islamaumaroc

موقف الإسلام إزاء الضوائق العامة

  دعوة الحق

29 العدد

تنتـاب البشرية في كل عصر وحين، كوارث مهلكة، فواجع أليمة: مجاعات، أزمات اقتصادية، زلازل. والإسلام – كدين أنساني – أولى هذه النوازل كثيرا من العناية، عظيما من الاهتمام، بقوانين مكتوبة سنها، وأعمال تطبيقية قام بها وقد سلك في هذا الميدان سياسة حازمة، فجعل أولي الأمر مسؤولين في الدرجة الأول، وبالغ في إلقاء المسؤولية على كواهلهم، ثم أشرك معهم في كثير من الظروف الموسرين على اختلاف طبقاتهم.
خاطب الإسلام أولي الأمر ليجعلوا منه وسيلة فعالة لمحاربة الضوائق العامة والخاصة، وفرض على المسؤولين أن يسنوا من التشريعات والأنظمة ما يصل بالرعية إلى هذه النتيجة.
فقد قال الرسول صلوات الله وسلامه عليه وءاله «من ولاه الله من أمور المسلمين شيئا فاحتجب دون خلتهم وحاجتهم وفقرهم احتجب الله دون خلته وحاجته وفقره يوم القيامة».
ومعنى هذا الوعيد – بالنسبة للدنيا قبل الآخرة – تعظيم شان الاهتمام بحاجيات الشعوب، حتى أن الإخلال به يعد من أعظم المخالفات وأكبر الجرائم.
وقد جاء هذا الإنذار في صيغ أخرى: ومنها الرواية التي تقول«ما من إمام يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلة والمسكنة إلا أغلق الله أبواب السماوات دون حاجته وخلته ومسكنته».
وروى معاذ هذا المعنى عن الرسول صلوات الله وسلامه عليه وءاله أنه قال« من ولي من أمر الناس شيئا فاحتجب عن أولي الضعف والحاجة احتجب الله عنه يوم القيامة».
وإن الإسلام لم يكتف بتوجيه هذا الخطاب على الرؤساء الأعلين وحدهم، وإنما نادى به – أيضا – رؤساء الولايات وأمراء الأقاليم، ليحدوا حدو تعاليم الإسلام في هذا الميدان، ومن أمثلة هذا ما جاء عن أبي عثمان النهدي قال كتب إلينا عمر بن الخطاب ونحن باذربيجان مع عتبة بن فرقد فقال:
«يا عتبة إنه ليس من كدك ولا كد أبيك ولا كد أمكن فاشبع المسلمين في رحالهم مما تشبع منه في رحلك، وإياك والتنعم، وزي أهل الشرك ولبوس الحرير».
هكذا يخاطب الإسلام أولي الأمر – على تفاوت درجاتهم – ليجعلوا منه وسيلة فعالة لإزاحة البؤس والنكبات عن الشعوب المغلوبة على أمرها.
ومع هذه المسؤولية الكبرى التي يلقيها الإسلام على كواهل أولي الأمر – نراه يخاف اشد الخوف من أن لا يستطيع هؤلاء تحمل مسؤولياتهم في هذا الصدد، إما لعجز الخزينة المالية، أو لأسباب أخرى، لهذا يتوجه الإسلام – بدافع المحافظة على هذه الدعامة – إلى الموسرين من الشعب ليمارسوا بدورهم تحمل مسؤولياتهم في محاربة النكبات والكوارث العامة والخاصة.
والإسلام إذ يتوجه – في هذه المرة – إلى الموسرين، لا يقصد بهم الطبقة العليا من الأغنياء وحدها، وإنما يقصد سائر الدين يفضل لهم فضل عما يمسكون به حياتهم فهؤلاء كلهم يخاطب الإسلام نخوتهم وسخاءهم، ويفرض عليهم أن يعينوا بكل ما في استطاعتهم لسد حاجيات إخوانهم المنكوبين، وهذه بعض النصوص والوقائع التاريخية التي تدعو الموسرين للعمل على تخفيف الضوائق العامة والخاصة، يقول الرسول صلوات الله وسلامه عليه وءاله يخاطب جمعا من الصحابة الكرام:
«من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له ومن كان فضل زاد فليعد به على من لا زاد له».
قال راوي الحديث جابر بن عبد الله: « فذكر أصنافا من المال، حتى راينا أن لاحق لأحد منا في فضل»
فهذا الحديث الذي أخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدري يأمر بمعونة المحتاجين بكل أنواع الإعانات: بالمركوب بالزاد بكل أصناف المال، وهو أصل كبير في وجوب مواساة المصابين في الأزمات والكوارث المهلكة، مثل واقع المغرب في« زلزال اكادير».
وقد شرح كثير من مشترعي الإسلام هذا الأصل شروحا وضحت معنى المعاونة الشعبية المطلوبة، فالمازري في شرح هذا الحديث: يصدع بأن الأمر الوارد فيه ليس قاصرا على عصر النبوة، وإنما هو أمر وجوب إلى يوم القيامة، وعياض يشرحه في العبارات التالية: تجب المواسات عند الحاجة في كل شيء من مال أو إعانة في عمل أو غير  ذلك، وما أحسن كلام ابن حزم في شرح هذا المعنى، قال في كتابه المحلى:
«وفرض على الأغنياء من كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقم الزكوات بهم ولا فيء سائر أموال المسلمين  فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لابد منه، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يكنهم من المطر، والصيف والشمس، وعيون المارة ».
ومن كلام ابن العربي المعافري في هذا الموضوع: «لا يحل للأغنياء أن يهملوا الفقراء، بل يغنوهم مما في أيديهم. إلا ترى انه لو سرق مال رجل أو غضب لتعين على الناس اغناؤه وجبر ما ذهب له مما يغني مفاقره، ويجبر مكاسره». فهذه النصوص نخرج منها بالخلاصة التالية: في حال ما إذا خيف الضياع على المنكوبين، يكون واجبا على الموسرين من الشعوب الإسلامية في كل عصر وزمان، أن يقوموا بمواساة منكوبيهم: بالإعانة في الأعمال، وبما يجب لهم من القوت واللباس والمسكن الصحي، وبسائر أنواع المعونات.
وبعد هذا يحسن أن أشير إلى أن هذا المبدأ قد نفذ عمليا حينا من الزمن في عصر النبوة وبعض العصور بعده فقد أراد النبي صلوات الله وسلامه عليه وءاله الغزو مرة فقال:« يا معشر المهاجرين والأنصار أن من إخوانكم من ليس له مال ولا عشيرة، فليضم أحدكم إليه الرجلين والثلاثة» قال جابر بن عبد الله راوي الحديث فضممت إلي اثنين أو ثلاثة ومالي إلا عقبة كعقبة أحدهم من جملي.
ولم تكن قضية جابر – رضوان الله عليه – هي الوحيدة التي تطبق فيها هذا المبدأ، وإنما هناك وقائع أخرى عديدة سار فيها سادات الأمة على هذا الصراط السوي.
فقد أثنى الرسول – صلوات الله وسلامه عليه وءاله – على الاشعريين فقال أنهم إذا أرملوا في الغزو – نفذ زادهم وافتقروا- جمعوا زادهم وتواسوا فيه، هم مني وأنا منهم.
وجعل الخليفة – عام الرمادة – على كل شخص مثله وقال لن يهلك احد على نصف شبعه.
وفي المحلى: صح عن أبي عبيدة بن الجراح وثلاثمائة من الصحابة أن زادهم فني فأمرهم أبو عبيدة فجمعوا ازوادهم في مزودين، وجعل يقويهم إياها على السواء.
هكذا كان الشعور بواجب المواساة عند الحاجات سائدا في العصور الإسلامية الأولى، على أننا لا نعدم في العصور الأخرى أفرادا– وإن كانوا قلائل – يدعون لإحياء هذه الروح الإنسانية، ويعملون بها في خاصة نفسهم، ومن بين هؤلاء نجد ابن العربي المعافري الاشبيلي دفين فاس، فقد قال في بعض كلام له:
 « إذا نزلت جائحة من القحط فلا خلاف بين الأمة إنه ترجع حقوق المحتاجين في رقاب أموال الأغنياء، وعليهم أن يعطوهم كفايتهم ويقتسموهم على قدر أموالهم – وقد كنت في أعوام المجاعة ادعوا الأغنياء والولاة إلى ذلك فيابون علي، لان الله أبى عليهم أن يفلحوا – فكنت ارجع على تقدير الأغنياء والمساكين فآخذ من جملتهم قدر ما يمكن أن يلزمني على التقسيط فامضهم إلى نفسي».
ولا نعدم بعد ابن العربي أفرادا آخرين تشع في نفوسهم هذه الروح الإسلامية فقد نقل عن أبي حامد العربي بن احمد القشتالي الفاسي المتوفى عام 1092: إنه كان يسلك مسلك ابن العربي أثناء مجاعة عرضت في وقته.
هذا ونحمد الله سبحانه على أن وفق جلالة ملكنا محمد الخامس لإحياء هذه السنة الإسلامية في شتى المناسبات، إعانة الله سبحانه حتى يزيل معالم هذا المصاب عن أكادير ومنكوبيها.
وقبل أن أختتم هذا العرض أود أن ألفت النظر إلى أن الإسلام كثيرا ما رغب في العطاء الضخم والإعانة الوفيرة، لنتدبر هذا النداء النبوي الذي يخاطب النخوة الإسلامية ويقول:
« إلا رجل يمنح أهل بيت ناقة تغدو بعس « قدح» وتروح بعس، أن أجرها لعظيم».
فإذا عرفنا ما تساويه الناقة الجيدة في وقتنا – ندرك مقدار المواساة التي يرغب فيها الإسلام، سيما في ظروف كظروف المغرب نكبة اكادير، وما عطايا الرسول الكبيرة، وتبرعات غير واحد من الصحابة في شتى المناسبات، إلا تجاوب مع هذه الدعوة الإسلامية التي نرجو أن تشرق على نفوسنا جميعا حتى نؤدي واجبنا نحو ضحايا زلزال أكادير الذي مني به المغرب والمغاربة.
إن هذه الكارثة محتاجة إلى مساعدات طائلة: إعانات للجرحى، إعانات للأيتام، إعانات للايامي، إعانات لللمرزوئين في أموالهم وممتلكاتهم، مساهمات في إعادة بناء المدينة المنكوبة.
وقد رأينا موقف الإسلام من المصابين في هذا الزلزال وأشباهه، وكي يفرض المعاونة على كل من يفضل لهم فضل عما يمسكون به حياتهم، وبهذا يكون الإسلام يدعو كل الميسورين – على تفاوت يسارهم – إلى مد يد المساعدة، لضحايا هذه النكبة.
لنضرب الرقم القياسي في مساعدة المنكوبين حتى نكون قد استجبنا لنداء الإسلام.
ولنقم بهذا الواجب الديني والوطني لنقدم مثالا جديدا من حيويتنا وسخائنا وتضامننا، وما هي بأول مواقف المغرب المشرقة.
ولنستجب لنداء الواجب نحو إخوان لنا طالما ساهموا في بناء الاقتصاد المغربي والدفاع عن كيان المغرب في القديم والحديث.
ولنعمل على إحياء أمجادنا السالفة في امدادات المغرب التي طالما قدمها بسخاء لتنفيس ضائقات الإسلام بالأندلس وبعض جهات الشرق« وقل اعملوا فسيرى الله علمكم ورسوله والمؤمنون».

 

 

 


                                  

 


 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here