islamaumaroc

موحدات المغرب.

  عبد الحي العمراني

العدد 246 جمادى 2 1405- مارس 1985

يتميز المغرب بكونه من حصون الإسلام المتبعة وخطا دفاعية صلبا في وجه الاستعمار والصليبية من ترسخ الإسلام بأرضه ونصبت منابره وارتفعت أعلامه وثبتت أركانه وآمن المغاربة بمبادئه فجاهدوا في سبيله واستشهدوا من اجل عقيدته وشريعته ولم يتوانوا في تحمل أعباء النضال والنزل لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفورا السفلى.
وقد ظل المغرب طيلة قرون وقرون أرضا للإشعاع الإسلامي والرسوخ العربي والتنوير الفقهي والتضامن الاجتماعي بكل ما في معنى التضامن من أخوة وتعاون وتآرز ضد كل عدو ماكر يستفز المغاربة ويحاول المساس بوطنهم أو حقوقهم الثابتة وهم شعب ألف نسيان الخصومة المحلية كلما دعاه الواجب الإسلامي الوطني لتكاثف لدحر أعدائه والدخلاء عليه كيفما كانت قوتهم وتحالفهم.
ولن يصعد المغرب مرة أخرى إلى القمة مجدة التليد إلا بالشموخ الإسلامي والأصالة العربية التابعة من أصول الأمازيغ منذ هجرتهم العريقة في القدم من بلاد اليمن إلى أن تعززت بالهجرات العربية المتوالية منذ الفتح الإسلامي حيث تكون الشعب المغرب العربي المسلم وغدا شعبا له مميزاته الخاصة وأصالته المتمكنة وأخلاقه النبيلة بما جبلت عليه من كرم وتحرر وتضامن في الشدائد والمآسي والأزمات.
ويتبع الحكم في المغرب من أصالة شعبه وما جبل عليه من فضائل كريمة تمكنت فيه بفضل القرآن الكريم وأحاديث الرسول الأمين وبذلك فجميع الدول التي حكمت المغرب من عهد إدريس الأول لم يقم حكمها إلا على الأسس الراسخة في أعماق المغاربة لم تقم حضارته إلا بفضل الإسلام ولغته وقيمة وتشهد على ذلك المآثر السامقة والمؤلفات الضخمة وتاريخ الرجال الذين حكموا المغرب في رفعته الحقيقية المتمددة من نهر السينغال إلى القارة الأروبية بما تضمنه من مدن وسواحل وجبال وسهول وانهار وغابات وصحاري شاسعة وبقى المغرب محافظاً على طابعة في هذه الأراضي المنطلقة شرقاً وغرباً شمالاً وجنوبا تصمد بأبطالها إزاء كل من تسوي له نفسه الشريرة أن يدنس أرضه أو يمس شرفه أو يهين كرامته أو يعبث بوحدته.
ولم تفلح الدول الاستعمارية الأوروبية في تآمرها على المغرب لتغيير وجهته أو ابتلاعه رغم ظروف القهر والغلبة والاستعمار والتآمر المشين ماضيا وحاصرا واستطاع المغاربة رد كل حملة من حملات الحقد الصليبية ودحر الجيوش الكائدة ولو تحالفت وتضامنت لفك الرابطة المغربية العنيدة فانهزم أعداء المغرب وبقى المغرب مسلماً عربيا ثابتا مستظلا بوحدته وما يحمله من بذور نافعة توتي ثارها الطيبة جيلا بعد جيل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
لقد استمر الشعب المغربي تقيا في عقيدته وتشريعه رزينا في سياسته وحكمة أمينا في عهوده ومواثقه مراعيا للإخوة العربية الإسلامية ينافح عنها في كل ركن من أركان العروبة والإسلام لا يبخل بمال ولا يتوانى في بذل المهج والأرواح كلما دعا لا واجبه الديني والوطني للجهاد والنضال وظهر ذلك جليا في موقف الشعب المغربي من الدفاع عن فلسطين السليبة حيث أرسل ملك البلاد والقائد الأعلى للجيش الملكي كتيبتين لمؤازرة في سيناء والجولان وفي كل رقعة يقف عليها الأعداء ليدنسوا المحارم والمقدسات، ولولا بعد الديار لما بقى عدو الإسلام يصول ويجول في مسرى رسول الإسلام محمد (ص)، إن كلمة المغاربة لا تجتمع إلا بالإسلام ولا تجاهد إلا تحت رايته ولا تبذل إلا من اجل الوفاء له ومن يتخرص بغير ذلك فإنما يضرب في جديد بارد ولا يجني إلا الحسرات لان مشاعر المغاربة لا تهتز إلا بالإسلام وقيمه ولا تتحمل أعباء الدفاع إلا بمبادئه وأهدافه وتنبذ الشعارات الدخيلة والأماني الخادعة والأقاويل المزيفة والأهواء والتطاول المغرض والانحراف الفاسد والتشيع الأعمى.
لقد وفي ملوك الشعب المغربي لإسلامهم كما وفي المغاربة أجمعون ووقفوا جميعا في وجه الكفر والطغيان والجبروت ولا يبخلون بعزيز ولا يضنون بجليل وبذلك قامت حكومات مغربية إسلامية قوية أسست حضارات وإمبراطوريات وانطلقت بالإسلام في مجاهل أفريقيا وفي معاقل النصرانية فامتزج الإسلام بقلوب كثيرة واستساغته قلوب وافرة وخضعت لحكمة أجناس متعددة تعلمت منه الإخوة الإنسانية في أجلى مظاهرها بلا لونية ولا نعرة ولا طائفية ولا عرقية ولا عنصرية ولا قبلية وقد تعاقب على عرش المغرب ملوك نشروا كلمة الله ورسخوا تعاليم الإسلام غير مشوبة بخلافات مفرقة ولا بنعرات طائفية ولا بعنصريات هدامة مفسدة.
وظل ملوك الدولة العلوية يأخذون بزمام المبادرة ويتصدرون ركب الإسلام ويقودون جيوشه ويحافظون على وحدته ويحطمون الأغلال ويكسرون الحواجز ويشتعلون روح النضال في أفراد شعوبهم ويعلمونهم أن الإسلام قوة للتوثب والإحياء والتحرر من مفاسد الإيديولوجيات الدخيلة وما تحدثه من بلبلة وتراجع وانكماش ثم اندحار.
وجلالة الحسن الثاني ملك مغرب أصيل عارف بأحوال المغاربة وأصولهم وتاريخهم رضع لبان الاصالة المغربية بكل ما تحمله من عوامل موقظة للأحاسيس الشريفة النابعة من تعاليم الإسلام المترسخة في أعماق الشعب المغربي وهو يعمل جادا لإحياء ما اندثر من عبقريات وإظهار ما خفي من مكرمات وخدمة لشعبة وهداية له حتى لا يتيه جزء منه في المنعرجات المهلكة والمنحرفات المضلة إلى أن يتعمق في جميع العقول المغربية أن المغرب يكون سلسة ذهبية في تاريخ الإسلام ويترعرع شبابه الناشيء في أحضان العزة والكرامة الإسلامية فيعمل ويصمد لتحقيق الأهداف المرجوة وينطلق في مجال البناء والتشييد وإحياء المعالم المضيئة في تاريخه ليظل شعبا قائدا ماهرا عالما بطريقة الوصول إلى تبوء المكانة اللائقة به وبتاريخه العظيم.
 إن خطاب جلالة الملك عند افتتاحه لأعمال مجلس النواب جاء معبرا عن مضامن ما يعتقده شعبة وما يؤمن به في قرارة نفسه وما يتطلع إليه في مستقبله وما يؤمنه في حاضره فبعد أن استعرض جلالته الأحول السياسية وأعطى تعاليمه للأعضاء ووجههم الوجهة القيمة حصر جلالته الأهداف المتوخاة في قوله: المدرسة الحقيقة للمغرب هي أولا لا تسامح في مقدسات الدين الإسلامي ووحدة المذهب ولغة الضاد والوحدة الترابية وأمور لا يمكن مناقشتها ولو ثانية واحدة.. نعم لا يمكن مناقشتها لأنها راسخة وثابتة وجامعة وشاملة فلا يناقش فيها إلا دخيل أو مفتري أو متعنت أو أجير أو خائن أو متآمر أو شرير لكونها أهدافها ثابتة مستقرة توحد بين المغاربة وتجعلهم شعبا ملتئما متساندا منظما قويا يطمع في المعالي وينظر إلى الأمام لا يتراجع في خطواته ولا يتعثر في مسيرته.
وسنحلل باختصار شديد الأهداف الأربعة الواردة في الخطاب الملكي السامي لنتبين معالم الطريق ونسير على هدى من الله ونتجنب المزالق والأوهام.

1) الإسلام:
هو دين الدولة الرسمي المنبعث من أعماق كل فرد من أفراد الشعب المغربي إلا من كفر وعصى وخان وخرج عن الجماعة فصوت تصويتنا ناشراً لا يتلاءم مع المجموعة المغربية المتأصلة في إسلامها وتاريخها ووحدتها.
والتنصيص في الدستور المغربي على أن المغرب دولة إسلامية هو مجرد تقرير واقع وتأكيد، وإلا فان المغاربة يدركون هذا الواقع ويعيشونه ويقدسونه ولا عبرة بمن شذ فتلبس بما جعله خارجا عن الجماعة منبوذا تافها عميلا.
إن الشعب المغربي بعرشه قد نشأ في ظلال الإسلام وعلى هدى من الله فاستمر تسلسله مع التاريخ يحمل لواء الإسلام ويدين بتعاليمه واعتبر الجيش المغربي جيشا للإسلام ينافح عنه ويذود عن حياضه ويقف بالمرصاد لكل معتد أثيم ومتحيز ظالم أو جبار عنيد على أساس وحدة الشعب المغربي بجيشه وعرشه حصل الامتياز لشعبنا.
انه يكون وحدة إسلامية وقومية لا مثل لها ولا يتصور المغرب إلا بكتلته المتراصة وبقيادته المسلمة الصادقة فلم يقع بذلك في مهب التخاذل الشعبي والحكمي والمذهبي والعنصري والطائفي وحافظ على وحدته السياسية والجغرافية والفكرية مما جنبه الوقوع في مستنقعات النحل والأهواء وبقيت عقيدته طاره وتشريعه نظيفا فعاش مرفوع الرأس متحديا الأحداث الجسام فلما حاول الاستعمار الغربي مس شرفه وكرامته ودينه ولغته بالبطش والتسلط والقتل وتصدى له المغاربة شعباً وعرشاً إلى أن انتزعوا استقلال وطنهم وأعادوا كرامتهم المفقودة وطردوا المستعمرين وسوف يقضون على البقية الباقية من إذنابهم بما لهم من تشبث بقيمهم ورسوخ في اصالتهم.
وقد أشار جلالة الحسن الثاني في خطابة التوجيهي بالقصر الملكي بالرباط عند ترأسه للمجلس الأعلى للمجالس العلمية بان من واجب العرش المغربي ومن أسمى واجباته الوفاء للأمانة المقدسة وان انتشار الإسلام في الشرق لم يكن كانتشاره في الغرب لان الإسلام في المشرف الأقصى كما قال جلالته وجد نفسه مبنياً على نوعين من الرهبانية ونجد أن الإسلام الذي انتشر غربا لم يحتج إلى تلك الرهبانية بل منذ اليوم الأول كان سنياً وبقى سنياً. وتساءل جلالته عن السبب في هذا الفرق وأجاب بان ذلك يمكن إيجازه في كلمة واحدة: عدم التعريف بالعربية،
واستدل بقول النبي (ص) لا رهبانية في الإسلام، وبذلك فان جلالته يدرك الأخطار المحيطة بالمسلمين لتفريطهم في شؤون دينهم ولغتهم مما أضعفهم وأصابهم بالانحلال والخلاف واطمع فيهم أعداءهم وكل ذلك يستوجب النقد الذاتي والرجوع إلى الأصل لاستفتائها والسير بالدعوة الإسلامية سيراً متعقلاً رزينا مع الارتكاز على القرآن الكريم والسنة والنبوية الصحيحة.
والدعوة الإسلامية كما يريدها جلالته في حاجة أكيدة إلى النظام والوعي والتوجيه وإزاحة المتلبسين بالإسلام ولتكون إسلامية حقة غير مصبوغة بالمذاهب المنتحلة الفاسدة والنازعة إلى الشر والتهديم والرعونة والافتيات.
ولابد من أن تسير الدعوة الإسلامية باللين والحسن والتسامح والمعرفة للإسلام معرفة قيمة شاملة إذ الجهل بالإسلام أساس المصائب ومجال التأخر والهبوط والانحطاط والضعف والانهيار، والإسلام مبسط في أحكامه وتشريعاته بلا تظاهر ولا رياء ولا كهنوت ولا تقليد ولا تصنيع لان التظاهر بالدين نفاق والمسلم الصادق ما كان ظاهرة كباطنه إذ لا رهبانية في الإسلام ولا نفاق ولا تهريج ولا ضلال.
وقد نهى القرآن أهل الكتاب عن الغلو في الدين فقال سبحانه: "قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل" وقال: "يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله"
لقد دعا جلالة الحسن الثاني إلى نبذ الكهنوت في العبادات والى التمسك بالقرآن والسنة المطهرة وال بتطهير في الإسلام من الجهلات والرهبانية ليبقى المغاربة سنين محافظين على مسيرتهم الإسلامية المظفرة.
وقد حذر جلالته من السلبية في الوعظ وأكد علي تعزيز ألتربيه الإسلامية في المنزل والمدرسة والمسجد ليبقي المغرب كما نشا في ظل الإسلام منذ ما يزيد على أربعه عشر قرنا.
ونهي جلالتة عن الفوضى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكون الإسلام ينهي عن التزمت والتعصب والرجعية والأفكار ألهو جاء ولا يريد قتل الشعور الإنساني في الناس ويدعو ألي التيسير والتبشير والتفتح والاجتهاد وينهي عن العسر والتشديد انقباض وقنوط.
روي عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن النبي (ص) قال:" سددوا وقاربوا ويشربوا فانه لا يدخل أحدا الجنة عمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بمغفرته ورحمته.
 ويقول سبحانه وتعالى: "وأن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله أن يتبعون إلا الظن وأن هم ألا يخرصون"
 ويقول: "إن الذين فوقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء" وعندما تنتشر المناكر والأهواء في مجتمع من المجتمعات ويضعف فيه الوازع الديني فان النفوس تمرض والضمائر تتخرب والقلوب تقسو فيسرع الخراب ويكثر البهتان وتتلاشى الفضائل والأخلاق وفي القران الكريم: ولتكن منكم امة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون"
 وفيه: "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتومنون بالله"

2) وحدة المذهب:
ومن مميزات المغرب بل الشمال الإفريقي كله وحدة المذهب إذ يأخذ المغاربة جميعا بمذهب الإمام مالك وهي ميزة مغربية فذة تبعد المغرب عن المشاحنات الخلافات وتحفظ له قوته الإسلامية من التضاربات وبذلك لم يحصل في المغرب ما حل في المشرق من المجابهات الانقاسمية.
والتمزق في الوحدة التشريعية طيلة قرون كثيرة وبقى مبتعدا عن الصراع المحموم بين أصحاب المذاهب المختلفة في دولة واحدة مما خلف صراعا عنيفا وصل إلى حد المجاهرة بما ينفر منه الإسلام ويمقته مما أدى أحيانا إلى التباغض والتكافر والتقاتل بين المسلمين مع بعضهم وكأنهم أعداء لا تجمعهم رابطة ولا توحدهم عقيدة ولا تربط بينهم شريعة.
إن الإسلام في المغرب بتفوق بالوحدة المذهبية إقتداء بالإمام مالك وبالوحدة العقيدية إتباعا لمذهب الإمام الأشعري وللمغاربة مستع في أقوال المالكية واستنباطاتهم وتفريعاتهم وفتاويهم وبذلك يحق للمغرب إن يتولى الزعامة السنية الأصلية لابتعاده عن المخاصمات والمنابذات والبدع المذهبية والمنكرات العقيدية التي وقع فيها إخواننا المشارقة فانقسموا طوائف وشيعا. إن وحدة المذهب تجمع بين أفراد الشعب وتحجب عنهم الانقسامات وتجعلهم كتلة متراصة متآزرة غير مضطربة ولا متناحرة وبدون الوحدة المذهبية لا يستقر القضاء ولا يخطو خطواتة الثابتة العملية وتكون الأحكام مقبولة من الجميع مسايرة للواقع المعاش المقبول من جميع أطراف الشعل فإذا وقع التنازع حلت المشاكل كل بما يرضي الحق ويزيل الخلاف ويخضع الأطراف للحق والإنصاف.
والمذهب المالكي مذهب جامع ومتسع الإرجاء ومرن ومرتكز على أسس أصولية ثابتة مقررة معروفة فهو مذهب يعتمد على الكتاب والسنة والإجماع والقياس والعرف والعادة ويأخذ بالمصالح المرسلة وهي باب واسع ومحجبة للاجتهاد القيم وقد أعطيت للمذهب المالكي ما جعله كثير الفروع غزير الاستنباط كبير الاحتواء لا يقف مشدوها أمام الحضارات مهما اتسعت وتشعبت ولذلك كثرت فيه التأليف البارعة والمسوعات الفقهية الجامعة فأصبح مذهبا مستبحرا قابلا للاجتهاد لا تقف في وجهة عقبة ولا تقلص من امتداده مستحدثات ولو تعقدت وتكاثرت فلا يحتاج إلا للفقهاء المهرة والمعطلين المبرزين والدارسين الممتازين.

3) إن اللغة العربية من موحدات الشعب المغربي الأساسية وبها بقى المغرب محافظا على نظافته الإسلامية بغير زيف ولا تشويش ولا انقسام وأراد الاستعمار الفرنسي أن يزيف وحده المغرب بظهيرة البربري فاخفق وانتهي أمره وبقي المغرب عربيا ثابتا صامدا للزوابيع والأعاصير ومن شذ فانه على شذوذه. وتعاسته وتقوقعه وعمالته لان أصول المغاربة تنبع من منبع واحد لا ثاني له وقد قال أبن خلدون: أن هؤلاء البربر قدموا من جنوب جزيرة العرب وأن جدهم الأول يدعى مازيغ.
وهذه الشهادة وحدها من عالم جليل ومؤرخ عظيم واجتماعي ماهر ومطلع خبير تكفي وحدها للرد على أتباع الاستعمار وأنصار التفرقة والخذلان فلا نترك أقوال العلماء الأعلام والباحثين الأفذاذ لننصت إلى أصوات الأذناب والتوابع الدنيئة وندوس ميزتنا المغربية وأصالتنا العربية وتاريخنا حافل بعلماء العربية وكتباها مما جعل المغرب يحافظ على سلامة العربية بعلمائه الأوفياء ومؤلفيه الأتقياء.
وقد قال جلالة الملك الحسن الثاني في إحدى خطبه: وما هو السبب في هذا الفرق بين الإسلام الأقصى الشرقي والإسلام الأقصى الغربي الفرق أو السبب لهذا الفرق هو سهل ويمكن أن نوجزه في كلمة واحدة عدم التعريف بالعربية فجهل اللغة العربية هو الذي نشر رجال الدين الذين كانوا ينتكرون اللغة العربية تلك اللغة التي يجب علينا أن ندركها ونكون ملمين بها حتى يمكننا الاستفادة من تلك اللغة التي يجب علينا أن ندركها ونكون ملمين بها حتى يمكننا الاستفادة من أولي الفكر والعلماء.. إنها كلمة ذهبية من جلالته أعلنها عن إيمان وإدراك ووعي بمسئولياته العربية والإسلامية الكبيرة ذلك أن الإسلام يضيع بضياع لغته التي نزل بها القرآن الكريم فلن يفهم هذا القرآن حق فهمه إلا في لسانه العربي وغير العربي يسمح له مؤقتاً أن يتدين بالإسلام ريثما يتعلم لغة القرآن ولذلك ألح جلالة الملك في مؤتمر القمة الإسلامي بالدار البيضاء على رؤساء الدول الإسلامية أن يعتنوا باللغة العربية لمعرفة الإسلام ودفائقه وسياسته وقيمه ليتوحد المسلمون وتجتمع كلمتهم فهو كقائد مسلم عربي متفوق ومفكر قدير يدرك أن للغة الحظ الأوفر في وحدة الأمة المسلمة لذلك نصح رؤساء الدول الإسلامية بإعطاء اللغة العربية ما تستحقه من مكانة وبالأخص في المناهج الدراسية لتتقارب شعوب المسلمين وتتوحد في التفكير لبناء أمة إسلامية دستورها ولسناها لغته ومنهجها سنة رسول الإسلام محمد (ص).
ونؤكد مرة أخرى نظراً لمكر الدعاية وخبث الاستعمار وأذنابه وقبح الصهيونية وخططها أن الشعب البربري شعب أصيل في عروبته عريق في إسلامه تحمل الرسالة الإسلامية وأذاعها وتشبث باللغة العربية ووطد دعائمها وقاد الفتوح الإسلامية وما ذلك إلا لدمائه العربية ولم يكن العرب في المشرق يسمحون لغير العرب بالقيادة في الفتوح والأمر على العكس في المغرب حيث أستند القيادة إلى برابرة لكونهم عرباً كإخوان القادمين من الشرق العربي فهذا طارق بن زياد يقود الجيوش الإسلامية في الأندلس ويخطب في الجيش بلغة عربية رائعة ثم يأتي المستعمرون ومن يسمون أنفسهم بالباحثين ليختلقوا الأراجيف ليشككوا في عروبة طارق واقرأوا إن شئتم تاريخ المرابطين والموحدين والمرينيين فستجدون العروبة ناصعة والأقوال مأثورة والإسلام لامعاً.

4) الوحدة الترابية:
بقيت وحدة المغرب الترابية ثابتة في أعقاب تاريخه الطويل وأستمر الجهاد المغربي يتخطى الصعاب والعقبات مؤقتاً بالنصر متمسكاً بالعزة مستميتاً في الدفاع والنزال بمدنه وقراه وسهوله وجباله وصحاريه ولم يسكت المغربة عن الهوان ولم يخضعوا للابتزاز والاحتلال وتتابعت مواكب المقاومة المغربية بالسياسة والسلاح إذ جذور الحرية عريقة في شعبنا لا نقهر بالقتل والتسلط والاحتلال مما جعل المغربة بالمرصاد لكل طامع أو متربص أو حاقد ولم تستطع أي قوة محو أصالة الشعب المغربي أو منعه من الالتحام في المعارك الفاصلة بين الحق والباطل رغم تعرض وطننا للأطماع المتكاثرة وذلك يؤكد الاستمرار في وحدتنا وترابطنا وادراكنا لما يراد بوطننا وما يدبر له من مكايد من الكفرة وأنصافهم.
والعرش المغربي هو الضامن الوحيد لوحدة الشعب المغربي والرمز الأسمى لهذه الوحدة المقدسة التليدة والروابط بين أفراد الشعب المغربي ثابتة قائمة ولن يقبل أي فرد أن تمس وحدتنا الترابية أو تستمر بين عالم الأطماع ثابتة قائمة ولن يقبل أي فرد أن تمس وحدتنا الترابية أو تستمر بين عالم الأطماع ولن يتخلى الشعب المغربي عن وحدته ولو قست الظروف وتكالب المتآمرون وهي شنشنة مغربية راسخة فقد يختلف المغاربة فيما بينهم على شيء أو أشياء ولكنهم لم يختلفوا ولن يختلفوا في وحدتهم الوطنية أبدا ولذلك نراهم في عالم السياسية يدلون بآراء مختلفة وكلننا لا نجد مغربياً واحدا يجادل في وحدة ترابه أو يقبل المساومة أو يخضع للتخريب والابتزاز وسوف يظل المغرب بقيادة ملكة بالمرصاد لكل من يحاول المساس بوحدته الترابية وهو مستعد للجهاد والتضيحة للحفاظ عليها.
لقد استعاد المغرب جزء من صحرائه وما زال أمام الشعب المغربي نضال شاق لاستكمال وحدته التاريخية لكن المهم الآن أن الصحراء المسترجعة قد تم إدماجها في الوطن الأب وقامت بها منشآت هامة وانفتح المجال بين جنوب المغرب وشماله ليلتحم الأخوة حاضراً كما كانوا في ماضيهم وارتفعت أعلام الحرية متحدية أطماع الطامعين وقضي الأمر الذي فيه تستفتيان.
وأخيرا فان البيعة بين الشعب والعرش من أعظم الجوامع الموحدة للشعب المغربي وقد قام الحكم في المغرب منذ عهد إدريس الأول على البيعة الإسلامية وما تحتويه من شروط وأعراف بين الوالي ورعيته واستمرت قائمة في جميع العهود بحيث لم يحكم الغاربة بدون بيعة شرعية.
وتعتمد البيعة على الشورى الإسلامية الجامعة للمزايا والفضائل بين الحاكمين والمحكومين وحيث إنها تقوم على دعائم إسلامية فان الخروج عنها يعتبر تحديا للإسلام ذاته وارتكاسا في الأهواء المضرة وجلبا للفرقة والتصدق بين صفوف الأمة.
إن البيعة عهد وثيق وطاعة وولاء في المنشط والمكره والصفاء والكدرة ولا تخترق إلا بكفر صراح وتتم بنقاء الضمائر وصفائها وسلامتها والوفاء لها بلا شطط ولا خيانة ولا تدليس.
وقد تطورت في الإسلام حسب الأزمان والمؤثرات وكانت العادة عن المسلمين أن يبدآ بالمبايعة كبار الناس ثم يليهم حسب درجته مع احترام السن والعلم والمكانة بين الناس وكانت في أول السلام شفوية ثم أصبحت كتابية أو يجمع فيها بينهما وكان المسلم شديد الحرص على الوفاء بعهده ولا تزحزحه المطامع وإذا دعاه الأمر للدفاع عن بيعته حمل السلاح وقاتل استشهد في سبيل عهده.
وسارت الدولة العلوية على النهج الإسلامي في بيعة ملوكها وأول ملك علوي أخذت له البيعة العامة بالمغرب هو المولى الرشيد الذي عاجلته المنية قبل إكمال رسالته وتولى بعده المولى إسماعيل فوحد المغرب وبنى أمجاده بناء محكما قوياً وبعد وفاته حدثت بالمغرب أحداث جسام إلى أن بويع الملك المصلح محمد بن عبد الله فاسترد للمغرب هيبته وقضى على الشعب والخلاف واسترجع للمغرب بعض المدن التي احتلها البرتغاليون ووقف في وجه المطامع الأجنبية برأي حصيف وحزم مستنبر وحكمة بالغة وقد بايعه الشعب المغربي لكفاءته ومقدرته وعلمه ووفائه واستقامته واسترسل الحال بعده إلى مبايعة الملك المجاهد الحسن الأول في ظروف محفوفة بالأخطار فواجهها مواجهة الخبير المتبصر وقضى معظم أيامه في مقاتلة الخارجين والمتآمرين واستطاع أن يجمع وحدة المغرب بعد تفككها وان يضرب المعارضين الجامدين النكاثين وبعد وفاته مر المغرب في ظروف قاسية وأليمة وانبلى بالاستعمار الأجنبي والاحتلال العسكري وفي هذه الفترة الحالكة بويع محمد الخامس وقد هيأه القدر ليقود شعبه للخلاص من ريقة الاحتلال وكان عميق الإيمان بالإسلام وتعاليمه شديد التمسك بالعروبة وأمجادها فقاد المغرب بمحكمة ووطنية نادرة إلى أن رد الاعتبار لوطنه بجهاده وجهاد شعبة بقيادته وتحمل وقاحة الاستعمار عندما خلعه الفرنسيون عن عرشه ليعود إليه حاملا بشرى الحرية والاستقلال.
ولما شاءت إرادة الله أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى خلفه ولي عهده جلالة الحسن الثاني الذي يعتبر من الأبطال العظام الصادمين فورث سر أبيه ليقود المغرب من نصر إلى نصر ومن عزة إلى عزة ومن مجد إلى مجد.
وقد بايعه الشعب المغربي قاطبة بعلمائه وأحزابه وهيآته وأفراده فكان خير خلف لخير سلف وانبرى يكمل تحرير وطنه مما تبقى منه في يد المحتلين فكان هو الموحد للمغرب بعد شتات ومحرر الصحراء بلا منازع فبقيادته الحكيمة يتخطى المغرب العقبات ويقطع المراحل ويحقق الآمال ولا شك انه مفخرة من مفاخر الدولة العلوية الشريفة وقائد إسلامي ماهر وزعيم عربي فريد وسوف يحقق المغرب بقيادته أمجادا وأمجادا ولينصرون الله من ينصره إن الله لقوي عزيز.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here