islamaumaroc

جلالة الحسن الثاني الملك العالم والحاكم العادل.

  إدريس العلوي العبدلاوي

العدد 246 جمادى 2 1405- مارس 1985

ما أكثر المناسبات المباركة السعيدة التي تزخر بها بلادنا العزيزة، والتي أنعم الله بها علينا في ظل الدولة العلوية الشريفة، الوارفة الظلال، المزهرة بثمار العطاءات الخيرة، الكريمة الخصال.
لكن أحلى هذه المناسبات وأسعدها وأجملها وأبهاها، وأخلد ذكرى وأغلاها، وأعزها على النفس، وأحبها للقلب، تبقى وحدها مناسبة عيد العرش المجيد، لأنه الرباط المقدس بين الحب والقلب والملك والشعب، رباط راسخ مكين، وعهد وثيق متين، لا ينفصم عراه مدى التاريخ وعلى مر الحقب والعصور.
وإذا كانت الذكريات والأعياد الوطنية ترمز إلى الملاحم والبطولات وتحقيق أسمى الغايات، فإن ذكرى عيد العرش المجيد توحي بالكثير لما لها من معان سامية، ولما تنفرد به من أمجاد و مواقف خالدة أعظم من أن تستوعبها الصفحات والسجلات. إنها ترمز إلى عزة المغرب وأصالته. ووحدته وسيادته التي حافظ عليها عبر القرون والأجيال مصانة مهابة. ترمز إلى الالتحام الدائم المستمر، والحب الخالص الصادق بين قائد محنك حكيم صاحب العرش المكين جلالة الحسن الثاني العظيم، وشعب وفي أمين شعب المغرب الطيب العنصر الكريم. هذا الالتحام الصادق والترابط الوثيق بين العرش والشعب الذي يتجلى دائما وأبدا في مختلف المناسبات، وفي شتى مواقف الشرف والبطولات.
وإن الدارس لتاريخ بلدنا العظيم في مصادره الأصلية ليجده زاخرا بما تركه الآباء والأجداد من تراث ثقافي، وكنز علمي في مختلف فنون المعرفة والعلوم، شهدت بما كان لهم من باع طويل في هذا الميدان. وعلى مدى سعة إطلاعهم، وتضلعهم، وجهودهم الجبارة، التي بذلوها لبناء هذه الحضارة، وحرصهم على الحفاظ عليها ولعل الدور الذي قامت به جامعة القرويين التي تعد من أقدم الجامعات في العالم، في إنجاب خيرة هؤلاء العلماء وصفوتهم، وفي ازدهار الحركة العلمية التي تناولت جميع جوانب المعرفة وفي الحفاظ على هذا التراث الإسلامي العربي الأصيل خير دليل وأوثق شاهد على ما نقول.
وأن تاريخنا ٍالمجيد، ليسجل بمداد الفخر والاعتزاز، وبتحية الإكبار والإجلال، الدور الايجابي العظيم الذي قام به ملوكنا الأبطال في حماية هذه الحضارة الأصلية لتبقى مشرفة زاهرة حتى في أحلك الظروف، وهكذا نرى أنه بالرغم من المضايقات التي تعرضت لها بلادنا بمفكريها وعلمائها أيام الاحتلال الأجنبي، وبالرغم من محاولاته العديدة لطمس معالم هذه الحضارة ومحو شخصيتها فإن هذه المحاولات باءت بالفشل، بفضل محرر الأمة، وباني أسس نهضتها المغربية جلالة الملك محمد الخامس رحمه الله وطيب ثراه.
وهكذا، وعملا منه قدس الله روحه على تحقيق رغبات المغرب المستقل، وما تتطللبه الحركة العلمية والثقافية والتعليمية من تطور وتجدد، وتوسيع في الآفاق تمشيا مع روح العصر، فقد قام طيب الله ثراه بتأسيس جامعة أخرى حديثة بجانب أختها القديمة جامعة القرويين، هي جامعة محمد الخامس التي عملت منذ نشأتها حتى الآن على تأدية رسالتها في تخريج العديد من أفواج العلماء والأساتذة الباحثين والمتخصصين.
واستمرارا لهذه المسيرة التاريخية الظافرة. يحتل عصرنا الذهبي أعلى درجات الرقي، وأسمى مراتب الكمال، في التقدم الحضاري، والازدهار العلمي والفكري على يد حامل مشعل هذا التقدم جلالة الملك الحسن الثاني العظيم وارث سر والده المنعم، المحافظ الأمين، على هذا البلد العزيز الحبيب، فمنذ تقلده حفظه الله هذه الأمانة العظمى والمسؤولية الكبرى، وهو يسعى جاد مخلصا ليكمل الرسالة ويبلغ الأمانة. وهكذا نرى في عهده الزاهر الباسم قد تحققت أعظم المنجزات في مختلف المجالات من كل ما تتطلبه بلاد راقية ناهضة ففي المجال الثقافي والعلمي على الخصوص، نجد تأسيس العديد من المعاهد ودور العلم، وإنشاء الكثير من الجامعات والكليات.
والمملكة المغربية، لا تقل عزما وإرادة في التشبث بعقيدة الإسلام والأخذ بحزم في تطبيق مبادئه السامية، يشهد بذلك تاريخها المجيد ومعالم حضارتها قديما وحديثا، وأن الدارس المتعمق للتاريخ المغربي ليجد أنه بفضل ما آتاه الله من قيادة حكيمة رشيدة، في شتى ميادين الحضارة والعمران، وما حباه به من نعمة العلم والعلماء الأفذاذ المبرزين، استطاع أن يحافظ على ثقافة وطنية أصيلة، راسخة الجذور والمقومات، وأمكنه بحكم ماله من حصانة ذاتية مستمدة من هذه الأصالة أن يجابه شتى التحديات الفكرية الأجنبية التي واجهته على مر العصور. وأن يؤكد ذاتيته في معترك الثقافات والحضارات المختلفة وأن يبرز شخصيته على هذا الصعيد، ناصعة الملاحم، غنية بدلالاتها، وما تنم عنه من إيحاءات خلاقة مبدعة، وهكذا واستمرارا لتأكيد قيمة الشخصية المغربية وتعميق أصالتها. يقف التاريخ المغربي وقفة إكبار وإجلال أمام عظمة الدولة العلوية الشريفة، التي يحمل اليوم مشعلها الساطع ويجسم مجدها الرائع، ويحقق أملها الواسع، جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله وأطال عمره، سليل دوحتها العالية، وإن من جميل مأثرات هذه الدولة العظيمة، وكريم مفاخرها، ما دأب عليه حفظه الله ودأب عليه أجداده، من بذل محمود بالثقافة والعلم، وما سار عليه من نهج رشيد في إذكاء شعلة الفكر، وإغناء رصيده، وما أولاه حفظه الله من موصول الحدب والرعاية لأهل العلم وأعلام المعرفة، شحذا لهممهم على الإسهام في إغناء الثقافة بالجيد المفيد من الأعمال واستنداء لمواهبهم وقرائحهم كي لا تني عن موصول العطاء في هذا المضمار.
واستمرارا لمسيرة المغرب التاريخية الظافرة، يحتل عصرنا الذهبي أعلى درجات الرقي وأسمى مراتب الكمال في التقدم الحضاري والازدهار العلمي والفكري على يد حامل مشعل هذا التقدم جلالة الملك الحسن الثاني العظيم وارث سر والده المنعم.
ومن المعلوم أن جلالته كان وزيرا لوالده الكريم، وشريكا له في جهاده، ولا أريد بالوزير هنا، الإصلاح السياسي، وإنما أريد به المعنى الذي جاء في كتاب الله حكاية عن موسى عليه السلام في قوله في دعائه "واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي، أشدد به أزري، وأشركه في أمري، كي نسبحك كثيرا، ونذكرك كثيرا، إنك كنت بنا بصيرا. قال قد أوتيت سؤلك يا موسى".
فقد نشأ جلالة الحسن الثاني نشأة طيبة مباركة، وكان قرة عين لوالده، وكان محل عنايته فأحسن تربيته وتنشئته، وكان يؤهله لحمل أعباء الخلافة بعده، ويتوسم فيه أن يكون خير خلف. ودعاؤه له، وثناؤه عليه في الغيب والشهادة من الأخبار المتواترة التي يستوي في العلم بها الخاصة والعامة، وقد استجاب الله دعاءه، وبلغه مناه فأدرك جلالة الحسن الثاني من العلوم والأعمال الجليلة، وحسن السياسة والتلطف في حل المشاكل، وصدق العزم، وقوة الإرادة، وهو لا يزال في طور الشباب أطال الله بقاءه وأدام عزه وارتقاءه، ما بهر العقول وقرت به عيون الأصدقاء، وشرق به الأعداء.
أما محبته للعلم والأدب فحدث عن البحر ولا حرج، وحسبك أنه لا يوجد في العصر الحاضر بين ملوك العرب ورؤسائهم من يدانيه في الفصاحة والبلاغة، فله من الخطب الرنانة ما يشنف الأسماع، ويبلغ الغاية في الإبداع.
وعنايته بالدروس والمجالس العلمية معروفة في المشارق والمغارب لا يطمع أحد من الملوك والرؤساء أن يجاريه في ذلك.
والملك الحسن الثاني بتواضعه الجميل تواضع محمدي نبوي خالص وصفاء سريرة هاشمية طيبة، وذكائه الألمعي، واستعداده الفكري ومعرفته الواسعة، يتبوأ مقام العالم المتمكن، والمفكر الأمين الرصين الذي يربأ و لا يعبأ بسفاسف المعاني ويعدل و لا ينزل عن علياء المعالي، وكفى شاهدا على ذلك دروسه الدينية القيمة المحكمة التي كان لها الصدى الكبير في جميع المحافل والأبهاء سواء في الداخل أو الخارج والتي جمع فيها حفظه الله بين سمو العلم وجلال العلماء ونزاهة المصلحين الذين أوتوا الحكمة وفصل الخطاب.
وعندما يتناول جلالته بالتفسير الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والاستشهاد بأقوال العلماء وأساطين المفسرين فإنه حفظه الله يبلغ بذلك الشأو البعيد تعينه على ذلك قريحة سمحة، وحافظة قوية وبصيرة نيرة وذوق سليم وخصوبة الفكر وعذوبة المنطق وحب التجديد والابتكار.
إن المستمع إلى الأحاديث الدينية الجامعة لجلالة الملك و خطبه يوقن أن الله قد أكرمنا بالاستماع إلى ملك عالم والتلمذة على عالم ملك ونتصور أن ابن رسول الله يشرح حديث رسول الله (ص)، ولا نملك إلا أن نقول: "والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم" فنكتسب همة ونزداد يقينا بشرف الدعوة إلى الله عز وجل والتبليغ عن رسول الله (ص)، ونلمس بأيدينا مواطن عزنا وأسباب مجدنا، ونصغي إلى تشخيص الداء ووصف الدواء من عالم ماهر، ونسترشد في فن الدعوة إلى الله إلى ما ينبغي أن يكون عليه الداعي، والأسلوب السهل الممتنع، والسجية الطاهرة والقلب التقي يملي على اللسان الفصيح، والعقل الذكي ينتظم القضايا بمقدماتها الصحيحة ونتائجها الصادقة.
يأخذ المعاني من نص الألفاظ، ويفيض في شرح المادة اللغوية ويبدع في النطق الصحيح السليم حتى لا تفوته شاذة ولا فاذة مما قد يخفى على كثيرين من أهل الفن فإذا جاء بمعنى جديد نسبه إلى نفسه حفظه الله بتواضع جم وأدب رفيع، يسأل نفسه ثم يجيب كأنه يطلع على ما يخطر ببال السامعين من شبهات فيلاحق الشبهة بالجواب السديد ثم يخطو إلى الناحية الايجابية.
(لا نريد أن نبني عملنا على محاربة البدعة، أريد أن نبني عملنا على توطيد السنة يقول جلالة الملك ويزيد قائلا مخاطبا العلماء أناشدكم الله دائما أن تحاربوا السلبي بالإيجابي، لأن السلبي يأتي وقت ينضب في الأنبوب، أما الإيجابي فإن منهله دائما معطاء ودائما موجود).
إلا فليهدأ بال الحياري – فإن الله قد أكرمنا بقائد ملهم ماهر ولتقر عين رسول الله (ص) في برزخه الشريف فإن من أحفاده ملكا عالما وحاكما عادلا ووراءه شعب يستجيب ويطيع يستمعون القول فيتبعونه أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب.
لقد عرفت بلادنا الكثير من اللقاءات والمؤتمرات التي احتضنتها بشوق وحرارة، أرض هذا البلد المسلم السني الطاهر الأمين، وعانقت بلادنا بلهفة لقاء الأخوة القادة الأشقاء بين أحضانها، وباركت أعمالهم وجهودهم. هذه الأرض التي يحفظ لها التاريخ في سجله المجيد الخالد في أعماق ما يحفظ روح الأخوة الإسلامية المتأصلة، والكفاح المجيد والانتصارات في ساحة الجهاد والعمل والبناء، والدور الفعال في نشر الإسلام.
إن القضايا التي التف حول دراستها قادة العرب والمسلمين وزعمائهم كعقد ثمين كان صاحب الجلالة تلك الجوهرة الغالية اللامعة التي تتوسطه، إذ بفضل حسن تصرفاته في تدليل العقبات، وتقريب وجهات النظر، وبفضل حنكته وحيويته ولباقته التي عرفها الجميع في شخص جلالته في العديد من اللقاءات التي يديرها، والتي طالما تولى رئاستها وبفضل جهوده العظيمة ومساعيه الحميدة للحفاظ على الصف العربي والإسلامي متراصا موحدا، والعمل على تسهيل المهمات أمام أي حل لمشاكل المسلمين ونصرة قضاياهم العادلة حيال ما يكتنف حقوقهم الإسلامية من انتهاكات وخروق واستفزازات، وما يتكالب عليهم من أطماع ومؤامرات تحقيقا للمبدأ الإسلامي الخالد إلا وهو السلم والسلام والأخوة والتعاطف والكرامة الإنسانية.
إنه بفضل هذه الخصال الحميدة العالية التي مكنت جلالته من تحمل الأمانة بشجاعة واقتدار، وبفضل ما حباه الله به من مزايا خلقية إسلامية يتحلى بها روحيا وعمليا، جعلته يحتل في قلوب الجميع تلك المكانة السامية من المحبة والإعجاب والتقدير، واستطاعت كلمته القيمة أن تنفذ إلى القلوب، فتتمكن منها لتنقاد إليه راضية مرضية، آمنة مطمئنة، مطيعة ملبية، وما تجديد الملوك والرؤساء بالإجماع رئاسة جلالته على رأس لجنة القدس، وانتخابه حفظه الله رئيسا لمؤتمر القمة العربي ورئيسا لمؤتمر القمة الإسلامي إلا اعترافا بما حققه جلالته من مكاسب لصالح القدس الشريف وكذا لصالح الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني البطل بل ولصالح شعوب الأمة العربية والإسلامية جمعاء.
وها هو ميثاق مؤتمر القمة الإسلامي الرابع المنعقد بالدار البيضاء الذي أكد اليوم كما أكد بالأمس المؤتمر الأول المنعقد بالرباط دوره الإيجابي الفعال وطلع علينا بنتائج إيجابية موفقة، ومن بينها ميثاق المصالحة والوفاق الذي سيكون اللينة الصلبة لإحلال السلام في كافة الأجواء الإسلامية، إن هذه النتائج الإيجابية الموفقة وتلك القرارات الحاسمة التي خرج بها رغم الظروف الدقيقة والخطيرة التي تمر بها الأمة الإسلامية ورغم التحديات التي تهدد مستقبلها وتسعى جاهدة لبت الخلافات بين أبنائها وتفريق صفوفهم ووحدتهم.
إن هذا النجاح الموفق المحقق ما هو في الحقيقة إلا بفضل الجهود المبذولة المتواصلة لعاهلنا الكريم، وبفضل مساعيه الدعاية إلى الوفاق والوئام، وتثبيت دعائم السلام، وهذا ما تدل عليه أعماله العظيمة وخطاه السديدة وخصاله الحميدة وما يشهد به له القريب والبعيد.
فبمناسبة طلعة هذا اليوم البهي الأغر، الذي أشرق علينا سلاما وأمانا وغمر قلوبنا فرحا واطمئنانا.
هذا اليوم الذي يتيه على الأيام بهجة وجمالا، ويفوقها تعظيما وإجلالا، إنه يوم أغر وعيد أطهر. ذكراه من أجل الذكريات الوطنية وأعز المناسبات القومية، تحمل في ثناياها روائع المعاني ونوادر الأماني إذ بالعرش نجاهد ونقاتل، ونكافح ونناضل، وندافع عن الوحدة الترابية وبه نعتز ونفتخر، ونسود وننتصر، ونظفر ونتحرر وبه نحقق أحلامنا وأمانينا، ونسير في ركب التحرر ظافرين، وبرباط الوحدة مستمسكين منتصرين، ولكل مظاهر النهضة والعمران بانين محققين.
لقد أنار قائدنا البلاد بمصابيح العلم والمعرفة حين أنشأ المؤسسات العلمية من مدارس وثانويات ومعاهد وكليات وجامعات يتخرج منها كل عام الأفواج تلو الأفواج وبذل من أجلها الغالي والنفيس ليجعل منها أطرا للبلاد ترتكز عليها نهضتها والعلمية.
إن المتتبع لحياة مغربنا السياسية والاجتماعية والملاحظ لنهضتنا المباركة وتقدمنا المستمر متيقنا أن حسن قيادة جلالته، ورجاحة عقله ورباطة جأشه، وقوة صموده وصدق طويته هي السر كل السر فيما نحققه من معجزات في شتى المناسبات، وما نتغلب عليه من صعاب ونتخطاه من عقبات، فقد حول الظلام نورا، والخوف أمنا واطمئنانا واليأس ثقة وأملا.
إنه الملك الملهم الذي تربع على عرش القلوب. كما تربع على عرش المغرب بالصدق والإخلاص والتضحية، فاستحق أن ينال رضاء ربه، وحب شعبه، واستحق أن يكون الزعيم الظافر، والقائد المسلم المنتصر، إذا دعا لبيت دعوته. وإذا خاطب عانق خطابه القلوب والوجدان قبل أن تتلقاه الأذان.
إن عرش جلالته نجم علوى يرف في سماء بلادنا سنا وسناء وقلوبنا أبدا به خافقات تراه ذخرا ونورا ورجاء فله منا ما امتد العمر وطالت السنين أكبر الحب والإخلاص والوفاء، وإن فرحتنا بحلول هذا العيد السعيد لا يمكن أن تعبر عنها كلمات أو صفحات لأنها قوية كقوة محبتنا لشخصه الكريم ثابتة كثبوت عرشه الماجد العظيم، فهو من سلالة الدوحة النبوية الشريفة، وقطب من أقطاب الدولة العلوية المنيفة فهو شعار حياتنا وعنوان سعادتنا، بعيده نحتفل، وبوجوده نستظل فهنيئا له وهنيئا لنا بهذا العيد السعيد وبحلول كل ذكرى وعيد.
وشعبنا حتى نضيف في عهده الزاهر أمجادا إلى أمجاد، ونعيش في ظله الوافر أعيادا في أعياد. ونكون بعون الله دوما في طليعة الشعوب التي لا تعرف سوى المسيرة إلى الأمام بحب فيه وطيد، وعزم بهمته شديدة.
تتوالى الليالي وتمر الشهور في موكب الزمن السريع، ليحل اليوم الجميل المرتقب، وكم نحن في اشتياق إليه، أشرق نوره على ربوع الوجود ورفرفت راياته البيضاء في أفق وطننا العزيز، فعمت الفرحة والبشرى في كل مكان. وتعاقبت القلوب والأبدان، وانشرحت الصدور وتبسمت الشفاه مهنئة مرحبة أهلا بالعيد السعيد، عيد العرش المجيد، أقدس عيد في الوطن وأغنية خالدة لا يفتر عن ذكرها لسان الزمن وما أجمل أن يشرق علينا هذا اليوم السعيد المتألق بالبهجة والحبور الساطع بالفرحة والسرور، الحافل بذكريات عظيمات متتاليات. يقبل علينا بعد انتظار طويل لمقدمه، وشوق عارم للقائه، يطل علينا بوجهه الوضاح الباسم، ونفحات محبته العميقة تعانق أرواحنا ووجداننا ممتزجة بنفحات قدسية اعترافا منا بما من الله به علينا من خير عميم وما حبانا به من فضل كريم، إذ جعل ولاية أمرنا، وقيادة سفينة حياتنا بيد ربان يقظ أمين، ورائد عظيم، ومفكر حكيم.
كلما حلت ذكرى عيد العرش المجيدة، تدفق في شرايين الأمة دم جديد، يوحي بالعزم الصادق، والإرادة الصلبة للسباق في مرحلة أخرى من مراحل البناء والتشييد، ويحرك عربة تاريخنا المجيد صوب الازدهار والتطور والنماء.
كلما حلت ذكرى عيد العرش العظيمة، سطع في ربوع الوطن كوكب جديد يضيء النفوس بالأمل ويبعث الطمأنينة ببسمته، ويوحي بالبشر والسعادة في طلعته، فنستجمع قوانا وكلنا ثقة وعزم وإيمان وحزم واستمرار وتحدي لتدليل الصعاب، وتحقيق المستحيل.
كلما حلت ذكرى عيد العرش الخالدة، ذكرى جلوس مولانا أمير المؤمنين على عرش أسلافه المنعمين حل معها وعي بمرحلة جديدة من مراحل كفاحنا المستمر تحت قيادة زعيمة شابة متوقدة، قيادة جلالة الحسن الثاني العظيم، رائدنا المظفر، ورمز الفتوة والشباب الدائم والطموح والبناء والعزة لهذا الوطن.
كلما حلت ذكرى عيد العرش المجيدة، توحي بشكلها ومضمونها بلفظها ومفهومها، إن جلالة الحسن الثاني رمز للفتوة والشباب، وإن الشباب ليس مرحلة من مراحل العمر تتوالى وتدير كلما قطع الإنسان أشواطا بعيدة في حياته وتقدم به ركب الزمان ليصبح عاجزا متقاعسا ولكن الشباب هو ذلك الطموح الدائم، والعزيمة الصلبة التي لا تلين والحماس المتقد ي النفس والفكر لبلوغ أسمى الغايات وتحقيق أبعد الأهداف والمنجزات.
إن جلالة الحسن الثاني وهو يحيي هذه السنة احتفالات عيد العرش المجيد بالأقاليم المسترجعة ليذكرنا بالحدث التاريخي الأعظم الذي سجله تاريخ أمتنا المجيدة بمداد الفخر والاعتزاز، الحدث الذي سيبقى مجددا على مدى الأزمان حدث المسيرة الخضراء المظفرة مسيرة فتح التي كان لها القرآن سلاحا ونصرا مبينا بفضل قيادة رائدنا الرشيدة وخطته السديدة وتدبيره المحكم، وإيمانه الصادق.
وما اختيار جلالة الحسن الثاني العظيم إقليم العيون ليشهد احتفالات الشعب بذكرى عيد العرش المجيد إلا تدعيما للمسيرة الظافرة ومكرمة أخرى من مكارم جلالته الخالدة الجليلة وسنة حميدة جديدة طلع بها علينا في هذه المناسبة الغالية، وما هذه السنن الحميدة التي سنها جلالته، وما هذه الطرق السليمة التي نهجها، وما هذه الأهداف الدينية السامية التي دعى إليها، إلا إيمانا من جلالته حفظه الله بأن الله سبحانه وتعالى بنصر من ينصره، إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم، ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى محقق لأماله، وجاعل نصره حليفه في حله وترحاله.
إن مجد البلاد في مجد جلالته، وعزها في عزه، ورفاهيتها في رفاهيته وسعادته، فإن كان الوطن جسدا فهو روحه، وإن كان عمرا فهو شبابه.
هنيئا لمولانا بهذا العيد السعيد، وأدام الله هلال كل عيد، تحفظه عناية الله، وتحرسه رعايته ليبقى ذخرا لأمته الوفية، يصون أمجادها ويرعى نهضتها، ويقود خطواتها في سبيل التطور والازدهار وأعانه الله على المضي في مسيرته الموفقة، وأبقى شجرته العلوية وارفة الظلال، وسلسلته الذهبية موصولة الحلقات عبر القرون والأجيال، وجعل قرة عينه في نجله الأمير الأمجد سيدي محمد و صنوه المحبوب مولاي رشيد الأرشد، وبكافة الأنجال الأمراء الكرام دام عزهم وعلاهم اللهم احفظ العرش العلوي المجيد هذا العرش الذي جمع به الله شمل شعب وصان به كيان دولة وحفظ به دينة أمة، هذا العرش الذي ذكر التاريخ في المغرب فهو الذي سطر روائعه وملاحمه بأحرف ذهبية ناصعة، وإذا ذكرت الديموقراطية في المغرب فهو الذي أرس دعائمها على أسس متينة ثابتة، وإذا ذكرت الوطنية في المغرب فهو الذي حمل لوائها ومشعلها.
اللهم احفظ الآصرة بين الملك والشعب، واجعلها اللهم قوية لا تنحل ولا تنفصل، اللهم اجعل أمتنا متمسكة بكتابك المبين و سنة رسولك ونبيك الأمين، وثبت الإيمان في قلوبنا وقلوب المسلمين ولا تحرمنا جميعا من فضل الخشية ونعمة التقوى.
اللهم احفظ ديننا الذي هو حصننا الحصين وملاذنا الركين ومكن في قلوبنا الاستمساك بكتاب الله العزيز وسنة نبيه، فما ضل من استمسك بهما ولا تاه من استنار نبورها وسار على هديهما.
(ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا والآخرة، لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم).
صدق الله العظيم

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here