islamaumaroc

عشرون غشت 1953 شمولية الحسم في مضمون المنعطف التاريخي الكبير

  المهدي البرجالي

العدد 251 ذي الحجة 1405- غشت 1985

أيام التاريخ – من منظور رصدنا لمدى أهمية الوقائع والتطورات المحملة بها، منها ما يمكن اعتباره عاديا وشبه عادي، ومنها ما يبدو على العكس من ذلك متميزا بصورة تقل أو تكثر – عن الأيام غيره، ومثل هذه الأيام المتميزة بما يقترن بها من أحداث وتحولات، تكون أساسا لتغيير مجرى التاريخ، وتكييف حقائق الحياة من خلاله بكيف معين، هي ما يوصف عند المؤرخين عادة بالأيام الحاسمة أو الفاضلة، أو نحو هذا مما يودن بمعنى كون اليوم من هذا القبيل هو بمثابة علامة فارقة، بين ما قبله من وقائع الناس والحياة، وما بعده من هذه الوقائع، ومن هنا تبدو أيام الحسم أو الفصل هذه، على أنها ليست كغيرها من الأيام، أولا لموقعها – كمنعطف تتغير به الصورة في تسلسل مجرة التاريخ، وتنبثق من خلاله حقائق، وتقوم توازنات ومعادلات جديدة، وتتبلور ظروف يتخذ بها المسار التاريخي أوضاعا مختلفة كل الاختلاف مضمونا وملابسات ومترتبات وما إلى ذلك، وثانيا لدور الأيام الحاسمة في ميكانيكية التطور الذي يتم به الانعطاف من هذا المعنى، حيث يستقطب اليوم الحاسم نتائج التراكم التدريجي الذي يصل قبله فغي الوقائع والأحداث خلال حقبة من الزمن، ويتأهل – من ثم – لترجمة ما استوعبه من كل ذلك، في شكل حسم تاريخي، محفوز بحوافز التراكمات التاريخية قبله، وحتمية الانتقال – عبر هذه المتراكمات – إلى وجهة جديدة، وفصول جديدة من كتاب الحياة الكبير، المتغير أبوابا وفصولا.
وتتضافر عوامل مختلفة في محيط الزمان أو المكان، لجعل بيئة من البيآت، مجالا مرشحا أكثر من غيره، لاستيعاب متغيرات التاريخ، والتفاعل معها، والإسهام في إثراء ديناميتها، مما يتوافر به ومعه أرضية وموجبات للحسم في مجرى الحوادث والتحولات التي يطرحها الصراع الدائم في ساحة الحياة، وبما بغني – بالتبعية لذلك – تاريخ البيئة المعنية، برصيد من الأيام الاستثنائية بهذا المقياس.
وإذا تحدث المرء بصدد هذا، عن ملابسات الزمان أو المكان في إفراز التوجهات التاريخية التي تتكاثف على إيقاع الحسم، ضمن إطار منطقة من المناطق، فإن العامل البشري، عامل القوة الروحية والوجدانية الفكرية التي يثرى بها المناخ الاجتماعي والحضاري في المنطقة المعنية، لذو شأن محوري وأساسي في مجمل التفاعلات التي ينبثق عن تداخلاتها، وتفجر طاقتها فعل الحسم؛ وبمتعين هذه الصفة المحورية لموقع الإنسان في هذا السياق، فإن مسار الحسم في حلقات التسلسل التاريخي، ترتبط ارتباطا صميميا بالنشاط البشري واتجاهاته وبالمؤثرات الناتجة عنه، وهو ارتباط، يشمل منطلقات الحسم – إذا ما توفرت ظروف حصوله – كما يشمل موضع هذا الحسم، ونتائجه وانعكاساته في آمادها المختلفة.
واتصالا بهذا، ما يظهر واضحا من أن الشعوب – في قديم أو في حديث – ليست لها جميعا – فيما يعكسه التاريخ منم صور عن نشاطاتها – سجل متماثل في أهميته على صعيد الفعل والتأثير – فكريا أو ثقافيا أو حضاريا أو سياسيا، المؤهلين للإسهام في تسير موجبات وعوامل الحسم التاريخي: فأرصدة المجموعات البشرية في هذا المضمار، متفاوتة الكم والكيف، لتفاوت ظروف هذه المجموعات والملابسات المحبطة بها، واختلاف قابليتها لاحتواء التيارات التاريخية، وتباين قدراتها على الاضطلاع بالتحملات الجسيمة، التي تقتضي منها – ضمن هذا الاحتواء – المشاركة في تسريع وتيرة الحتميات المؤدية للحسم، وتفجير التراكمات التي تكمن فيها دينامية تفجيره، واستيعاب الآفاق والمنطلقات التي تنفتح بالضرورة – كنتيجة له.
والتاريخ المغربي – منظورا إليه من زاوية هذا الاعتبار – لذو رصيد هام – بكل المعايير – تبعا لديناميكية البلاد التي ينتمي إليها هذا التاريخ، وتفاعلاتها البعيدة جذورا في خلال الحقب التي عاشتها مؤثرة في المحيط الجهوي أو الإقليمي أو القاري المرتبطة به، ومتأثرة في نفس السياق بهذا المحيط، فعبر الدور الذي أخذه المغربي على عاتقه بالأندلس وإفريقيا على مدى قورن، ومن خلال موقعه في ساحات المواجهة المبكرة التي طرحها السياق التاريخي عليه، المواجهة مع طلائع الاستعمار الأوروبي التي أفرزت موقعة وادي المخازن، تبلورت معالم أيام حاسمة يعتبر بعضها من أيام التاريخ الكبيرة على صعيد عالمي، ومن المعارك الفاصلة في تاريخ الإسلام، وهي أيام طبعت بحجم مضمونها، ومؤثراتها، وانعكاساتها – صورة التاريخ المغربي على مدى كبير، وأضفت عليه ملابسات نوعية عديدة بها وزنها في مجال تقييمه، واستجلاء مكانته في السياق العام للحياة الدولية أثناء العصر الوسيط وماتلاه: ولقد كان يوم 20 غشت 1953، حيث انطلقت ثورة الملك والشعب انطلاقتها الفاصلة في مجرى الصراع مع الاستعمار – من بين أكثر هذه المعالم مرموقية في سجل قدرة المغرب الحديث على الحسم التاريخي، وإبداعية الروح الحافزة له في هذا المجال ! وبعد حوالي ما ينيف على ربع قرن، كانت المسيرة الخضراء، التي تندرج في نفس المساق النضالي التحرري للمغرب، والتي أضافت بطبيعة الحال، إلى التراث المغربي في مضمار العمل الحاسم – تاريخيا – على مستوى أعلى، إشهادا جديدا، ورائدا بقدر كبير في منطلقاته الفلسفية والمنهجية، وفي محتواه وتأثيراته.
والحسم الذي سجل انطلاقته يوم 20 غشت 1953، وكان بحكم موقعه في مسار المواجهة المغربية للوضع الاستعماري، وباعتبار النوعية الخاصة والمثيرة جدا المتعلقة بالتحدي الذي حصل خلاله ضد المغرب نظاما وسيادة وكرامة وطنية، كان بحكم ذلك كله، حسما شموليا في صورته ومعناه وفي إبعاده وملابساته على أكثر من صعيد؛ لقد كان في مؤشراته الدلالية هذه، حسما نضاليا وقوميا، مثلما كان حسما تاريخيا وحضاريا، وليس من قبيل مجرد التنويع اللفظي، إيراد هذه النعوت، وإنما القصد، للإشارة إلى سعة المجال الذي استغرقه مدلول هذا الحسم، وهو مصداقه صفة الشمولية التي استحق أن تطلق عليه، ففيما ينم عنه المدلول النضالي بصدد هذا الطرح، فقد كان يوم 20 غشت، نقطة عبور متميزة كاملا وفاصلا بين مختلف المراحل النضالية السابقة، وبين المرحلة الجديدة، والتي كان ذلك اليوم، مستهل الدخول فيها، والنفوذ منها – عبر تصعيد نضالي رائد وإبداعي، إلى الهدف الكبير، وضغط مسافات الزمن واختزالها في اتجاه بلوغه، وهذا التصعيد – ويم 20 غشت منطلقة وحافزه وشاهده – كان تصعيدا كميا وكيفيا في نفس الحال، وبالنتيجة، فإن الأوضاع النضالية المتولدة عنه، ومكامن القوى التي أطلقتها، وما أفرزه من معادلات جديدة على مسرح المواجهة بين ثورة الملك والشعب، وبين الوجود الدخيل في البلاد، كل ذلك قد أهل المرحلة الجديدة المنطلقة ذلك اليوم لتكون الاكتمال الأقصى لمسلسل المراحل السالفة، لتكون تتويجا نهائيا لتلك المراحل، وتجسيدا كثيفا لشتى مضامينها الفعلية والدلالية.
وفيما يعير عنه المدلول القومي للحسم يوم 20 غشت 1953، فإن المنطلق الذي صنع المسار النضالي الجديد ذلك اليوم، كان قاعدة بعث وطني جديد، أشد حرارة في حوافزه الفكرية والوجدانية، وأكثر تركيزا في استمدادته منن المثل والقيم التي ألهمت دوما إرادة النضال القومي المغربي، ضد التدخلات الخارجية، لقد كان هذا الوجه الجديد في التحفز الوطني بالبلاد، جذريا وحاسما أكثر من أي وقت مضى، قدر ما كان التطاول الاستعماري في يوم 20 غشت 1953، عنيفا حاقدا فيما ينطوي عليه منم تحد لا يطاق للكيان وللمصير المغربي، كان هذا التطاول الذي فجر المرحلة الفاصلة من ثورة الملك والشعب، يعني في ضمير الشعب وفي أعمق أغوار شعوره، أن المغرب كوطن، وكدولة، وكتاريخ، وكحضارة قد غدا في مهب الرياح، وإن التهديد الذي يواجه على هذا الصورة، الكيان المغربي، تهديد مصيري وكاسح بالمعنى المطلق لوصف من هذا القبيل، ومن ثم كانت قد تجمعت في أفق المواجهة مع الاستعمار، كل العوامل المتضافرة – فكريا وسيكولوجيا وغيره – على تعميق حدة التصادم الأقصى، الذي كان مجاله قد فتح على مصراعيه، التصادم والحاسم بين النزعة التسلطية للدخيل، وبين إحساس وطني عارم، الإحساس المغربي بمصيرية المعركة، وجوهرية ارتباطها – موضوعا ومسارا – بما يمثله المغرب، وما يتشبث به، وما يحرص عليه، وما يصبو إليه، وتحدوه كل الدواعي للاستبسال والتفاني، والتحمل اللامحدود في الدفاع عنه وصيانته، وما كان استشفاف للمدلول القومي للمعركة، استشفاف في مثل هذا العمق، وبعد الغور، الا أن يستقطب في محتواه كل مضامين القومية الوطنية دفعة واحدة، وبكل أبعادها تحريرا وتوحيدا، وإجلاء لمختلف مظاهر التواجد الأجنبي المتناقض مع سيادة الكيان وحريته وتكامل حوزته، وعلى هذا شكل التصعيد الذي اضطلعت به ثورة الملك والشعب غداة التطاول على العرش في 20 غشت 1953 صورة كانت – بالضرورة – ردا على سلسلة التحديات كلها، التي وجهت إلى المغرب منذ 1912 إلى ذلك اليوم،و كان الرد بشكله المركز ذلك، في مستوى المقدرة على استيعاب الأهداف المرتبطة بالقضية التي دار حولها الصراع على مدى أكثر من أربعة عقود، وكفيلا بحل العقد والإشكاليات التي لابست ذلك الصراع، واكتنفت أجواءه من خلال المنعرجات الكثيرة التي مرت بها أشواطه، وبالنتيجة، كانت العودة الملكية من المنفى إلى أرض الوطن، مقرونة بعودة فورية للاستقلال والتحام الشمال بالجنوب الذي أفضى فيما بعد إلى استكمال وحدة التراب، كما تضمن هذا التطور التاريخي في فترات لاحقة، جلاء قوى الاحتلال، وتحرير مرافق الحياة الوطنية وفعالياتها من الهيمنة الأجنبية، وإنشاء الهياكل والبنيات اللازمة لممارسة السيادة، وربط العلاقات الخارجية في مستوياتها المختلفة.
ولقد كان الحسم الذي أنجزته بأبعاده القومية هذه، انطلاقة غشت 195ذا أبعاد تاريخية كذلك، إبعاد ترى من زوايا تقدير مختلفة، ومكمن هذا الاعتبار الخاص، للمداخلات التاريخية للحدث، يرجع – فيما يرجع له – إلى موقع الكيان المغربي في الأوضاع الدولية التي كانت قائمة، قبل أن يتعرض للاحتلال، وإلى الملابسات النوعية التي أثارتها حيثيته هذه، (ي سياق الظروف التي وقع فيها استعماره، ثم إلى ما يعنيه الأمر من وجهة النظر للأحوال المترتبة عن مقاومته للمستعمرين وتحرره من هيمنتهم.
لقد كان التسلط الاستعماري على المغرب، تسلطا على دولة كاملة السيادة، وذات حضور فعلي ومؤثر – على شتى المستويات – في حظيرة الأسرة الدولية ساعتئذ، وبذلك كان أمر هذه البلاد حين احتلالها، مختلفا عن عدد من المناطق الإفريقية والأسيوية التي لم يكن لها من مقومات الدول بعض ما كان له، ومن ثم، فقد كان الكيان المغربي من آخر الكيانات التي وقع استعمارها في غمرة الموجة الأمبريالية التي عمت معظم العالم في خلال القرون الأخيرة، وبالنظر للأهمية الخاصة للمغرب – من حيث إمكانياته الموقعية (استراتيجية ومواصلاتية) أو بحسبان مقدراته الطبيعية وغيرها، فإن المنافسات الاستعمارية للسيطرة عليه، استمرت – لأمد طويل – مدعاة لصراعات وأزمات دولية واسعة النطاق، كان من جرائها، أن شاركت دول عديدة (باعتبار طنجة) في بسط نفوذها عليه، وتعرض – بهذا الصدد – إلى تجزئة ترابية، لم يتعرض لمثلها غيره، كما لم يكابد غيره كذلك من اختلاف وتباين الأوضاع الاستعمارية التي أخضعت لها أقاليمه من قبل المحتلين لها في شماله وجنوبه.
وإذا كان هذا الوضع، قد انعكس على المغرب في شكل طرح تحملات شديدة عليه بصدد سعيه للاستقلال، حيث كان مطلوبا منه – طوال عقود – ممارسة الكفاح التحرري على عدة جبهات في الوسط وفي أقاصي الشمال وفي الجنوب وأقاصي الجنوب في الوسط وفي أقاصي الشمال وفي الجنوب وأقاصي الجنوب، فإنه – على أي حال – قد استطاع – عبر استرجاعه لاستقلاله – أن ينجز حسما طلائعيا، وعميق المغزى على صعيد التاريخ، الذي زخرت فصول كثيرة منه – فيما بين أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن – بصور المناورات الدولية حول هذا البلد، وقصص التقسيمات الاستعمارية التي مورست ضد وحدة ترابه، والتي ارتبطت بسياسة قوامها تقليص الدول التقليدي للمغرب في المنطقة، وفصمه عن جذوره الموصولة لأفاق إفريقيا السوداء، وبموجب هذا الحسم، طويت صفحة كاملة ومثيرة من صفحات هذه السياسة الاستعمارية ذات الطابع الخاص بشمال غرب إفريقيا وهي سياسة كان هدفها المركزي، المغرب، كما ذكر وتتصل بما كانت تتبناه الرؤية الامبرايالية آنئذ من تطويق الكيان المغربي، وبعثرة مجرى التفاعل الثقافي والفكري، عن طريق بعثرة التواصل الجغرافي والبشري في مجمل المنطقة، وذلك بالقدر الذي يمكن من عزل الإشعاع العربي الإسلامي عن المحيط الإفريقي الأسود من جهة الغرب، وبحشر في نطاق مقفل، بريق هذا الإشعاع وأطيافه.
ويسترسل بها – بعد هذا – استعراض أبعاد الحسم الذي تم من منطلق عشت 1953 فنلمح في هذا النطاق بعدا مهما آخر في الصورة، هو البعد الحضاري للحسم، والواقع أن الموضوع الحضاري في الصراع مع الاستعمار – ويرتبط هذا الموضوع بأمر الهوية الحضارية وبالتالي الهوية القومية للبلد الواقع استعماره – كان مطروحا باستمرار في جوهر ذلك الصراع وبواعثه، وخلفياته، وفي سياق هذا، درجت العقلية الاستعمارية على اعتبار أن "تأمين" الوجود الدخيل بالبلاد، يجب أن يرتكز على قاعدة مبناها موازاة سياسة الاستيطان الفعلي بسياسة مواكبة ومتممة لها، تتعلق بالاستيطان الحضاري كسيل لمحاولة استبدال مكونات وملامح شخصية المجتمع المستعمر (بالفتح) وإفراغ ركيزته البشرية من مضمونها المتميز، وإذا كان النهج الاستعماري قد اعتمد – على امتداد عقود ن السنين – تكتيكات من هذا القبيل، دون أن يجد مجالا لمركزة أثارها بالقدر المأمول، فإن التفجير الكلي الذي أحدثته ثورة الملك والشعب قد بلور بهذا الصدد حقيقتين أساسيتين، أولاهما: تأكد عبثية المشروع الاستعماري بشأن إمكانية تحويل الانتماء الفكري والحضاري المغربي عن وجهته المرتبطة بجذور نسبه وعراقتها، وثانية هاتين الحقيقتين، اقتران الاستقلال – فور حصوله – بتداعي بناء السياسة التي قام عليها "الاحتلال الحضاري" للمغرب، واستعادة القيم الحضارية الوطنية نصاعتها وفاعليتها – وهي فاعلية حية ومؤثرة – في حظيرة المجتمع المغربي.
على هذا النحو الذي تعرض صورته جملة الأمثلة الآنف ذكرها، بتكامل مظهر الشمولية في دلالات الحسم المائل من خلال الأوضاع التي أحداثها منطلق يوم 20 غشت 1953، في مجال تصحيح مسار التاريخ، وبناء قنواته الجديدة، وهذه الصفة الشمولية للحسم، لم تكن الانتاجات مطابقا لشموليته الجهد النضالي الذي كان أساسا لإنجازه، فبقدر ما كان هذا الجهد جسيما باهظا مكلفا وطويل النفس، ومغمورا بأجواء مفعمة بدواعي المكابدة والمعاناة، بقدر ما كانت قوة الحسم الناتج عن كل ذلك عميقة الوقع، وذات طبيعة جذرية فيما لها من آثار مباشرة على مستوى التحرر الوطني، وانعكاسات أبعد، على الصعيد الإقليمي والقاري وغيره.
عندما انبثقت الانطلاقة التاريخية ليوم 20 غشت 1953، كان الوضع العالمي – ساعتها – شيئا آخر، مختلفا شديد الاختلاف عن صورة العالم كما يعرف اليوم، كان النظام الاستعماري التقليدي لا يزال محتفظا – في أثناء الظرف – بالكثير من مواقعه في إفريقيا أساسا، وفي غيرها ينسب متفاوتة، ولو أنه كان قد انحسر فعلا في عدد من الجهات هنا أو هنالك.وكان ما يدعى اليوم بالعالم الثالث، لا يزال لم يتبلور – بعد في ملامحه السياسية والإيديولوجية الراهنة، المرتبطة بالتسميات المطلقة حاليا عليه  (تسميات العالم النامي مقابل العالم الصناعي أو عالم عدم الانحياز مقابل عالم التكتلات والاحلاف، أو عالم الجنوب، مقابل عالم الشمال أو ما شابه ذلك- وبالفعل، فإن الطروح والمفاهيم التي تعبر عنها هذه التسميات لم تكن قد راحت نطاق النظريات المنعزلة، الضئيلة، تأثير إلى حج بعيد جدا – في السياسة الدولية، وكانت الحرب الباردة بين الشرق والغرب، تكاد تشكل – وذلك مظهر من مظاهر غياب أية مجموعة دولية أو قوى لها اعتبار ما، خارج معسكري القوتين الأعظم – محور الاستقطاب الوحيد في مجال الاهتمامات والمشاغل العالمية، ولم تكن الحال مختلفة عن هذا بصورة لها أهمية، حين حصول المغرب على استقلاله حوالي سنتين وبضع أهشر بعد ذلك، إلا أن التحرر المغربي كان بمثابة موعد مع التاريخ في تطوره الواسع والشامل، الذي انطلق منذ أواسط الخمسينات في اتجاه تصفية النظام الاستعماري، وما اتصل بالأمر، من بروز توازنات ومعادلات دولية جديدة، نتيجة لشمول الاستقلال معظم بلدان العالم، وتغير تركيبة الأمم المتحدة والمنظمات المتفرعة، ونتيجة كذلك، لتبلور رؤى ومعطيات ومضامين مستجدة على مسرح الحياة العالمية في مناحيها السياسية والاقتصادية، وعلى صعيد العلاقات بين الأمم، لقد انحسر الاستعمار عن منطقة المغرب الغربي بالذات، غداة انحساره عن المغرب،و ما أن انقضى بعد ذلك عقد ممن الزمن، حتى كانت أقطار إفريقيا السوداء، قد أصبحت في معظمها دولا مستقلة، ومتعاونة في نطاق رابطة إقليمية تنتظمها، هي منظمة الوحدة الإفريقية قبل أن تتسرب إليها المناوارات  المعروفة، وتعزز وزنه واعتبار الجامعة العربية، بعد انضمام الجناح الغربي للعالم العربي إليها، مع الجناح الشرقي، وأصبح للعالم الإسلامي، منظمة دولية جامعة لشتاته، كان رائدها المغرب بالذات.
• لقد كان المغرب من بين آخر بلدان العالم الثالث، وقوعا تحت وطأة الاستعمار، وفي طليعة الأقطار التي تحررت مبكرا – منه.
• ولهذا التوقيت، التوقيت المبكر لاستقلال المغرب بالنسبة لكثير من البلدان خلافه.
• ثم ولخصوبة إشعاع المثال النضالي المغربي وإلهاميته، ومقدرته – بالتالي – على أن يكون للاحتداء، قدوة موحية لتيارات التحرر بإفريقيا وسواها، وحافزة وهادية.
•لهذا ولغيره، كان انعتاق هذه البلاد من ربقة الاستعمار، إرهاصا مباشرا بتراجع المد الاستعماري تراجعا سريعا وكثيفا في شتى الأنحاء، إفريقية وغير إفريقية.
• ولقد كانت ثورة الملك والشعب، طليعة رائدة في هذا السبيل.
• وكان يوم 20 غشت 1953 موعدا مع التاريخ، تاريخ انطلاقة مرحلة الحسم، في مضمون هذا المنعطف النضالي الكبير.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here