islamaumaroc

افتتاحية: الأبعاد الإسلامية لانتفاضة 20 غشت

  دعوة الحق

العدد 251 ذي الحجة 1405- غشت 1985

قيض الله سبحانه للأمة المغربية، منذ شرح تعالى صدور أبنها للإسلام، ظروفا دقيقة ومراحل خطيرة واختبارات وتحديات حاسمة، كانت ابتلاء للمؤمنين، وامتحانا للتصديق، واختبارا لنصاعة اليقين وقوته وصحته في قلوب وصدور المجاهدين الثابتين على العقيدة.
وكانت قمة ما تجلى فيها هذا الامتحان، متمثلة في  معاهدة الجزيرة الخضراء سنة 1912 التي فرضت القوة الاستعمارية الباغية عهد الحماية على المغرب، فرضا وقفت وراءه أسباب وعوامل، وقدرته أقدار وبواعث، كان من ضمنها ضعف وسائل الأمة المغربية، وقلة إمكانياتها، وقصور عددها وعدتها البشرية والتقنية والطبيعية أمام ما كانت القوى الاستعمارية تتوفر عليه آنذاك من معدات وأعتدة متنوعة.
غير أن إرادة الله سبحانه وتعالى، شاء أن تكون هذه المحنة بوتقة تاريخية أخرى، انصهر فيها العرش والعشب من جديد ذلك الانصهار الذي حدث به التاريخ ونطق بملامحه سجله الحافل الزاخر بالانتصارات والمكاسب والبطولات النادرة.
إذ لم تكد السنوات القلائل تمضي على هذا الحدث، حتى انبعث في مشير الأمة المغربية شعور قوي بانتمائها العربي والإسلامي الذي حاولت القوى الاستعمارية الغاشمة طمسه وإهالة الغبار عليه، أن لم نقل محوه والقضاء عليه بصفة نهائية كجزء من مخططاتها البعيدة ضد أمة الإسلام.
هذا الشعور بالانتماء العربي الإسلامي، لم ينبعث في قلوب المغاربة ووجداهم فجأة واعتباطا، ولكنه جاء عملا جليلا ما ونيت فيه جهود العرش العلوي المجاهد وتضحيات ملوكه الأماجد، ولا كلت من أجل إنمائه وإذكائه، وتثبيته وتقويته، وبعثه وبثه بين صفوف الأمة كأقوى ما يكون البعث والبث اللذان منهما يبدأ إشعاع الدعوة وضياؤها وقبسات ذيوعها وانتشار أفكارها ومبادئها الحقة.
ولذلك، لم تكن سنة من السنوات المشؤومة التي أعقبت معاهدة الحماية، تخلو من الجهاد والكفاح والنضال المستميت، رغم الكابوس الاستعماري أي جثم على البلاد، ورغم عوامل الانحطاط والانحلال التي رانت على أصقاعها ومناطقها، من الصحراء المغربية إلى البوغاز، والتي جاء بها الاستعمار تحت ستار الإصلاح وترشيد الأوضاع، ولكن الحقيقة التي لم تخف بعد على أحدج، هي أن هذه العوامل وما رافقها ممن مظاهر الانحراف الذي كاد يشمل ويعم كل جوانب الحياة في المغرب، إنما كانت تمهيدا لتغيير هوية المغاربة عن طريق التبشير تارة، وعن طريق القمع والقوة تارة أخرى.
وما لبثت السنوات أن أظهرت الأمة المغربية تحت قيادة عرشها العلوي المجاهد، وكشفت عن معدنها الحقيقي والنادر كأمة ذات هوية إسلامية، وانتماء عربي، بالغين في أبنائها من القوة والسطوع والشموخ، مبلغا في أمة من الأمم، وقل مثيله في شعب من الشعوب.
وما ذلك، إلا لأن العرش العلوي المجاهد، وفي سدته آنذاك جلالة المغفور له محمد الخامس رضوان الله عليه، آلى على نفسه بالضحية واستمراريتها، والبذل وإطراده، والعطاء وامتداده، ونكران اللذان ودوامه، أن يحافظ حفاظا لا هوادة فيه ولا مساومة أو مداهنة عليه، على مقومات المغرب والمغاربة كبلد إسلامي، هو على مدى التاريخ منذ أربعة عشر قرنا ونيف، في مكان للدفاع عن الإسلام والمسلمين في هذا الجناح الغربي من العالم الإسلامي، وهو في الصدارة من العمل الجهادي المسترسل حماية للإسلام والمسلمين وذودا للمقدسات والمقومات الدينية والتاريخية والمذهبية لشعب المغرب الذي سجل له التاريخ، في هذا المضمار، بطولاته الملحمية لنصرة الوجود الإسلامي في هذه المنطقة من العالم، كما تتجلى- على سبيل المثال لا سبيل العد، في معركة الزلاقة، ومعركة وادي المخازن، وحرب تطوان، ومعركة أنوال، وحرب أكتوبر، في الجولان وسيناء، ومعركة بئر أنزران...الخ.
وأنعم بها من معارك وحروب بطولية ظلت بضة الإسلام بها محمية مصونة، وبقي حمى الإسلام بها قويا عزيزا معززا، حتى إذا كانت الفترة التي وقع فيها المغرب فريسة لأطماع ومؤامرات الاستعمار، لم ينحسر فيه المد العربي الإسلامي، ولم يتوقف إشعاعه أو يخب شعاعه ويخفت وميضه وبريقهن بل إن ما بذله، وأسداه جلالة المغفور له محمد الخامس قدس الله روح خلال تلك الفترة الحالكة من مجهودات وتضحيات جسيمة في سبيل سيادة المغرب وحريته واستقلاله وكرامته، لم يكن في وقاع الأمر سوى مقدمة لعودة الدور الطليعي للمغرب في نطاق إنتمائه الإسلامي وتشبثه بحماية القضايا الإسلامية.
ومن هذه النقطة بالذات، كانت ثورة الملك والشعب في 20 غشت 1953، ثورة إسلامية بالمفهوم الإسلامي الصحيح النقي من الشوائب، وانتفاضة إسلامية خالصة لوجه الله والمصلحة الإسلامية العليا التي يرعى هذا البلد الإسلامي العريق، تحت قيادة أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني، جميع مقوماته ومكوناته، ويسهر على ركائزها ودعائمها لتبقى على الدوام، دعائم وركائز بينيان إسلامي مرصوص يشد بعضه بعضا.
أو لم يهتز العالم الإسلامي كله للفاجعة التي وقعت صبيحة يوم 20 غشت سنة 1953 حين امتدت الاستعمارية إلى الأسرة العلوية الشريفة، تبعدها ظلما واعتسافا من وطنها وشعبها إلى المفنى السحيق؟
أو لم ترتج أركان العالم الإسلامي شجبا واستنكارا لهذه الجريمة الشنعاء في حق الشعب المغربي المسلم حين مست مقدساته، ودنس عرضه، وأبعدت شرعتيه، ووقع اهتضام حقوقه المشروعة العادلة في الحياة الكريمة والحرة التي اختارها طوعا تحت قيادة العرش العلوي المجاهد؟
أو لم تقف الأمة الإسلامية، في مشارق الدنيا ومغاربها، متضامنة متكاتفة مع الأمة المغربية في محنتها الشديدة وكراثتها المفجعة بنفي رمز سيادتها وضامن وحدتها وجامع صفها أبيها الصابر والمصابر جلالة المغفور له محمد الخامس مع أفراد أسرته الكريمة؟
انطلاقا من هنا، يمكن أن نقول أن انتفاضة 20 غشت عام 1953 في المغرب، كانت بمثابة إيذان بيقظة العالم الإسلامي برمته من الغفلة والسبات الذي ران عليه سنوات طوالا بسبب غارة الاستعمار على شعوبه وأصقاعه، هذه الغارة التي لم يكن الهدف منها، سوى جعل الأمة الإسلامية أمة متخلفة عن الحضارة، منعزلة عن أسباب التمدن، سائرة القهقري بعيدا عن موكب التقدم والتطور ونشدان العزة والمجد والرفعة في عصر لا ذاتية فيه إلا للشعوب القوية والأصيلة والمنتصرة في معارك الحضارة وميادينها.
ومصداقا لما نقول، فإن الشرارة التي مهدت وغاظت الاستعمار وأحفظت صدور غلاته على المغرب، إنما انطلقت جذوة ملتهبة بالحماسة والحرارة في الخطاب التاريخي لجلالة المغفور له محمد الخامس في مدينة طنجة يوم تاسع أبريل سنة 1944، حيث دوى صوت فقيد العروبة والإسلام معلنا النماء المغرب والمغاربة للهوية العربية والذاتية الإسلامية، ومؤذنا بعهد جديد يرتبط فيه المغرب بعرى شديدة ووثيقة مع قضايا الأمة العربية والأسرة الإسلامية وطموحاتها وتطلعاتها، في التحرر والوحدة، وفي الانطلاق والانعتاق من ربقة التخلف والاستعمار والوصاية والركود الحضاري.
فكان هذا الخطاب، صفعة للاستعمار ودهاقنته، عز عليهم أن يسكتوا عنها، وأن يبتلعوها ولا سيما أن ما كان في صدورهم من الحقد والضغينة والبغضاء على الإسلام والمسلمين، أبى عليهم أن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام الصحية المدوية لجلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه، في ذلك اليوم التاريخي بمدينة طنجة، وهي يومئذ مدينة خاضعة للحماية الدولية.
وتوالت الأحداث وتعاقبت، على المستويين الوطني والدولي، فهي هنا يزداد ضغطها من طريف القوى الاستعمارية على الشعب المغربي لاغتصاب مشروعيته وانتهاك مقدساته واستلاب خصائص مذهبيته في العقيدة والتاريخ والحضارة والتوجه إلى استعادة الاستقلال وتوحيد الكيان السيادي للوطن والأمة بهذا التفرغ إلى مهام البناء والتنمية التي عطلها الاستعمار وفوت فرصها على الشعب المغربي.
وفي معترك هذه الأحداث والوقائع، كان جلالة المغفور له محمد الخامس رضوان الله عليه، يضل الليل بالنهار من أجل إحراز البلاد لاستقلالها، وتحقيقها لحريتها، واسترجاعها لكرامتها، وكان يجاهد قدس الله روحه، جهادا متواصلا وفق الأسلوب الإسلام الفريد والمتفرد الذي أعاد إلى الأذهان صورا حية من ملاحم الجهاد الإسلامي ف عصوره الأولى، والذي استحضر لها استحضارا قويا ونابضا، خصوصية القيادة الإسلامية الفذة التي لا تعرف الهوادة في الكفاح، ولا تستكين أو تهن وتضعف وتتراجع إرادتها أمام الأحداث والتحديات.
وكان أن رفضت هذه الوقائع والحوادث على المستوى الوطني، على مخاض عسير وشاق، كانت فيه القضية الوطنية كلها على شفا جرف لولا ما تحلى به جلالة المغفور له محمد الخامس من خصال وسجايا محمودة، هي من نبع المدرسة النبوية الطاهرة المطهرة، مدرسة الإيمان بالقضية، والثبات على المبدأ، والرسوخ على الحق والترفع عن سفاسف الأمور والثقة في نصر الله، وعدا منه تعالى للمؤمنين الصابرين المجاهدين في الله حق جهاده.
وعلى المستوى الدولي، كانت حلقات التآمر تتضاعف وتزداد، والمصالح الدولية في هذه المنطقة أو تلك من مناطق العالم، تكشف عن وجهها وترفع النقاب عما تقنعت به في المحافل الدولية ومنابرها المشهورة.
وفي خضم هذا وذاك، كانت المعركة الحاسمة التي خاضها جلالة المغفور له محمد الخامس قدس الله روجه، معركة متسمة بكل الخصائص والسمات التي تجعلها معركة إسلامية في روحها، وفي وسائلها وأهدافها، وفي أدواتها وغاياتها، وفي مبادئها ومنطلقاتها....، معركة لتحرير الإنسان المسلم في جميع البقاع التي يوجد بها المسلمون، ومعركة ليسترد هذا الإنسان كرامته وحقوقه وحريته التي اغتصبها المستعمرون.
وما لبثت شرارة تلك الانتفاضة المجيدة صبيحة يوم 20 غشت سنة 1953، بعد إقدام قوى البغي الاستعمارية على نفي الأسرة الملكية الكريمة وإبعادها، أن مس شواظها قوى وسلطات استعمارية أخرى في شتى أصقاع العالم الإسلامي، انتفضت غاضبة ساخطة، وارتعدت خائفة راجفة، فاهتز كيانها الموهوم ووجودها المزعوم، وانتشر المد التحرير الإسلامي ليؤذن برحيل المستعمرين والباغين عن عالمنا الإسلامي.
هذه هي الهوية الإسلامية وأبعادها التاريخية العميقة لانتفاضة الملك والشعب في 20 غشت 1953، وهي نفسها الهوية والأبعاد الإسلامية التي طبعت المرحلة التاريخية المجيدة لهذه الانتفاضة؛ ولا غرابة أو بدع في ذلك، فإن مصدر الانتفاضة هو المبادئ والأفكار السلفية التي أوجدت الإحياء الإسلامي في أواخر القرن الماضي، وينبوعها في اليقين بأن آخر هذه الأمة لا يصلح إلا بما صلح به أولها.
وامتداد لذلك، كانت انتفاضة 20 غشت 1953 وفقا للمواصفات والمنطلقات الإسلامية التي صدرت عنها، منطلقا ومبدأ لبعث إسلامي نادى به، ودعا إليه، وحمل لواء رسالته ودعوته، أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله، وهو بعث إسلامي شامل لكل مناحي الحياة، عام لسائر جوانبها وأوجهها، بل إن شعاعه وإشعاعه، عرف بفضل تضحيات ومجهودات جلالته منذ استخلفه المولى عز وجل على قيادة الأمة، امتد وأعرق وتأصل لهما حضور ووجود في ربوع العالم الإسلامي كلها.
ومن هذا ندرك بوعينا وفهمنا، أن انتفاضة 20 غشت 1953، بقدر ما كان الانتصار فيها تتويجا أنعمت به إرادة الله على المغرب وشعب المغرب، بقد ما كانت الانتصارات والمكاسب التي أحرزها تحت القيادة الحكيمة لأمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني حفظه الله، فضلا وإنعاما من الله سبحانه وتعالى الذي قدر جل وعلا بأن تجتاز الأمة المغربية، في ظل الإسلام وفي كنف العرش العلوي المجيد، كل الظروف الدقيقة بنجاح، وجميع التحديات التاريخية بقلب مؤمن موقن صامد، وبأن تنتصر هذه الأمة الإسلامية المجاهدة على أعدائها، وتتغلب على الصعوبات والمشاق، انطلاقات من تمسكها بدينها الحنيف، وعرشها المنيف الذي يتربع عليه رمز وحدتها ونضالها أمير المؤمنين جلالة الملك السحن الثاني كخير خلف لخير سلف في التضحية والبناء، والتحرير والوحدة، ولم شمل الأمة الإسلامية وتوحيد صفها على كلمة سواء.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here