islamaumaroc

جزيرة بادس واحتلالها الجائر

  الحاج أحمد البوعياشي

العدد 251 ذي الحجة 1405- غشت 1985

ان جزيرة بادس التي نلقي الأضواء في شأنها بمناسبة إعلان المغرب المطالبة باستردادها إلى حضرة الوطن ضمن الجيوب الشمالية الآخر: سبتة، ونكور، ومليلية، والجزر الجعفارية.
وبالطبع، فإن هذه الجزيرة التي كانت تصاقب مدينة الصلاح والعلم بادس التاريخية والتي كانت ملجأ طبيعيا ترسو بجدرانها السفن والزوارق التي تقصد المدينة للأغراض المختلفة، أن يكون بها اهتمام خاص، كما أنها كانت ملجأ لسكان المدينة المصاقبة عندما يداهمهم عدو بريا، يعتصمون بها إلى أن ينجلي المد لهم.
إذا كانت الفترات التي نكب فيها الأندلس، عرفت القرصنة البحرية العالمية، وتجوب هذه الشواطئ فإنه بالطبع ازدادت أهمية الجزر الشاطئية، لأنها تكون مرساة سفن القرصنة.
فقد تجلى التهافت على هذه الجزر منذ أن قامت الدولة الوطاسية، التي جعلت همها جماية شواطئ شمال المغرب ومن ضمنها طرد البرتغال من سواحله، فكافحت ضده في البلاد الهبطية فطردته من مدن أصيلا والعرائش وطنجة.
وقد أدى انهاكهم في طرد هؤلاء الغزاة من هذه الجهة إلى ترك سواحل سوس والجنوب عورة ذلك ما أدى إلى قيام الدولة السعدية الشريفة، فقامت على دعوى حراسة مراسي الجنوب التي تركها الوطاسيون عرضة للاحتلال الأجنبي.
وقد قدر للسعديين أن ينتصروا وتوطدت أركان دولتهم، وتغلب محمد المهدي الملقب بالشيخ إلا أن علاقة هذه الدولة مع جيرانها: أتراك الجزائر لم تكن حسنة، بل تأزمت الأمور بينهم إلى حد بعيد وذلك لأن السعديين يرون أن الأتراك غاضبون إذا استولوا على تركة دولة بني زيان بتلمسان، ويرون أن ذلك الثراث حق مغربي فطالما كان المغرب في عهد المرابطين والموحدين وأوائل المرينيين مسيطرا على تلك الجهة، فتلمسان وجهاتها كانت إقليما من أقاليم المغرب، وذلك ما أدى إلى تنافر كبير بل حرب فالسلطان أبو عبد الله الشيخ هجم على تلمسان عام 957 هـ ودخلها وأجلى عنها الأتراك بينما سليمان القانوني العثماني أرسل بعثة سرية، اغتالت أحد أولاد السلطان محمد الشيخ، ويدعى عبد القادر، وكان وزيرا لأبيه، وعدوا لدودا للأتراك، وكان من الشجاعة بمكان.
ولم يقتصر عمل الأتراك على هذا الاغتيال، بل هيأوا حملة حربية لمساعدة أبي حون الوطاسي فاتح عام 961 ه فاستولى على فاس، إلا أن السلطان السعدي استجمع قواه فرد عادية أبي حون الوطاسي فقتله واسترد فاسا في شوال 961ه (1555م) وقد بقي أبو حسون محتلا لها تسعة أشهر.
ولما لم يحصل الأتراك على مبتغاهم طالبوا من السلطان السعدي تحديد الحدود الشرقية وتعيينها فأوفدوا في أواخر نفس العام من قبلهم الفقيه الصالح أبا عبد الله محمد بن علي الخروبي الطرابلسي، وكان مقيما في الجزائر إلا أنه لم يحصل على طائل، ذلك ما اضطر الأتراك إلى الاعتماد على العمارات البحرية وقرصنتها، فكانت سفنها تجوب شواطئ الشمال، ويحتلون جزيرة بادس كمركز لتهديد المغرب.
على أن الباعث لاحتلالهم هذه الجزيرة لم يكن للتهديد فقط، بل غرضهم كان هو الاستلاء على المغرب أسوة بالجزائر، وقد يكون هو السبب الحقيقي لتأزم الأمور بينهم وبين المغرب وذلك أيضا ما جعل المغرب يبعد خطرهم عم حدوده بمهاجمتهم في تلمسان، لأن الباب العالي التي لا تكاد الشمس تغرب عن ممتلكاته في القارات القديمة يعز عليه أن تستعصى عليه دولة في أقصى المغرب.
وضعية احتلالها
استرعت انتباهي على الخصوص فقرة وردت ف مجلة الوعي الإسلامي عدد: 224 بتاريخ شعبان 1403هـ ماي 1983 التي تصدرها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت الشقيق، ضمن مقال تاريخي هام تحت عنوان: " معركة وادي المخازن" جاء في تلك الفقرة عندما أتى على ذكر الغالب بالله السعدي الذي صب عليه مؤرخ الدولة السعدية جام غضبه.
حيث وصفه "بالتواطؤ مع الكفرة وبخاصة بعد إعادة البريجة للبرتغاليين والتنازل عن ميناء بادس للإسبان.
ولكن لما أن المغرب الآن في معركة سياسية مع الدولة الإسبانية لاسترجاع تلك الشواطئ الشمالية التي لا زالت تحت نير الاحتلال الإسباني فإني أريد أن أعلق على مقال الأستاذ حسن عير أن أحمد طه توضيحا لوضعية احتلال جزيرة بادس (وليس ميناء بادس كما جاء في المقال).
ذلك لو اعترفنا بأن الجزيرة سلمت للإسبان من طرف أي ملك من ملوك الدولة المتعاقبة على المغرب لكان للإسبان أن يتمسكوا بالعقد ولكن الواقع أن الاحتلال كان جائرا وبالقوة وأن المؤرخين المغاربة في إبانه كلهم أنكروا أن يكون الغالب بالله قد سلمها طواعية.
وأنا نجد النص الكامل لواقعة الاحتلال الإسباني في مؤلف " نزهة الحادي في أخبار ملوك القرن الحادي" لابن عبد الله محمد الصغير المراكشي المعروف باليفراني المتوفى ما بين 52-1154 ه (1737) حسبما نقله الناصري في الاستقصاء الذي جاء فيه ذكر بعضهم أن السلطان الغال بالله لما رأي عمارة ترك الجزائر واساطنهم لا ينقطع ترددها على جزر بادس ومرسى طنجة، وتخوف منهم، اتفق مع الطاغية أن يعطيه جزر بادس، ويخليها له من المسلمين، فتنقطع بذلك مادة الترك عن المغرب، ولا يجدون سبيلا إليه فنزل النصارى عن حجز بادس وأخرجوا المسلمين منها ونبشوا قبور الأموات وحرقوها وأهانوا المسلمين كل الإهانة، ولما بلغ خبر نزولهم لولده محمد وكان خليفة علي فاس خرج بجيوشه لإغاثة المسلمين فلما كان بوادي اللبن بلغه استيلاؤهم عليها فرجع وتركها لهم".
ولكن هذا النص لم يعتمده لا اليفراني ولا صاحب الاستقصاء وإنما جلباه لأجل نقصه ورده فقد قال صاحب الاستقصاء عقبه نقلا عن اليفراني " هكذا وجده في ورقة مجهولة المؤلف".
وقال أيضا في صحيفة 55 في نفس الجزء نقلا عن اليفراني موضحا أسباب عدم الاعتماد على النص المذكور ومؤكدا بصراحة أنها أكذوبة على الغالب بالله من أحد خصوم الدولة السعدية فقال معددا مائل قيلت ضده وهي " ومثل ما ذكره بعضهم أن السلطان الغالب بالله أعطى جزر بادس للطاغية لتنقطع بذلك مادة الترك" ومثله ما ذكره عنه أيضا أن قائده بني تودة أخذ أسوار البريجة وعزم على فتحها من الغد فكتب إليه السلطان المذكور ينهاه عن ذلك.
ثم قال أي اليفراني " هذه أمور شنيعة ولست أدخل في عهدتها لأني رأيتها في أوراق مجهولة المؤلف اشتملت على ذم هذه الدولة السعدية وظني أنها من وضع أعدائها لحطهم من قدرهم وإخراجهم من النسب الشريف ووصف دولتهم بالدولة الخبيثة:
ونظرا لكون اليفراني هو المصدر الوحيد الذي نقل ما جاء في الورقة المجهولة فإنه تبرأ منها ونقضها عروة عروة، فلم يبق للكتاب أيا كانوا أن يعتمدوا نصا مردودا أساسا لكونه لم يستند إلا على ورقة كجهولة في موضوع خطير كتفويت السيادة على جزء من الوطن خصوصا وأن القضية قضية وطنية هامة تخص الوحدة الترابية فالواجب يقضي باليقضة في إصدار الرأي المخالف لمصالح البلاد ذلك أن الثابت تاريخيا أن الجزيرة كانت محل صراع بين قراصنة الأتراك وقراصنة الإسبان للاستيلاء عليها لمكانها الاستراتيجي الحربي ولأن مدينة بادس التي بإزاء الجزيرة كانت مرفأ لفاس وتازة وهي صلة الوصل بينهما وبين الأندلس عندما احتله الإسبان زمن الغالب بالله السعدي بعدما هجموها بأسطول مكون من 92 سفينة حربية إسبانية وبرتغالية تجر جيشا ضخما من مرتزقة الألمان والصقليين والطليان، وزيادة على الإسبان والبرتغال وامتنع الغالب بالله من الاعتراف بالأمر الواقع بعقد معاهدة مع الإسبان لشرعية الاحتلال، وللاستدلال على ذلك ننقل هنا ما جاء ف السلسلة الأولى السعدونية، ل.ث. صفحات 15-63-141-151 وج. ل. ص. 263 فقد جاء ملخص الجميع، أنه "تكررت الحملات مرات متعددة فكانت قراصنة الإسبان من مليلية يغيرون عليها بينما قراصنة الجزائر "الأتراك" يتخدونها مقرا لهجومهم على سواحل الأندلس لاقتناص السفن المتوجهة إلى الهند يعاونهم في ذلك قراصنة تطوات والعرائش وكانت قراصنة مليلية يؤدون لملك إسبانيا خمس أسلابهم ولولائهم كانوا يحملون إلى اسبانيا والبرتغال سنويا أزيد من مليون من العملة الذهبية.
وكان الجند الريفي يتصدى للإسبان الذين يحتلون جزيرة بادس وقد طردوهم منها عام 929 ه وبقي الوطاسي أبو حسون ثم السعديون مالكين لبادس إلى عام 1554 (961-962ه ) حيث احتلها الأتراك نحوا من عشر سنوات ثم استرجعها الإسبان، وهدموا مدينة بادس فتخربت واحتفظوا بجزيرتها معززين ب 92 سفينة برتغالية وإسبانية مع جنود مرتزقة من الألمان والصقليين والإيطالين ثم استرجعها الأتراك، وقد رفض السلطان إمضاء معاهدة للاعتراف بالأمر الواقع، ووجه قائدين لاسترجاع الحصن".
وعليه فإن النصوص التاريخية العربية ضد القول بأن أية سلطة مغربية قد فوتت الجزيرة إلى الإسبان ولا يمكن تزكية استيلائهم عليها بطرق الاتفاق أو المعاهدة السرية أو العلانية، وإنما احتلالهم إياها هي من سلسلة الاعتداءات الإسبانية على الشواطئ المغربية في ذلك التاريخ، وياما أكثر ما ردت على أعقابها تجر أذيال الهزائم، ولم يغنها أنها تمسكت بكل ناعق مغامر ينقم على الدولة المغربية، مثلما فعلت مع الشيخ المأمون بن أحمد المنصور الذي فر أمام أخيه السلطان زيدان إلى إسبانيا حيث استعان بملكها ليغزو المغرب مدعيا الأحقية بالملك من أخيه، واستجابت إسبانيا لمطلبه "مسرة حوا في ارتغاء" كما يقول المثل وطلبت منه أن يمكنها من العرائش بعد إخلائها من المغاربة فجاء أي المأمون يجر من ورائه خراب وطنه في سفن الأعداء، فنزل بجزيرة بادس ثم ارتحل إلى القصر الكبير وأمر أحد قواده بإخلاء العرائش وتمكينها من الأعداء، وقد يكون الإسبان عرجوا عن جزيرة بادس لتزكية احتلالهم بوجود هذا الناعق الذي يرومون من استعماله دمية في يدهم لأغراض مدسوسة.
ولكن لا هذا الناعق ولا الجيش الإسباني استوفى مراده، فالشيخ المامون قتل بفج الفرس ما بين تطوات وطنجة بتاريخ 1022 على يد المقدم أبي الليف (الاستقصاء ج. 6. ص. 22) وتركت جثته في الخلاء طعمة للغربان، والجيش الإسباني رجع مفلولا من حيث أتى، فلم تكن هناك تزكية ولم يكن هناك خلود في العرائش بفضل صمود المغاربة أمام المغيرين.
وعلى كل فإن الإسبان احتلوا أول ما احتلوها عام 914 ه (1508م) وبنوها وحصنوها وكان أول ما احتلها الربان " بيد رونافارو" بدعوى مراقبة السفن التي كانت تأتي من البندقية للإغارة على سواحل إسبانيا ضمانا لتجارتها التي تسوقها إلى مرسى بادس كل سنة وكان الاحتلال بواسطة قوة " لارمادة" وأقام عليها رئيسا هو " خوان دى قيالولس " إلى سنة 1522 حيث انتزعها الأتراك من أيديهم بعد هجوم عليها من طرف جنود ألبسوا لباس الإسبان فظن هؤلاء أن إغاثة أرسلت إليهم من دولتهم حتى إذا تمكن الأتراك من الجزيرة أسروا الحامية الإسبانية.
ومن هنا بدا التنافس الشديد على احتلالها بين الأتراك والإسبان وكلاهما أجنبيان عن المغرب، كانت سفن الأتراك بقيادة خير الدين برباروس تجوب عباب البحر المتوسط مترصدة تحركات الأسطول الإسباني في تلك المياه.
وعندما تمكن الإسبان من الاستيلاء على الجزيرة للمرة الثانية، طردوا منها الحامية التركية مخلفة هناك 21 مدفعا تركيا جاءت قوة صالح الرائس التركي حاكم الجزائر سنة 1555 فهجمت الجزيرة ودكت تحصيناتها ثم استولت عليها في عهد أبي حسون الوطاسي، الذي بانقضاء عهده انقضى عهد الوطاسيين ولمع نجم السعديين حيث تمكن السلطان محمد الشيخ من تأسيس الدولة الجديدة وكان لزاما أن يقطع الطريق عن الأسطول التركي أعداء الدولة الفتية والمؤازرين للوطاسي أبي حسون مؤازرة سافرة.
وفي خضم أحداث كثيرة جرت بين السعديين والأتراك سواء أيام محمد الشيخ أو خلفه الغالب بالله حيث تصعدت تلك الأحداث إلى معارك وجها لوجه سنة 1557م إذ تحرك الأتراك بجيوش جرارة لاحتلال فاس فالتقت بهم جيوش الغالب بالله بوادي اللبن فكانت الهزيمة على الأتراك وفروا متحصنين في جزيرة بادس وكانت تحت أيديهم.
وفي سنة 1564م جهز فيليب الثاني أسطولا بحريا صليبيا يتكون من 92 سفينة حربية محملة على ظهرها قوة كبيرة خليطة من الإسبان والطليان والألمان والبرتغال والإنجليز بقيادة الجنرال " غرسيا طولور " ففاجأت هذه القوة حامية الأتراك في الجزيرة وحاصرتها. ثم سقطت في يد الإسبان في غشت 1566م ومن هذا التاريخ وهم يحتلونها احتلالا جائرا غير مبني على أي اتفاق من طرف سلاطين المغرب كما أسلفنا.
وكان الغرض من هذا الاحتلال، أمرين اثنين أولا: قطع الطريق عن الأسطول التركي الذي أقض مضجع الأسطول الإسباني، وذلك حتى لا يجد الأسطول التركي ملجأ إليه على شواطئ الشمال وقد عمد الأسطول الإسباني أن يسد في وجه الأتراك كل ملجأ ومن ذلك ما قام به من سد مصب وادي مرتيل بإغراق خمس سفن محملة بالأحجار والجير في مدخل الوادي، لأنه بعد احتلالهم لمليلية والنكور وبادس وسبتة، لم يبق مفتوحا إلا وادي مرتيل الذي كان يكون ذلتا ترسو فيها السفن فرارا من العواصف وللتزود بالمواد الضرورية، وكانت السفن تدخل الوادي إلى تامودة بضواحي تطوان.
وقد جرت مشاورة في ذلك بين قائد أسطول البوغاز "دوق الفارودي بانان " وبين ملك إسبانيا فليب الثاني وكان إغلاق المدخل في يوم 9 مارس 965.
ومن ذلك التاريخ أصبح مصب الوادي لا يصلح للملاحة لوجود تلك السفن في قعر الوادي تتجمع عليها الرسوب الذي يجرفها الماء من الجبال.
ومن ذلك التاريخ والإسبان يقبعون في تلك الجزيرة رغم أن الاستراتيجية الحربية العالمية قد تغيرت ولم يبق أي مطمع لإسبانيا في تعكير جو المغرب بواسطة هذه الأسافين.
وعلى العكس، فإن الاستراتيجية الاقتصادية التي حلت محل الاستراتيجية الحربية لا تجد لها أي مبرر لهذا الاحتلال، بل يعتبر حملا ثقيلا على الدولة الإسبانية من هذه الناحية التي يئن العالم ومن ضمنها إسبانيا تحت وطأتها.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here