islamaumaroc

العرش والاستمرار.

  محمد الكتاني

العدد 246 جمادى 2 1405- مارس 1985

-1-
ينص دستور المغرب في بابه الأول على تحديد طبيعة النظام المغربي، وعلى المبادئ العامة التي يركز عليها هذا النظام، كما ينص في بابه الثاني على أن الملك هو أمير المومنين، والممثل الأسمى للأمة، ورمز وحدتها وضامن دوام الدولة واستمرارها.
ومفهوم (رمز الدولة) أو المفهوم (ضامن الدولة واستمرارها) اللذان يمثلها شخص الملك كما ينص على ذلك الدستور ليسا مجرد عبارة في ديباجية للدستور، وإنما ينبغي أن يعتبرا حقيقة من حقائق التاريخ المغربي وذلك لأن التنصيص على كون العرش أو الملك هما دعامة الوحدة الوطني وضامن الاستمرارية التاريخية بمثابة استخلاص من تحليل تاريخي مدعوم بالوقائع والشهادات، ولاسيما بالنسبة للتاريخ الوطني الحديث أي أن هذه المفاهيم التي استند إليها الدستور مفاهيم صنعها تاريخ المغرب أو صنعت تاريخ المغرب على حد سواء.
لذلك لا نظن أن غير المغاربة المعاصرين الذين عاشوا هذا التاريخ يستطيعون إدراك هذه المفاهيم بعمقها الحقيقي، لأنها من جملة الأحداث التي تدخل في التركيب النفسي لكل مغربي عاش حقبة ما قبل الاستقلال، أو يعايش حقبة ما بعد الاستقلال.
فيكفي المواطن المغربي اليوم أن يستحضر تاريخ الحقبة الأولى إن كان للجيل الماضي أو أن يستحضر تاريخ الحقبة الحاضرة إن كان من أبناء الجيل الحاضر.
يذكر أبناء الجيل الماضي تاريخ الحقبة الأولى فإذا التاريخ المغربي يستعرض أحداثه النابضة بالشهامة والنضال والفداء في سبيل عزة الوطن وسيادة الأمة واستقلالها، وأنه لم يكن بد من أن يكون لهذا النضال قائد وولاء للقيادة، ومن أن يكون هذا القائد والولاء له يتشخصان رمزا حيا نابضا في كل قلب. فكان العرش المغربي هو هذا الرمز الذي يشخص القيادة الملهمة والإرادة الشعبية المصممة والولاء الذي يترجم معاني الوطنية والتصميم والتضحية.
ويذكر أبناء الجيل الحاضر الحقبة الثانية، فإذا التاريخ المغربي يستعرض أحداثه النابضة بنفس الوثيرة والإيقاع والالتحام في سبيل استكمال الوحدة وتحقيق التنمية، وإنجاز النهضة الشاملة، وإنه لم يكن بد لهذه المسيرة الملحمية من قائد ومنهج للقيادة وولاء يغذيهما بالمقومات الإنسانية الضرورية لكل إنجاز تاريخي.
ومن أن يكون لهذه القيادة رمز نابض بالقيم التي ينشدها المغاربة من غيرة وسيادة وتقدم وأصالة، وكان العرش المغربي مرة أخرى هو هذا الرمز وكان الملك المغربي مرة أخرى هو قائد هذه المسيرة.
واستمر التاريخ المغربي بنفس الوتيرة التحاما بين العرش والشعب. فهل كان العرش المغربي في الحقبة الأولى رمز وممارسة قائد لمسيرة التحرير من قبيل الصدفة التاريخية لا أقل ولا أكثر، أم كان ذلك واقعا موضوعيا مشروطا بمعطيات متجذرة في طبيعة الأمة المغربية؟؟
وهل كان العرش المغربي في الحقبة الثانية رمزا وممارسة قائدا للمسيرة الثانية مسيرة التنمية والوحدة من قبيل الصدفة أيضا أم كان واقعا موضوعيا هو الآخر؟
-2-
إن ما يميز بين العرضي والموضوعي في تاريخ الشعوب هو تحليل التاريخ الوطني لتلك الشعوب، ففي هذا التاريخ تمكن لا محالة حقائق الاختيارات الحضارية التي تتبناها تلك الشعوب، وتسير في ضوئها. نحن نلاحظ، أن المغرب – من خلال تحليل تاريخه – قد اختار منذ ثلاثة عشر قرنا أن يسلم قيادته لسلطة شرعية مركزية مؤمنة ملتزمة بخدمة الصالح العام، طالما ظلت هذه السلطة وفية لالتزامها شاعرة بمسؤولياتها، وبرعاية مصالح الأمة التي بايعتها.
والتاريخ الحديث هو سليل التاريخ القديم. والشخصية المغربية هي الشخصية، ولا عبرة بما يتغير من الأزياء والمظاهر، فالاختيار المغربي هو حاضر في جميع المراحل التاريخية بنفس الروح والنزعة.
وإننا لنرى عجبا، حين نغفل عن هذه الحقيقة فكل البلاد الإسلامية والعربية تلتفت إلى ماضيها فلا تجد فيها دولة واحدة لها نظام مستقر من أعماق الماضي، وما يزال حتى اليوم يمارس وجوده بهذه المصداقية المتجددة عبر العصور والأحقاب.
ويكفي أن يلاحظ الباحث أنه برغم ما عرفه هذا القرن العشرين من تغيير وتطوير في تواريخ أممه وشعوبه، طوى من ماضيها ما طوى من صفحات ونشر أخرى، لم يستطع أن يغير من ظواهر التاريخ المغربي الأصيلة شيئا يستحق الذكر. ونقصد النظام الأساسي للدولة. وهو النظام القائم على البيعة الإسلامية والاستمرارية الحضارية الأصيلة.
وكما يقول أحد المفكرين المغاربة، وهو يلاحظ هذه الظاهرة "إذا وضعنا أمام أنظارنا الظروف الاستثنائية التي قامت فيها الدولة العلوية الشريفة، وما واجهته في الداخل والخارج خلال هذه الفترة الطويلة من مشاكل متوالية لا نهاية لها ولا حصر، فقد تسلمت مقاليد المغرب والشعب المغربي يجتاز أخطر الأطوار التي عرفها في تاريخ حياته، أوروبا الطاغية المتطلعة إلى السيرة على العالم تجتاز أشد المراحل تعنتا وعدوانا ونهما وحبا في التوسيع على حساب الغير، ثم نجد بالرغم من ذلك كله أن الدولة العلوية الشريفة استطاعت بقيادتها الرشيدة وزعامتها الوحيدة للعناصر الصالحة في هذا الوطن أن تخرج ظافرة منتصرة على عدد لا يحصى من الفتن الداخلية، واستطاعت أن تحرر المغرب من رق الاستعمار وأن تحفظ للشعب المغربي كيانه السياسي والقومي كاملا غير منقوص، فاستعاد في ظلها وحدته الوطنية التي أصبحت في مأمن من التمزق والتصدع، واستعاد وحدته الترابية سليمة من الغصب والنهب والاستيلاء والاستعلاء".
ونحن أحرياء أن نرجع إلى التاريخ مرة أخرى، سواء منه التاريخ القريب أو البعيد. فقد كان تاريخ المغرب دائما مسيرة من الجهاد ضد الصليبية، ومسيرة من العمل على الوحدة الوطنية، ومسيرة من أجل دعم الأصالة الإسلامية. وكان من وراء هذه المسيرات كلها قيادات كتبا لتاريخ آثارها، وحفظ مناقبها، هي التي كان لها أثرها في جعل العرش المغربي رمزا للقيادة والسعي المخلص في سبيل الوحدة والأصالة والاستقلال فكان في نفس الوقت رمزا للاستمرارية السياسية والحضارية.
لذلك عندما يحتفل الشعب المغربي اليوم بعيد العرش – كتقليد متبع من تقاليده – فهو لا يحتفل بشخص الحاكم كما يتصور ذلك كل أجنبي عن هذا التاريخ، فيحسب هذا الاحتفال في عداد المواسم الظرفية، والمناسبات العابرة، وإنما يحتفل المغاربة بعيد الاستمرارية وعيد التأجج للشعلة الحضارية والدينية المقاومة لكل عوامل الانطفاء ونش الظلام والدخول في المتاهات...
-3-
لنرجع إلى التاريخ – كما قلنا – ولنجتزيء بالقريب منه حرصا على الإيجاز والالماع فقط، ونكتفي بالانطلاق من تاريخ أواخر القرن الماضي، حيث نجد السلطان المولى الحسن الأول (1290-1311هـ - 1873-1894م) يمثل بسياسة بداية الدخول بالمغرب في عهد "التحديث" وبرغم إخفاق مشروعه التاريخي، بسبب الإحباط الذي كرسته الدول الأجنبية الطامعة في المغرب يومئذ، وضعف الاقتصاد الوطني، وعدم ارتقاء الكثيرين إلى الأفق السياسية الذي كان يحلق فيه، فإنه برغم كل هذه المعوقات أنجز منجزات عظيمة وشرع في أخرى كان لها نتائجه ومتوالياتها اللاحقة. وبذلك كان العرش العلوي هو واضع مخطط مشروع "التحديث" والتجديد على أسس عقلانية منذ أواخر القرن الماضي. فالمولى الحسن الأول هو أول من بعث البعثات الطلابية إلى الخارج للاستفادة من العلم والتكنولوجيا الحديثة. وهو أول من استعار من أساليب الغربيين التنظيمية والعسكرية ما أطر به الجيش المغربي وجهزه، حسب الإمكانات المتاحة، وأول من حاول إصلاح الجهاز الإداري المغربي، وخاض الصراع في سبيل دعم السيادة الوطنية والتجديد ضد أطماع الدول الأجنبية من ناحية، وضد قوى الجمود الفكري من ناحية ثانية، وضد الظروف الشحيحة بالعطاء والإنجاح.
ولم يكن في العالم الإسلامي يومئذ غير دولتين إسلاميتين يحسب لهما الغرب الأوربي حسابهما، وهما الدولة العثمانية في الشرق والدولة المغربية في المغرب. ولذلك ركز الغرب سياسته التطويقية والاستعمارية ضد هاتين الدولتين. فانقلبت الأولى إلى (دولة حديثة) بعد أن تخلت عن ممتلكاتها وتقاليدها وأصالتها طبقا للشروط التي أرادها الغرب نفسه.
وبقيت الثانية تتحدى وتغالب القوى الإحباطية والاستعمارية من غير أن تنقلب إلى أي صورة أخرى تختلف بها عن أصالتها واستمراريتها.
لكن المغرب مني بالاستعمار والاحتلال، فازداد تثبتا بقياداته وعرشه باعتبار هذا العرش الإدارة الشرعية الوحيدة لتجنب الفوضى والاختلال الداخلي، ذلك أنه في عصور الاضطرابات يلجأ الشعب إلى غريزته الوطنية التي تلهمه التضامن مع القيادة والالتفاف حل رمزها، فبذلك تنتعش القيادة نفسها، وتجد في الولاء الذي يحيط بها القوة المتجددة لخوض النضال، أو استشعار المسؤولية.
في مثل هذا المناخ من ثلاثينيات هذا القرن استدرات النفوس عقب إلقاء السلاح من يد المقاومين للاحتلال، نحو العرش المغربي، ونحو المتربع عليه محمد الخامس، حيث بدأ للجميع ممن كانوا على مستوى رفيع من الوعي الوطني أن العمل السياسي هو الأسلوب الناجع لخوض معركة التحرير على أساس العودة بالنضال إلى القاعدة الشعبية العريضة. وهكذا بدا من الضروري خلق وعي وطني حديث ورؤية نضالية جديدة. فكانت الحركة الوطنية التي رسمت فلسفة هذا النضال وحددت أهدافه.
وفي إطار هذا التحرك الوطني الشامل نحو استرجاع المغرب لحريته واستقلاله وجد العرش المغربي دوره الطليعي لقيادة المغرب نحو أهدافه. وهو دور متسق مع تاريخ الدولة العلوية، إذا ما نظرنا إلى سياسة ملوك هذه الدولة في مجال استرجاع الوحدة الترابية وتطهير الثغور المغربية من اختلال القراصنة الغزاة.
فالمولى الرشيد كان المؤسس الحقيقي للدولة العلوية على أساس إنقاذ المغرب من التجزئة، ومن الفوضى الشاملة التي كان يتخبط فيها بعد سقوط السعديين.
وجاء لمولى إسماعيل لينهض بدور طليعي في تحرير الشواطئ المغربية، واستكمال الوحدة والسيادة الوطنية في عصر كان المد والاستعماري الغربي على أشده في بسط الهيمنة على بلاد المشرق والمغرب، ومطاردة طلائع هذا الاستعمار، وكذلك سار سلاطين الدولة تباعا، وعلى رأسهم السلطان سيدي محمد بن عبد الله.
ولما بدأت المؤامرات ضد الصحراء المغربية من جانب الإسبان والأنجليز وقف السلطان المولى الحسن الأول الموقف الذي كان يحتمه الظرف التاريخي، فأخذ يشد الرحال على الجنوب مرة بعد أخرى لتفقد أحوال الرعية، وأشعار من يعنيه الأمر بأن الحضور المغربي وسيادة الدولة على ترابها أمر مفروغ منه بالنسبة للصحراء. غير أن المؤامرات كانت اكبر الوسائل المتاحة لإحباط فقط دخلت فرنسا إلى الصحراء من أرض الجزائر، وبسطت نفوذها على أقاليم تابعة للمغرب يومئذ بحكم البيعة وانتداب الموظفين والممثلين للسلطان.
والخلاصة أن العرش المغربي في عهد الدولة العلوية حتى وقوع المغرب تحت الحماية كان أكثر من رمز لتمام الحكم السائد، بل كان يمثل إرادة أمتنا في التحرر والسيادة والوحدة كما يمثل قيادة شعبنا نحو هذه الأهداف. بل كان أحيانا طليعة الجهاد والنضال في سبيل الحفاظ على السيادة والمنعة، برغم التحديات التي واجهها المغرب في عصر لم يكن فيه لغير الدول الصناعية الكبرى ذات الأساطيل البحرية والجيوش المدججة الكلمة الفصل في تقرير مصير الشعوب المستضيفة ويحتفظ المغرب باستقلاله وسط هذه الزعازع والأحداث حتى آخر لحظة، بعد أن طوق الاستعمار العالم الإسلامي كله مشرقا ومغربا.
-4-
ونعود إلى الدور الطليعي الذي نهض به جلالة المغفور له محمد الخامس في مقاومة الاستعمار الفرنسي والإسباني، لنجتزيء فقط – ما دام الأمر غنيا عن التذكير بله التفصيل – بتخليص المشروع التحريري الشامل الذي كان بالنسبة لهذا الملك المجاهد الهاجس الذي لم يفارق وجدانه وسلوكه، إنه هاجس النهوض بأمته إلى مصاف الدول المتحررة التي تستعيد مكانتها الحضارية، وتوازن بين تنمية حياتها المادية وبين رصيدها الروحي والفكري، لقد كان الأسلوب الوحيد الممكن لإنجاز هذا المشروع هو التحرر السياسي والأخذ بأساليب العصر في استثمار العلوم والتكنولوجيا والثقافة. وكان خوض المعركة يعني النضال في واجهتين: الواجهة السياسية، والواجهة الاجتماعية. وكان من الحكمة أن يبدأ بالتنوير ونشر التعليم، والعمل بالحكمة على الملاءمة تدريجيا بين النهضة والتحرر، ولذلك قال جلالة الحسن الثاني بحق، في كتابه "التحدي" "إن العرش العلوي قد حال دون تحقيق هدف ضم بلادنا وهو الهدف الذي تطلعت إليه إسبانيا وفرنسا. وعندما تجد آية أمة نفسها مرتبطة بأمتين أقوى منها وتجد نفسها معزولة، وعمليا غير مسلحة يكون عليها تجنب اللجوء إلى القوة لئلا تسقط ضحية استعباد جديد أكبر. فالتضحية بجيل من الشباب ودفعهم إلى الموت لا يعني تحريرهم، ولا يجوز التطويح بشعب في معركة تستهدف اقتحام السماء "إن النير الذي كان قد فرض علينا إذا أثقل وأرهق بعد حرب الريف" ولهذا فإن المعركة المستمرة التي خاضها المغاربة طلبا لاستقلالهم أخذت مظاهر أكثر تنوعا وتكيفت وفق ما في أيدينا من وسائل وأسلحة..." ثم يقول جلالته في هذه الكلمات الجامعة:
"وإذا كان الشعب المغربي لم يتقوقع على نحو من الرتابة المادية، فإن الفضل في ذلك يعود إلى وفائه وإخلاصه كما يعود إلى غناه المترسخ في الأعماق والنابع من طبيعته الروحية والأخلاقية، وكلها مميزات من واجب الملوك العلويين أن يكونوا حراسها والمحافظين عليها. وملوكنا الذين لم يتخلوا أبدا عن أداء الواجب المقدس يرجع إليهم الفضل في إبقاء الشعلة الإسلامية منيرة وضاءة رغم أن الشعلة أخذت تذبل في أماكن أخرى...".
"وإذا كان التوفيق قد حالفنا حتى تغلبنا على المعضلات التي اعترضت سبيلنا فإن مرد هذا التوفيق إلى أن شعبنا اهتدى إلى طريق المحافظة على الإيمان برجل كان رمز الإيمان بأتم معانيه. ذلك الرجل هو أبي".
وبهذا التحليل نفهم كيف أنه لم يكن هناك فرق في عمق الحقيقة بين وجود عرش المغرب ووجود الأمة ذاتها. ما دام هذا العرش هو رمز للوحدة والسيادة والاستمرارية التاريخية في نطاق الاختيار الإسلامي.
ومنذ الأربعينيات من هذا القرن، أي منذ أن وضعت الحرب العالمية أوزارها، وإلي تحقيق الاستقلال سنة 1956 عمل العرش المغربي في شخص جلالة محمد الخامس على خوض ذلك الجهاد السياسي السافر الصريح ضد الاستعمار، ويكفي للتدليل على ضراوة هذا الجهاد ما انتهى إليه الأمر فيه من نفي جلالته وأسرته إلى مدغشقر، كما يكفي للتدليل على صدقجهاد محمد الخامس أنه آثر النفي والتشريد على عرش وهمي يكون فيه لعبة في يد الأجنبي، فالعرش المغربي كما مثلت ذلك سياسة محمد الخامس وقيادته إرادة أمة وليس مكسبا تاريخيا وشخصيا يكرس صاحبه للمحافظة عليه كل أسلوب ممكن. وهو لذلك لم يكن كرسيا داخل القصر، وإنما كان إيمانا في قلب كل مغربي. وقد ظل محمد الخامس ملكا للمغرب حتى وهو في مدغشقر على بعد آلاف الكيلومرات من بلاده.
-5-
أما الإضافة الجديدة التي حققها جلالة الحسن الثاني إلى التحام العرش الاستمرار التاريخي للمغرب، وإلى تأكيد هذه الحقيقة من خلال الممارسة فهو العمل الكبير الذي أنجزه منذ كان إلى جانب والده خلال المرحلة الأولى من معركة التحرير، وإلى تحقيق الاستقلال سنة 1956. ثم ما قام به منذ توليه مقاليد الأمة، وحتى اليوم من أعمال لا يمكن حصرها ولا تعدادها. وكلها دليل على تأكيد الحقيقة التاريخية التي انطلقنا من أثباتها، وهي أن العرش المغربي كان إرادة أمة قبل أن يكون عنوان نظام سياسي.
إن أي نظام سياسي يمكن أن يحتمل واقعين مختلفين شديدي الاختلاف. وهما أن يكون هذا النظام مفروضا على الشعب، وإن يكون هذا النظام من اختيار الشعب ومن صنعه.
وإذا جاز لنا أن نعتبر الأزمات السياسية والاجتماعية التي تمتحن بها الشعوب في فترات من تاريخها هي في نفس امتحان وتمحيص لقوة الأنظمة أو هشاشتها، بحيث تتمكن تلك الشعوب من الإبقاء عليها أو الإجهاز عليها، فإن الأزمات التي عاشها المغرب هذا القرن ابتداء من فرض الحماية وإلى الاستقلال، ثم ما بعد الاستقلال، لم تزد النظام المغربي إلا ترسيخا وصمودا في وجه الأعاصير والتقلبات التي عصفت بكثير من الأنظمة التي كانت مستوردة أو مصطنعة.
إن مرحلة ما بعد الاستقلال كانت أثقل في ميزان الجهاد المرير، وأكثر داعية للتضحية والتغلب على المؤامرات والمغامرات، وبالتالي كانت مرحلة الاختيار الحقيقي لجوهر أمة خرجت من مرحلة الاستعمار بميراث ثقيل من المتناقضات السياسية والاجتماعية. لقد كانت مرحلة دقيقة وحاسمة ومغرية بكل مغامرة ممكنة في وجه الذين اعتادوا استغلال التناقض لحسابهم الشخصي. بل كانت المرحلة الدقيقة التي يستعجل فيها المحرمون والكادحون والذين ضحوا بالغالي والنفيس في سبيل الاستقلال بقطف الثمار قبل أوانها.
بل كان الوقت مناسبا لتحقيق كل ذلك في غياب أي هياكل ديمقراطية أو دستورية للبلاد. ويمكن لنا أن نعترف بأن المغرب قد تجاوز بالفعل كثيرا من المخاطر بفضل قيادة جلالة الحسن الثاني، وإيمانه والتفاف الأمة حوله. ويكفي أن يقف المرء على مظاهر تلك المخاطر في المرحلة التي نتحدث عنها في كتاب التحدي، ولاسيما في فصله (روح الدستور).
لقد مضى ربع قرن حتى الآن على استقلال المغرب، وعلى ترجع جلالة الحسن الثاني على عرش المغرب، وعرفت هذه المرحلة أحداثا جساما لا بالقياس إلى ما عرفه الشعب المغربي ولا بالقياس إلى ما عرفه العالم كله من أحداث وأزمات وحسب، ولكن بالقياس إلى ما عرفه العرش المغربي من اختيار أيضا. وما لا تزال بلادنا تعرفه من خلال تالب خصوم وحدتنا لتربية ضدنا وما تخوضه من مغامرات طائشة ضد صحرائنا المسترجعة، تكلف المغرب التضحيات تلو التضحيات.
ولكن القيادة الحكيمة لجلالة الملك، والتقاليد الرفيعة التي ظل العرش وفيا لها، حققت برغم ذلك من المكاسب الوطنية ما يصغر إلى جنبه كل خطب من الخطوب.
يقول جلالة الملك في إحدى خطبه: (خطاب 23/10/1975) يخاطب شعبه: "وهكذا ترون أن روابطنا وأسس تعاملنا ليست تلك الأسس المصطنعة التي خلقها التاريخ صدفة، بل هي قبل كل شيء ترابط وتعامل مبني على أعز ما في أنفسنا وأقدس ما في أرواحنا...".
ومن أجل ذلك أيضا ظل العرش المغربي فوق الأحزاب والهيئات السياسية، وفوق السلط الثلاث نفسها ليظل بذلك ممثلا للأمة بكل فئاتها، وقريبا من كل طبقاتها وعناصرها وأفرادها، بنفس المسافة – لا فرق بين يمين ويسار، وأغنياء وفقراء، ومحافظين ومتحررين.
ونعتقد أن تحقيق ذلك ليس بالأمر الهين في عالم مبهور الأنفاس وراء الشعارات منقاد بطبيعته للديماغوجيات، بل نرى أكثر من ذلك أن العرش المغربي اكتسب من اختيار المغرب اختياره التاريخي قدرة جديدة على التحدي والاستمرار، وذلك حين التزم بأن يعطي لنفسه البعد الدستوري الذي نقله من نظام تليد إلى النظام جديد. وجعله أداة سياسية وغاية في نفس الوقت.
إنه سواء كان التاريخ هو الذي يصنع الرجال أم كان الرجال هم الذين يصنعون التاريخ – علما بأن إرادة الله هي من وراء الجميع – فإن العرش المغربي في التاريخ الحديث قد صنع المغرب الجديد، بالقدر الذي يمكن القول معه بأن المغرب الحديث قد مكن العرش من هذا الإنجاز العظيم. وبذلك يتأكد باستمرار أن العرش المغربي كان من وراء الاستمرار التاريخي، وأن الاستمرار التاريخي للمغرب كان يؤكد مصاقية اختيار الشعب المغربي في نفس الوقت.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here