة الإسلام هي بدعوة المحافظة على أوضاعها الاقتصادية المزدهرة إذ كانت ترفل فيه من رفاه لأن غيرها قد يستمر على إشراكه فيعمل على تقويض مركزها التجاري، ومع ذلك لم يقف الإسلام مستسلما أمام الوضع القائم وإنما حاربه ولإعطاء المثل بدأ صلى الله عليه وسلم بتحريم ربا عمه العباس وعندما تبين أولئك القرشيون أن الإسلام لم يأت لتحطيم ما ينعمون به في رخاء وإنما جاء ليضع له الأسس الكفيلة بإبقائه ومنحه المشروعية الإلهية، بتصحيح مساره وإبعاد كل ما من شأنه أن يجهل هذا الازدهار مؤقتا بالدنيا أو سببا لفاقة آخرين أو عوزهم، استجابوا لله وللرسول ولما يحييهم فكانوا عصب الحركة الإسلامية في العالم كما يقول الدكتور (أباظة) نفسه...فآمن أولئك العرب بالإسلام وطبقوه عمليا بكلياته وجزئياته، ثم فيه:
ثانيا: أنه إنما يصح ذلك الزعم أن لو كان محمد عليه السلام هو المشرع من عندياته وبدون وحي من الله، إذن لجاز لغير الغيورين أن يقولوا إن الظروف المستجدة في العصر الذي نحيا أحداثه هي غير تلك التي كانت لعهده صلى الله عليه وسلم، حيث كان يخطط ويشرع ويضع القوانين في عرف هؤلاء، لخصوص عهده ومجتمعه وزمانه، ومكانه، مما يعني أن تشريعاته (الوضعية) لم تكن تستهدف – الإنسان في كل إبعاده والدنيا الحياة والمعاشي والمعاد – ولا شك أن قالة من هذا القبيل في محل المنع، ولا يمكن أن تصدر عمن يؤمن بالإسلام لأنها ستنهي بقائلها إلى أن الإسلام ظاهرة تاريخية محددة – كما قلنا قبل – وليست صالحة لكل زمان ومكان وأنها ليست للناس كافة، ولكن الواقع أن محمدا عليه السلام ما كان يقول شيئا من عندياته إلى أن يكون تبيينا أو توضيحا أو تفسير لما نزل عليه من الوحي، ومن هنا أصر القرآن على أنه مجرد مبلغ (إنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد) آل عمران:20/ ?إن عليك إلا البلاغ? الشورى: 48 ?قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل لي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحي إلي، وما أنا إلا نذير مبين? الأحقاف: 9 ولكن الواقع أيضا – وفي معتقد المسلمين – أن الإسلام جاء للناس كافة وجاء رحمة لهم ?وما أرسلناك إلى رحمة للعالمين? الأنبياء: 107 ?وما أرسلناك إلا كافة للناس بشرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون? سبأ: 28، ثم أن منزل الكتاب سبحانه وتعالى – وهو خالق الزمان والمكان وما فيهما – ولا تاريخ له لا ماضيا ولا وحاضرا ولا مستقبلاـ إذ الزمن في حكم الله واحد، كله حاضر، ما كان لينسى ويشرع ما لا يتساوق وفترة زمانية ما، أو لا يتفق وما يصلح للإنسان ?أيحسب الإنسان أن يترك سدى? مع تأكيده سبحانه وتعالى بأن محمدا صلى الله عليه وسلم هو خاتم الرسل والأنبياء، وأن الإسلام هو خاتمة الرسالات السماوية، ثم هو سبحانه – قبل وبعد أعلم بمصالح عباده وحاجياتهم، ولم يكن القرآن ينزل لتبرير أعمال الناس، مهما تكن هذه الأعمال صالحة أو طالحة، بقدر ما كان ينزل توجيها لما ينبغي أن يأتيه هؤلاء الناس أو يذروه، ثم كان هذا القرآن في النهاية الدستور الذي قال منزله: ?لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد? وقال: ?اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا? وقال: ?من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه? وقال: ?إن الدين عند الله الإسلام?.
وبعد فنستسمح الدكتور (أباظة) أن نهمس في أذنيه بأن مركزه العلمي ما كان يسمح له أن يستعمل تلك اللغة التي استعملها في تعقيبه، لقد كانت لغة انفعالية، وإن كنا نحن نوافقه على ما ذكره من موقف جريدة (الشرق الأوسط) فيما بخص إعلامها إغلاق البحث في الموضوع، فمثل هذا الموقف من مثلها تعسف لا مبرر له، ولا يليق، بها كمؤسسة تحترم نفسها وقراءها ولذا نود مخلصين أن تتبرأ منه، وتعيد فتح صدرها لنشر المزيد من النقاش البناء لمن يريد أن يدلي بدلوه في الموضوع، على أن يبتعد عن الأساليب الاستعراضية والمتشنجة.
وللدكتور (أباظة) منا عظيم التقدير والاحترام، مع الوعد بالعودة إلى الموضوع لتحليل الفكرة الأساسية التي قامت عليها حلية البنوك الإسلامية، أي (مبدأ المرابحة) في المذهب المالكي.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here