islamaumaroc

أهمية فتح مكة

  دعوة الحق

29 العدد

1-دعـوة: إن لكل أمة في حياتها أياما مشهورة متلألئة تستوحي منها أسرار مجدها ونشوة فخارها ومثير عزتها وقبس أنوارها تجعلها حوافز للهمم ومقويات للإرادة ووقودا للنهضة والتقدم والعظمة، وتحاط عندهم تلك الأيام بهالات من التقديس والإكبار، ولأجل ذلكن تقام لها الاحتفالات الكبرى وتثار حولها قضايا فكرية وبحوث علمية، تفلسفها وتزيدها وضوحا، وتعمقا في النفوس وتركيزا، وتهتم لها الصحف والمجلات والإذاعات وتعقد النوادي اجتماعات هنا وهناك ويشارك الشارع أيضا مشاركة مختلفة.
وتتخذ الأمم الحية هذه الذكريات وسيلة تربوية لأجيالها وخصوصا الأطفال الذين يلقنون فيها مبادئ أخلاقية مستمدة من حوادث تلك الأيام ومن سير عظمائها، وقد يزيدون في تكبير صورتها لاختلاف خرافات وأساطير، وهكذا تصبح هذه الذكريات منبعا غزيرا في التربية والتثقيف والتوجيه.
وللمسلمين ذكريات وأيام كثيرة تطفح بالأمجاد الخالدة والحوادث الإنسانية النادرة وتتوفر على كل ما يبعث العزة في النفوس ويوقظ سر النهضة في الأرواح، وما تاريخنا إلا سلسلة من الذكريات الرائعة من بعث محمد(ص) إلى البطولات التي أبداها ويبديها المسلمون في مختلف الأصقاع والزمان، واقرب هذه الصور البطولية العظيمة المقاومة الجبارة والشجاعة الخارقة التي تتمثل في جهاد أشقائنا الجزائريين ضد الكفار الفرنسيين، بما أن لنا أبطالا نتحدى بهم عظماء العالم بل لنا منهم من هو نسيج وحده لم يلد التاريخ مثله: فأتى العالم مرة واحدة ثم أبقى ذكرى مثالية يستشهد بها في العبقرية والزهد والعدل والشجاعة ونكران الذات وكان من الواجب على المسلمين - وهم في بداية التفكير في نهضتهم – أن يستحيوا أيامهم المتلألئة ويبعثوا أمجادهم  الملهمة ويتخذوا ذلك وسيلة لبعث الضمير الإسلامي في ناشئتهم.
وإننا – استجابة لهذه الرغبة في نفوسنا – نكتب بمناسبة 10 رمضان – حول فتح مكة التي تهيا لغزوها رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفس هذا التاريخ، راجين أن تبقى ذكرى راسخة في الأذهان وأن تكون محطة يقف عندها الكتاب المومنون يتخذوها منبرا يدعون منه الناس إلى هذا الدين الذي هجره أهله وصد عن تعاليمه أبناؤه، وليذكوا بما لقي السلف الصالح في سبيل انتصار ديننا من الشدائد والمحن حتى ملأوا تاريخنا الماضي بكل ما يعتز به المسلم.
وهناك أيام أخرى كثيرة وكثيرة جدا غير أنها وجدت إعراضا وعقوقا لذلك فقد طمت معالمها من ثقافتنا وسلوكنا ولم نعد نسمع بها بل إن ناشئتنا بله الذين تثقفوا في مدارس الكفار لا يعرفون عن تلك الأيام شيئا بل يجهلونها جهلا عاما في حين نجدهم يلمون بأيام الأجانب والأعداء وغير خاف عن ذوي الألباب والبصيرة الخطر الخطير الذي يمكن  في هذا الجهل بأيامنا وفي المعرفة بأيام الكفار.
هذه دعوة نوجهها إلى من يهمه أمر هذا الدين والله الموفق إلى خير العمل.

2- فتح مكـة: من ابرز ما يلفت النظر في تاريخ دعوة رسول الله (ص) أنها تدرجت تدرجا متسلسلا عاديا ّا أسباب ونتائج ترضيان المنطق، فالإعجاز كان القرآن والنصر كان بالطاعة والإيمان والهزيمة كانت بالفرقة والعبث بأوامر القيامة، ولذلك كان من الطبيعي أن يوجد سبب  منطقي يؤدي إلى استقرار هذه الدعوة في الربوع العربية ثم إلى انطلاقها خارجها، لنشر مبادئه ومثله ولم يكن هذا السبب إلا في القضاء على أهم عنصر تنظر إليه العرب نظرة احترام وتقديس: وهو قريش التي تقود المقاومة ضد الدعوة الإسلامية.
وقد أذن الله أن يحدث ما يوصل لذلك في وقت كان رسول الله (ص) متربصا يترقب، وعلى استعداد تام للوثبة الظافرة: فقد كانت  بنو بكر تستبطن الحقد لخزاعة وتتربص بها الفرص لتوقع بها، فلما كانت هزيمة المسلمين في مؤتة اغتنمتها طائفة من بني بكر فباغتت خزاعة ليلا على ماء لهم يسمى الوتير، يؤيدهم في ذلك شخصيات قريشية كعكرمة بن أبي جهل وقتلوا منهم حوالي عشرين منتهكين نصوص اتفاقية الحديبية التي وقعت بين رسول الله (ص) وبين قريش، وكانت خزاعة قد دخلت في عهد مع رسول الله (ص) كما دخلت بنو بكر في عهد قريش.
ولم يكن خزاعة لتسكت عن هذا الاعتداء الأثيم وهذا الانتهاك الغادر لذلك خرج عمر بن سالح الخزاعي يستنجد برسول الله(ص) باسم المعاهدة التي كانت بينهما يوم الحديبية، وباسم الروابط التي كانت تربط خزاعة ببني هاشم من قديم، فلما وصل إلى المدينة قصد رسول الله (ص) في المسجد ووقف عليه وانشد قائلا:
يا رب غني ناشد محمدا
               حلف أبينا وأبيه إلا تلدا
قد كنتم ولدا وكنا والدا
            ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا
فانصر هداك الله نصرا اعتدا
               وادع عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجردا
               إن سيم خسفا وجهه تربدا
في فيلق كالبحر يجير مزبدا
               أن قريشا أخلفوك الموعدا
ونقضوا ميثاقك المؤكدا
               وجعلوا لي في كداء رصدا
وزعموا أن لست أدعو أحدا
               وهم أذل وأقل عددا
هم بيوتنا بالوتير هجدا
               وقتلونا ركعا وسجدا
 وصادف هذا الاستنجاد رغبة من رسول الله(ص) كيف لا ؟ وقد تبدت له مكة وفوق أنجادها أعلام الإسلام ترفرف وقريشا تطاطىء هامتها للدين  الجديد ولذلك أجاب الرسول (ص) عمر بن سالم: نصرت يا عمر بن سالم: لا نصرني الله إن لم انصر بني كعب ثم أذاع في المسلمين: من كان يومن بالله واليوم الآخر فليحضر إلى المدينة وقد تنبهت قريش للخطأ الارعم الذي ارتكبته حليفتها وبعض من أفرادها وأدرك أبو سفيان مدى خطر رد الفعل في المسلمين لذلك أسرع إلى المدينة ليشد العقد ويزيد فيه(ولم يكن قد استشير في الإغارة على خزاعة كما يظهر) فلما كلم الرسول(ص) في ذلك لم يجبه لما يريد وتوسل بالصحابة فلم يفلح بل إنه أراد أن يتشفع بحسن بن علي  وهو ما يزال غلاما وقالت له فاطمة: والله ما بلغ بني ذاك أن يجير من الناس وما يجير أحد على رسول الله (ص) ورجع على قومه مضطربا هلوعا فقال لهم: جئت محمدا فكلمته فو الله ما رد علي شيئا، وقد تتبعت أصحابه فما رأيت قوما لملك أطوع منهم له.
وفي هذه الأثناء كان رسول الله (ص) يعد العدة ويجهر جيش الفتح وقد بث العيون وأعطى أمرا لحراس الحدود أن يردوا كل من يشتبهون فيه حتى لا يتسرب إلى قريش الخبر ليأخذها على غرة فيتم له نوع من الفتح يريده، وقد حاول حاطب بن أبي بلتعة أن يخبر قريشا بعزمة رسول الله(ص) غير انه لقي الفشل.
وفي 10 رمضان في السنة الثامنة تحرك جيش الروح تحرك جيش النور والهداية وقوامه عشرة آلاف ولما بلغ«مر الظهران» عسكر هناك، وبينما أبو سفيان ستنسم الأخبار ليلا إذا بهم يلقون العباس عم الرسول وقد ثم الاتفاق بينه وبين رسول الله (ص) أن يكون فتح مكة سلما، قال العباس لأبي سفيان: قد جاءكم رسول الله بما لا يقبل لكم به، ثم أردفه على بغلته ودخل به معسكر المسلمين قاصدا رسول الله (ص)، ولما اخبره بحضور أبي سفيان قال له أبقه عندك للصباح، وليس بخاف مفعول هذا القول في معنويات أبي سفيان في ذلك الموقف، فلما كان الصباح أتى به لرسول الله(ص) وبعد محاورة وبعد ما رأى أبو سفيان أن الجد قد جد اسلم وانضوى تحت لواء الرسول، وقد أكرمه النبي إذ جعل بيته مأمنا لكل من يدخله، ثم ذهب أبو سفيان إلى قومه يقول لهم: يا معشر قريش...هذا محمد جاءكم بما لا يقبل لكم به، قالوا : مه ؟ قال :من دخل داري فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ولم يبق أمام قريش وقد رأت زعيمها  قد استسلم واسلم إلا أن تحذوا وحذوه... وهكذا قضى ربك أن يدخل رسول الله (ص) وصحبه إلى مكة التي اضطهدته وإذا الشدائد فاتحا منتصرا، وبعد ما طاف بالكعبة وقف في بابها يخطب في قريش ثم قال لهم:« يا معشر قريش ماذا ترون غني فاعل بكم ؟ قالوا خيرا...أخ كريم وبن أخ كريم قال  اذهبوا فأنتم الطلقاء» ولندع هذه النقطة الرائعة بلا تعليق.
ثم دخل الكعبة وتقدم إلى تلك الأصنام التي كان يملأ حبها قلوب قريش والعرب وحطمها واحدا واحدا وهو يتلو قوله تعالى: « قل جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا».

3-أهمية الفتـح: إن أصعب ما يواجه المصلح في هذه الأرض هو تغيير مفاهيم تجمدت في عقول الناس وتقاليد ضارة تشبثت بأعماقهم(1) واستبدت بكيانهم، فلم تكن لتسمح أبدا لشيء جديد يتسرب إليها لأنها ترى في ذلك الفناء والدمار لوجودها، والرسول بعث في أمة  لها تقاليد موروثة وعقائد مقدسة ونظم منزهة وآلهة مطاعة، فلم يكن من الهين أن تبدل نظرتها الخاصة نحو الحياة، بل لم تكن لتسكن عمن يعيب عليها تلك النظرة أو يحثها على تبديل إحساساتها عما تلقفته من أجدادها من دين وتقاليد، لذلك كان على رسول الله(ص) أن يسير في طريق طويل شاق، وان يواجه في المقاومة أشد ما يمكن أن يحدث من أعداء شداد. والدعوة الصحيحة هي تلك التي تلهبها المقاومة، ويقويها العناد، ويمدها الاضطهاد والتعذيب بمزيد من الإرادة والعزم والنشاط، وتلك كانت دعوة رسول الله(ص) ولما توفر فيما من سمو الفكرة وتعلقها بالنفوس وصمود القائمين بها أمام الشدائد استطاعت أن تمر بنقط تحولية كان لها اثر يذكر في تراخيها كالهجرة وبدر والحديبية، لكن هذه الأحداث رغم أهميتها لم تهب الدعوة استقرار كفتح مكة.
نعم، إن الهجرة أتاحت مجالا للتفكير في استقرار يتيح الدعوة الإسلامية الانطلاق نحو تحقيق أهدافها وقد كانت فرصة عظيمة لإسلام أفراد وجماعات وتكتيل المسلمين وتنظيمهم وتربيتهم وأنتج لهم استقرارهم بالمدينة قوة لها خطرها، وبدر كان لها اثر كبير في نفوس الأعداء، فقد كشفت هذه الموقعة عن مدى قوة تلك الشرذمة المضطهدة وعن مدى استماتتها في الدفاع عن معتقداتها وأدخلت الرعب في قلوب كثيرة وأظهرت للعرب قوة لا يستهان بها، لكن غزوة أحد كشفت أن بدرا لم تكن على أهميتها كل شيء.
ومعاهدة الحديبية كانت نصرا مؤزرا للمسلمين إذ أتاحت لهم الاتصال بغيرهم من العرب وتنظيم شتوتهم في غير ما انزعاج، ثم أنها اعترافا من قريش ومن والاها بكيان المسلمين ووجودهم كهيئة سياسية دينية شرعية في بلاد العرب.
لكن هذه الأحداث لم تكن حاسمة في الموضوع، وإنما كانت روافد للحدث العظيم الذي مكن الإسلام من السيطرة على الجزيرة العربية وتبديد ظلام الوثنية من ربوعها.
ففتح مكة كان أهم وأعظم نقطة تحولية في تاريخ دعوة رسول الله(ص) ذلك انه كان قضاء على اكبر مقاومة وأعنفها، تلك التي كانت سدا منيعا بين العرب والإسلام، إذ كان العرب ينظرون إلى قريش نظرة التعظيم، وهذه النظرة كانت تجعلهم يقفون من الإسلام موقف قريش، ثم إن الفتح خطر قوة المسلمين وضعف قريش أمامها، زد على هذا أن العرب لما رأوا جيش المسلمين يدخل مكة منتصرا سالما معافى  ألقى في روعهم أن العناية الإلهية تحرسهم(2). وعندما استسلمت قريش، ورأى العرب قوة المسلمين سارعوا إلى الدخول في الإسلام أفواجا ولقد صدق سيدنا عمر ابن الخطاب حين قال للرسول عند عزمه على فتح مكة(وايم الله لا تذل العرب حتى تذل أهل مكة) وقد استفادت الدعوة الإسلامية من قوة قريش بعد ذلك،ومهد هذا الفتح للقضاء على البدو الذين كانوا يهددون المدينة، وإخضاع مسيحي نجران وقبائل اليمن ونجد وغيرهما، ولم يأت عام 10هـ حتى كانت دولة الأصنام قد دالت واستؤصلت الوثنية وكان هذا الفتح بداية سلسلة من الانتصارات امتدت إلى ما شاء الله.
ومما يزيد في روعة هذه النتائج الباهرة أن الفتح كان خاليا من الدماء والأشلاء (هو الذي كف أيديهم عنكم وأيدكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا) صدق الله العظيم.

(1) تاريخ العرب السياسي والديني والاجتماعي حسن إبراهيم ج 1 ص 112.
(2)وقعت بعض المناوشات ولكنها قليلة.

 

 

 

 

 

 

 

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here