islamaumaroc

الرسالة الملكية إلى حجاجنا الميامين.

  الحسن الثاني

العدد 251 ذي الحجة 1405- غشت 1985

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين
حجاجنا الميامين،
من السنن الحميدة والتقاليد المرعية التي هدانا الله إليها، ودأبنا على التمسك بها في مثل هذه المناسبة أن نتوجه إليكم بوصفنا أميرا للمؤمنين، وحاميا لحمى الوطن والدين برسالة توجيهية، نذكركم فيها بفضل عبادة الحج، ونبذل لكم ما أناطه الله بنا من واجب النصح وإسداء التوجيه، عملا بقول جدنا الأكرم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: " الدين النصيحة" ولاشك أنكم – معشر الحجاج- تشعرون في هذه اللحظة الثمينة من حياتكم، ونشعر معكم بمنتهى السرور والفرحة، لما خصكم الله به من عناية، وأكرمكم به من سعادة، فيسر لكم في هذا العام أن تؤدوا فريضة الله على عباده بحجة الإسلام، وتمنعوا بوجودكم في ذلك البلد الحرام، الذي جعله الله مبعث الرسول عليه الصلاة والسلام، ومشرق أنوار الإسلام، ومنطلق هداية الإيمان.
وها أنتم اليوم تغادرون أرض الوطن على بركة الله وفي حفظ الله ورعايته، ومشيئته ولطفه، قاصدين تلك البقاع المقدسة بنفوس طيبة، وقلوب سليمة، مليئة بالإيمان والاطمئنان، مفعمة بالشوق ومحبة الرسول وآله عليه الصلاة والسلام، بعدما تجردتم من مشاغل الدنيا وزخرفتها، وتغلبتم على شح النفس وبخلها، وعاطفة الارتباط بالأهل والأولاد ومشاعرها، فسارعتم إلى بذل المال وإنفاقه، وتحمل مشقة السفر وتعبه في سبيل أداء هذه الفريضة الإسلامية لتنالوا البر والرضى، وتبلغوا درجة الصلاح والتقوى، التي هي أحسن ما يتزود به المسلم في الدنيا للحياة الأخرى، ولتكونوا من وفد الله وضوف الرحمان، وحجيجه إلى المسجد الحرام، الذي جعله الله أول بيت وضع للناس لعبادة الله، ومثابة لهم وقبلة وأمنا، فقال: " إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين، فيه آيات بينات، مقام ابراهيم، ومن دخله كان أمنا، ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا".
حجاجنا الميامين،
إن من فضل الله ومنته على بلدنا العزيز أن شرح صدر أهله للإسلام، وفتح قلبهم للإيمان، وسلك بهم المحجة البيضاء، منذ قرون وأجيال وجعلهم جزءا لا يتجزأ من أمة الإسلام التي شهد لها الحق سبحانه بالخير والأفضلية على غيرها من الأمم عندما قال سبحانه: " كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتومنون بالله".
وسيبقى بلدنا بحول الله وقوته ذلك البلد المسلم الأصيل، المتشبث بدينه القويم – المحافظ على أركانه وواجباته، المدافع عن مقدساته وحرماته، المتحلي بمكارمه وفضائله، القائم على تثبيت دعائمه، وصيانة معالمه وإعلاء كلمته، التي قال فيها جل جلاله: " وكلمة الله هي العليا، والله عزيز حكيم"، ولذلكم ما فتئنا نولي عناية خاصة للجانب الروحي لدى المواطنين، ونعطي اهتماما فائقا لشؤون الإسلام بهذا البلد الأمين، وكل ما من شأنه أن ييسر ويساعد على حفظ وإقامة شعائر الدين، ويجعل المغرب في صحوة إسلامية دائمة، ويقظة دينية واعية متزنة ومتبصرة، قائمة على الكتاب العزيز والحديث الشريف والتزام مذهب إمام دار الهجرة الذي هو مذهب أهل السنة والجماعة، إيمانا منا بأنه لن يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها من التمسك بالدين والاعتصام بحبله المتين، عقيدة وسلوكا، شرعة ومنهاجا، وما توجيه هذه الرسالة إليكم إلا مظهر من مظاهر العناية الخاصة التي نوليها لشعائر الدين وشؤون الإسلام والمسلمين.
إنكم- معشر الحجاج- مقبلون على عبادة عظيمة، اعتبرها الإسلام نوعا من الجهاد ورفع مكانتها بين أعمال العباد، لما تقتضيه من صبر ومصابرة، ويقين ومجاهدة، واحتساب لله، تهون معه كل مشقة، وينال به المسلم ذلك الثواب الكبير والأجر العظيم الذي وعد الله به عباده المتقين وأخبرهم به رسوله الصادق الأمين، فقال تعالى: " الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج، وما تفعلوا من خير يعلمه الله، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى"، وقال عليه الصلاة والسلام: من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه"، وقال: " العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة"، وحتى يكون حجكم مقبولا ومبرورا، وسعيكم محمودا ومشكورا، يجب أن تخلصوا لله في هذه العبادة، فإن الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، وأن تحرصوا على اغتنام أوقاتكم في تلك البقاع المقدسة بقضائها في الذكر والعبادة، وحضور الصلاة مع الجماعة، والإكثار من الطواف بالكعبة المشرفة، ومن الدعاء عندها وفي موقف عرفة، وغيرها من مناسك الحج والعمرة فإن الدعاء فيها مستجاب، والرجاء عندها مقبول. قال الله تعالى: " وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود" ، وقال عليه الصلاة والسلام: " خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيؤون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير"، وقال صلى الله عليه وسلم: " الحجاج والعمار وفد الله، إن دعوه أجابهم وإن استغفروه غفر لهم".
حجاجنا الميامين،
تذكروا أن الله سبحانه أمر بالعبادات، وشرع الطاعات لما فيها من إظهار الإيمان بالله والعبودية له، والخضوع له والخشية منه سبحانه، فقال: " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"، ولما تنطوي عليه العبادات من حكم وأسرار تعود بالخير الكثير والنفع العميم على العباد، لما تثمره في القلوب من التقوى، وتهدي إليه من صالح الأعمال.
وفريضة الحج تشتمل على تلك الحكم والأسرار، وتتحقق فيها تلك المعاني والمقاصد، فهي عبادة لله أولا، ثم هي مؤتمر إسلامي عظيم، يتوافد إليه المسلمون من كل حذب وصوب، ويلتقون فيه على صعيد واحد متساوين كأسنان المشط، لا فرق بين عربيهم وعجميهم، ولا بين أبيضهم وأسودهم، إلا بالتقوى والعمل الصالح، ويجتمعون على كلمة واحدة وعبادة واحدة مستشعرين ما يجمعهم ويؤلف بينهم من رابطة الإسلام وأخوة الإيمان، وما تقتضيه من الترفع عن الأضغان والأهواء التي تفرقهم مذاهب وطرائق قددا، وتستوجبه من غرس روح المحبة والتآخي والتعاون، والتضامن والتآزر، والتناصر والتقارب والتواصل لما فيه منفعتهم وصلاح أمر الدنيا والدين، ونصرة الإسلام والمسلمين، عملا بقول رب العالمين: " وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر ياتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم، ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام"، وقوله سبحانه: " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير".
معشر الحجاج،
إن سفركم لأداء فريضة الحج وسنة العمرة بمكة المكرمة ليحتم عليكم أن تجعلوا في نيتكم وتحملوا في عزيمتكم زيارة المدينة المنورة، فهي ثاني الحرمين الشريفين، قضى فيها الرسول صلى الله عليه وسلم عشر سنوات من حياته يتلقى فيها الوحي من ربه، ويبلغ رسالة دينه، ويجاهد في سبيله حتى أتاه اليقين بعدما أكمل به نعمة الإسلام على المسلمين، وجعله أمانة في عنقهم إلى يوم الدين، فهي زيارة مطلوبة ومؤكدة، ينعم فيها المسلم بالقرب منه عليه الصلاة والسلام، ويغنم ثواب الصلاة في مسجده النبوي، ويفوز بأجر الزيارة لقبره الشريف وقبري صاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فقد قال عليه الصلاة والسلام: " صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام"، وقال: "من زارني بالمدينة محتسبا كنت له شفيعا وشهيدا يوم القيامة"، وعليكم وأنتم في مكة المكرمة أو المدينة المنورة أن تكونوا في منتهى الآداب والوقار، والتواضع والإجلال، وخفض الجناح للناس كافة، ولأهل المدينة خاصة، وتتحلون بما أنتم معروفون به ومجبولون عليه من فضائل التغاضي والتسامح، والصبر والحلم والصفح والعفو، وغيرها من محمود الشمائل وكريم الخصال، التي ترفع من شأنكم وشأن بلدكم وتزيد في رصيد سمعته الطيبة، وشهرته الذائعة، ولا تنسوه في تلك الأمكنة من الدعاء أن يديم الله عليه نعمة الخير والبركة، واليمن والسعادة، والهناء والازدهار، فإن الدعاء كلما كان أعم كان إلى الاستجابة أقرب.
وتذكروا ما عليكم من حق الإخلاص في الدعاء لملككم أمير المؤمنين القائم على حماية الوطن والدين، فاستحضرونا في تلك البقاع المقدسة، وزودونا فيها بصالح الدعاء، خاصة عند الكعبة المشرفة، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة والمشعر الحرام، وفي المسجد النبوي، وعند الروضة الشريفة، وإذا وقفتم أمام قبره الشريف فأبلغوه منا السلام، واسألوا الله لنا عنده وفي كل مقام أن يديم علينا نعمة الصحة والعافية، ويرزقنا نصره وفتحه، وعونه وتأييده وسداده وتوفيقه، لما نهدف إليه من خير الوطن والدين، وخدمة قضايا العرب والمسلمين، وخاصة قضيتهم الأولى، قضية فلسطين وتحرير المسجد الأقصى والقدس الشريف، بإعادته إلى حظيرة الإسلام والمسلمين.
واسألوا الله كذلك وادعوه في تلك البقاع الطاهرة لولي عهدنا سمو الأمير الجليل سيدي محمد، وصنوه الأمير مولاي رشيد أن يجفظهما ويصلحهما ويقر بهما العين، وبسائر أسرتنا العلوية الشريفة، وتوجهوا إليه سبحانه أن يتغمد برحمته الواسعة والدنا المنعم جلالة المغفور له محمد الخامس، وأن يسكنه فسيح جناته، ويجزيه أحسن الجزاء على ما قدمه وأسداه من خير ونفع للمغرب والمغاربة والعرب والمسلمين قاطبة، واسألوه سبحانه لأمة الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها أن يوحد صفها ويجمع كلمتها، ويديم عزتها، حتى تكون يدا على من سواها، وكالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا.
جعل الله حجكم مبرورا، وسعيكم مشكورا، وذنبكم مغفورا، وكتب لكم السلامة والعافية في الذهاب والإياب، والعودة إلى أهلكم ووطنكم سالمين غانمين، والسلام عليكم ورحمة الله.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here