islamaumaroc

الإمام داود بن إدريس من خلال الوثائق التاريخية

  دعوة الحق

29 العدد

فـي البحث الذي قدمته للمؤتمر الثالث للآثار بالبلاد العربية كنت أثرت الحديث عن« اللوحة» التي اكتشفت بالبلاط الأوسط في أثناء أعمال الترميم التي جرت بجامع القرويين منذ سنوات وقد كانت تحمل اسم داود بن إدريس وتاريخ سنة 263 وكنت تساءلت عن مملكة الإمام داود، وكان قصدي دون ريب من هذا التساؤل هو أن نصل إلى إلقاء بعض الضوء على هذه المرحلة« القلقة» من تاريخنا القديم، وبعد هذا كنت نشرت كلمة ثانية أجدد فيها الأسئلة مرة أخرى وافترض مع هذا« شريطا» على ضوء الأحداث وحاولت أن افهم أن الإمام داود ظل بعد وفاة يحيى الأول مسيطرا على فاس سيما وقد خسر يحيى الثاني ورقته بها، سيما أيضا ودولة خلفه على مجهولة البدء والنهاية، وانه أي داود استمر إماما إلى أن كانت دولة يحيى الثالث الذي اغتيل سنة 292...وكانت مجرد فروض تهدف إلى«نبش » دفائن التاريخ في انتظار أن أتوفر على ما يبعث« الحقيقة» من مرقدها...وسرني أن يجد البحث صداه ولو في طائفة جد قليلة ممن يجدون«هواية» في التاريخ وها نحن اليوم نقف على بعض المصادر الأخرى فيها بعض النصوص التاريخية، وفيها« نقود ادريسية» وفيها تعاليق لبعض الأساتذة الأجانب ممن عنوا بالدراسات التاريخية...وأحب بادئ ذي بدء أن أتصفح أمامكم« كتاب البلدان» لأحمد ابن أبي يعقوب ابن واضح المعروف باليعقوبي والمتوفى أواخر القرن الثالث الهجريلقد قال وهو يتحدث« أيام شبابه» عن ممالك المغرب: « وممن مملكة صالح بن سعيد الحميري يصير إلى مملكة بني إدريس ابن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي ابن أبي طالب عليهم السلام، وأول حد مملكتهم بلد يقال له غميرة(؟) بها رجل يقال له عبد الله بن عمر بن إدريس، ثم إلى بلد يقال له ملحاص لخانة(؟) عنده يجتمع حاج السوس الأقصى وطنجة ويملكه علي بن عمر ابن إدريس، ثم قلعة صدينة وهو بلد عظيم به محمد بن عمر بن إدريس، ثم من قلعة صدينة إلى النهر العظيم الذي يقال له لمهارنة(؟): حصون وعمارات وبلد واسع عليه رجل من ولد داود بن إدريس، وإلى نهر يقال له سبو عليه حمزة بن داود بن إدريس بن إدريس، ثم يدخل إلى المدينة العظمى التي يقال لها مدينة إفريقيا على النهر العظيم الذي يقال له فاس بها يحيى بن يحيى بن إدريس بن إدريس وهي مدينة جليلة كثيرة العمارة والمنازل(و؟) من الجانب الغربي من نهر فاس، هو نهر يقال: انه أعظم من جميع أنهار الأرض عليه ثلاثة ألف(كذا) رحا تطحن للمدينة التي تسمى مدينة أهل الأندلس التي ينزلها داود بن إدريس، وكل واحد من يحيى ابن يحيى وداود بن إدريس يخالف على صاحبه يدافعه ويحاربه».

نرى من خلال هذا أن المغرب ما يزال كما عهدناه منذ سنة 213 اثر وفاة إدريس فهو بين الشرفاء دائما، وفي بعض هؤلاء من صار نصيبه على بنيه، لكن مع هذا

اكتسبنا عناصر جديدة بواسطة هذه النقول فلقد عرفنا أولا من أولاد عمر بن إدريس، محمدا وعبيد الله بالإضافة إلى ولده علي الذي فر في وجه« الخوارج الاباضية» وبالإضافة كذلك إلى إدريس والد يحيى الرابع الذي سلب الإمارة سنة 309 . وعرفنا ثانيا أن للإمام داود ابن إدريس عقبا تولى زمام الأمر بدوره في بعض الجهات من المغرب، ومن هذا العقب ولد لم يعطه اليعقوبي اسما لكن فيه ولدا ثانيا عرف تحت اسم حمزة. وعرفنا ثالثا وهذا مهم أنه في الوقت الذي كان يوجد فيه يحيى بن يحيى على« المدينة العظمى»(يعني عدوة القرويين) في هذا الوقت بالذات كان داود ابن إدريس ينزل(مدينة أهل الأندلس، وعرفنا أخيرا وهو أيضا مهم أن كلا من يحيى بن يحيى وداود بن إدريس كان يخالف على صاحبه ويناوئه...

ولكي نلم بسائر النقول نعطف على كتاب« البيان المغرب في أخبار المغرب»لابن عذاري المكتوب سنة 602، فلقد ذكر أنه لما ولي الإمام يحيى بن محمد بن إدريس ولى(أي يحيى هذا) أعمامه وأخواله أعمالا فولى حسينا القبلة من مدينة فاس إلى اغمات وولى داود المشرق من مدينة فاس: مكناسة وهوارة وصدينة، وولى القاسم غربي فاس: لهاته وكتامة، وتشاغل يحيى عما كان يحق له من سياسة أمره فملك أخواته أنفسهم واستمالوا القبائل، وقالوا لهم : إنما نحن أبناء أب واحد وقد ترون ما صار إليه أخونا يحيى من إضاعة أمره فقدمهم البربر على أنفسهم تقديما كليا... »

وبعد كل هذا هناك وثيقة أخرى تعتبر من الأهمية بمكان، وهي « الدرهم» الذي يوجدللإمام داود ابن إدريس بالمكتبة الوطنية بباريز. لقد استطاع أن يحتفظ بجل ما نقش عليه ، وهكذا نقرأ على دائرته: « بسم الله ضرب الدرهم بواطيل(؟) سنة... عشرين وميتين»، وفي سطحه وسطا: « لا إله إلا الله وحده/محمد/لا شريك له/ على» كما يوجد به على شكل هلال: « المنتصر بالله/محمد/ رسول الله/داود بن إدريس/على».

فمن خلال هذه الوثائق كلها، ومن خلال لوحة الأرز التي كشفت عنها أعمال الترميم ، والتي نقشت على عهد الادراسة أقول من خلال كل هذا يتأكد أن الإمام داود ظل بالفعل – كما افترضنا سابقا – مسيطرا في تلك الفترة الغامضة من تاريخنا القديم أو بالحري مسيطرا في بعض منها، بل إننا الآن أمام وثائق تتضافر وبعضها يثبت أن مملكة داود كانت تشمل في وقت ما مسافات شاسعة، وأنها ابتدأت من حيث كانت بادئ الأمر من تازة وهوارة تاسلمت أو تامليت، ثم قصدت تدريجيا وجهة فاس ولأجل أن نتبين بوضوح ينبغي أن نرسم أمامنا سلما لبني إدريس الأولين مقرونا بتاريخ الوفاة المحفوظ حتى نستطيع أن« نحصر»فترة سيطرة الإمام داود« المحتملة» على مدينة فاس:

يتضح من كل هذا أن تقسيم المغرب سنة 213 الذي تجدد بعض الشيء منذ الحركة الهوجاء التي قام بها عيسى بن إدريس حيث اتسعت منطقة عمر بن إدريس – كما هو معلوم – بالاستيلاء على حظ أخوية القاسم وعيسى، أقول أن ذلك التقسيم لم يكن تقسيما حقيقيا أي أن السلطة المركزية ظلت في فاس، وظل« النواب»نوابا بيد أنه أثر موت الأخ الأكبر محمد بن إدريس سنة 221 استأثر كل واحد بإماراته على سبيل الاستقلال فيما يظهر، وبهذا نفسر وجود نقود للمنتصر بالله الإمام داود ابن إدريس بتاريخ يتراوح بين 221 وبين229، ثم بعد أن انتصب الإمام يحيى قام من تلقاء نفسه بتقسيم جديد بين أعمامه وأخواله، وفي صدرهم الإمام داود الذي ما يزال محتفظا بالحياة، وهكذا اتسعت منطقة داود بن إدريس وشملت المشرق، مشرق مدينة فاس مما جعله يستعين بأحد بنيه على تسيير قلعة صدنية، وبالآخر- وهو حمزة- على ناحية وادي سبو، وقد كان داود في هذا الوقت قد استقر بعدوة الأندلس كعاصمة لذلك« المشرق» وصادف الأمر – فيما يلوح- صعود يحيى الثاني للحكم، في الضفة المقابلة: عدوة القرويين، وهنا أخذ داود يضايق يحيى ابن يحيى على« المدينة العظمي» ونحن نعلم أن يحيى هذا اضطر للانسحاب من الحكم سنة 252 على إثر هفوة أو مناورة، وكان بعده الإمام علي بن عمر الذي لم يستطع مقاومة الخوارج الصفرية فترك لهم عدوة الأندلس فارا بنفسه بينما صمدت عدوة القرويين واستقدمت يحيى ابن القاسم..فمتى لاذ عمر بأذيال الفرار ؟ ومتى تمكن يحيى ابن القاسم من إرضاء رغبة عدوة القرويين ؟ لا يوجد لدينا لحد الآن تاريخ...ثم هل يمكن أن يبقى داود بن إدريس بعدوة الأندلس«باردا» في هذه الفترات ؟ لابد أن نرجع إلى«اللوحة الأثرية» من جديد فهي تحمل اسم داود وتاريخ263 ويمكن أن تضفي بعض الضوء على هذه«العشر سنوات القلقة» ولعل أقرب الفروض يتجلى في أن الإمام داود وجد في سلوك يحيى حفيد أخيه محمد، كما وجد –بعد- في ضعف ابن أخيه علي بن عمر ما يبرر اقتحامه للمدينة العظمى عدوة القرويين حيث – فيما يتأكد- تبنى عام 263«مسجد فاطمة أم البنين»...ومن يد الإمام داود تسلم الزمام الأمير يحيى الثالث المغتال سنة 292.

وهكذا يكون الإمام داود دخل في التاريخ منذ سنة 213 واستمر – على الأقل – إلى سنة 263 أي نحو من خمسين سنة، فإذا فرضنا أنه كان في عمره يوم أن أصبح عاملا لإقليم تازة نحوا من عشرين سنة يكون «عاملنا» قد عمر نحوا من سبعين سنة.

ترى هل تكون هذه هي الكلمة الفاصلة في الموضوع ؟

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here